بعد الجنازة كامله حكايات روماني مكرم
بعد الجنازة كامله
حكايات روماني مكرم
مات أخويا الكبير إمبارح، وقبل ما دموعى تجف على خدي، صحيت الصبح على صوت نغمة رسالة البنك. فتحت التليفون وأنا فاكرة إنها رسالة تعزية، بس لقيت مدخرات العمر كله اتسحبت من حسابنا المشترك، والرصيد بقى “صفر”.
وقبل ما أستوعب الصدمة، رن تليفوني.. كانت مرات اخويا وبصوت أبرد من التلج قالت لي جملة هدت اللي فاضل مني…
التليفون اتهز.
هزة صامتة كده على الترابيزة الإزاز.
كنت قاعدة في شقتي في قلب **الجمالية** والضلمة مالية المكان، وعينيا ورمت من البكاء طول الليل. فقدت أخويا، سندي الوحيد، وشريكي في كل حاجة.
نورت الشاشة.
رسالة من البنك:
**”تم سحب مبلغ 2,000,000 جنيه مصري. الرصيد المتبقي: 0.00″**
اتسمرت في مكاني.
الحساب ده كان فيه كل جنيه عملته في حياتي.. شقا عمري من الشغل السنين دي كلها في إدارة شركتنا من ورا الستار، في الوقت اللي كان فيه أخويا **”سيد”** هو الواجهة اللامعة قدام الكاميرات والتجار الكبار.
إمبارح بس، كان سيد بيبخ أنفاسه الأخيرة بسبب أزمة قلبية مفاجئة.
واليوم…
بقيت من غير أخ، ومن غير ملليم.
عشرين سنة.
عشرين سنة وأنا شغالة في الضلمة. بكتب له خطاباته، بصلح وراه البلاوي، وبأتراجع عن حقي في الأضواء عشان يفضل هو “رجل الأعمال الناجح”، لمجرد إني كنت مصدقة إننا إيد واحدة وكيان واحد.
بعد ثواني بس، التليفون بدأ يرن.
الاسم اللي ظهر على الشاشة جاب لي مغص في بطني.
**”صباح”**
مرات سيد.
رديت بصوت مبحوح ومكسور، مقدرتش أداري خيبتي.
بس هي كان صوتها حاد، وواثق أوي… واثق زيادة عن اللزوم لوحدة جوزها لسة ميت من كام ساعة.
— “شفتي رسالة البنك؟”
بلعت ريقي بالعافية.
— “صباح… سيد مات إمبارح! إزاي تفكري في…”
قاطعتني ببرود يفرز الدم:
— “سيد كان ناصح، نقل لي صلاحية الحساب من أسبوع. كان عارف إنك هتيجي تطالبي بنص الشركة بعد موته.”
قبضت على أطراف الترابيزة لحد ما صوابعي ابيضت:
— “نص الشركة ده حقي! أنا اللي بنيتها معاه غرزة غرزة!”
سمعت ضحكتها الخفيفة في التليفون… ضحكة ناشفة ومفيهاش ريحة الرحمة.
— “مفيش حاجة باسمك في الورق الرسمي يا حلوة. طول عمرك كنتي مجرد ‘مستشارة’ بتاخد مرتب. والنهاردة… دورك خلص.”
حسيت إن الهواء اتسحب من الأوضة.
وكأن عمري كله كان كذبة كبيرة.
وكأني مكنتش أخته، بل مجرد أداة استخدموها ولما خلصت رمواها.
بس صباح مخلصتش كلام:
— “المحامي بعت لك رسالة. قراءة الوصية وتصفية الشغل هتكون النهاردة الساعة أربعة العصر في مكتبه في **السيدة زينب**. تعالي عشان توقعي تنازل عن حصتك الوهمية… وإلا هرميكي في الشارع من الشقة اللي قاعدة فيها، لأنها للمعلومة، متسجلة باسم الشركة.”
وقفت السكة في وشي.
فضلت قاعدة في الضلمة.
بصيت لصورة سيد اللي متعلقة قدامي.
كان حاطط إيده على كتفي وبيبتسم، وأنا بصلة له بكل فخر.
هل كان بيخطط لكل ده؟ هل كان عارف إن مراته هترميني في الشارع أول ما يغمض عينيه؟
قمت ببطء.
دخلت الحمام وغسلت وشي بمية تلج.
اللي بصت لي في المراية دي مكنتش الأخت المكسورة اللي قضت الليل بتعيط.
دي كانت واحدة فاقت وعرفت إنها اتزنقت في الزاوية، ومبقاش عندها أي حاجة تخسرها.
فتحت دولابي.
طنشّت الهدوم السودة الواسعة اللي كنت ناوية ألبسها عشان الحداد.
وسحبت بدلة رمادي رسمية حادة جداً… البدلة اللي كنت بظبط بيها الصفقات وأنقذ الشركة من الإفلاس في الاجتماعات المقفولة.
لميت شعري ورفعته لفوق بقوة.
لو صباح فاكرة إنها عزمت “الموظفة الضعيفة” عشان توقّع استقالتها… تبقى غلطانة.
أنا اللي عملت سيد… وأنا الوحيدة اللي أقدر أهدّ المعبد فوق دماغ الكل.
الساعة أربعة العصر، زقيت باب مكتب المحامي **”الأستاذ فرج”**.
كانت ريحة القهوة المرة مالية المكان.
صباح كانت قاعدة في صدر الترابيزة، لابسة نظارة شمس سودة مش مدارية ابتسامة النصر على شفايفها. وجنبها أخوها **”جمعة”**، بيبص لي وكأني حشرة.
المحامي فرج ابتسم بارتباك باين أوي أول ما شافني:
— “اتفضلي يا أستاذة نوال… اتفضلي اقعدي.”
قعدت وشي لوش صباح. منزلتش عينيا من عينها لحظة.
صباح أتاففت وبصت في ساعتها الألماس:
— “يا أستاذ فرج، خلينا نخلص. إديها أوراق التنازل عن ادعاءاتها في الشركة، واقرا الوصية عشان نعرف رأسنا من رجلينا.”
المحامي مسح نقط عرق نازلة من على جبهته… كان متوتر بشكل مش طبيعي.
— “يا سيدة صباح… الأوراق اللي سابها المرحوم سيد… معقدة شوية.”
صباح رفعت حاجبها:
— “معقدة إزاي يعني؟ كل حاجة متسجلة باسمه، وبتؤول ليا بصفتي الوريثة الوحيدة وزوجته، ولا أنا غلطانة؟”
فتح المحامي الدوسيه الجلد الأسود بالراحة أوي… وصوته بدأ يترعش:
— “بناءً على الوصية المسجلة في السر من شهرين…”
اتعدلت في قعدتي. (من شهرين؟!)
كمل المحامي:
— “بيقول المرحوم: ‘أنا سيد عبد الصمد، أقر وأعترف وأنا بكامل قواي العقلية… إن كل اللي بملكه، من عقارات وشركات وأرصدة في البنوك… هو في الحقيقة مجرد واجهة.'”
صباح عقدت حواجبها وهي مصدومة:
— “واجهة؟! واجهة لمين يعني؟!”
المحامي طنشها، وبلع ريقه بصعوبة وهو بيقرا السطر اللي بعده، وعينيه بتهرب مننا:
— “‘وأقر بإني حولت كل الأصول والملكيات، وحتى عقد جوازي… كضمانات بنكية لسداد ديون لجهة تانية.'”
ساد صمت يرعب في الأوضة.
حتى أنا مكنتش فاهمة يعني إيه الكلام ده.
صرخت صباح وهي بتخبط على الترابيزة:
— “ديون إيه؟! ومنين الجهة دي أساساً؟!”
رفع المحامي عينيه أخيراً… بس مبصش لصباح.
بص لي أنا!
عينيه كانت مليانة رعب صافي:
#الكاتب_رومانى_مكرم_
— “بيكمل المرحوم: ‘وبما إني مقدرتش أسدد… فكل اللي بملكه، بما فيه حياتي اللي ممكن تنتهي قريب بشكل يبان طبيعي… هو ثمن تأخير الدفع.'”
الدم اتقطع في عروقي.
سيد مماتش بأزمة قلبية!
وملحقتش أستوعب حجم الكارثة الحقيقية، غير لما المحامي قلب الصفحة، وقرا السطر الأخير اللي خلي صباح تنهار على الكرسي ومش قادرة تتنفس:
— “‘وبسيب أختي نوال… بصفتها الكفيل الضامن الوحيد في العقد… عشان تتحمل العواقب معاهم.'”
وفي اللحظة دي بالظبط…
سمعنا صوت خطوات جزمة تقيلة، ماشية بهدوء، ووقفت ورا باب الأوضة المقفول…
فتح الباب ببطء شديد، أصدر صفيرًا حادًا أكل ما تبقى من صمت الغرفة.
لم يدخل الشخص فورًا، بل سبقه ظل طويل امتد على الأرضية الخشبية المتهالكة لمكتب المحامي فرج. تراجع الأستاذ فرج بكرسيه للوراء حتى كاد يسقط، يداه المرتعشتان حاولتا إخفاء الأوراق داخل الدوسيه الأسود دون جدوى.
دخل رجل في منتصف الأربعينيات، يرتدي معطفًا أسود ثقيلًا رغم دفء الجو، ملامحه حادة وكأنها نُحتت من صخر صلب، وعيناه غائرتان فيهما برود أشد قسوة من نظرات صباح. خَلفه، وقف رجلان ضخما البنية، أحدهما يغلق الباب خلفهم ويسحب المفتاح من القفل، ليقطعا أي أمل في الخروج.
ساد الذهول المكان. صباح التي كانت منذ دقائق تتصرف وكأنها ملكت الدنيا، تجمدت في مكانها، ونظارتها الشمسية الألماس انزلقت قليلاً لتكشف عن عينين تتسعان برعب حقيقي. أما أخوها جمعة، فانسحب ببطء ليختبئ تقريبًا خلف كرسيه.
وقف الرجل الغريب في منتصف الأوضة، جالت عيناه على الحضور، ثم استقرت عليّ أنا.
تفحص بدلتي الرمادية، لمحة التحدي في عينيّ رغم الصدمة، وابتسم ابتسامة باهطة لم تصل أبدًا إلى عينيه.
— “مساء الخير يا حضرات.. بعتذر على التطفل، بس المواعيد عندي مظبوطة بالدقيقة.. الساعة أربعة ودقيقة.”
صوته كان هادئًا، منخفضًا، لكنه يحمل نبرة تجعل القشعريرة تسري في العظام.
صرخت صباح بصوت مهزوز حاول مجاراة كبريائها الزائف:
— “انت مين؟! وإزاي تدخل كده؟ يا أستاذ فرج اطلب الشرطة! الناس دول مين؟!”
التفت الرجل إليها ببطء شديد، وخلع قفازه الجلد الأسود أصبعًا أصبعًا، ثم أخرجه من جيبه الداخلي بطاقة صفراء داكنة، ورماها على الترابيزة أمام المحامي.
— “الشرطة؟ فكرة ممتازة يا مدام صباح. اطلبيها.. بس قبل ما ترفعي السماعة، اسألي محاميكِ الذكي عن معنى ‘شركة الكارما للاستثمار والاستيراد’.. واسأليه كمان عن الصكوك اللي جوزك المرحوم مضى عليها بدم قلبه من سنتين.”
المحامي فرج لم يحتج لأن يسأل. كان وجهه قد شحب تمامًا وأصبح بلون الورق. صوته خرج كالحسيس:
— “السيد.. كمال الباشا؟”
ابتسم الرجل — كمال الباشا — وجلس على طرف الترابيزة الكبيرة، مائلًا بجسده نحوي، متجاهلًا صباح تمامًا وكأنها أصبحت هواء.
— “أهلاً بيكي يا أستاذة نوال.. العقل المدبر لشركات سيد عبد الصمد. الواجهة كانت قشرة، بس أنتِ كنتي العصب. الخشب السوس اللي أكل الشركة كان جوزتك يا مدام صباح.. سيد الله يرحمه.”
حاولت أجمع شتات نفسي. قلبي كان يدق في صدري كأنه يطرق أبواب قفسي الصدري ليخرج. الديون؟ الكفيل الضامن؟ سيد أخويا.. سند حياتي.. كان مش بس بايع الشركة، ده كان بايعني أنا كمان؟
سألت بصوت حاولت على قد ما أقدر أخليه ثابت:
— “يعني إيه كفيل ضامن؟ أنا ممتش على ورقة واحدة مع سيد.. ولا أعرفك أساسًا!”
ضحك كمال الباشا، ضحكة قصيرة جافة، ثم أومأ لرجل من رجاله، الذي أخرج ملفًا أسود آخر وضع على الطاولة أمامنا فتحة ببرود.
— “أخوكي المرحوم، عشان ياخد تمويل بـ 40 مليون جنيه عشان يغطي خسائره في سوق البورصة والصفقات المضروبة اللي دخلها من وراكي، قدم لنا كل أصول الشركة. ولما طلبنا ضامن شخصي له وزن وحسابات حقيقية، أثبت لنا بالورق والرسميات إنك ‘الشريك المتضامن الفعلي’.. وأمضتك كانت موجودة على كل شيك، وعلى كل توكيل.”
سحبت الملف ببرود زائف، فتحته.
الأوراق كانت مكتوبة بدقة مرعبة. التوقيعات.. توقيعي!
توقيعي اللي كنت بوقعه على الخطابات الرسمية والصفقات التجارية.. سيد خده، نسخته، واستخدمه في توكيلات وعقود ديون ملهاش آخر!
التفت لصباح، كانت عينيها بتزيغ بيني وبين كمال.
— “أنتِ.. أنتِ كنتي عارفة؟” سألتها.
صباح بلعت ريقها وصمتت لثوانٍ، لكن أخاها جمعة انفجر فجأة:
— “إحنا ملناش دعوة! سيد قالنا إن الحساب المشترك فيه فلوس ونقلها باسم صباح عشان ينقذها من الديون! هو اللي قالنا كده قبل ما يموت بأسبوع!”
قفز كمال الباشا من على الطاولة بسرعة أذهلت الجميع، ووقف فوق رأس جمعة، الذي انكمش في كرسيه كالفأر المذعور.
— “الفلوس اللي اتسحبت الصبح؟ الـ 2 مليون؟” قال كمال بنبرة ساطعة كالسيف: “دي كانت جزء من الفوايد يا شاطر. وسحبها بالطريقة دي يعتبر سرقة وتحايل على حجز إداري وبنكي ممرر من أسبوعين. يعني اختك العبقرية دي.. حطت رقبتها تحت المقصلة قانونًا قبل ما تدخل المكان ده.”
التفت صباح بحدة نحو المحامي فرج:
— “انت مقلتليش الكلام ده! انت قولت لي الأرصدة مجرد ما تنتقل باسمي محدش يقدر يلمسها!”
المحامي كان يبكي تقريبًا وهو يجمع أوراقه:
— “أنا.. أنا كنت فاكر.. السيد سيد قال إن الاستاذة نوال هي اللي هتشيل كل حاجة لو حصلت مشكلة..”
الكلمات نزلت عليا زي المطر المسموم.
سيد.. أخويا الكبير.. اللي كنت بسهر أصلح أغلاطه. اللي طفيت حرائق صفقاته الفاشلة. اللي عشت في ظله عشرين سنة عشان أخليه كبير قدام الناس..
كان بيجهز مشنقتي وهو بيحتضر!
كان عارف إن الموت جاي، فقرر يرميني للذئاب عشان يضمن إن مراته تأخد القرشين اللي فاضلين، وأنا أتدبس في 40 مليون ديون، وأدخل السجن أو أنتهي في الشارع!
دمعة واحدة هربت من عيني، بس مسحتها بظهر إيدي بسرعة قبل ما حد يلاحظها.
أنا نوال عبد الصمد.
اللي بنت الكيان ده من الزيرو.. ومش هقع بالطريقة دي.
وقفت حيلتي، ونفضت البدلة الرمادية.
الجميع بص لي.. حتى كمال الباشا رفع حجبيه باستغراب من رد فعلي.
— “أستاذ كمال..” قلت بصوت قوي، نبرة الشغل اللي كنت بصلح بيها الصفقات الضائعة: “سيد مات. واللعبة اللي كان بيلعبها انتهت. الورق ده، والتوقيعات دي، مزورة.. وأنت عارف إنها مزورة لأنك شخص باين عليك ذكي ومبتشتغلش مع هواة.”
كمال الباشا ابتسم ابتسامة صغيرة، وربّع إيديه:
— “كملي.. أنساب بكي.”
— “سيد مكنش بيعرف يدير كشك سجاير. كل صفقات الشركة، كل الأرباح اللي اتعملت في العشرين سنة اللي فاتوا، كانت بتعدي من تحت إيدي أنا. التوقيع ده نسخته من ورقة توكيل عام قديمة. وأنا أقدر أثبت في التقرير الطبي والشرعي والقضائي إن التوقيع مزور، والعملية هتاخد في المحاكم 5 سنين.. وفي الخمس سنين دول، أنت مش هتشوف مليم واحد من أصول الشركة لأنها هتتجمّد.”
صباح بصت لي بصدمة:
— “انتِ بتعملي إيه يا مجنونة؟! هتودينا كلنا في داهية!”
جاهلتها تمامًا ووزعت نظراتي بين كمال الباشا والأوراق:
— “الخيار التاني يا باشا.. إننا نتلكم بجد.”
كمال الباشا قرب مني خطوتين، نظراته اتغيرت من التهديد إلى الفضول الشديد.
— “ونتكلم بجد إزاي يا أستاذة نوال؟”
— “الأرصدة اللي اتسحبت النهاردة ترجع الحساب فورًا.. صباح وأخوها يوقعوا على تنازل كامل عن كل حصصهم في الشركة والعقارات الشبحية دي ليا أنا، مقابل إنهم يخرجوا برة اللعبة دي بجلدهم وما يدخلوش السجن بتهمة اختلاس أرصدة محجوزة إداريًا.”
صباح صرخت:
— “أنا أتنازل؟! ده حقي وحق عيالي!”
التفت إليها ببرود أشد من برود كمال الباشا:
— “حق عيالك؟ سيد مخلّفش يا صباح.. وأنتِ عارفة كويس إن الفلوس دي فلوس شغلي وشقا عمري. قدامك خيارين: إما تقعي مع كمال الباشا وتدخلي السجن بتهمة السرقة والتزوير، أو توثقي التنازل دلوقتي وتطلعي برة الباب ده بشنطة هدومك.. والتليفون اللي في جيبك.”
جمعة أخوها مسك إيدها بسرعة ووشه أصفر:
— “وقعي يا صباح! القسورة دي مش بتهزر، والباشا ده هيدبحنا!”
التفت لـ كمال الباشا وقلت له:
— “وبالنسبة لك يا باشا.. الـ 40 مليون ديون.. أنت عارف إن أصول الشركة الحقيقية والمخازن اللي في الجمالية وفي السبتية تساوي ضعف المبلغ ده.. بس بشرط واحد.”
كمال الباشا ضيق عينيه:
— “شرط إيه؟”
— “إني أنا اللي أدير. أخد مهلة سنة، أعدل فيها هيكل الشركة، وأرجع لك أصل الدين بفوائده.. بس تحت إدارتي أنا، ومفيش مخلوق يتدخل في شغلي. وسيد.. واسمه.. يتمحوا تمامًا من دفاتر الشركة.”
ساد الصمت في الأوضة لدقيقة كاملة.
كانت دقيقة أطول من السنين اللي قضيتها في خدمة أخويا.
صباح كانت بتتنفس بصعوبة وتعيط بقهارة، والمحامي فرج واقف ماسك القلم وأيديه بترتعش مستني إشارة.
كمال الباشا حط إيده في جيبه، وبص لي لفترة طويلة.. وفجأة، ضحك بصوت عالٍ، ضحكة هزت أركان المكتب.
— “سيد كان حمار..” قالها كمال بكل بساطة: “كان فاكر إنه بيكسب وقت لما رمى أخته في وش المدفع.. مكنش عارف إنه بيسلمني المفتاح الحقيقي للشركة.”
قرب كمال من الترابيزة، وسحب الكرسي وقعد.
— “موافق يا نوال هانم.. بس فيه حاجة واحدة أنتِ لسة ما تعرفيهاش عن أخوكي المرحوم.”
قلبي اتنفض:
— “حاجة إيه؟”
كمال أخرج من جيبه فلاشة صغيرة سوداء، ورماها على الترابيزة بيننا.
— “سيد مماتش بأزمة قلبية يا نوال.. سيد اتقتل. واللي قتله.. موجود في الأوضة دي دلوقتي.”
نزلت الكلمة على المسامع كالقنبلة.
التفتت عيون الجميع ونظرات الخوف تدور بيني وبين صباح، وأخوها جمعة، والمحامي فرج الذي أسقط القلم من يده، بينما صوت الخطوات الثقيلة عاد ليسمع مجددًا.. هذه المرة من الممر الخارجي المقابل للشباك!
بعد الجنازة ج2
حكايات روماني مكرم
خيم صمت قادم من أعماق المقابر على الغرفة. الكلمة خرجت من فم كمال الباشا كأنها شفرة حادة قطعت أنفاس الجميع.
“سيد اتقتل.”
نظرت للفلاشة السوداء الصغيرة الملقاة على الطاولة الخشبية، وكأنها عقرب سام ينتظر أن أمد يدي إليه. شعرت ببرودة تسري في أطرافي، وهبطت كلماته على عقلي لتبعثر كل الحسابات. سيد.. أخي.. رغم كل الغدر الذي اكتشفته منذ ساعات، ورغم أنه باعني وحكم عليّ بالدمار، إلا أن فكرة قتله بدم بارد هزت شيئاً متبقياً في أعماقي.
صرخت صباح بصوت هستيري، ووجهها شاحب كالج\ثة:
— “أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟! قتول مين؟! سيد مات في السرير بأزمة قلبية.. الدكتور كتب التقرير وتصريح الدفن طلع!”
التفت كمال الباشا إليها ببطء، وفي عينيه ابتسامة ساخرة تحمل مقدرة مرعبة على الإبادة.
— “الدكتور؟ تقصدي الدكتور مدحت؟ اللي بياخد مرتبه الشهري من شقيقك المحترم ‘جمعة’ تحت بند ‘استشارات طبية للشركة’؟”
التفتت عيوننا جميعاً نحو جمعة.
جمعة كان يرتجف بشدة، عرق بارد يغرق ياقة قميصه الأبيض، ويداه تحاولان الاختباء داخل جيوبه. خطى خطوة للوراء وهو يتمتم بصوت متقطع:
— “كذب.. الكلام ده كذب! أنا ماليش دعوة بحاجة.. سيد كان تعبان، هو اللي كان بياخد دوا القلوب بتاعه…”
وقف كمال الباشا بمهابة، وأشار لأحد رجاله الذي تقدم بخطوات واثقة ونزع النظارة الشمسية الألماس من وجه صباح بالقوة، ورماها على الأرض لتتحطم أسفل حذائه. صرخت صباح، لكن الرجل مسكها من كتفها وأجلسها بقسوة على الكرسي.
— “التقرير المبدئي للسموم اللي اتعمل من عينة أخدناها بأسلوبنا الخاص قبل التكفين ساعة غسيل المرحوم…” قال كمال وهو ينظر لي أنا فقط: “…بيأكد وجود مادة نادرة من مسببات السكتة القلبية. مادة ملهاش ريحة ولا طعم، بتتخلط مع القهوة أو العصير.. وبتوقف القلب خلال ست ساعات وتديكِ مظاهر أزمة قلبية طبيعية 100%.”
التفتُّ لصباح وجمعة.
الpuzzle بدأ يترتب في دماغي بسرعة مرعبة.
سيد نقل صلاحية الحساب البنكي لصباح من أسبوع.. والصبح بدري الأرصدة اتسحبت.. وسيد مات بالليل!
يعني سيد مكنش بيجهز مشنقتي لوحده.. سيد كان بيتنصب له الفخ من أقرب الناس ليه، وهو فاكر إنه بينقذهم وينقذ نفسه مني!
قربت من جمعة، خطوة بخطوة. البدلة الرمادية الرسمية اللي لابساها كانت مدية لخطواتي ثقل وهيبة. وقفت قدامه مباشرة، وبصيت في عينيه المرعوبتين.
— “انتم قتلتوه لما عرفتم إنه كتب الوصية؟ ولا قتلتوه عشان تاخدوا الـ 2 مليون قبل ما البنك يحجز عليهم؟”
جمعة انهار على ركبتيه فوق السجاد المتهالك للمكتب، وغطى وجهه بيديه وهو ينتحب:
— “هو اللي جابه لنفسه! سيد كان هيضيعنا كلنا! كان رايح يسلّم الشركة والأصول لكمال الباشا، وكان هيسيبنا نشحت! اختك كانت فاكرة إن الفلوس دي حقها، وهو كان عاوز يدي كل حاجة للباشا عشان يتفادى السجن!”
نظرت لصباح. كانت تجلس كالصنم، دموعها تحفر خطوطاً في مساحيق التجميل على وجهها، لكن عينيها لم تكن نادمتين.. كانت نظرات غل وحقد صافي.
— “هو اللي استاهل..” قالت صباح بصوت خفيض، نبرة مسمومة خالية من أي رحمة: “عشرين سنة وأنا عايشة مع راجل جبان! مكنش بيعرف ياخد قرار إلا لما يرجعلك يا نوال! حتى في غرفة النوم كان يقول ‘نوال رأيها إيه’.. ‘نوال قالت إيه’! لما حس إن الحبل اتلف حوالين رقبته، جه يبوس رجلي عشان أساعده يهرب برة مصر، ويسيبني أنا وعيالي هنا من غير مليم.. كان لازم ينتهي.”
أغمضت عينيّ لحظة.
كمية القذارة والخيانة اللي اتكشفت في الصالة الصغيرة دي كانت كفيلة تهد جبال. أخويا اللي عشت أحميه، كان لعبة في إيد مراته، وأداة في إيد ديونه، وضد أخته اللي رفعتها الأيام فوق كتفيها.
— “أستاذ فرج..” قلت بصوت جامد كالصلب.
المحامي فرج رفع رأسه بخرع: “نـ.. نعم يا نوال هانم؟”
— “اطلع بالأوراق.”
— “أوراق إيه؟”
— “أوراق تنازل صباح وجمعة عن كل أصل، كل عقار، وكل مليم اتسحب النهاردة.. وأوراق التنازل عن نصيبهم في تركة سيد كتعويض عن الخسائر، وتحويل كل الملكيات باسمي.”
صباح رفعت رأسها بغضب: “مش هوقع! اطلبوا الشرطة! أعدموني أو احبسوني، بس مش هتاخدي مليم واحد يا نوال!”
ابتسم كمال الباشا، وسحب الفلاشة السوداء من على الطاولة، وأدارها بين أصابعه.
— “يا مدام صباح.. أنتِ فاهمة الموضوع غلط. لو الشرطة دخلت دلوقتي، الفلاشة دي مش هتروح للنيابة.. الفلاشة دي فيها تسجيلات فيديو لجمعة وهو بيشتري المادة دي من سوق الس\لاح في المطرية، وفيها تسجيل صوتي ليكي وأنتِ ببتفاوضي مع المحامي فرج على أتعابه عشان يزّور تاريخ نقل الصلاحيات.”
المحامي فرج شهق وتراجع لورا، وكأنه كان يتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه.
كمال الباشا كمل بنبرة هادئة:
— “يعني قضايا قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، وتزوير في أوراق رسمية، واختلاس أرصدة محجوزة. الإعدام شنقاً ده أبسط حاجة ممكن تاخدوها.. إلا لو نوال هانم قررت تلم الموضوع ونعمل ‘تسوية دية’ بعيداً عن حبل المشنقة.”
التفت كمال إليّ، وقال بصوت خفيض:
— “القرار قرارك يا نوال.. تسيبيهم للنيابة وياخدوا إعدام، والشركة تترس على الديون وتضيع منك.. ولا يوقعوا التنازل، وياخدوا فلوسهم المبتورة ويغوروا برة البلاد، وأنتِ تمسكي كل حاجة وتحمكي إمبراطورية سيد؟”
وقفت في منتصف الأوضة.
بين ج\ثة أخويا اللي لسة تحت التراب ومبردتش، وبين مراته القاتلة، وبين الباشا اللي عاوز فلوسه بأي طريقة، وبين حلم عمري اللي اتبنى بالدم والدموع في شوارع الجمالية.
أخذت نفساً عميقاً.
الدنيا مابترحمش الضعفاء، وأنا قضيت عشرين سنة ضعيفة ومستخبية ورا الستار. النهاردة الستار اتكشف، والمكان بقى ملكي.
— “هات القلم يا فرج..” قلتها ببرود عالي.
قدم المحامي القلم ببرود وأيادٍ ترتعش. رميته قدام صباح على الترابيزة.
— “وقعي يا صباح.. أنتِ وأخوكي. هتوقعوا على التنازل الكامل، وعلى شيكات بمبلغ الـ 2 مليون ترجع الحساب فوراً. ومقابل ده.. الفلاشة دي هتفضل في خزنة كمال الباشا، مش هتروح للنيابة.. بس لو لمحنا وشكم في القاهرة تاني، أو حاولتوا ترفعوا عينكم فيا.. الفلاشة هتكون على مكتب النائب العام في ظرف خمس دقائق.”
صباح بصت للقلم.. وبصت لأخوها اللي كان بيترجاها بعينيه عشان توثق وتنجد رقبتهم من المشنقة.
مسكت القلم، يدها كانت بترتعش بحدة وهي بتوقع اسمها على الأوراق ورقة ورقة. كل توقيع كان بمثابة تنازل عن كل خططها، وعن كل الغل اللي عاشت تغذيه سنين.
لما خلصت، رميت القلم على الطاولة، وقفت وسحبت شنطتها.
— “أنا كرهتك يا نوال.. طول عمري بكرهك.” قالتها صباح وهي بتمر من جنبي.
رديت عليها وأنا بصلها ببرود، ومن غير ما ارمش:
— “ومش طالعة من هنا طالبة حبك يا صباح.. اخرجي برة.”
خرجت صباح وجمعة يجران أذيال الخيبة والرعب، الباب اتقفل وراهم، وساد الصمت المكتب من جديد.
ألتفتُّ لكمال الباشا، وممدت إيدي:
— “دلوقتي.. الديون اللي على الشركة 40 مليون. نكتب عقد الشراكة الجديد يا باشا؟”
كمال الباشا ابتسم، ولأول مرة كانت ابتسامته فيها لمحة احترام حقيقية. مسك إيدي وهزها بقوة.
— “أنتِ فعلاً العقل اللي كان ممشي المكان ده يا نوال.. العقد هيتكتب النهاردة، وبكرة الصبح تصفي كل حسابات المرحوم وتستلمي مكتبك الرئيسي.”
لكن قبل ما ألم أوراقي وأمشي، سمعنا صوت خبط منتظم وقوي على الباب الخارجي للمكتب.. خبطات مش خبطات زبون ولا محامي.. خبطات جزمة عسكرية ثقيلة!
وفجأة، الباب اتزق بقوة، ودخل راجل يرتدي زي ضابط شرطة، وخلفه أربعة من مخبري المباحث.
الضابط جرد الغرفة بنظراته الحادة، واستقرت عينيه عليا وعلى كمال الباشا والمحامي فرج.
— “مساء الخير يا حضرات.. النيابة العامة. معانا أمر بضبط وإحضار الأستاذة نوال عبد الصمد، والسيد كمال الباشا.. بتهمة التستر على جر\يمة قت\ل المرحوم سيد عبد الصمد، والاشتراك في تزوير وصيته!”
تجمّدت الدماء في عروقي.
تراجعت خطوة للوراء، والبدلة الرمادية التي كنت أدرع بها نفسي منذ الصباح بدت فجأة وكأنها درع صلب يضغط على أنفاسي. الضابط كان يقف بصلابة عند مدخل المكتب، ينظر إلينا بعينين صقريتين لا ترحمان، بينما انتشر مخبرو المباحث في زوايا الأوضة الضيقة لقطع أي طريق للهرب.
المحامي فرج كان أول من انهار؛ سقط القلم من يده، وتراجع بكرسيه حتى اصطدم بالرف الخشبي الخلفي، ليتساقط عليه عدد من مجلدات القانون القديمة بصوت مدوٍّ زاد من رعب اللحظة.
أما كمال الباشا.. فلم يتحرك شبرًا واحدًا.
ظل واقفًا وممسكًا بيده الفلاشة السوداء الصغيرة، وابتسامة ثقيلة ومظلمة بدأت ترتسم على شفتيه ببطء شديد. التفت ببرود ونظر للضابط، ثم أخرج من جيبه الداخلي علبة سجائر فضية، فتحها وأخرج منها سيجارة، وأشعلها بهدوء استفزازي جعل الضابط يخطو خطوة حازمة للأمام.
— “الرائد هشام.. بنفسه؟” قالها كمال الباشا بنبرة خفيضة، خالية تمامًا من أي مفاجأة: “من أمتى ورجال المباحث بيكسروا أبواب مكاتب المحامين في السيدة زينب من غير ما يستأذنوا؟”
الضابط — الرائد هشام — لم يبتسم، ولم يتراجع. أخرج من جيبه مطوية رسمية مختومة بختم النسر وألقاها على الترابيزة أمام المحامي المرتعد.
— “الأمر صادر من النيابة العامة يا كمال باشا.. وبناءً على بلاغ رسمي اتقدم من ساعة واحدة بس، مرفق معاه تسجيلات وأوراق بتثبت إنك موجود هنا عشان تجبر الورثة يوقعوا على تنازلات تحت التهديد، وإن سيد عبد الصمد مات مقتول وأنتوا بتتستروا على القاتل عشان تقسموا التركة بينكم!”
قبضت على أطراف الترابيزة.
بلاغ؟ من ساعة واحدة؟!
صباح وجمعة مالحقوش يخرجوا من المنطقة أساسًا! هل كانوا مجهزين البلاغ ده من الأول كارت ضغط؟ ولا فيه حد تاني كان بيلعب بينا كلنا من ورا الستار؟
التفتُّ للضابط وقلت بصوت محدد وحاد، مستجمعة كل ما تبقى لي من قوة:
— “حضرتك فاهم الموضوع غلط يا فندم. أنا نوال عبد الصمد.. أخت المرحوم والشريكة الفعلية في الشركة. محدش أجبر حد على حاجة، وصباح حرم أخويا كانت هنا بتصفي التركة معايا بشكل ودي…”
قاطعني الرائد هشام بنظرة حادة جمدت الكلمات في حلقي:
— “البلاغ مش من صباح يا أستاذة نوال.. البلاغ متقدم من المحامي الخاص بـ ‘شركة الكارما’.. الشركة اللي يملكها كمال الباشا بنفسه!”
ساد صمت أشد هولاً من كل ما مررنا به.
التفتُّ بسرعة مرعبة نحو كمال الباشا.
كان يمتص نفسًا طويلاً من سيجارته، والدخان ينبعث من فمه ليرسم دوائر رمادية بيننا.
— “أنت…” حشرجت الكلمة في حنجرتي: “أنت اللي بلّغت؟!”
ضحك كمال الباشا بصوت مكتوم، هز كتفيه العريضين.
— “أنا رجل أعمال يا نوال هانم.. ورجل الأعمال الشاطر مبيلعبش على كارت واحد أبداً. أنتِ ذكية أوي في الإدارة والصفقات.. بس لسة خام في لعبة الشارع والدساتس العالية.”
خطا كمال نحو الضابط هشام، وبكل بساطة وضع الفلاشة السوداء في يد الضابط، وأردف:
— “الفلاشة دي عليها كل أدلة إدانة صباح وجمعة في قتل سيد.. أنا جايبهم لكم على طبق من ذهب يا هشام بيه. أما بالنسبة للنوال هانم.. فأنا مبلّغتش عنها بتهمة القتل، أنا بلّغت عنها بصفة إنها ‘الكفيل الضامن’ لشركات سيد، وعشان النيابة تحفظ أصول الشركة وتحطها تحت الحراسة القضائية فوراً، لحد ما تسدد لي الـ 40 مليون.”
اتسعت عيناي من شدة الصدمة.
اللعبة كانت أكبر مني بكثير!
كمال الباشا مكنش عاوز يتفق معايا من الأساس على شراكة أو مهلة سنة.. كمال كان عاوز الشركة تسقط تحت ‘الحراسة القضائية’، لأن الحراسة معناها بيع أصول الشركة، والمخازن، والعقارات في مزاد علني بخسارة شديدة.. وهو الوحيد اللي يقدر يشتري الإمبراطورية دي بـ تراب الفلوس في المزاد!
سيد كان مجرد طعم.. وصباح كانت الأداة الغبية اللي قتلت سيد.. وأنا كنت الكبش اللي كمال هيعدي على جثته عشان ياخد كل حاجة!
— “هاتوا الأستاذة نوال والمحامي فرج على القسم..” قال الضابط هشام بصرامة وهو يشير للمخبرين: “والباشا يفضل معانا هنا لحد ما قوة من النيابة تتسلم مكتب المرحوم وتفتش الخزنة.”
اقترب المخبرون مني.
في تلك اللحظة، وسط ريحة القهوة المرة ودخان السيجارة المسموم وصوت الأوراق المبعثرة على الأرض.. حسيت بحاجة جواه اتكسرت وأعادت تشكيل نفسها من جديد.
المسكنة انتهت.
ودور الأخت الضحية المظلومة اللي بتدافع عن اسمها وميراثها راح للابد.
رفعت إيدي قبل ما المخبر يلمسني، وقلت بنبرة ساطعة كالسيف هزت أركان الغرفة:
— “إيدك ما تتمدش عليا! أنا همشي معاكم على رجلي.. بس قبل ما نتحرك خطوة واحدة برة الباب ده، فيه حاجة لازم تعرفها يا سيادة الرائد.”
وقف الضابط ونظر إليّ باستغراب، بينما ضيق كمال الباشا عينيه بوجل.
سحبت حقيبتي الجلدية من على الترابيزة، فتحتها ببطء شديد، وأخرجت منها مظروفاً أصفر قديم، ومغلق بختم شمعي أحمر.
— “سيد أخويا الله يرحمه.. كان عارف إنه هيتقتل.” قلتها وأنا بصة في عين كمال الباشا مباشرة: “وكان عارف إن كمال الباشا هيلعب اللعبة دي بعد موته. عشان كده.. وقبل ما بياض النور يطلع إمبارح، وقبل ما قلبه يقف بساعتين.. سيد بعت لي المظروف ده مع عامل الدليفري بتاع الصيدلية اللي في منطقتنا.”
كمال الباشا أخرج السيجارة من فمه، ولأول مرة يظهر على وجهه ظل حقيقي من القلق.
كملت كلامي بثبات مرعب:
— “المظروف ده فيه أصل عقود التنازل الحقيقية اللي سيد كتبها ليا أنا من سنتين.. أوراق بتثبت إن ‘سيد عبد الصمد’ مكنش يملك ولا 1% من أصول الشركة من الأساس! كل العقود اللي استلف بيها الـ 40 مليون من كمال الباشا.. عقود باطلة، ومبنية على ملكية وهمية. يعني كمال الباشا مالوش أي حق يطالب بحراسة قضائية، والدين ده يعتبر دين شخصي على ج\ثة سيد اللي تحت التراب.. مش على الشركة!”
المحامي فرج شهق بصوت عالٍ، والضابط هشام انتزع المظروف من يدي فوراً وفتح الشمع الأحمر بلهفة.
نظر كمال الباشا إليّ بنظرة مليانة بشر وغل، صوته خرج كالحسيس:
— “أنتِ بتلعبي بالنار يا نوال…”
ابتسمت له بنفس الابتسامة الباردة اللي كان بيبتسم بيها من شوية، وقربت منه لحد ما بقيت على بعد سنتيمترات من وجهه:
— “أنا اللي عملت النار دي يا باشا.. وأنا الوحيدة اللي أعرف أتحرق فيها وأطلع منها حية. لو فاكر إنك هتسجنني أو تاخد شقا عمري.. تبقى ما عرفتش نوال عبد الصمد لسة.”
الضابط هشام قلب في الأوراق بسرعة، ووجهه تغير تماماً. التفت لكمال الباشا وقال:
— “الكلام ده مظبوط رسمياً يا كمال باشا.. العقود دي مسجلة في الشهر العقاري بتاريخ قديم! التمويل بتاعك ملهوش أي ضمانة على أصول الشركة!”
وفجأة.. وقبل ما كمال يقدر يرد، أتسحب هواء الأوضة بصوت انكماش مفاجئ، وصوت صرخة عالية جابها الهواء من الممر الخارجي!
صوت صرخة حريمي تقطع القلب.. كان صوت صباح!
وبعدها بـ ثانية واحدة.. انطلق صوت إطلاق نار حي كسر أزاج شباك المكتب، ونفذت رصاصة غادرة استقرت في حائط المكتب فوق رأس المحامي فرج بمليمترات!
بعد الجنازة ج3
حكايات روماني مكرم
تناثرت زجاج النوافذ في كل اتجاه، وساد الفوضى المكان في ثوانٍ معدودة.
ارتطم المحامي فرج بالأرض وهو يصرخ بانهيار صارعًا رأسه بيده، بينما انبطح مخبرو المباحث على الأرض بسرعة احترافية وسحبوا أسلحتهم النارية، متخذين من المكاتب الخشبية والقطع الأثاثية الثقيلة سواتر يحتمون خلفها.
أما الرائد هشام، فبدهاء وخفة، اندفع نحوِي وضغط على كتفي بقوة ليجبرني على الانخفاض خلف الطاولة الجلدية الضخمة، صارخًا بصوت هز أركان الشقة:
— “اخفضوا رؤوسكم جميعاً! حماية المحيط فوراً!”
الوحيد الذي لم ينبطح كاملاً كان كمال الباشا؛ اكتفى بالانحناء خلف عمود خرساني مجاور للنافذة، وكانت عينياه تتطاير منهما شرارات غضب مرعب. لم يكن خائفاً من الرصاص بقدر ما كان غاضباً لأن الأمور خرجت عن نطاق سيطرته المطلقة التي اعتاد عليها.
انطلق صوت إطلاق نار آخر من الشارع الأسفل، متبوعاً بصريخ ناس وتدافع أقدام في الحارة الضيقة بالسيدة زينب.
صرخ الرائد هشام في الجهاز اللاسلكي المعلق على صدره، وصوته يقطع صخب الرصاص:
— “دورية الدور الأول! إيه اللي بيحصل برة؟! مين اللي بيطلق نار؟!”
جاءه الصوت من اللاسلكي مشوشاً ومصحوباً بصوت طلقات متقطعة:
— “يا فندم!يهجم مسلحون على العمارة! فيه عربية دفع رباعي سوداء وقفت نزل منها ثلاثة مسلحين.. صفّوا رجلين من رجالة كمال الباشا اللي كانوا واقفين تحت، وواخدين صباح وأخوها جمعة رهائن في مدخل الشارع!”
التفتُّ وأنا تحت الطاولة نحو كمال الباشا.
كان يحاول إخراج هاتفه ببدلة الرمادية التي تلوثت بغبار الزجاج المكسور، وحشرج بصوت كالحديد المصدوم:
— “دول مش رجالي.. دول رجالة ‘الشيخ سليم’!”
الكلمة قطعت شك الشك باليقين.
الشيخ سليم.. الاسم الذي كان سيد يذكره بهمس مرعوب كلما سكر في أواخر أيامه، الاسم الذي كان يمثل الحوت الأكبر في سوق سيناء وبورسعيد، والذي لم يكن أحد يجرؤ على نطق اسمه في اجتماعات التجّار.
التفت الرائد هشام لنوال بحدة، وعيناه تشتعلان غضباً:
— “مين الشيخ سليم ده يا كمال؟! وبيدخل في اللعبة دي ليه؟!”
رد كمال الباشا وهو يحاول ألا يظهر ضعفه، لكن نبرته خانته:
— “سيد المرحوم.. مكنش واخد الـ 40 مليون مني أنا بس يا هشام بيه.. سيد كان بياخد بضائع مهربة لحساب الشيخ سليم ويبيعها في مخازن الجمالية لحسابه الشخصي! لما سيد مات.. الشيخ سليم عرف إن الفلوس والبضاعة راحت، وجاي ياخد حقه بالدم، ومش فارق معاه شرطة ولا نيابة!”
قبضت على أطراف بدلتِي الرمادية.
سيد لم يكن مجرد رجل أعمال فاشل أو أخ خائن.. سيد كان يغرق في قاع أسود لا نهاية له! كان يداين الجميع، وينصب على الجميع، ورماهم جميعاً في وجهي قبل أن يرحل!
وفجأة، توقف إطلاق النار في الشارع تماماً.
حلّ صمت أشد رعباً من صوت الطلقات.
صوت خطوات جزم ثقيلة صعدت السلم ببطء شديد.. خطوة.. تليها خطوة.
الشرطة في الشقة كانت في موقف حرج؛ الرائد هشام ومعه أربعة مخبرين فقط، بينما الطرف المقابل عصابة من المسلحين لا تبالي بوجود القانون.
انسحب الرائد هشام ببطء صوب الباب، وهو يشير لرجاله بالاستعداد للتبادل، ثم التفت إليّ وقال بصوت منخفض جداً:
— “أستاذة نوال.. أدخلي الحمام الصغير اللي في الممر واقفلي على نفسك بالمفتاح. دي مش حربك.”
نظرت في عينيه، وفي عين كمال الباشا المذعور لأول مرة، وفي الورق المبعثر على الأرض الملطخ بالدم والغبار.. وقفت بثبات رغماً عن الرعب الذي ينهك جسدي.
— “لا يا سيادة الرائد..” قلتها بصوت ثابت كالجبل: “دي حربي أنا من اللحظة الأولى. والشيخ سليم مش جاي عشان صباح ولا كمال.. الشيخ سليم جاي عشان البضاعة اللي محبوسة في مخازن الجمالية.. والمخازن دي، مفاتيحها وشيفرة خزائنها مش مع حد في الدنيا دي غيري أنا!”
كمال الباشا نظر إليّ بذهول، وكأنه يرى امرأة أخرى غير التي كان يهددها منذ ساعة:
— “أنتِ مجنونة؟! دول مش بتوع محاكم وتنازلات يا نوال.. دول هيصفّوكي في مكانك!”
ابتسمت له ابتسامة شاحبة، وسحبت من جيب بدلتِي الميدالية الحديدية الثقيلة التي تحمل المفاتيح الماستر لمخازن الجمالية.
— “اللي يعيش عشرين سنة في الضلمة يربي سيد ويكبّره.. ما يخافش من شويه قطاع طرق يا باشا.”
وفجأة.. اندفع باب المكتب الخارجي لداخل الشقة بقوة هائلة بعد أن نسفوا القفل بطلقة خرطوش حيّة!
انفجر الغبار في الممر، وظهر من بين الدخان رجل ضخم الج\ثة، يرتدي عباءة داكنة ويلف وجهه بشال بدوي، يحمل في يده س\لاحاً آلياً متطوراً، وخلفه اثنان من المسلحين يجرون صباح المنهارة وجمعة الناحب المدمى الوجه.
جرد الرجل الضخم الغرفة ببعينين نفاذتين كالحديد المحمى، وتجاهل أسلحة الشرطة الموجهة نحو صدره كأنها لعب أطفال.
— “مين فيكم نوال عبد الصمد؟” قالها بصوت بحّاح يشبه صفير الريح في الصحراء.
خطوت خطوة واحدة للأمام، خروجاً من خلف الساتر، ووقفت في صدر الأوضة، بدلتِي الرمادية متسخة والغبار يعلو شعري، لكن رأسي كان مرفوعاً للسماء.
— “أنا نوال عبد الصمد..” قلتها بثبات زلزل الأوضة: “وأنت أكيد الشيخ سليم.. مرحب بيك في القاهرة.”
صمت الشيخ سليم لثوانٍ معدودة. عيناه النفاذتان تفحصتاني ببرود تحته بركان ثائر، ثم انحرفت نظراته نحو الميدالية الحديدية الثقيلة التي كنت أقبض عليها في يدي بثبات.
خطا خطوة واحدة داخل الأوضة، وصوت حذائه الثقيل على الزجاج المكسور كان يرن كجرس الإعدام. الرائد هشام رفع مس\دسه مباشرة ونشّن على صدر الشيخ سليم، بينما رجاله الأربعة أخذوا أوضاعاً قتالية حادة، لكن الشيخ سليم لم يرمش له جفن، ولم يلتفت حتى لرجال الشرطة.
— “المرحوم سيد كان حمار..” قالها الشيخ سليم بصوت بحّاح ولهجة بدوية ثقيلة، نفس الكلمة التي قالها كمال الباشا من قبل: “كان فاكر إنه يقدر يهرب ببضاعة بـ 60 مليون جنيه في مخازن الجمالية، ويقفل تلفونه ويموت بالسكتة! بس هو مكنش عارف إن البضاعة دي بتاعت ناس ما بتموتش، وما بتبلعش الخسارة.”
رمى الشيخ سليم بنظره نحو صباح وجمعة الملقيين على الأرض عند مدخل الممر كالتمر المفعوص، وقالهما بنبرة تحتقر الوجود:
— “دول كانوا فاكرين إن الفلوس اللي في البنك هي التركة.. مكنوش يعرفوا إن التركة الحقيقية هي الموت اللي سايبه سيد وراه.”
ثم عاد بظهره ينظر إليّ، وضيق عينيه الشبيهتين بعيني الصقر:
— “أنتِ بقى نوال؟ الاخت اللي كانت بتدير الشغل من السكات؟”
— “أنا نوال عبد الصمد..” قاطعتُه ونبرتي لم تهتز قيد أنملة، رغماً عن الرصاص الموجه والس\لاح الآلي المعلق على كتفه: “وأنا الوحيدة في مصر كلها اللي تعرف المخزن السرّي جوة الجمالية فين، وشيفرة الخزنة الرقمية اللي جواها البضاعة والورق الأصلي بتاع الصفقات. سيد مكنش بيعرف يفتح الخزنة دي أساساً من غير ما يرجعلي.”
في هذه اللحظة، تحرك كمال الباشا من خلف العمود الخرساني، متناسياً الرصاص والشرطة، وقال بصوت مجهد محاولاً استعادة كبريائه:
— “يا شيخ سليم.. نوال كفيل ضامن ليا أنا الأول بـ 40 مليون! الشركة وأصولها وبضاعتها تحت حجز ديوني!”
التفت إليه الشيخ سليم ببطء مرعب، ورفع سبابته في وجه كمال الباشا:
— “اسكت يا كمال.. حسابك معايا بعدين على الديون الوهمية اللي كتبتها على سيد عشان تاخد حقه. اللعبة كبرت عنك وعن شركاتك المضروبة.”
ثم وجه كلامه للرائد هشام، الذي كان ما يزال ثابتاً في موقعه:
— “يا سيادة الرائد.. أنت راجل دولة، وأنا محترم وجودك. بس أنت عارف كويس إن القوة اللي معاك مش هتطلعكم حيين من العمارة دي لو الفتيل اتولع. نزل س\لاحك، وخليني أخد الأستاذة نوال ونحل مشكلتنا بعيد عن قسم السيدة زينب.”
صرخ الرائد هشام بحزم وإصرار:
— “الكلام ده مش في قاموس الشرطة يا سليم! أنت واخد رهائن، ومقتحم مكتب محامي، وضربت نار على قوة أميرية! لو متراجعتش فوراً، الدعم اللي جاي في السكة حاصم الشارع كله!”
ابتسم الشيخ سليم ابتسامة خفيفة، وسحب جهاز لاسلكي صغير من تحت عباءته، وضغط على زر فيه:
— “الدعم بتاعك مش هيعرف يدخل الشارع يا هشام بيه.. الشارع الموازي مقفول بنقل مقلوبة، والرجالة معطلين المرور في ميدان السيدة كله. قدامك دقيقتين تجيب قوة حقيقية.. وقبل ما الدقيقتين يخلصوا، هكون أخدت اللي أنا عاوزه ومشيت.”
الضغط في الغرفة وصل لدرجة الغليان. المحامي فرج كان يبكي في الزاوية بصوت صامت، وصباح كانت ترتجف وهي تنظر إليّ بكراهية ورعب ممتزجين، وكمال الباشا بيحسب حساباته للخروج بأقل الخسائر.
خطوت خطوة أخرى نحو الشيخ سليم.
— “عايز البضاعة والورق يا شيخ سليم؟” سألته وأنا أرفع الميدالية أمام عينيه.
— “ده المطلوب يا نوال هانم.. البضاعة والورق، وندفن اللي فات.”
— “المخازن مش هتنفتح بشرط واحد..” قلتها بصلابة جعلت الجميع في الغرفة يلتفتون إليّ بذهول.
رفع الشيخ سليم حاجبه البدوي السميك:
— “شرط؟! أنتِ بتتشرطي عليا وأنتِ تحت الس\لاح؟”
— “أنا مش تحت الس\لاح.. أنا صاحب الملك الوحيد في القاعة دي.” رددت ببرود أشد من الثلج: “شرطي إنك تسلم الفلاشة اللي معاك، وتكتب إقرار رسمي بإن صباح وجمعة مالهمش أي علاقة بالشركة ولا بالديون، وتسيبهم للشرطة يتحاكموا بتهمة قتل سيد.. وتسدد لـ كمال الباشا الـ 40 مليون بتوعه من قيمة البضاعة اللي في المخزن، وتديني أنا حقتي ونسبي الرسمية كمالكة كاملة لشركات عبد الصمد.”
ساد صمت مطلق في المكان.
صباح صرخت وهي تحاول الوقوف: “يا خائنة! بتبيعينا للبدوي ده?!”
لكن أحد المسلحين ضربها بنصل س\لاحه على ظهرها لتسقط أرضاً من جديد.
كمال الباشا نظر إليّ بصدمة.. كان متوقعاً إني سأتوسل لحياتي، لكنني كنت أصيغ معادلة القوة من جديد، وأستغل صراع الذئاب لأصنع لنفسي المخرج الوحيد!
الشيخ سليم نظر إليّ لفترة طويلة، وكأنه يزن كلماتي بميزان ذهب. وفجأة، أخرج ضحكة عميقة هزت صدره:
— “والله وسيد كان حمار فعلاً! سايب العقل ده كله ومقعدك في الضلمة عشرين سنة؟!”
ثم سحب نفساً عميقاً وأردف:
— “موافق يا نوال.. حركة واحدة منك تفتحي بيها الخزنة في المخزن، والشرط ينفذ فوراً.”
لكن قبل أن أخطو خطوة واحدة باتجاه الباب مع الشيخ سليم..
سمعنا جميعاً صوتاً غريباً يأتي من ج\ثة الظل في الممر!
صوت شاشة تليفون سيد المحمول.. التليفون المغلق الذي كان في جيب بدلة سيد عندما مات، والذي كان بحوزة الرائد هشام كدليل!
التليفون أضاء في يد الرائد هشام، ورن بنغمة خاصة جداً..
والاسم الذي ظهر على الشاشة كشف سرّاً أشد هولاً من القتل ومن الديون ومن العصابات كلها..
الاسم الذي ظهر على الشاشة كان:
**”سيد عبد الصمد”!!**
تسمّرت الأجساد في أماكنها، وانخطف سكون الأوضة بذهول يرعب العقول.
الاسم على الشاشة كان يلمع باللون الأخضر وسط العتمة: **”سيد عبد الصمد”**!
صوت النغمة كان يرن كأنه آتٍ من القبر. النظرات اتجهت كلها نحو يد الرائد هشام المرتعشة، بينما صباح شهقت شهقة خنقتها في حلقها، وسقط جمعة مغشياً عليه من الرعب. الشيخ سليم ضيق عينيه بجمود، وكمال الباشا تراجع خطوات للخلف وكأنه يرى شبحاً حقيقياً.
فتح الرائد هشام مكبر الصوت (السبِيكر) وفتح الخط ببطء شديد…
جاء الصوت من سماعة الهاتف.. نقيّاً، هادئاً، ونبرة ساخرة أعرفها تمام المعرفة.. صوت أخي سيد!
— “مساء الخير يا حضرات.. بعتذر إني مقدرتش أحضر الاجتماع ده بنفسي، بس الظروف الأحكام بقى.”
صرخت صباح بصوت هستيري:
— “سيد؟! انت حاي؟! امال مين اللي غسلناه ودفنّاه إمبارح?!”
ضحك سيد في التليفون ضحكة ناشفة مسمومة:
— “اللي اتدفن إمبارح يا صباح.. كان الراجل الغلبان اللي جمعة أخوكي جابه عشان يسجل باسمه عقارات وهمية، المادة اللي حطيتوها في القهوة أكلت قلبه هو.. مش قلبي أنا. أنا أخدت بالي من العصير المسموم اللي قدمتيهولي من أسبوع، وبدلت الأدوار في اللحظة الأخيرة!”
ثم تحولت نبرة صوته من السخرية إلى الغل والحقد وهو يوجه كلامه إليّ أنا:
— “وأنتِ يا نوال.. يا أختي العظيمة.. فاكرة إنك ناصحة؟ فاكرة إنك لما تكتبي العقود باسمك وتديري من ورا الستار هتعرفي تأخدِي الجمل بما حمل؟ أنا عارف إنك من زمان شايفاني مجرد ‘صورة’ وأنتِ ‘العقل’. عشان كده كان لازم ألعب اللعبة دي.. خَليت كمال الباشا يفتكر إنه بيضغط عليكي بالـ 40 مليون، وخَليت الشيخ سليم يجري ورا مخازن الجمالية الفاضية، وخليت صباح القاتلة تلبس قض\ية الق\تل والتزوير.. وأنا دلوقتي قاعد في المطار، ومعايا الأرصدة الحقيقية اللي سحبتها الصبح بدري، ومسافر برة مصر للابد!”
ساد صمت يرعب في الأوضة.
الجميع اتخدعوا.
صباح، وجمعة، وكمال الباشا، والشيخ سليم.. وحتى أنا!
سيد مكنش الضحية، ولا كان الجبان اللي بيهرب.. سيد كان أفعى غيرت جلدها، واستغل طمع الجميع وغلّهم عشان يضربنا ببعض، ويخلع بالغنيمة الكبرى وحدَه!
لكن في تلك اللحظة بالذات…
سحبتُ نفسي بثبات، وسحبت هاتف المحامي فرج الملقى على الطاولة، وضغطت على زر العرض التفاعلي المرتبط بشاشة التلفزيون المعلقة في مكتب المحامي.
— “الطيارة بتاعتك الساعة كام يا سيد؟” قلتها بصوت هادئ جداً، خالي من أي مفاجأة أو انكسار.
توقف صوت سيد على الناحية الثانية لثانية واحدة:
— “ساعتي أربعة ونص.. فاضل عشر دقائق والطيارة تقوم يا نوال. ملحقتيش تعملي حاجة.”
ابتسمتُ ببرود وأنا أرفع الميدالية الحديدية أمام الكاميرا:
— “أنت للأسف يا سيد طول عمرك واجهة.. حتى في النصب والتخطيط بتفضل واجهة. الفلوس اللي أنت سحبتها الصبح من الحساب المشترك وحطيتها في حسابك في السويس؟ الحساب ده كان مربوط كـ ‘ضمان إلكتروني’ برقم الخزنة الرقمية اللي في مخزن الجمالية. بمجرد ما أنت حولت الفلوس لحسابك الجديد برة.. السيستم الآلي للشركة أعتبرها ‘عملية اختلاس غير مشروعة’، وجمد الأرصدة في المطار فوراً!”
صوت أنفاس سيد على التليفون بدأت تتصاعد بسرعة ورعب:
— “أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه?!”
كملت كلامي بثبات هز أركان الأوضة:
— “أنا اللي بنيت السيستم يا سيد.. مش أنت. وأنت لما جيت تسرقني، سرقت الحساب اللي أنا حاطة فيه الشفرة القاتلة. الحساب اتجمد، وقوة مباحث المطار واقفة قدام بوابة الصعود بالظبط دلوقتي عشان تقبض عليك بتهمة التزوير واختلاس أموال شركة وتحويلها للخارج!”
وفي نفس اللحظة.. سمعنا عبر التليفون صوت مكبرات الصوت في المطار وهي تنادي برحلة سيد، متبوعة بصوت صراخ سيد وضوضاء رجال الأمن وهم يقيدونه بالكلابات الحديدية!
سقط التليفون من يد الرائد هشام، وانقطع الخط.
التفتُّ لكل الموجودين في الأوضة.
صباح كانت تبكي بانهيار بعدما عرفت إنها قتلت الشخص الغلط وركبت المشنقة ببلاش.
كمال الباشا جلس على الكرسي مذهولاً، بعدما اكتشف إن ديونه وبضائعه أصبحت في يد القانون.
والشيخ سليم أرجع س\لاحه لكتفه، ونظر إليّ بعينين مليئتين بالذهول والرضا، وضرب كفاً بكف:
— “أنا عشت وشفت كتير يا نوال هانم.. بس مشفتش قوة وذكاء بالبرود ده. الشركة والمخازن ملكك أنتِ من النهاردة.. ومحدش فينا يقدر يفتح بقه معاكي.”
انسحب الشيخ سليم ورجاله ببطء وهدوء من العمارة، وسلّم كمال الباشا نفسه للرائد هشام لتسوية الديون قانوينًا، بينما اقتيدت صباح وجمعة في الكلبشات بتهمة القتل العمد.
وقفتُ وحدي في منتصف الأوضة المهدومة.
مسحت الغبار عن البدلة الرمادية، وعدّلت شعري المرفوع بقوة.
الظلمة اللي عشت فيها عشرين سنة خرجت منها للنور.. بس النور المرة دي مكنش بيلمع على سيد.. كان بيلمع عليا أنا.
### 💡 الحكمة من القصة:
> **”لا تقبل بأن تكون شمعة تحترق لتضيء لغيرك في الظلام، فلن يتذكروا فضلك حين يحل النور، بل سينسون أنك كنت السبب في إبصارهم. الذكاء الحقيقي ليس في أن تخوض المعارك بيدك، بل في أن تبني حصنك بذات القوة التي تبني بها ملك غيرك.. فالشجر الذي لا يسقى بحقه، يجف وسرعان ما تطؤه الأقدام.”**
>


تعليقات
إرسال تعليق