القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

الشهر التاسع كامله بقلم رومانى مكرم





الشهر التاسع كامله بقلم رومانى مكرم


انا متجوزه من سنة وحامل فى الشهر التاسع اتفاجئت بجوزي بيقولي وانتى بتولدي اطلبي من الدكتور يعملك يعملك عملية ربط فسالته ليه انا لسه صغير وهخلف تانى قالى وانا مش هخلف تانى وانا حر قولتله حاضر نعمل وسيله او اخد حبوب اما ربط لا طبعا قالى انا راجل البيت وكلمتى تمشى قولتله تمشى على اى حاجه الا احشائى



كان الصمت في الصالة أثقل من أن يُحتمل. صوت قطرات المطر التي تصطدم بزجاج النافذة كان الإيقاع الوحيد الذي يقطع ذلك السكون المشحون. جلست مريم على طرف الأريكة، تضع يدها ببطء على بطنها المنتفخة، تشعر بحركات طفلها الأول وهي تبحث عن أمل أو نظرة حنان في عيني زوجها.


كانت قد تزوجت من “حسام” منذ عام واحد فقط. عامٌ مرّ بأحداثه وسرعته، وكانت تظن أن قدوم مولودهما البكر سيكون بداية الفصل الأكثر دفئاً وسعادة في حياتهما. كانت تسير في الشهر التاسع، وتحسب الأيام والساعات حتى تحضن طفلها، لكن الجلسة الهادئة التي بدأت بتدريب على تحضير حقيبة المستشفى انحرفت فجأة نحو هاوية غير متوقعة.


وضع حسام فنجان القهوة على الطاولة بجفاء، ونظر إليها بنظرة باردة لم تعتدها منه، وقال بنبرة حاسمة خالية من أي توتر:


* “صحيح يا مريم.. وأنتِ بتولدي، اطلبي من الدكتور يعملك عملية ربط.”


توقفت مريم عن الحركة. ظنت للوهلة الأولى أنها لم تفهم أو أن تعب الحمل جعلها تتخيل الكلمات. رمشت بعينيها عدة مرات ثم ابتسمت بارتباك:


* “ربط؟ ربط إيه يا حسام؟ أنت بتقول إيه؟”


ردّ دون أن يطرف له جفن:



* “ربط أنابيب.. عشان متخلَفيش تاني.”


نزلت الكلمات على قلبها كالصاعقة. شعرت برغبة في الصراخ أو الضحك من هول المفاجأة، لكنها تمالكت نفسها وقالت بنبرة مرتجفة يحركها الذهول:


* “بس أنا لسه صغيرة يا حسام! ده أول طفل لينا، وأنا من حقي يكون عندي أطفال تانيين.. ليه نعمل حاجة دائمة زي دي؟”


اعتدل حسام في جلسته، ومال بجسده نحوها، وعيناه تتألقان بإصرار غريب وبارد:


* “وأنا مش هخلف تاني.. وأنا حر، دي حياتي وده قراري.”


تجمعت الدموع في عيني مريم، لكن شعوراً بالكرامة والرفض بدأ يشتعل في أعماقها. حاولت أن تبدو عقلانية، أن تجد حلاً وسطاً، فقالت بلهجة رجاء متماسك:


* “حسام، بلاش نتسرع.. حاضر، نعمل وسيلة منع حمل، أخد حبوب، نركب لولب.. أي حاجة ممكن نغيرها بعدين، أما ربط لا طبعاً! ده قرار ملهوش رجعة!”


وقَف حسام فجأة، يلقي بظله الطويل عليها، وازدادت ملامحه قسوة وصرامة، وقال بنبرة لا تقبل النقاش:


* “أنا راجل البيت.. وكلمتي هي اللي تمشي، واللي أقوله يتنفذ من غير كثرة كلام.”


في تلك اللحظة، اختفت شوائب الخوف والضعف من قلب مريم. رفعت رأسها ونظرت في عينيه مباشرة، وقامت متكئة على ذراع الأريكة، وقالت بنبرة قاطعة هزت جدران الغرفة:


* “تمشي على أي حاجة في حياتنا.. تمشي على بيتنا، على مصاريفنا، على أي قرار مشترك.. إلا أحشائي وجسمي يا حسام! دي حاجة ملكي أنا ومش من حق أي إنسان يقرر فيها عني.”


تركها حسام وانصرف إلى الغرفة المجاورة وأغلق الباب بقوة. مرت الليالي القليلة التالية كأنها كابوس ملغوم. كان الجفاء هو السيد، والحديث بينهما يقتصر على كلمة أو كلمتين عند الضرورة القصوى. مريم لم تكن تعلم أن خلف هذا الإصرار سرّاً غامضاً لا تفهمه؛ لماذا يصر رجل في بداية حياته الزوجية على أن يكتفي بطفل واحد وبهذه الطريقة القاسية؟ هل هناك شيء يخفيه؟ هل هناك حسابات أُخرى لا تعلم عنها شيئاً؟



في مساء اليوم التالي، شعرت مريم بآلام مخاض خفيفة بدأت تتزايد بالتدريج. كانت تعلم أن الساعات المقبلة هي ساعات الولادة. طرقت باب الغرفة وأخبرت حسام بالآلام، فقام بسرعة وحمل حقيبة المستشفى وأوصلها إلى السيارة.


وصلت السيارة إلى المستشفى الاستثماري الكبير الذي كان حسام قد اختاره بنفسه وسدد تكاليفه بالكامل مسبقاً، وهو أمر كان قد أثار استغرابها وقتها، إذ أصر على طبيبة معينة وعلى جناح خاص في أقصى الممر.


تم إدخال مريم إلى غرفة التجهيز للولادة. كانت الآلام تشتد، والجهد الإرهاقي ينال منها، لكن عقلك كان مشتغلاً بالخوف مما يسعى إليه حسام. استغلت خروج الممرضة لثوانٍ، وقررت أن تخرج لتبحث عن الطبيبة وتؤكد عليها برفشها التام لأي إجراء طبي غير الولادة.


خرجت مريم تتكئ على الجدار، تمشي بخطوات ثقيلة ومؤلمة في الممر الهادئ الخالي تقريباً من الحركة. وعندما اقتربت من مكتب الطبيبة المظلم قليلاً، سمعت صوت حركة بالداخل.


#الكاتب_رومانى_مكرم_


كان الباب موارباً بضع سنتيمترات. أوشكت على الدفع والدخول، لكنها توقفت في مكانها كالمصنومة عندما سمعت صوت حسام المنخفض، الصارم والواثق، وهو يتحدث مع الطبيبة في العتمة:


* “يا دكتورة أنا دفعتلك كل اللي طلبتيه وزيادة.. زي ما اتفقنا، أول ما تفتح القيصري وتطلع الولد، تعملي الربط فوراً وتكتبي في التقرير إن كان في ضرورة طبية ملحة لإنقاذ حياتها، مش عايزها تعرف أي حاجة ولا تشك في حاجة أبداً..”


وقفت مريم خلف الباب الموارب، تتسع حدقتاها مع كل كلمة تفوه بها حسام. بدا الصوت الدافيء الذي ألفته لعام كامل كأنه غريب عنها، مجرد قناع سقط ليحله صوت غريب، بارد، ومحسوب بدقة شيطانية. شعرت ببرودة تسري في أطرافها تجمدت معها الدماء، واختفى ألم المخاض لثوانٍ معدودة تحت وطأة الصدمة. كانت يدها المستندة على الجدار ترتجف بشدة، بينما استمر صوت الطبيبة بالداخل، متوتراً ومتردداً:



* “بس يا أستاذ حسام.. دي أمانة طبية، والعملية دي بدون موافقة صريحة ومكتوبة من المريضة نفسها تمثل جريمة ممكن تخسرني مهنتي! غير إنها لسه صغيرة، والتزوير في التقرير الطبي مش بالسهولة دي لو هي شكت وفتحت تحقيق..”


قاطعها حسام بنبرة حاسمة، وصوت حفيف أوراق نقود أو شيك يُسحب بصرامة:


* “محدش هيحقق ولا يشك.. مريم بتثق في كلام الدكاترة أعمى، ولما تقرأ إن كان فيه خطورة على حياتها وأن الرحم كان معرض للانفجار، هتبكي وتشكري إنك أنقذت حياتها. المبلغ اللي على الطاولة ده ضعف أجر العملية مرتين، والنص التاني هيوصلك أول ما أستلم التقرير المزيف بالحالة. أظن الاتفاق كان واضح من الأول، ومش حابب أسمع تردد دلوقتي.”


ساد الصمت لثخانات من الثواني، صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت أنفاس مريم المتلاحقة وهي تحاول ألا يصدر عنها أي صوت. ثم جاء صوت الطبيبة خافتاً، مسلوب الإرادة تحت بريق المال:


* “تمام.. ادخل أنت الاستراحة، وأنا هجهز غرفة العمليات.”


انسحبت مريم إلى الخلف بخطوات هادئة ومبتعدة بساقين تخوران كأنهم قُدا من زجاج. كانت دواخلها تغلي بمزيج حارق من الغضب، الخيانة، والرعب. لم يكن الأمر مجرد رغبة من حسام في عدم الإنجاب، بل كان مؤامرة دنيئة تُحاك ضد جسدها وحقها في الأمومة بدم بارد، وتواطؤ من أطباء باعوا ضمائرهم.


عادت إلى غرفة التجهيز قبل أن تلمحها الطبيبة أو الممرضات. جلست على طرف السرير الإستثماري الفاخر، تلهث والدموع تنهمر على خدها كالشلال، لكنها لم تكن دموع ضعف، بل كانت دموع الغضب المفاجئ الذي يستنهض أقصى درجات حذر الإنسان دفاعاً عن حياته. تساءلت في سرها: “ليه؟ ليه بيعمل كل ده؟ إيه السر المظلم اللي يخليه يشتري صمت دكتورة ويزور تقرير عشان يقطع عقبي لل أبد؟”



تذكرت في تلك اللحظة السريعة شقيقته التي زارتهم منذ أسبوعين، والتلميحات الغريبة التي كانت تسقط منها حول ثروة العائلة وعقد القران القديم، وشروط والده المتوفى في الوصية التي لم تعرها مريم اهتماماً وقتها. هل للأمر علاقة بالمال؟ أم أن حسام يخفي مرضاً وراثياً؟ أم أن هناك امرأة أخرى في حياته يخطط لبدء حياة جديدة معها بعد أن يضمن عدم قدرة مريم على ربطه بأطفال آخرين؟


لم يكن هناك وقت للتحليل؛ صوت أقدام الممرضة والطبيبة كان يقترب من الباب. مسحت مريم دموعها بسرعة، واستجمعت كل ما تبقي لديها من قوة، وأغمضت عينيها متظاهرة بالألم الشديد نتيجة تقلصات الولادة.


فتحت الطبيبة الباب، وبجانبها الممرضة تحمل حقنة التخدير الموضعي أو المهدئ. أطلقت الطبيبة ابتسامة مزيفة تتصنع الرحمة والتفهم:


* “إزيك يا مريم؟ معلش الألم شديد، بس خلاص، جهزنا غرفة العمليات وهندخل نعمل قيصرية فوراً عشان نطمن على البيبي وعليكي.”


نظرت مريم في عيني الطبيبة مباشرة، بجمود أربك الأخيرة لثوانٍ، وقالت بصوت متهدج ولكن نبرته ثابته:


* “دكتورة.. أنا عايزه أغير المستشفى. أنا مش مرتاحة هنا.”


ارتبكت الطبيبة وتراجعت خطوة للوراء، بينما تقدمت الممرضة تحاول إمساك يد مريم:


* “تغيري المستشفى إزاي بس يا مدام؟ أنتِ في حالة مخاض، والولد رأس نزلت، أي حركة دلوقتي خطر عليكي وعلى الجنين!”


تدخلت الطبيبة بسرعة محاولة تدارك المواقف:


* “مريم يا حبيبتي، ده توتر الطبيعي بتاع قبل الولادة.. جوزك حسام محضر كل حاجة، والأوضة مجهزة بأحدث الأجهزة، متقلقيش خالص، أنا جنبك وهنهي كل حاجة في نص ساعة.”



في تلك اللحظة، دخل حسام الغرفة بابتسامة متكلفة، لكن عينيه كانتا ترصدان التفاصيل بذكاء حاد. شعر بأن هناك شيئاً غير طبيعي في الهواء. اقترب من السرير وضع يده على كتف مريم بحنان مزيف وقال:


* “اهدائي يا مريم.. كل حاجة تحت السيطرة، الدكتورة شاطرة جداً وأنا واقف بره مستني أسمع صوت ابننا.”


نفضت مريم يده عن كتفها بقوة وجلست باعتدال رغم الألم الحاد الذي يعصر أحشاءها. نظرت إليه بنظرة نارية جعلت حسام يتراجع خطوة متفاجئاً.


* “شيل إيدك عني يا حسام.. أنا مش هولد هنا، ومش هتدخل غرفة العمليات دي بالذات!”


تغيرت ملامح حسام للقصوة، وغابت الابتسامة المزيفة لتظهر الشخصية المستبدة التي رأتها في الصالة منذ أيام:


* “أنتِ اتجننتِ؟ يعني إيه مش هتولدي هنا؟ الحساب مدفوع، والدكتورة جهزت كل حاجة، أنتِ فاكرة الولادة لعبة؟ يلا يا دكتورة جهزوها بسرعة مفيش وقت للفرعة دي!”


أومأت الطبيبة للممرضة لتبدأ في تجهيز المحاليل، لكن مريم صرخت بأعلى صوتها، صوت هز أرجاء الممر الهادئ:


* “أنا اتقال لي بره في الممر كل حاجة! سمعتك يا حسام وأنت بتتفق مع الدكتورة تبيعوا ضميركم وتعملوا لي ربط رغماً عني وتزوروا تقرير طبي! لو حد قرب مني دلوقتي هصرخ وألم المستشفى كلها وهطلب البوليس فوراً بتهمة الشروع في إحداث عاهة مستديمة والتزوير!”


ساد الذهول الغرفة. شحب وجه الطبيبة تماماً وتراجعت للخلف وكأنها تلقت صفعة، متلعثمة:


* “يا مدام.. أنتِ فاهمة غلط.. ده كلام..”


بينما تحول وجه حسام إلى اللون الأحمر القاني، واشتعلت عيناه بظلم جحيمي. أدرك أن مخططه الخبيث قد انكسر على عتبة الباب، وأن مريم عرفت كل شيء. اقترب منها بتهديد واضطراب، وأمسك بمعصمها بقوة وقسوة شديدة:



* “أنتِ نهيتِ كل حاجة بعضك ده.. اطلعي قدامي على العربية! مفيش ولادة هنا ولا في غيره لحد ما تعقلي!”


صرخت مريم من شدة الم قبضته ومغص الولادة المتزايد:


* “سيب إيدي يا مجرم! يا ناس.. الحقوني!”


دخل إداري المستشفى وبعض أفراد الأمن على أثر الصراخ، وساد الهرج والحديث الحاد. استغلت مريم حالة الارتباك، وسحبت هاتفها المحمول من حقيبتها الملقاة على الطاولة بخفة، واتصلت برقم شقيقها الأكبر “محمود”، الرجل الصارم الذي كان دائماً مصدر أمانها.


بصوت يختنق بالبكاء والألم صرخت في الهاتف:


* “الحقني يا محمود! حسام جايبني مستشفى (….) ومتفق مع الدكتورة يقطعوا عقبي ويخدروني من غير أذني! تعالالي بسرعة أنا في خطر!”


سمع حسام المكالمة، فحاول سحب الهاتف منها، لكن الأمن تدرب للتدخل لمنع أي اعتداء جسدي داخل أروقة المستشفى، خصوصاً بعد أن بدأت الممرضات والأطباء الآخرون يتجمعون متسائلين عما يحدث. الطبيبة المتواطئة انسحبت بجبن إلى مكتبها وأغلقت الباب على نفسها، خائفة من فضيحة قد تنهي مسيرتها المهنية.


قال حسام وهو يحاول السيطرة على أعصابه أمام الناس والجمهور المتجمع:


* “يا جماعة دي مراتي وفي حالة هستيريا من ألم الولادة وبتتخيل حاجات مش حقيقية!”


ردت مريم وهي تتكئ على أحد رجال الأمن، والدموع تحرق وجهها، لكن نبرتها كانت واضحة كالسيف:


* “أنا بكامل عقلي! والست الدكتورة اللي جوه واخدة عربون عشان تزور تقرير طبي وتقول إن كان فيه خطر على حياتي! لو راجل صح خليهم يتصلوا بمدير المستشفى يفتشوا مكتبها دلوقتي!”


ارتبك حسام، وشعر أن الفخ الذي نصبه لمريم قد أطبق على رقبته هو. كان يعلم أن شقيقها محمود رجل لا يرحم، وأنه في طريقه إليه الآن رفقة رجال العائلة. أدرك حسام أن البقاء في هذا المكان يعني مواجهة مفتوحة لن يستطيع التملص منها، خصوصاً مع وجود تسجيلات كاميرات المراقبة في الممرات التي قد تدينه وهو يقف أمام مكتب الطبيبة في العتمة.



نظر إلى مريم بنظرة تتطاير منها شرارات الانتقام والوعيد، وقال بصوت خافت لا يصله أحد غيرها:


* “فاكرة إنك كده كسبتِ؟ وحياة ابني اللي في بطنك ده، للخليكي تندمي على اليوم اللي اتولدتي فيه.. والطفل ده مش هتشوفيه ولا هتربيه إذا كان بكتفي بيه بالسيف!”


استدار حسام بغلّ، وغادر المستشفى بسرعة قبل وصول عائلتها، تاركاً خلفه دوياً من الشكوك والفضائح.


بعد أقل من عشرين دقيقة، اقتحم محمود شقيق مريم المستشفى كالإعصار، ومعه اثنان من أقاربهم. وجدوا مريم مستلقية على الكرسي متحرك في الاستقبال، تعاني من آلام مخاض متقدمة ووجهها شاحب كالموت.


احتضنها محمود بلهفة وهو يرتجف خوفاً عليها:


* “مريم! إيه اللي حصل؟ فين حسام الندل ده؟”


بكت مريم في أحضان أخيها وهي تمسك بيده بكل ما تبقى لها من قوة:


* “خدني من هنا يا محمود.. خدني أي مستشفى حكومي أو مكان أمين.. حسام كان عايز يدمر حياتي ويحرمكم مني ومن عيالي لل أبد!”



لم يضيع محمود ثانية واحدة. نقلوا مريم فوراً بسيارة إسعاف خاصة إلى مستشفى تعليمي كبير تحت إشراف أطباء موثوقين من معارف العائلة. هناك، أدخلت مريم فوراً إلى غرفة العمليات لإجراء جراحة قيصرية عاجلة، بعد أن وصلت حالة المخاض إلى مرحلة حتيمة.


خارج غرفة العمليات، كان محمود يجوب الممر يميناً ويساراً كالعاصفة، يديه تتشتتان غضباً، محاولاً الاتصال بحسام الذي أغلق هاتفه تماماً وتوارى عن الأنظار. كانت هناك أسئلة حارقة تدور في ذهن الجميع: لماذا يفعل حسام ذلك؟ ما السر الرهيب الذي يدفعه للتضحية بزوجه وطفله القادم بهذه الطريقة الإجرامية؟



بعد ساعة ونصف من الانتظار القاتل، خرج الطبيب الجراح وهو يبتسم ابتسامة متعبة ومهدئة:


* “مبروك يا جماعة.. مريم قامت بالسلامة، وجابت ولد زي الفل.. صحته ممتازة ووزنه طبيعي.”


تنفس محمود الصعداء، وتساقطت دموع الإغاثة من عينيه. دخل ليرى أخته في غرفة الإفاقة. كانت مريم تتفتح عينيها ببطء، وتنظر حولها بضبابية، حتى وقعت عينها على الطفل الصغير الملتف بدثار أبيض بجانبها.


ابتسمت ابتسامة باهتة مليئة بالألم، وحملت طفلها الرضيع، وضعت وجهها الصغير على صدرها، وشعرت لأول مرة منذ أيام بأمان دافئ. لكن هذا الأمان لم يدُم سوى دقائق معدودة.


فجأة، دخل أحد رجال الشرطة برفقة طبيب المستشفى المقيم، وتقدم نحو سرير مريم بعد أن استأذن محمود.


نظر الضابط إلى مريم بأسف وقال:


* “حمد الله على السلامة يا مدام مريم.. للأسف الشديد إحنا جايين بناءً على بلاغ رسمي أتقدم من ساعة واحدة في القسم.”


فزع محمود ووقف حائلاً بين الضابط وسرير أخته:


* “بلاغ إيه يا فندم؟ أختي لسه طالعة من عمليات ولادة قيصرية!”


أخرج الضابط ورقة رسمية وقرأ ما فيها بصوت هادئ ولكن ثقيل كالجبل:


* “الأستاذ حسام تقدم ببلاغ يتهم فيه الزوجة مريم بإسقاط وتدليس أنساب، وادعى فيه إن الطفل ده مش ابنه، وإن عنده تقارير طبية مثبتة من سنتين بإن يعاني من عقم دائم ويستحيل عليه الإنجاب، ويثبت بالتقارير إنها كانت بتخدعه طوال فترة الحمل!”


سقطت الكلمات كالقنبلة داخل الغرفة. شهقت مريم وانقبض قلبها وهي تنظر إلى طفلها الرضيع، ثم إلى شقيقها الذي وقف مصدوماً لا يستوعب ما يسمعه.


تكشفت الحقيقة المرعبة أخيراً: لم يكن حسام يريد مجرد ربط أنابيب، بل كان يخطط لقطع الطريق على وجود أي أطفال آخرين حتى يسهل عليه طردها ووصمها بفي أبشع تهمة، والتخلص منها دون أن تدفع العائلة بباطله! لقد كان يعدّ لهذا الكابوس منذ أشهر طويلة، والربط كان الخطوة الأخيرة ليضمن عدم إنجابها مجدداً حتى لا ترفع قضية إثبات نسب مستقبلاً، وليجبرها على السكوت تحت تهديد الشرف!



نظر محمود إلى مريم بعينين تتساءلان في ذهول، بينما صرخت مريم بدموع حارقة وهستيرية وهي تحتضن طفلها الصغير بقوة:


* “والله كذاب! ده ابنه وحقه! ده مجرم وبيتبلى عليا عشان يهرب من الفعلة اللي كان هيعملها فيا!”


اقترب الضابط وقال بصرامة:


* “التحقيقات هي اللي هتثبت كل حاجة يا مدام.. ومطلوب منك ومن الطفل النزول لمعمل الطب الشرعي لإجراء تحليل الـ DNA بناءً على قرار النيابة.”


هنا، أدركت مريم أن حربها مع حسام لم تكن مجرد خلاف على وسيلة منع حمل، بل كانت بداية لمعركة شرسة تمس شرفها، أمومتها، ومستقبل طفلها الرضيع الذي لم يهنأ بساعة واحدة في هذا العالم.



الشهر التاسع ٢

رومانى مكرم


ساد الذهول والتوجس أرجاء غرفة الإفاقة. كان هواء الغرفة محملاً برائحة المعقمات الصديقة للمستشفيات، لكنه بالنسبة لمريم صار أثقل من القطران. غطت وجهها بكفيها المرتجفين، بينما اقتحمت نوبة من البكاء الصامت أحشاءها المجهدة من جرح القيصرية. لم يكن الجرح في جسدها سوى وخزة بسيطة مقارنة بتلك السكينة الغادرة التي غرسها حسام في شرفها وأمومتها.


اقترب محمود من الضابط بملامح حادة كالسيف، ووجه يغلي بالدم المغلي، متحدثاً بنبرة هادئة لكنها تتفجر بالوعيد:


* “حضرتك بتقول إيه؟ أختي مريم أشرف من الشرف نفسه! حسام ده نذل ومجرم، وكان محضر اللعبة دي من بدري لما فشل إنه يعطل رحَمها ويربط أمعاءها في المستشفى التاني! التقرير اللي معاه ده مزور زي ما كان هيزور تقرير الولادة بالظبط!”


رد الضابط ببرود مهني وهو يضع أوراقه في المجلد الأسود:


* “يا أستاذ محمود، أنا مش جاجي أحكم أو أتهم.. أنا بصلّغك بأمر النيابة. الزوج قدم بلاغ رسمي ومعاه تقرير طبي صادر من مركز عقم معروف، وبيطالب بعدم إثبات نسب الطفل له. القاضي أصر على التحفظ على الأوراق ورصد حالة الأم والجنين، والمحضر هينعرض على النيابة الصبح.. طبعاً مراعاة لحالتها الصحية، الأطباء أفادوا إنها محتاجة 44 ساعة رعاية قبل التحرك للطب الشرعي.”


انسحب الضابط برفقة أمين الشرطة، ليترك الغرفة تغرق في دوامة من التساؤلات المرعبة. التفت محمود نحو مريم، وكانت عيناه تتفحصان ملامحها للوهلة الأولى بنوع من الحيرة القاتلة.. حيرة سريعة تداركها فوراً عندما رأى الانهيار الصادق في عيني أخته، لكن تلك اللحظة القليلة من الشك كانت كافية لتذبح مريم من الوريد إلى الوريد.


توسلت مريم وهي تشد على يد شقيقها بكل ما أوتيت من قوة:



* “محمود.. أنت شاكك فيا؟ والله العظيم ده ابنه! أنا عمري ما دخلت حد بيته ولا شفت راجل غيره! حسام بيعمل كده عشان يحرق قلبي، وعشان يغطي على الجريمة اللي كنت هقفشها عليه في المستشفى الاستثماري! الحقني يا محمود.. ده عايز ياخد مني شرفي وابني في يوم واحد!”


انحنى محمود وقبل رأسها بدموع حارقة، وشد على يدها:


* “وحق لبن أمك اللي رضعناه، ما تشكي لحظة إني أفرط فيكي ولا أصدق الندل ده! الطفل ده ابن اختي وابن حسام، وحقك هجيبه من نفوخه.. بس لازم نفهم السر، ليه بيلعب اللعبة الخبيثة دي؟ ليه يرمي شرفه في الطين بنفسه؟”


في تلك الأثناء، وفي شقة فاخرة في حي راقٍ، كان حسام يجلس خلف مكتبه الخشبي العتيق، يدخن سيجارته ببطء شديد، وعيناه متسمرتان على خزينة حديدية مفتوحة أمامه. كان يتصفح أوراقاً صفراء قديمة؛ إنها وصية والده المتوفى منذ ثلاثة أعوام.


لم يكن سر حسام مرضاً ولا امرأة أخرى.. بل كان الشَرط المظلم الذي وضعه والده في الوصية: “تؤول جميع العقارات والشركات وأسهم البنوك للابن حسام، بشرط أن ينجب ولداً ذكراً يحمل اسم العائلة قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره، وفي حال عدم إنجابه ذكراً أو عدم قدرته على الإنجاب، تتوزع نصف الثروة على الجمعيات الخيرية والنصف الآخر يذهب لأعمامه وأولادهم.”


كان حسام يدرك سرّه الخفي الذي خفاه عن الجميع حتى عن مريم: هو بالفعل كان يعلم قبل زواجه بضعف شديد في عيّناته يجعل نسبة الإنجاب شبه مستحيلة، وكان قد أجرى جراحة سرية في الخارج للتعافي، لكنها نجحت بنسبة ضئيلة جداً. عندما حملت مريم بالولد، استشاط حسام خوفاً وشكاً في البداية، ولكنه عندما تأكد طبياً أن المولود ابنه بالفعل وأن الجراحة القديمة أثمرت، أدرك أنه حقق شرط الوصية وضمِن الثروة التي تقدر بعشرات الملايين.



لكن لماذا أرد الربط؟ ولماذا اتهام النسب الآن؟


لأن حسام، بجشعه الشيطاني، اكتشف ثغرة قانونية جديدة! لو أثبت أن هذا الطفل هو ولده الوحيد، ثم أجرى لمريم عملية الربط، لضمن ألا تزاحمه أي ذرية أخرى مستقبلاً في تقسيم باقي ممتلكاته الشخصية، ولأصبح الطفل هو الوارث الوحيد له دون منازع! أما عندما أفشلت مريم خطة الربط وكشفت مؤامرته في المستشفى، أدرك أن كبرياءها وقوتها ستدفعهما للطلاق فوراً، وحينها ستطالبه بنفقة خيالية، مؤخر صداق، وشقة الزوجية، وستشاركه في إدارة ثروة الطفل بصفتها وصية عليه!


لذا، قرر حسام أن ينفذ “الخطة البديلة”: ضرب سمعة مريم، إقامة دعوى نفي نسب لتجريدها من أي حقوق مالية، واستخدام التقرير الطبي القديم (الذي استخرجه قبل جراحه الناجحة) للضغط عليها للتنازل عن كل شيء.. عن المؤخر، والشقة، والنفقة، وحتى الحضانه، مقابل أن يسحب البلاغ ولا يلوث سمعتها أمام المحاكم! كان يراهن على خجل مجتمعي وانهيار امرأة خائفة في نفاسها.


مرت الـ 48 ساعة على مريم كأنها دهر من العذاب. كانت ترفض النوم، وتجلس في سريرها تحتضن طفلها الصغير الذي أطلقت عليه اسم “ياسين”. كان محمود قد أجرى اتصالاته بأكبر المحامين، واستدعى طبيباً استشارياً ليطلع على الحالة الشاملة.


في صباح اليوم الثالث، تم نقل مريم في سيارة إسعاف مجهزة إلى مصلحة الطب الشرعي بوسط القاهرة، برفقة محمود ورجال الشرطة. كانت مريم ترتدي عباءة سوداء، وجهها كالإصبع المكسور شحوباً، لكن عينيها كانتا تشعان ببريق غريب.. بريق الأم التي تحارب من أجل بقاء طفلها وكرامتها.


عند وصولهم إلى مبنى الطب الشرعي، كانت المفاجأة الصارخة بانتظارهم.


كان حسام يقف عند مدخل المبنى، برفقة محاميه الشهير، يرتدي بدلة أنيقة، ويبدو عليه الهدوء والصلابة. عندما رأى مريم تتكئ على شقيقها وتحمل ياسين، تقدم بخطوات بطيئة، وابتسامة ساخرة تعلو شفتيه.



وقف حسام أمام محمود ومريم، وقال بصوت منخفض ومسموم:


* “منورة يا مريم.. مكنتش أتمنى أشوفك في المكان ده، بس أنتِ اللي اخترتِ الطريق الصعب. لو كنتِ سمعتِ الكلام في المستشفى الأولاني ووافقتِ على الربط وسترنا على بعض، مكنش زماننا وافقين قدام الطب الشرعي والناس بتتفرج علينا.”


قفل محمود قبضته وكان على وشك أن يهوي بها على وجه حسام، لكن مريم وضعت يدها المرتجفة على ذراع أخيها لمنعه. نظرت مريم في عيني حسام مباشرة، وقالت بنبرة قطعت كل خطوط الراجعة:


* “أنت فاكر إنك بتهددني بالقرف ده يا حسام؟ أنت فاكر إني هخاف على سمعتي وأجي أترجاك تتنازل؟ أنا جاية هنا برجلي وأنا مرفوعة الرأس، عشان أنا عارفة شرفي كويس.. بس أنت اللي مش هتعرف تداري سواد قلبك لما النتيجة تطلع.”


اقترب محامي حسام وقال بلؤم:


* “يا مدام مريم، الأستاذ حسام راجل رحيم، وممكن نتنازل عن المحضر حالاً ونحل الموضوع ودي.. تنازلي عن مؤخرك وعن شقة الزوجية ونسقّط الحقوق، وهو يسحب القشية وتعيشي مع ابنك هادية بعيد عن المحاكم والفضايح.”


هنا وضحت اللعبة بالكامل لمريم ولمحمود! ضحكت مريم ضحكة أليمة، مليئة بالحسرة والاشمئزاز:


* “آه.. قولوا كده بقى! اللعبة كلها عشان الفلوس والبيت؟ تبيع شرفك ورجولتك وتتهم مراتك في عرضها عشان شوية قرشين وشقة؟ يا خسارة الرجولة اللي كانت فيك!”


تدخل الطبيب الشرعي ونادى على الأسماء. دخل الجميع إلى غرفة الفحص وسحب العينات. تم أخذ عينة دم ومسحة جينية من مريم، ومن الطفل الرضيع ياسين، ثم أُدخل حسام لسحب عينته هو الآخر.


كان حسام يبتسم بثقة شيطانية أثناء سحب العينة، لأنه كان يعتقد أن التقرير الطبي الذي قدمه عن عقمه السابق سيخلق إرباكاً قانونياً يستغرق أشهر، وربما سنوات في المحاكم، مما ينهك مريم ماليًا ونفسيًا ويجبرها على الاستسلام والقبول بالتسوية.



لكن حسام لم يكن يعلم أن محمود لم يكن يجلس مكتوف الأيدين خلال الـ 48 ساعة الماضية!


أثناء وجودهم داخل أروقة الطب الشرعي، دخل رجل مسن يحمل حقيبة جلدية سوداء.. كان هذا الرجل هو الدكتور “فاروق”، الاستشاري الكبير الذي أجرى لحسام جراحة العقم السرية قبل عامين في مستشفى خاص بالإسكندرية!


محمود، بذكائه وبحثه المستميت عن سر حسام، كان قد فتش في أوراق حسام القديمة في الشقة بمساعدة بواب العمارة الذي كان يحتفظ بنسخة من مفاتيح المكتب، ووجد إيصال تحويل مالي قديم باسم ذلك الطبيب. تواصل محمود معه، وهدده بالإبلاغ عن التستر على جراحات غير مسجلة إذا لم يأتِ لشهادة الحق أمام النيابة والطب الشرعي.


عندما رأى حسام الدكتور فاروق يدخل الممر، ارتبك للمرة الأولى. تغير لون وجهه، وتساقطت قطرات العرق على جبهته:


* “دكتور فاروق؟! أنت بتعمل إيه هنا؟”


تقدم الدكتور فاروق ونظر إلى حسام بأسف شديد وقال:


* “أنا جاي أصلح غلطة سكت عليها يا حسام.. أنت جيتلي من سنتين وعملتلك العملية والحمد لله نجحت، وأنا بنفسي سلمتك التقرير اللي بياكد إنك بقيت قادر على الإنجاب بنسبة طبيعية! استغلالك للتقرير القديم بتاع العقم اللي كان قبل العملية جريمة تودي السجن، وأنا مش هضيع تاريخي الطبي عشان أطمعك وجشعك!”


ساد الصمت في الممر كأن على رؤوسهم الطير. انهارت ثقة حسام الفولاذية في لحظة واحدة. تحولت نظرات التحدي في عينيه إلى رعب قاتل. المحامي الذي كان يرافقه تراجع خطوتين للوراء، مدركاً أن القضية لم تعد مجرد نزاع أحوال شخصية، بل تحولت إلى جريمة بلاغ كاذب وتزوير وشروع في التشهير.


نظر الطبيب الشرعي إلى الأوراق الجديدة التي قدمها الدكتور فاروق، ثم نظر إلى حسام وقال بنبرة صارمة:



* “التقرير ده هيترفق فوراً في ملف النيابة مع عينات الـ DNA.. والنتيجة المبدئية للبصمة الوراثية هتبان خلال ساعات مع العينات العاجلة. بس التقرير ده وحده كفيل يقدمك للمحاكمة بتهمة بلاغ كاذب والتزوير في أوراق رسمية!”


استدارت مريم نحو حسام، وكانت تمسك بطرف دثار طفلها ياسين. لم تعد تنظر إليه بخوف أو بحزن، بل بنظرة احتقار لم يرَ لها مثيلاً من قبل. وقفت باعتدال وقالت له بصوت هز أرجاء الممر:


* “كنت فاكر إنك راجل البيت وشجاع لما قلت لي كلمتك هي اللي تمشي؟ أنت طلعت أصغر بكتير من إنك تكون راجل أو تكون أب.. ابنك ده هيتربى في عز عيلتي، وهيسمع عنك إنك مجرد كابوس مر في حياة أمه وهي مسحته برجلها!”


حاول حسام التحدث، محاولاً التلعثم بكلمات دفاعية، لكن محمود تقدم خطوة واحدة ووضع يده على صدر حسام ودفعه للخلف بقوة:


* “ولا كلمة يا خاين! الكلام الجاي بيننا هيكون في النيابة وقاعة المحكمة.. وأقسم بالله هخليك تلف حوالين نفسك عشان تشم ريحة ابنك مش تشوفه!”


خرجت مريم من مبنى الطب الشرعي مرفوعة الرأس، تمشي بخطوات ثابتة رغم ألم الجراحة، والشمس تشرق على وجهها وعلى وجه طفلها الصغير ياسين. كانت تعلم أن هناك جولات قادمة في المحاكم، وأن المعركة القانونية لاسترداد حقوقها وتلقين حسام الدرس الذي يستحقه قد بدأت للتو، لكنها لم تعد خائفة. لقد كشفت المؤامرة، وأنقذت جسدها، وحمت شرف ابنه، وأثبتت لجميع أن قوة الأمومة والكرامة أعتى من كل حيل الجشع والغدر.


خرجت مريم من بوابة الطب الشرعي والهواء النقي يلفح وجهها، يشوبُه شعور بالانتصار المبدئي، لكنه كان انتصاراً مغلفاً بمرارة المعركة. كان ياسين نائماً بين يديها في طمأنينة ملائكية، لا يدري أن اسمه ودمه كانا على محك الشبهات قبل ساعات قليلة. اتجهت مع محمود إلى السيارة، وحين استقرت في المقعد الخلفي، انهارت القوة الصورية التي تجملت بها أمام حسام، وسالت دموعها حارة على وجنتي طفلها.



كان محمود يراقبها من مرآة السيارة الأمامية، ونبرة الغضب في صوته تحولت إلى حنان أخوي صادق:


* “بتعيطي ليه يا مريم؟ ده النهاردة يوم عزك.. الحقيقة ظهرت، والدكتور فاروق قفل في وشه كل أبواب المكر، والنيابة هتقلِب السحر على الساحر.”


ردت مريم وهي تمسح دموعها بطرف شالها:


* “مش بعيط ضعف يا محمود.. أنا بعيط على السلسلة اللي كنت فاكراها أمان وبقت قيد. بعيط على سنة من عمري عيشتها مع بني آدم مريض بالجشع، مستعد ينهي أنوثتي، ويرمي شرفي، ويرفض ابنه، عشان شويه عقارات وفلوس وصية! أنا خايفة من اللي جاي.. خايفة من شره، اللي يعمل كده مش هيسكت يا محمود.”


شدد محمود قبضته على عجلة القيادة، وقال بنبرة جازمة:


* “اللي جاي ده بتاعي أنا والمحامين.. أنتِ مهمتك الوحيدة دلوقتي تقومي بالسلامة وتربي ياسين. حسام دخل جحر النمل ورجله اتزنقت، واللي يفتكر إن القانون والعائلات لعبة، هيدفع التمن غالي.”


في هذه الأثناء، كان حسام يقف أمام المبنى كالتمثال المسخ، وحيداً بعد أن انسحب محاميه الخاص معلناً تنحيه عن القضية تجنباً للورط في تهمة التزوير والبلاغ الكاذب. كان حسام يشعر بالرعب يسري في أوصاله؛ فالتقرير الذي قدمه الدكتور فاروق للطب الشرعي لم يكن مجرد ورقة، بل كان قنبلة موقوتة ستحوله من “مجني عليه يدعي الخيانة” إلى “متهم بجريمة بلاغ كاذب وتشهير وتزوير”.


دخل حسام سيارته بغضب عارم، وضغط على عجلة القيادة بكفيه حتى ابيضت مفصله. اتصل فوراً بشقيقته “نجوى”، الوحيدة التي كانت تعلم ببعض تفاصيل مخططاته.


جاءها صوته متوتراً ومبحوحاً:


* “نجوى.. اللعبة اتعقدت! محمود أخوها وصل للدكتور فاروق اللي عملي العملية زمان، والدكتور شهد ضدنا في الطب الشرعي وقدم تقرير الجراحة للنيابة!”



صرخت نجوى عبر الهاتف بذهول:


* “إيه؟! أنت بتستعبط يا حسام؟ دكتور فاروق شهد ضدك؟ يعني كشف موضوع العملية؟ أنت كده مش بس هتخسر قضية النفي، أنت ممكن تروح في داهية وتضيع مننا ثروة بابا كلها!”


قال حسام بضيق ووعيد سادي:


* “مش هخسر حاجة! الوصية بتقول إني يلزمني ولد، والمهم إن الولد يبصم بإسمي عشان أستلم أسهم الشركات والعقارات قبل ما أتم التلاتين.. مريم فاكرة إنها كسبت، بس هي نسيت إن الولد شرعاً وقانوناً لسه ابني! وطالما هو ابني، أنا ليا حق الحضانة والرؤية والولاية التعليمية والمالية عليه.. هحرمها منه، وألوي دراعها بيه لحد ما تيجي تبوس إيدي وتتنازل عن كل قضاياها وتسلمني الولد ورجليها فوق رقبتها!”


مر أسبوعان ثقيلان، استردت فيهما مريم بعضاً من عافيتها الجسدية، وجاءت النتيجة الرسمية للطب الشرعي لتقتلع أي شك من جذوره: “أثبتت تحاليل البصمة الوراثية (DNA) بنسبة 99.99% أن الطفل ياسين هو ابن شرعي وجيني للمشكو في حقه حسام، وتتطابق عيناته مع العينات المأخوذة منه.”


بناءً على ذلك، أصدرت النيابة العامة قراراً بحفظ بلاغ حسام ضد مريم، مع تحويل أوراق القضية إلى نيابة الشؤون المالية والأحوال الشخصية لمباشرة التحقيق مع حسام بتهمة البلاغ الكاذب، والتشهير بربة منزل، ومحاولة التزوير في محرر رسمي بالاشتراك مع الطبيبة المتواطئة في المستشفى الاستثماري، التي تم استدعاؤها هي الأخرى للتحقيق وأُوقفت عن العمل مؤقتاً.


كان يوم القرار بمثابة العيد في بيت عائلة مريم. لكن فرحتهم لم تدم طويلاً، إذ استيقظوا في اليوم التالي على إعلان قضائي يُدق على بابهم.


فتح محمود الباب ليجد محضر المحكمة يسلمه إخطاراً رسمياً: حسام أقام دعوى قضائية عاجلة يطالب فيها بتمكينه من “الرؤية الأسبوعية” للطفل، بالإضافة إلى رفع دعوى إسقاط حضانة عن مريم بدعوى أنها “غير أمينة على تربية الطفل” بعد أن شهرت به في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، محاولاً استغلال الفوضى التي أحدثتها محاولاتها الأولى للاستغاثة بالمستشفى!



ولم يكتفِ حسام بذلك؛ بل استغل حقه كأب صاحب “الولاية التعليمية والمالية والورقية”، ورفض صدور شهادة ميلاد رسمية للمولود، ورفض توقيع أوراق تطعيماته الإجبارية في المكاتب الصحية، ليضع مريم في مأزق إداري خطير يمنعها من تسجيل طفلها أو استخراج أي أوراق ثبوتية له!


وقفت مريم في الصالة تمسك بالإعلان القضائي، والدماء تغلي في عروقها. كانت ترى في تصرفاته خسة لا تنتهي؛ فهو مستعد للتقاعس عن تطعيم ابنه وحرمانه من شهادة الميلاد لمجرد الابتزاز!


قال المحامي الأستاذ “رفعت”، الذي تولى قضية مريم، وهو يتصفح الإوراق:


* “حسام بيلعب لعبة الوقت يا مريم.. هو عارف إنك مش هتقدر تطعمي الولد أو تسجليه من غير شهادة ميلاد، وبيستخدم ورقة الرؤية والولاية عشان يجبرنا نقعد معاه على طاولة المفاوضات. هو عايزك تتنازلي عن محضر البلاغ الكاذب وعن حقك في الشقة والمؤخر، مقابل إنه يستخرج شهادة ميلاد الولد ويسيبلك الحضانة هادية.”


نظرت مريم إلى طفلها الرضيع الذي كان يصرخ في سريره الصغير، ثم التفتت إلى المحامي وعيناها تقدحان شراراً:


* “على جثتي! لو فاكر إنه بيحارب ست ضعيفة، فهو لسه معرفش مين هي مريم! إذا كان هو بيستخدم القانون عشان يلوي دراعي بابني، أنا هستخدم نفس القانون عشان أكسر دراعه اللي بيمتد عليا وعلى ابني!”


قالت للمحامي بصوت قاطع لم يعتده محمود منها من قبل:


* “يا أستاذ رفعت.. ارفع فوراً قضية طلاق للضرر لعدم الأمانة والخيانه والتشهير، واطلب إظهار وصية والده المتوفى للنيابة لتوضيح الدافع الإجرامي وراء تصرفاته، وارفع أمر على عرائض لرئيس محكمة الأسرة لإستخراج شهادة ميلاد استثنائية للطفل بواسطة الأم ونقل الولاية التعليمية والمالية ليا أنا!”



ابتسم المحامي بإعجاب شديد بقوتها وذكائها:


* “ده الكلام المضبوط! لو ثبت للمحكمة إن الأب بيمتنع عن استخراج شهادة ميلاد طفله لمكايدة الأم وإلحاق الضرر بالصغير، القاضي ينزع منه الولاية فوراً، وده هيضربه في قاتل!”


في جلسة المحكمة الأولى الخاصة بالولايات القضائية وإثبات الضرر، كان المشهد مشحوناً بالتوتر. حضر حسام برفقة فريق جديد من المحامين، يسعون جاهدين لإظهار مريم بمظهر الزوجة الناشز التي تفتعل المشاكل وتمنع الأب من رؤية ابنه.


وقف حسام أمام القاضي بكل تبجح، متظاهراً بالحزن والمسكنة:


* “يا سيادة القاضي.. أنا أب محروم من ابنه البكر، وهي خدت الولد وطفشت بيه عند أهلها ومنعاني أشوفه أو أطمّن عليه، وكل الاتهامات اللي وجهتها ليا دي مجرد افتراءات عشان تبتزني مالياً وتطلب مبالغ خيالية في نفقتها!”


وقف الأستاذ رفعت محامي مريم، ووضع على منصة القاضي حزمة من المستندات الثقيلة، وقال بصوت جهوري هز القاعة:


* “عدالة المحكمة! بين أيديكم تقرير الطب الشرعي النهائي الذي أثبت نسب الصغير للمدعى عليه، ومحضر النيابة العامة الذي يحاكم فيه المدعى عليه بتهمة البلاغ الكاذب والتشهير بعرض موكلتي! والأن، يقف أمامكم يدعي الحرمان وهو الممتنع عمداً عن توقيع أوراق استخراج شهادة ميلاد ابنه وتطعيماته الصحية المقررة قانوناً لمكايدة أمه! وإليكم الدليل القاطع على الدافع الشرور وراء كل هذه الألعاب!”


قدم المحامي صورة طبق الأصل من وصية والد حسام، بالإضافة إلى استدعاء رسمي للدكتور فاروق للشهادة.


تابع المحامي بصرامة:


* “المدعى عليه لم يكن يرفض الإنجاب أو يشك في النسب لعِلّة أخلاقية، بل كان يسعى لتحقيق شرط الوصية بالاستيلاء على ثروة والده وملايين العائلة، ثم محاولة عقم موكلتي قسراً في المستشفى حتى لا تنجب أطفالاً يزاحمون طفله الأول في التركة، ولما فشلت خطته، رمى عرضها بالباطل للتنصل من التزاماته المالية وتجريدها من حقوقها!”



انقضت الجلسة وسط صدمة حسام ومحاميه، حيث لم يكونوا يتوقعون أن تمتلك مريم نسخة من الوصية أو أن يجرؤ محاميها على كشف خبايا العائلة المالية أمام القضاء.


تأجلت الجلسة للحكم في شق الولاية واستخراج شهادة الميلاد.


وعند خروجهم من القاعة، تقابلت مريم وحسام في الممر المزدحم. تقدم حسام نحوها، وجهه شاحب والشرر يتطاير من عينيه، متحدثاً بنبرة خافضة حاقدة:


* “فاكرة إنك كده كسبتِ يا مريم؟ الوصية دي هتخليني أربح ملايين الشهور الجاية.. والفلوس دي هشتري بيها كل حاجة وكل واحد، وهخليكي تلفي حولين نفسك في المحاكم عشر سنين عشان تاخدي قرش نفقة واحد! والولد ده.. هبقى أوريكي هعمل فيه إيه لما يكبر!”


توقفت مريم، ونظرت إليه من الأعلى إلى الأسفل، ثم اقتربت منه حتى أصبحت على بعد سنتيمترات قليلة، وقالت بصوت ثاقب كالسيف، لم يرتجف منه حرف واحد:


* “أنت فاكر الفلوس بتعمل رجال يا حسام؟ الفلوس عملت منك مجرد حرامي في نظر القانون، ونذل في نظر الناس، وولا حاجة في نظر ابنك! القضايا اللي أنت فاكرها لعبة هتكون المشنقة اللي تلتف حولين رقبتك.. والجلسة الجاية مش بس هاخد شهادة ميلاد ياسين ورجلي فوق رقبتك، ده أنا هجردك من كل حق لك عليه، وهخليك تدفع تمن كل نقطة دم نزلت مني ومن شرفي في النيابة!”


استدارت مريم ومشت بخطوات ثابته ومرفوعة الهامة، بينما وقف حسام مكانه، يشعر لأول مرة بأن الأرض تحت قدميه بدأت تهتز بالفعل، وأن المرأة التي ظنها حلقة ضعيفة وسهلة الكسر، أصبحت البركان الذي يهدد بدفن ثروته ومستقبله تحت رماد أطماعه.


جاء صباح يوم الحكم حاسماً وساخناً، وكأن سماء القاهرة تتأهب لإنهاء فصل طال ظلامه. كانت قاعة محكمة الأسرة مكتظة بالحضور، حيث تسربت أخبار تلك القضية الغريبة إلى أروقة المحاكم، وصارت حديث المحامين والإعلاميين المهتمين بقضايا المرأة والأسرة.



جلس حسام في الصف الأول بجانب أخته نجوى ورجاله، يحاول تصنع الثقة والبرود، لكن حركاته الموتره وعينيه الزائغتين كانت تعكس الرعب الساكن في أعماق نفسه. أما مريم، فكانت تجلس بثبات وكبرياء بجانب شقيقها محمود والمحامي الأستاذ رفعت، تحمل بين يديها ملفاً أبيض يحتوي على أوراق طفلها ياسين، وعيناها مثبتتان على منصة القضاء.


نادى حاجب المحكمة بصوت جهوري هز أرجاء القاعة: “محكمة!”


وقف الجميع في إجلال، وصعد القاضي إلى منصته، وعن يمينه وشماله المستشاران. ألقى القاضي نظرة تفحصية حادة على الحاضرين، ثم فتح الملف الثقيل المنسوب للقضية، وأمر بسرد الوقائع والاستماع للطلبات الأخيرة.


قام محامي حسام الجديد محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بأسلوب يتوسل المارضة والالتفاف:


* “سيدي القاضي.. موكلي يتراجع عن أي اتهام سابق صُدر منه في لحظة غضب وضغط نفسي، ويؤكد اعترافه الكامل بنسب الصغير ياسين، ويتعهد بتقديم كل الرعاية المالية له، مع المطالبة بحقه الشرعي والقانوني في الولاية التعليمية والرؤية، ورفض دعوى الطلاق للضرر المقدمة من الزوجة لعدم كفاية الأدلة.”


هنا، وقف الأستاذ رفعت محامي مريم، ونظر إلى القاضي بنبرة حاسمة واثقة:


* “عدالة المحكمة! إن من يطلب العفو والولاية اليوم هو نفسه من اتهَم شرف زوجته بالباطل منذ أسابيع، وهو من حاول الاعتداء على جسدها وإصابتها بعاهة مستديمة عبر الربط القسري في المستشفى الاستثماري، وهو المعتدي المباشر على حق طفله في الصحة والحياة بامتناعه العمدي عن استخراج شهادة ميلاده وتطعيماته الإجبارية! نطلب من عدالتكم تطبيق أقصى عقوبة قانونية، ونزع الولاية التعليمية والمالية والورقية منه فوراً، والحكم بالطلاق النهائي للضرر الأشد، مع منحه أقصى التزامات النفقة والمؤخر!”



في هذه اللحظة، رفعت مريم يدها واستأذنت القاضي في الحديث. نظر إليها القاضي بتفهم وأومأ لها بالقبول.


قامت مريم بخطوات واثقة، ووقفت أمام منصة القضاء، ونظرت نحو حسام نظرة خاطفة قبل أن توجّه حديثها للقاضي بصوت هز وجدان كل من بالقاعة:


* “سيادة القاضي.. أنا مش واقفة هنا عشان أطلب فلوس ولا انتقام. أنا واقفة عشان أسترد كرامة اتدبحت على أيد بني آدم كنت فاكراه سندي وسكن لي. حسام اتهمني في شرفي، حاول يحرمني من أمومتي للأبد، واستغل طفل ملهوش أي ذنب في الدنيا ورقة ضغط عشان يبتزني وأتنازل عن حقوقي. الأب اللي يستخصر في ابنه شهادة ميلاد وطعم يحميه من المرض عشان يقهر أمه، ما يستاهلش يحمل اسم أب، ولا يستاهل يكون له كلمة على مستقبل الطفل ده.”


ساد صمت مطلق في القاعة، لم يقطعه سوى أنفاس الحاضرين المتلاحقة. انهمكت هيئة المحكمة في المداولة لعدة دقائق كانت كأنها سنوات على حسام، الذي كان يعرق بغزارة وشحوب الموت يعلو وجهه.


طرق القاضي بمطرقته الخشبية طرقتين متتاليتين، ونطق بحكمه التاريخي الذي أثلج القلوب:


* “حكمت المحكمة حضورياً وبشكل قاطع:”


* أولاً: تطليق المدعية “مريم” من المدعى عليه “حسام” طلقة بائنة للضرر الأشد، مع إلزام المدعى عليه بتمكينها من كافة حقوقها الشرعية والمالية من مؤخر صداق ونفقة متعة ونفقة عدة.


* ثانياً: إسقاط جميع صور الولاية (التعليمية، المالية، والإدارية) عن الأب حسام، ونقلها نهائياً وأبدياً إلى الأم مريم.


* ثالثاً: إلزام مصلحة الأحوال المدنية باستخراج شهادة ميلاد رسمية فورية للطفل “ياسين” ببياناته الكامله وثبوت نسبه، بناءً على طلب الأم منفردة.


* رابعاً: إلزام المدعى عليه بدفع نفقة شهرية شاملة للطفل تقدر بـ 30% من إجمالي دخله وثروته المثبتة تقديراً مناسباً لكرامة الطفل ورعايته.



* خامساً: إحالة أوراق المدعى عليه حسام إلى النيابة العامة لمباشرة محاكمته الجنائية في تهم البلاغ الكاذب، والتشهير، والشروع في التزوير في محررات رسمية بالتواطؤ مع طبيبة المستشفى الاستثماري.


انطلقت زغاريد فرحة مكتومة من أمهات وأقارب مريم المتاخمين خلفها في القاعة، بينما سقطت نجوى أخت حسام على الكرسي مذهولة، وانكمش حسام في مكانه كالصنم، بعد أن رأى أملاكه وهيبته وسلطته تنهار تحت أقدام العدالة.


اقترب رجال الشرطة فوراً من حسام لاصطحابه إلى قسم الشرطة تنفيذاً لأمر النيابة العامة لمباشرة التحقيق الجنائي في القضايا المقامة ضده. وعندما مر من أمام مريم وهو مكبل بالقيود، نظر إليها بكسرة وهوان لم تعهدهما فيه من قبل.


لم تتشامَت مريم، بل نظرت إليه بإشفاق واحتقار قائلين:


* “كنت فاكر إنك راجل البيت وكلمتك هي اللي تمشي.. اديك شفت كلمتك ودتك فين. الفلوس اللي بعت شرفك عشانها مش هتنفعك في السجن يا حسام.”


خرجت مريم من باب المحكمة، حيث كانت شمس الظهيرة الساطعة تتلألأ على الميدان الخارجي. كان محمود يحمل طفلها ياسين وهو يضحك ويداعبه، ثم سلّمه إليها.


أمسكت مريم بطفلها الرضيع، وضمت صدرها إليه بكل ما أوتيت من حب وحنان. تنفست الهواء النقياً بعمق، وشعرت بأن الرئة التي خنقها الخوف والغدر لشهور قد عادت لترتوي بالحرية والأمان.


نظر محمود إليها بابتسامة فخر وقال:


* “خلاص يا مريم.. الكابوس انتهى، وياسين بقى في حضنك وباسمك وكرامتك مرفوعة فوق الكل.”


ابتسمت مريم ودموع الفرح تترقرق في عينيها، ونظرت إلى وجه ياسين الملائكي وقالت بنبرة ملؤها القوة والأمل:


* “الكابوس انتهى يا محمود.. وبدأت حياتي الحقيقية. ابننا هيتربى في بيت مليان أمان وعزة نفس، وهيطلع راجل بحق وحقيق.. يعطف على الضعيف، ويعرف إن كرامة المرأة وأمومتها خط أحمر مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسره.”



سارت مريم في طريقها بخطوات ثابتة ومرفوعة الرأس، تاركة خلفها أطماع الماضي وآلامه، لتبدأ مع طفلها فصلاً جديداً كاملاً ينبض بالنور، والكرامة، والعدالة التي لا تضيع.


“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


تعليقات

التنقل السريع
    close