سكريبت أدم شاهين الألفي كامله
أدم شاهين الألفي
آدم شاهين الألفي، 33 سنة، مهندس معماري، بس في الحقيقة هو مش مجرد مهندس، هو اللي شايل شركة ابوه كلها على كتافه.
ابوه شاهين باشا الألفي، رجل اعمال تقيل، من الناس اللي بتبني كومباوندات في التجمع و زايد و العاصمة، اسمه لوحده بيمضي شيكات بملايين. بس بقاله سنتين تلاتة كده صحته على قده، وقرر يسلم كل حاجة لابنه الوحيد آدم.
آدم بقى عكس ابوه تماما. ابوه صوته عالي و بيحب السيطرة و الاجتماعات و الزعيق، انما آدم هادي، بيتكلم بالراحة، بيسمع اكتر ما بيتكلم، وبيحب التفاصيل. يقعد بالساعات يبص على رسمة واجهة عمارة عشان شباك مش مظبوط.
الشركة بتاعتهم في برج ازاز كبير في وسط البلد، الدور الـ 18 كله بتاعهم. آدم مكتبه ازاز في ازاز، بس هو اغلب وقته مش في المكتب، بينزل المواقع، يقعد مع العمال، يشرب شاي معاهم .
وفي نفس الدور الـ 18، بس في اخر الطرقة خالص، في اوضة صغيرة ملهاش صوت، اوضة الارشيف.
الاوضة دي اللي قاعد فيها الأستاذ عبد الجواد.
الأستاذ عبد الجواد عنده 62 سنة، راجل رفيع و قصير و لابس نضارة نظر، بقاله اربعين سنة في الشركة دي. من ايام ما كانت الشركة اوضة وصالة في عمارة قديمة في باب اللوق. هو اللي عارف كل ورقة راحت فين و جت منين. لو دورت على عقد من سنة 98، هو يجيبهولك في دقيقتين.
راجل غلبان اوي،
في حاله، مبيتكلمش كتير، بيجي 8 الصبح يمشي 4 العصر، معاه شنطة جلد قديمة، و مج حراري فيه شاي.
عنده بنت واحدة بس، هند.
هند عبد الجواد، 26 سنة، خريجة فنون جميلة قسم ديكور. امها ماتت من وهي عندها 16 سنة، ومن ساعتها وهي عايشة هي و ابوها لوحدهم في شقة صغيرة في شبرا. هي اللي بقت امه و بنته و كل حاجة. ست بيت شاطرة، و في نفس الوقت فنانة، بتحب ترسم و تعمل حاجات هاندميد و تبيعها اونلاين.
بنت جميلة، بس جمالها هادي، مش اللي هو بيزعق. شعرها اسود و طويل و على طول لماه، و عينيها واسعة و بتضحك قبل بوقها ما يضحك. واهم حاجة فيها انها شبه ابوها في الطيبة، طيبة لدرجة تخوف.
آدم عمره ما خد باله من اوضة الارشيف دي اصلا، لحد يوم.
يوم التلات، كان عنده ميتنج رخم و طالع زهقان، ماشي في الطرقة رايح يجيب قهوة بنفسه، فجأة لقى بنت طالعة من اوضة الارشيف.
كانت هند.
كانت جاية تزور ابوها عشان كان تعبان اليوم اللي قبله و مرضيش ياخد اجازة. جايباله علبة فيها اكل و علاج الضغط.
آدم وقف مكانه. هي كانت لابسة جيبة طويلة و بلوزة بيضا بسيطة و شنطة قماش عليها رسومات هي اللي رسماها. كانت بتضحك مع ابوها و هي طالعة، و بتقوله: "يا بابا اشرب الينسون بقى، هتفضل طول عمرك عنيد كده؟"
ابوها بيقولها: "يا بنتي روحي شوفي شغلك، انا زي الفل.
"
آدم شاف المشهد ده كله من بعيد. معرفش ليه ابتسم. حس ان الاوضة الكئيبة بتاعة الارشيف دي نورّت حتة نور صغيرة.
هند بصت ناحيته بالصدفة، اتكسفت شوية، وطت راسها و قالت: "سلام عليكم" بصوت واطي و مشيت بسرعة.
آدم رد: "وعليكم السلام."
ومشي، بس فضل باصص وراها لحد ما دخلت الاسانسير.
من اليوم ده، بقى كل ما يعدي من جنب الارشيف يبص من برة، و كل كام يوم يلاقيها جاية. مرة جايبة لابوها فطار، مرة جايبة له دوسيه نسيه في البيت. مبيتكلموش، يدوب سلام من بعيد، بس هو بقى مستني الزيارة دي.
حتى في مرة، كان داخل الارشيف يدور على خريطة قديمة، لقى عبد الجواد قاعد و هند قاعدة على الارض جنبه بتساعده يرتب ملفات. اول ما شافته قامت وقفت بسرعة.
عبد الجواد قال: "آدم بيه، حضرتك عايز حاجة؟"
آدم اتلخبط: "اه.. اه كنت عايز خريطة مشروع الرحاب بتاع 2005."
هند بصت لابوها، ابوها قالها: "شوفيه في الرف اللي فوق على الشمال يا هند."
هي طلعت على السلم الخشب تجيب الملف، وآدم واقف تحت خايف تقع. جابت الملف و ادتهوله، ايديهم لمست بعض ثانية.
قالتله: "اتفضل."
قالها: "شكرا.. شكرا اوي."
وخرج وهو حاسس انه عبيط، عشان دقات قلبه زادت من لمسة ايد.
الدنيا كانت ماشية هادية، لحد يوم الخميس الاسود.
الشركة كانت بتمضي عقد كبير اوي، مشروع
في الساحل بمليار جنيه. وكان في شيك بمبلغ كبير و4 مليون جنيه، فلوس مقاولين، محطوط في خزنة المدير المالي.
تاني يوم الصبح، الفلوس اتسرقت. الخزنة مفتوحة و مفيش كسر، يعني اللي سرقها معاه مفتاح او عارف الباسورد.
الدنيا اتقلبت. شاهين باشا جه الشركة بنفسه و قعد يزعق. البوليس جه. الكاميرات فصلت بفعل فاعل من الساعة 2 للساعة 3 الفجر، نفس وقت السرقة.
راجعوا مين معاه مفاتيح الارشيف اللي فيه المفاتيح الاحتياطي للخزن؟ مفيش غير اتنين، المدير المالي و الأستاذ عبد الجواد، عشان هو اقدم واحد.
وراجعوا مين اخر واحد خرج من الشركة؟ عبد الجواد، خرج خمسة، بعد مواعيده.
كل الظروف لبسته. والمدير المالي قال انه شافه قبلها بيوم بيفتح درج المفاتيح.
آدم مكنش مصدق. قال لابوه: "يا بابا مستحيل، الراجل ده بقاله اربعين سنة معاك، لو كان عايز يسرق كان سرق من زمان، مش هيسرق وهو عنده 62 سنة و فاضله سنة و يطلع معاش."
ابوه قاله: "الفلوس بتعمي يا آدم، وانا مبرحمش."
البوليس قبض على عبد الجواد من مكتبه قدام كل الموظفين.
هند كانت في البيت بترسم اوردر لعميلة، لقت تليفونها بيرن، جارتها بتقولها: "الحقي يا هند، بيقولوا ابوكي مقبوض عليه في الشركة عشان سرقة."
هند حست ان الدنيا بتلف بيها. نزلت جري من شبرا لوسط البلد، وصلت القسم
وهي مش قادرة تاخد نفسها.
دخلت لقت ابوها قاعد على دكة خشب، وشه اصفر و عرقان و ماسك صدره.
جريت عليه: "بابا! بابا انت كويس؟ ايه اللي حصل؟"
عبد الجواد بص لها وعينيه مليانة دموع: "يا بنتي والله ما سرقت حاجة، والله ما خدت جنيه حرام طول عمري، دول عايزين يلبسوني عشان انا الغلبان."
هند بقت تعيط: "انا مصدقاك يا بابا، مصدقاك."
فجأة عبد الجواد مسك صدره جامد و وقع. جاله ازمة قلبية من الصدمة و الخوف.
نقلوه المستشفى، بس كان خلاص، قلبه وقف. قبل ما يموت بثواني، مسك ايد هند و قالها بصوت متقطع: "برائتي يا بنتي.. هاتيلي برائتي.. متسيبيش اسمي يفضل حرامي."
ومات.
هند الدنيا اسودت في وشها. ابوها مات مظلوم و مكسور و الناس بتقول عليه حرامي.
قعدت يومين في البيت مش بترد على حد. وبعدين قامت، غسلت وشها، ولبست اسود، ونزلت.
راحت على برج الشركة. الامن مرضيش يطلعها، قالولها: "ممنوع، الحاج شاهين مانع اي حد من طرفه يدخل."
قالت بصوت عالي وهي بتعيط: "انا مش جاية اشحت منكم، انا جاية للي قتل ابويا!"
الناس اتلمت. من حسن حظها آدم كان نازل من الاسانسير وشافها.
شاف بنت الارشيف اللي كان بيبصلها من بعيد، بس المرة دي وشها دبلان و عينيها وارمة من العياط و لابسة اسود.
قال للامن: "سيبوها."
طلعها مكتبه. قفل الباب.
هي اول ما دخلت انفجرت: "انتوا قتلتوا ابويا! ابويا مات مقهور بسببكم! ابويا اللي خدمكم اربعين سنة تتهموه انه حرامي وتقبضوا عليه زي المجرمين!"
آدم سكت وسابها تطلع كل اللي جواها.
وبعدين قال بهدوء: "البقاء لله يا هند، انا عارف.. انا عارف انه مظلوم."
هي بصتله
مصدومة: "تعرف؟"
قالها: "ايوة. الأستاذ عبد الجواد مستحيل يسرق. انا اشتغلت معاه وشفت امانته. انا واثق ان في حد لبسه التهمة."
قالتله: "مين؟"
قالها: "معرفش لسه، بس الكاميرات اللي فصلت، والمفتاح اللي اتاخد من غير كسر، ده شغل حد من جوة الشركة، حد كبير وليه مصلحة يداري على سرقة اكبر."
هند مسحت دموعها: "طب و انا اعمل ايه؟ ابويا مات و سمعته راحت."
آدم قام وقف قدامها: "بصي يا هند، انا هساعدك. مش عشان شفقة، عشان ده حق راجل محترم، و عشان انا كمان عايز انضف شركتي من الحرامي اللي فيها. لو موافقة نتعاون سوا، انا وانتي نكشف مين اللي عمل كده."
هند بصتله، اول مرة تحس ان في امل.
قالتله: "موافقة."
ومن هنا بدأت الرحلة.
آدم بدأ يفكر زي مهندس، بالورقة والقلم. قالها: "اول حاجة، مين اللي كان ليه مصلحة يسرق 4 مليون ويغطي عليها؟ ومين اللي يقدر يفصل الكاميرات؟"
هند قالتله: "ابويا كان قايلي ان المدير المالي، اسمه سامح، بقاله فترة بيطلب منه ملفات قديمة لمشروع الساحل و بيمضيه على ورق كتير، وابويا كان بيقوله انا نظري ضعيف مش هامضي غير لما اقرا."
آدم عينيه نورت: "سامح؟ سامح ده بقاله 5 سنين بس في الشركة، و مرة واحدة بقى ساكن في زايد و راكب عربية بي ام، ومرتبه ميجيبش ربع ده."
اتفقوا ان هند هترجع البيت تدور في حاجات ابوها، يمكن سايب اي حاجة، وآدم هيراجع حسابات مشروع الساحل.
هند روحت قلبت الشقة كلها. في درج ابوها لقت نوتة صغيرة قديمة، كان بيكتب فيها كل حاجة. اخر صفحة مكتوب
فيها: "يوم الاربعاء، سامح طلب مني مفتاح الخزنة الاحتياطي عشان بيقول المدير المالي مسافر، اديتهوله ومضيته على ورقة استلام. يا رب استر."
صورت الورقة وبعتتها لآدم.
آدم في نفس الوقت كان قاعد في مكتبه بعد ما كل الناس مشيت، بيراجع فواتير الساحل على اللاب توب. لقى فاتورة حديد ب 12 مليون، بس الكمية اللي داخلة الموقع في الدفاتر اقل بكتير. فرق 4 مليون بالظبط.
يعني سامح كان بيسرق حديد و يبيع الفلوس برة، و لما احتاج يغطي العجز، سرق الـ 4 مليون من الخزنة و لبسها لعبد الجواد.
آدم كلم هند: "تعاليلي الشركة حالا، لقيتها."
هند جت جري، الساعة كانت 10 بالليل. طلعت المكتب، آدم وراها الفواتير.
قالها: "هو ده الدليل، بس مش كفاية للبوليس، احنا محتاجين نثبت انه فصل الكاميرات و انه اخد المفتاح."
هند قالت: "طب نعمل ايه؟"
آدم فكر وقال: "بصي، سامح عنده نقطة ضعف واحدة، مغرور. تعالي نعمل عليه تمثيلية صغيرة."
تاني يوم، آدم عمل اجتماع و قال انه جاب شركة مراجعة خارجية و انهم لقوا ان في سرقة حديد و انهم هيراجعوا الكاميرات بتاعة المخازن اللي في الساحل، والكاميرات دي مبتفصلش و مربوطة بالكلاود.
سامح وشه جاب الوان.
بعد الاجتماع، هند اللي كانت مستخبية في اوضة الارشيف، طلعت فجأة قدامه وقالتله وهي بتمثل انها منهارة: "يا استاذ سامح، انا لقيت فيديو في موبايل بابا، فيديو ليك وانت بتاخد المفتاح منه، انا هوديه للبوليس وهحبسك."
سامح اتخض و اتوتر و قال بزعيق: "فيديو ايه؟ انتي كدابة،
ابوكي هو اللي اداني المفتاح بمزاجه، وانا اصلا مكنتش اعرف ان الكاميرات هتفصل لوحدها.. قصدي.."
وسكت، عرف انه وقع بلسانه.
آدم كان واقف ورا الباب بيصور كل حاجة بالموبايل.
طلع وقال: "كده انت اعترفت انك خدت المفتاح وانك اللي فصلت الكاميرات."
سامح وقع على الكرسي: "انا.. انا كنت باخد عمولة بس، مكنتش عايز اسرق، المشروع كان بيخسر وكنت هتطرد.."
البوليس جه وقبض عليه، وكل حاجة اتسجلت.
بعدها باسبوع، الشركة عملت حفلة صغيرة في الارشيف، وعلقوا صورة الأستاذ عبد الجواد و كتبوا تحتها "الموظف المثالي - 40 سنة امانة" و صرفوا لهند معاش استثنائي و كرموها.
وآدم اخد براءة عبد الجواد وراح زار قبره مع هند.
وقفوا قدام القبر، هند بتعيط بس المرة دي عياط راحة.
قالت: "ارتحت يا بابا؟ حقك رجع."
آدم بص لها وقال: "ابوكي وصاكي تخلي بالك من نفسك ، وقالك برائتي يا بنتي، وانا شايف ان البراءة رجعت، بس الوصية لسه مخلصتش، تسمحيلي اكملها واخد بالي منك. انا بحبك وعايز اتجوزك يا هند؟"
هند ضحكت لأول مرة من بعد موت ابوها، ضحكة من قلبها وقالت: "انت بتعاكسني قدام قبر ابويا يا باشمهندس؟"
قالها: "لا والله، انا بطلب ايدك قدامه، عشان لو وافقتي ابقى باخد موافقة ولي امرك."
هي اتكسفت وقالت: "طب مش لما نخرج من المقابر الاول؟"
خرجوا وهم ماسكين ايد بعض، والشمس كانت طالعة على القاهرة كلها.
آدم اللي كان مفكر نفسه شايل هم شركة بس، اكتشف انه كان محتاج واحدة زي هند تكون دعم ليه.
وهند اللي كانت فاكرة
ان حياتها خلصت بموت ابوها، لقت ان ابوها سابلها اكبر ميراث، سمعة نضيفة وراجل يحبها بجد.
وتوتة توتة خلصت الحدوتة.
!


تعليقات
إرسال تعليق