القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

جوزي استبعدني أنا وولادنا من مصايف عيلته كامله

 جوزي استبعدني أنا وولادنا من مصايف عيلته



جوزي استبعدني  كامله 


جوزي استبعدني أنا وولادنا من مصايف عيلته لمدة إحدى عشرة سنة. قضيت الوقت ده كله فاكرة إن أهله بساطة مش عاوزين وجودنا.. لحد ما مكالمة واحدة مع حماتي كشفت الحقيقة كلها. أول صيف سابنا فيه جوزي “هشام” وسافر، كانت بنتي “سلمى” عندها أربع سنين بس. ساعتها نامت وهي حاضنة الجاروف البلاستيك الصغير البمبي اللي كان جايبهولها عشان كان واعدها إنها هتستخدمه “المرة الجاية”.


 



بس المرة الجاية دي عمرها ما جات.


بعد كم صيف، بقيت بكره صوت السوستة بتاعة الشنطة وهو بيقفلها.


”بابا، ينفع نيجي معاك السنة دي؟” سلمى سألته وهي واقفة في الممر.


هشام حتى مابصلهاش وهو بيطبق هدومه.


”يا حبيبتي، ده نظام عيلتنا في المصايف.”


”يوسف” ابننا، كان عنده إحدى عشرة سنة، واقف جنبي وحاطط إيده في جيبه.. وكان خلاص بطل يسأل.


قلت له: “ما إحنا عيلتك برضو.”


هشام اتنهد بقلة صبر:


“أنتِ فاهمة قصدي يا شيرين! بابا وماما وإخواتي بالعيال، الناس اللي اتولدت وعشت معاهم.. دي طقوس عيلتنا.”


الطقوس دي كانت ملاحقاني في كل حته.


جروبات الواتس آب بتاعة أعياد الميلاد مكنتش فيها، في العزومات كنت أنا دايماً اللي بيمسك الموبايل عشان يصورهم بدل ما أقف معاهم في الصورة، وحتى الكلام كان بيقف فجأة أول ما أدخل المطبخ.


لسنين طويلة استحملت وعدّيت.


محاولة إني أجبر الناس تتقبلني كانت مجهدة أكتر من إني أبين إني مش مهتمة.


الصبح ده، هشام باس سلمى، ووعدها يجيلها بهدايا، ونزل قبل الفطار.


بعد ساعتين بس، أخته نزلت صورة على الفيس بوك من البحر.


بصيت في الموبايل.. الكل كان هناك.


حمايا وحماتي، إخواته بمراتاتهم وجوازاتهم، كل ولاد العم.. كلهم واقفين تحت شمسية واحدة ولابسين تيشيرتات زرقاء زي بعض.


سلمى بصت في الشاشة من فوق كتفي وقالت:


“ماما، هو تيتا وجدو مابيحبوناش ليه؟”


ساعتها في حاجة جوايا اتكسرت حقيقي.


قفلت البرنامج وطلبت رقم “حنان” حماتي.


ردت وصوت الموج والهوا باينين أوي في الخلفية:


“شيرين؟”


”قوليلي الحقيقة، هو ليه ولادي عمرهم ما اتعزموا على السفريات دي؟”


طنط حنان سكتت خالص.


وبعدين سألتني سؤال خلي بطني تتقلب:


“هو هشام قالك إن دي طقوس العيلة، صح؟”


”أيوة.”


صوت البحر بدأ يبعد، كأنها اتحركت ومشيت بعيد عن الكل.


ولما اتكلمت تاني، كان صوتها واطي أوي:


“يبقى جه الوقت اللي تعرفي فيه هشام كان بيقولنا إيه.”


مسكت الموبايل جامد: “قصيدك إيه؟”


أخدت نفس طويل وقالت: “يا شيرين، إحنا عمرنا ما استبعدناكم.”


قلبي وقّف.


“إيه؟”


”هو اللي كان بيقولنا إنك مش عايزة تيجي.. كان بيقولنا إنك مابتستريحيش مع ناس معينة في العيلة، وإنك بتفضلي تقعدي في البيت مع سلمى ويوسف، وإننا لازم نحترم رغبتك.”


فضلت باصة للصورة اللي لسه منورة على الشاشة.


إحدى عشرة سنة.


إحدى عشر صيف وأنا بشوف هشام بيلم شنطته.


إحدى عشرة سنة وأنا بشرح لولادي الخذلان.


إحدى عشرة سنة فاكرة إن أهله قرروا في السكوت إننا ماننتميش ليهم.


وطول الوقت ده، كان بيتقالهم العكس تماماً.


”أنا عمر ما قلت الكلام ده يا طنط.”


صوتها اتهز: “أنا عرفت ده خلاص.”


بصيت لسلمى اللي لسه واقفة جنبي.. وافتكرت الجاروف البلاستيك الصغير اللي نامت بيه زمان.


كل وعد بـ “السنة الجاية”.


كل حجة.


كل مرة هشام حسّس فيها العيال إن طلبهم إنهم يكونوا موجودين ده طلب مش منطقي.


طنط حنان اتكلمت تاني:


“شيرين.. هاتي العيال وتعالي هنا.”


بلعت ريقي: “إيه؟”


”تعالي على شاليه البحر.. النهاردة.”


والدفء اختفى تماماً من صوتها: “ومتقوليش لهشام إنك جاية.”


دي كانت اللحظة اللي فهمت فيها إن الموضوع مش مجرد مصيف عيلة..


جوزي بقاله إحدى عشرة سنة بيلعب بوشين وبيروي قصتين مختلفين.


وأخيراً قربت اعرف ليه.



وصلت الشاليه بعد سفر أربع ساعات في حر أغسطس. سلمى كانت ماسكة إيدي بجسم مشدود، ويوسف حاطط إيده في جيبه وسارح في الشباك، كأنه بيستعد للصدمة أو لانسحاب جديد.


أول ما رجلي لمست الرمل أمام الشاليه، الحفلة اللي كانت شغالة بره سكتت تماماً.



حمايا “حسين” كان قاعد على الكرسي الهزاز، وباقي العيلة ملتفين حولين طاولة الأكل. هشام كان واقف بضهره، شائل كاس عصير وبيضحك مع جوز أخته. أول ما أخته “سارة” شافتني، الضحكة اختفت من على وشها وشرقت بالمية اللي بتشربها.


هشام لف بطء. الكاس اتزهز في إيده والعصير اندلق منه على الرمل. وشه اتقلب أصفر زي القماش القديم، عينيه نطت بيني وبين سلمى ويوسف، وبعدين اتثبتت على أمه اللي كانت واقفة عند باب الشاليه الداخلي ومربعة إيديها.


“شيرين؟” هشام نطق اسمها وهو مش مصدق، صوته كان حشرجة طالعة بالعافية. “أنتِ… أنتِ بتعملي إيه هنا؟ حصل حاجة؟ العيال كويسين؟”


خطوت خطوة لقدام، والهدوء اللي كان جوايا كان يرعب. هدوء الزلزال قبل ما يهد البيت.


“العكس يا هشام.. العيال كويسين جداً. إحنا جينا نعمل اللي بقالنا إحدى عشرة سنة بنتحرم منه.. نعيش ‘طقوس العيلة’.”


هشام قرب مني بسرعة، مسك دراعي بضغط عصبي وهو بيحاول يوجهني بعيد عن الناس: “أنتِ اتجننتِ؟ جاية ليه وتعدي العيال في السفر ده كله من غير ما تقوليلي؟ تعالي على جنب نتكلم.”


قبل ما أرد أو أشد إيدي، صوت حمايا “حسين” ضرب في المكان زي الرعد: “سيب إيدها يا هشام!”


حمايا قام وقوفه، ورغم سنه الكبيرة، خطواته كانت تقيلة وثابتة. بص لهشام بنظرة عمره ما بصها له قبل كده، وبعدين بص لسلمى ويوسف. عينيه دمعت وهو بيوطي مستوى سلمى: “تعالي يا سلمى.. تعالي يا حبيبتي في حضن جدو.”


سلمى بصلتلي بالأول، ولما هزيتلها رأسي، جريت عليه. يوسف بصل هشام بنظرة احتقار هادية ومشي ناحية كراسي العيلة وقعد.


هشام كان بيتلفت حواليه زي الفار المحبوس في مصيدة. أخته، ولاد عمومته، كلهم كانوا باصين له بذهول واستنكار.


حماتي “حنان” خرجت من الشاليه، مشيت ببطء وقفت جنبي، وبصت لابنها وقالت: “ليه يا هشام؟”


هشام حاول يلم الموقف، وشوشته بدأت تعلى بالتوتر: “في إيه يا جماعة؟ مالكم بتبصولي كده ليه؟ شيرين أنتِ قلتي إيه لأمي؟ أنتِ جاية تعملي مشكلة وخلاص؟ مش أنتِ اللي طول عمرك بتقولي مابتستريحيش في زحمة العيلة وبتحبي تقعدي في البيت؟”


صرخت فيه، ولأول مرة في حياتي صوتي يعلى بالشكل ده قدام أهله كلهم: “أنا كذبت؟ أنا كذبت يا هشام؟ أنت بقالك إحدى عشرة سنة بتبص في عين بنت أربع سنين وبتكذب عليها! بقالك إحدى عشرة سنة بتقولي أهلك مش عايزيننا، وبتروح تقولهم شيرين هي اللي رافضة!”


هشام بلع ريقه وصوته بدأ يتهز: “أنا.. أنا كنت بحميكم! أنتِ مش فاهمة حاجة يا شيرين!”


“بنحمينا من إيه؟” حماتي قاطعت بحزم ومرارة. “بتحميها مننا يا هشام؟ ولا بتحمي نفسك؟”


حمايا قرب من هشام وضغط على كتفه بجفاء: “انطق يا هشام.. الكذب ده كله كان ليه؟ إحنا كنا بنتحايل عليك كل سنة تجيب مراتك وعيالك، وكنت تطلع فيهم القطط الفاطسة! تقول شيرين شايفانا بساطة زيادة ومش مستواها، وتقول إن العيال بيكرهوا دوشة العيلة! ليه؟”


الجملة دي نزلت عليا زي قلم على وشي. “شايفاكم بساطة زيادة ومش مستوايا؟” بصيت لهشام وأنا مش مصدقة. الإنسان اللي جوزته وعشت معاه، كان بيبعني لأهله ويبيع أهله ليا عشان يسيبنا في الهامش.


هشام مسك شعره بإيديه الاثنين، وشه احمر بالكامل وبدأ يصرخ بالدفاع عن نفسه: “أيوه! أيوه عملت كده! عايزين تعرفوا ليه؟ عشان أنا هنا غير هناك! أنا هنا هشام الابن الكبير اللي لازم يصرف ويلبي ويكتم، وهناك في بيتي أنا السي السيد! أنا لو كنت جبتكم هنا، كانت شيرين هتشوفني وأنا بنفذ أوامر أبويا، وكانت هتكتشف إن الشقة اللي في القاهرة والشركة اللي باسمي مش بتوعي لوحدي!”


السكتة سادت المكان. الهواء نفسه اتقطع.


حمايا رجع خطوة لورا وكأنه اتضرب بقلم. “قصدك إيه؟”


هشام بص للأرض، وصوته نزل للحديد: “قعدتي معاكم هنا كانت بتفكرني بكل حاجة أنا هربان منها. أنا كنت عايز افصل حياتي.. حياتي معاكم طقوس وشغل وعيلة، وحياتي مع شيرين بيتي ومكاني اللي محدش يشاركني فيه. لو شيرين وعيالي اختلطوا بيكم، مكنتش هعرف أسيطر على القصتين!”


حماتي قربت منه وضربته بظهر إيدها على صدره: “علشان أنانيتك؟ عشان كبرياءك المريض حدمت طفولة ولادك؟ حرمت سلمى تنزل البحر معانا؟ حرمت يوسف يعرف يعني إيه عيلة؟ كنت بتطلع مراتك مفترية وقرّافة قدامنا، وبتطلعنا إحنا قساة ومرضى قدامها؟”


هشام بصلي وعينيه فيها ترجي مريض: “شيرين.. افهميني، أنا كنت بعمل كده عشانحافظ على شكلنا.. عشان مايحصلش مشاكل بينك وبينهم..”


قربت منه لحد ما بقيت بيني وبينه سنتيمترات. بصيت في عينيه ومكانش فيهم غير الخوف على شكله وبس.


“أنت مكنتش بتحافظ على حد يا هشام.. أنت كنت بتداري خيبتك وأنانيتك. أنت حرمت بنتك تنزل المية بجاروف بمبي عشان خايف حد من أهلك يقولك كلمة ما تعجبكش؟ أنت مش راجل.”


الكلمة هزته. بص حواليه، شاف استحقار في عين كل فرد في العيلة. أخته سارة بصت للناحية التانية، وحمايا لف ضهره ومشي ناحية البحر وهو ماسك إيد سلمى ويوسف.


أنا لفيت ضهري وكنت ماشية ناحية الشاليه عشان ألم شنطتي وناخد أول عربية نرجع بيها، بس حماتي مسكت إيدي.


“أنتِ مش ماشية يا شيرين،” طنط حنان قالتها بصوت قاطع. “اللي يمشي ويتفضل من هنا هو اللي كذب وخدعنا كلنا.”


هشام اتصدم: “أمي! أنتِ بطرديني أنا عشانها؟”


أمه بصت له ببرود تام: “أنت طردت نفسك من يوم ما خرجت أهلك وعيلتك من حساباتك ورسمت زيف. الشاليه ده بيتنا، وشيرين وولادها يلزمونا.. أنت اللي تدور لك على مكان تقعد فيه لحد ما تفوق لنفسك.”


هشام بصلنا كلنا بذهول، أخد مفاتيح عربيته وشنطته الصغيرة اللي كان لسه جايبها، ومشي وهو بيشتم تحت ضروسه، وصوت فتل الكاوتش على الرمل كان يعلن بداية نهاية كل حاجة بيني وبينه.


قعدت على الكرسي والرجلين مش شيلاني. سلمى وجروب البحر في إيدها جرت عليا: “ماما.. هو بابا مشي؟”


بصيت للبحر اللي كنت محرومة منه إحدى عشرة سنة، وبصيت لحماتي اللي كانت ماسكة إيدي بتعتذر بعينيها.


“بابا مشي يا سلمى.. بس إحنا خلاص وصلنا.”


بس الهدوء ده كان هدوء موقت.. لأن الموبايل اللي في إيدي رن بنغمة رسالة. فتحتها وكانت من رقم غريب، مكتوب فيها:


“متفتكريش إنك كسبتي يا شيرين.. أنتِ عرفتي نص الحقيقة بس، واسألي حنان عن السر اللي هشام كان بيكتمه عشانها هي بالذات.”


“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


جوزي استبعدني 2


الرسالة المجهولة فضلت منورة على شاشة الموبايل زي الجمرة. الكلام كان بياكل في عقلي: “اسألي حنان عن السر اللي هشام كان بيكتمه عشانها هي بالذات.” بصيت لحماتي “حنان” اللي كانت قاعدة على حرف السور، بتبص للبحر بملامح مكسورة وتعبانة. سلمى ويوسف كانوا نزلوا المية لأول مرة مع عمهم وأولاد عمهم، وصوت ضحكهم كان واصل لحد عندي، بس الفرحة جوايا .



 



مشيت ناحية طنط حنان، والخطوات كانت تقيلة. وقفت جنبها ومسكت الموبايل، ورّيتها الرسالة من غير ما أنطق ولا كلمة.


أول ما عينيها وقعت على الشاشة، لون وشها اتخطف تماماً. إيدها اللي كانت ماسكة كوباية الشاي اتهزت لدرجة إن الشاي ادلق على ترابيز الخشب. بلعت ريقها بصعوبة وبصتلي بعيون فيها خوف حقيقي، مش مجرد أحراج.


“مين اللي باعت الكلام ده يا شيرين؟” صوته كان بيترعش.


“أنتِ أدرى يا طنط..” ردت بصوت واطي بس صارم. “هشام مشي وهدم إحدى عشرة سنة من حياتنا بحجة كبرياء وأنانية، بس أنا مش عبيطة. هشام مكنش بيعمل كل ده عشان خايف على شكله قدامي بس.. هشام كان بيبعدنا عن هنا عشان في حاجة مش عايزني أعرفها، أو مش عايزني أواجهك بيها.”


حنان قامت وقفلت باب الشاليه الخشبي اللي بيطل على التراس، وحطت إيدها على جبهتها وبدأت تمشي رايحة جاية في المساحة الضيقة.


“يا شيرين.. في حاجات لو اتفتحت هتخرب البيت ده على الكل، مش بس عليكِ وعلى هشام.”


“البيت ده مخروب بالفعل يا طنط!” صرخت بكتام عشان العيال بره ماليسمعوش. “أنا ولادي ضاع من عمرهم إحدى عشرة سنة بيتربوا على إنهم مرفوضين! أنا اتعشت عليا دور الست المفترية اللي قارفة جوزها وأهله! من حق أعرف كل حاجة، وإلا والله العظيم هاخد ولادي وأمشي من هنا فوراً وما حدش فيكم هيشوف وشنا تاني!”


سكتت لحظات، ونظراتها كانت بتتوسلني أتراجع. بس لما شافت الإصرار في عيني، قعدت على أقرب كرسي وكأن رجلينها مابقتش شايلاها.


“أبو هشام…” بدأت تتكلم وصوتها شبه المبحوح. “حسين من إحدى عشرة سنة.. نفس السنة اللي سلمى اتولدت فيها.. كان بيمر بأزمة مالية ضخمة جداً، وكان مهدد بالحبس بسبب ديون وشركاء. هشام ساعتها كان لسه بادئ شغله، وطلب مني أتصرف.”


عيني ضاقت وأنا بحاول أربط الخيوط: “أتصرف إزاي؟”


دمعة نزلت من عينها: “هشام أخد الدهب بتاعي كله، وأخد ورثي اللي كنت ورثاه عن أمه، وباع حتة أرض كانت باسمي من غير ما حسام أو بقية إخواته يعرفوا.. هشام عمل كل ده عشان ينقذ أبوه من غير ما أبوكِ يعرف إن العيلة كانت بتنهار.”


“طب وده علاقته إيه بيا أنا وولادي؟” سألتها باستغراب.


حنان بصلتي بكسرة: “الفلوس دي كلها.. هشام سجل بيها الشقة اللي أنتوا قاعدين فيها في القاهرة، والشركة الصغيرة اللي بدأ بيها.. كتبهم باسمه وباسمك أنتِ يا شيرين! هشام استخدم فلوس ورث إخواته وفلوسي أنا عشان يؤمنك أنتِ وعيالك! وعلشان يغطي على ده، اتفق معايا إن الفلوس دي تمويل من مستثمر غريب، وما حدش في العيلة يعرف إن الشقة والشركة دول أصلهم فلوس العيلة كلها.”


وقع الكلام عليا كان زي المية الساقعة في عز التلج.


“يعني إيه؟” نطقها بالعافية. “يعني هشام كان بيبعدنا عنكم عشان…”


“عشان إخواته وسارة بالذات ميعرفوش إن أخوهم الكبير خد فلوس أمهم وأبوهم وبنى بيها حياته الخاصة ومعملش حساب لحد فيهم!” حنان كملت وهي بتبكي. “هشام كان مرعوب إنك لما تحتكي بالسلسلة دي من العيلة، أو تقعدي مع سارة وإخواته، يتفتح الكلام في الفلوس أو في أصل الشقة والأرض! كان خايف إنك تعرفي إن البيت اللي أنتِ قاعدة فيه مدفوع ثمنه من دم قلبنا، أو إن إخواته يطالبوا بحقهم في الشركة اللي كبرت!”


مسكت رأسي بإيديا الاثنين. الحقيقة كانت أعقد وأبشع مما تتخيل. هشام مكنش مجرد راجل بيلعب بوشين.. هشام كان نرجسي، سرق حق إخواته عشان يبني لنفسه مملكة هشة، وحبسني أنا وولادي في سجن الخذلان والاستبعاد عشان يحمي سرقته!


“هو قالكم إن أنا اللي مش عايزة أجي..” قلت وأنا بستوعب، “عشان يضمن إن الخيطين عمرهم ما يتقاطعوا! عشان يفضل يتظاهر قدامكم إنه الابن البار اللي بيساعدكم، وقدامي أنا إنه الزوج العظيم اللي أمنلي مستقبلي من شقاه!”


“بالظبط..” حنان قالتها وهي بتتمسح دموعها. “وكان بيهددني دايماً إن لو السر ده طلع، هيبيع الشركة ويطفش بره مصر وما حدش هيشوف منه مليم، وأن أبوه ممكن تجي له نقطة لو عرف إن ابنه الكبير استغله واستغل ضعفه في الأزمة.”


في اللحظة دي، سمعت صوت خبط شديد على الباب الخارجي للشاليه.


الباب اتفتح بفرقعة، وكان واقف هشام. شكله كان مبهدل، قميصه مفتوح وعينيه حمرا زي الدم، وبيدور بعينيه في المكان لحد ما اتثبتت عليا وعلى أمه.


“أنتِ حكيتيلها؟” هشام صرخ وهو بيقرب من أمه بسرعة جنونية. “أنتِ قلتي لها يا أمي؟”


حمايا حسين أدخل بسرعة، وقف بين هشام وبين أمه: “في إيه يا ولد؟ أنت اتجننت؟ بتصرخ في وش أمك كده ليه؟”



هشام بصلهم كلهم بنظرة واحد خلاص مابقاش عنده حاجة يخسرها. حقد سنين كان طالع من عينيه.


“أيوه اتجننت!” هشام صرخ بصوت هز الشاليه كله، والعيال بره سكتوا تماماً. “أنا عملت كل ده عشانكم! عشان ما حدش فيكم يشوف أبويا وهو مكسور! عشان ما حدش يذلنا! أنا أخدت الفلوس وكبرتها، وأمّنت بيتي!”



بصلي وهو بيجيب أجله بإيده: “أنتِ فاكرة نفسك بريئة يا شيرين؟ أنتِ عايشة في الخير ده كله بسبب السكوت ده! أثاث شقتك، ألكتريك بيتك، مدرسة عيالك.. كل ده مدفوع من السر ده! لو عايزة تكشفي الحقيقة، استحملي بقة لما تترمي في الشارع أنتِ وعيالك لما إخواتي ياخدوا حقهم في الشقة والشركة!”


أنا ما اترعشتش. بالعكس، في اللحظة دي بالذات، الخوف اللي كان جثوم على صدري إحدى عشرة سنة اتخرق تماماً.


قربت منه، وبصيت في عينيه بمنتهى الثبات والبرود: “أنا مستعدة أقعد في أوضة وصالة على البلاط وأشتغل مساحة، ولا إني أعيش ثانية واحدة في بيت مبني على سرقة وحرمان ولادي من أنضف مشاعر في حياتهم.”


سارة أخته، اللي كانت واقفة عند الباب وسمعت كل حاجة، قربت وهي مش مصدقة، وعينيها مليانة دموع وصدمة: “هشام.. أنت أخدت فلوس أمي ورثنا كلنا وكتبته باسم مراتك؟ وأحنا كنا فاكرينك البطل اللي أنقذ بابا؟”


المكان تحول لساحة حرب. صراخ سارة، ذهول حمايا حسين اللي مسك قلبه وقعد على أقرب كرسي وهو مش قادر ياخد نفسه، وبكاء حماتي الهستيري.


هشام بصلنا كلنا، وشاف إن عرشه اللي بناه بالكذب والتضليل في إحدى عشرة سنة انهار في ظرف ساعات.


مسك الموبايل بتاعه وضغط على رقم، وحطه على ودنه وهو بيتراجع ناحية الباب الخارجي. بصلي ونظرة الغل في عينيه كانت مرعبة:


“أنتِ فاكرة إنك كده كسبتي يا شيرين؟ الأوراق والشركات والعقود كلها تحت إيدي أنا.. وبكرة الصبح هتشوفي الشارع اللي بتتكلمي عنه ده بجد. أنتِ والعيال ملكمش جني واحد عندي.”


خرج وفتح باب العربية وهرب وسط عاصفة الرمل والظلام اللي بدأ ينزل على البحر.


التفت لحماتي وحمايا اللي كان بيموت من الصدمة، ويوسف ابني كان واقف عند الباب، ماسك إيد أخته سلمى، وعينيه الصغيرة مليانة نظرة رجولة وفهم متقدم لسنوات عن عمره.


يوسف قرب مني، مسك إيدي وقالي بصوت ثابت: “ماما.. إحنا مش عايزين منه حاجة. يالا نمشي من هنا.”


بس وأنا باخد شنطتي وبستعد للرحيل في ليلة مش معروف أولها من آخرها، الموبايل رن تاني. المرادي مكنتش رسالة.. كان اتصال مباشر من المحامي بتاع الشركة، وصوته كان متوتر جداً:


“أستاذة شيرين؟ أنتِ فين؟ هشام بيه في المستشفى حالياً بعد حادثة صعبة على الطريق.. وفي شرطة بتدور عليكِ في الشقة في القاهرة عشان في بلاغ أموال عامة متقدم ضد الشركة من الصبح!”


الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة: “هشام في المستشفى… والشرطة بتدور عليكِ في الشقة.”


الموبايل وقع من إيدي على أرضية التراس. الصوت كان بيتردد في ودني زي الطنين. سارة أخته جريت رفعت الموبايل وورته لأبوها اللي كان لسه ماسك قلبه وبيحاول يتنفس.


“حادثة؟ وبلاغ أموال عامة؟” حمايا حسين نطق الجملة بصوت مقطوع، وشه كان شاحب كأنه جثة.


المكان كله تحول لكابوس. حماتي حنان بدأت تصرخ وتلطم على وشها، وسارة انشغلت تتصل بالمستشفى وبالمحامي عشان تفهم إيه اللي بيحصل. أنا كنت واقفة في النص، حاسة إن الأرض بتلف بيا. إحدى عشرة سنة من الهدوء المزيف انهاروا في يوم واحد، ولما السقف وقع، كان بيقع فوق دماغي ودماغ ولادي.


يوسف قرب مني وشادد على إيد سلمى: “ماما.. بابا جرى له حاجة؟”


سلمى كانت بتعيط وهي مش فاهمة، بس شايفه حالة الهلع اللي العيلة كلها فيها.


حطيت إيدي على وشي وأخدت نفس عميق. كان لازم أكون القوة الوحيدة السليمة في المكان ده. بصيت ليوسف وقلت له بصلابة مكنتش أعرف إنها جوايا: “بابا عمل حادثة يا يوسف، وإحنا لازم نرجع القاهرة فوراً.”


“ترجعي فين يا شيرين؟” طنط حنان مسكت إيدي وهي بتترعش. “الشرطة عند شقتك! أنتِ مش فاهمة حاجة.. هشام لما حس إن كل حاجة هتكشف، شكله كان مرتب يهرب أو يورطك أنتِ!”


“يورطني أنا؟” سألتها وبطني اتقلبت.


سارة جرت علينا وهي ماسكة الموبايل وصوتها بيصرخ من الصدمة: “المحامي بيقول إن هشام كان كاتب اسم شيرين كشريك متضامن ورئيس مجلس إدارة شكلي في ورش ومخازن تابعة للشركة! البلاغ من وزارة المالية بخصوص تهرب ضريبي وعقود وهمية بملايين! هشام كان بيستخدم اسمها وتوقيعاتها على أوراق هي ما تعرفش عنها حاجة!”


الدم هرب من عروقي. افتكرت الأوراق والملفات اللي كان بيجيبها لي البيت ويقولي: “دي أوراق روتينية للشركة يا شيرين عشان التأمينات والضرائب، وقّعي هنا.” كنت بوقع بحسن نية.. بوقع وأنا فاكرة إني بساعد جوزي اللي بيشتغل عشان يؤمن مستقبلنا.


مكنش بس بيستبعدنا من المصايف والطقوس.. ده كان بيبني شبكة أمان لنفسه ومصيدة ليا أنا لو اللعبة اتكشفت!


“يا ابن الكلب يا هشام…” حمايا حسين قالها بصوت طالع بالعافية، وعينيه مليانة دموع القهر. “عملت في مراتك وأولادك كده؟ حطيت أختهم وأمهم في وش المدفع؟”


ما بقاش في وقت للبكاء ولا للصدمة. المسافة بين الساحل والقاهرة أربع ساعات، وفي الأربع ساعات دول كان ممكن مستقبلي ومستقبل ولادي يتدمر.



“طنط حنان.. عمي حسين..” اتكلمت بصوت ثابت زلزل المكان، “أنا هاخد ولادي وهسافر القاهرة حالاً. مش هروح الشقة.. هروح على المستشفى، ومنها للمحامي. أنا مش هسيب نفسي ولا ولادي نكون الضحية للعبة هشام.”


عمي حسين قام بالعافية ومسك إيدي: “أنا جاي معاكِ يا شيرين. أنا اللي مربيه، وأنا اللي هسدد حسابه.. لو كان عايش.”



ركبنا العربية. الطريق للقاهرة كان أطول طريق مشيته في حياتي. الظلام كان حاطط بالكامل، وسلمى نامت من التعب في حضن يوسف اللي كان باصص في الفراغ بره الشباك. طول الطريق، تفكيري كان شغال زي الآلة: إزاي أثبت إني مكنتش أعرف؟ إزاي أحمي الشقة اللي باسمنا؟ وإيه السر الأكبر اللي هشام كان مخبيه في المستشفى؟


وصلنا مستشفى الشروق في القاهرة على الساعة واحدة بعد نص الليل. الأجواء هناك كانت مشحونة. أموال عامة ورجال شرطة بلباس مدني كانوا واقفين عند باب الطوارئ.


أول ما دخلنا، المحامي “أستاذ فريد” قرب منا وهو بيمسح عرقه: “أستاذة شيرين.. الحمد لله إنك جيتِ. الوضع معقد جداً.”


“هشام جراله إيه؟” حمايا سأل بنبرة ميتة.


المحامي بص للأرض وقال: “هشام بيه دخل العناية المركزة.. اصطدام مروع بعمود نور على طريق وادي النطرون. حالته حرجة جداً، بس الأزمة المشكلة مش هنا بس..”


المحامي وطي صوته وبص حواليه: “البلاغ اللي اتقدم الصبح مكنش من جهة حكومية بس.. في شخص تاني هو اللي قدم المستندات للنيابة، شخص كان شريك هشام في السر.”


مسكت الموبايل في إيدي وقربت من المحامي: “مين الشريك ده؟”


قبل ما المحامي يرد، صوت كعب جزمة كان بيبص في ممر المستشفى الفاضي. ست في أواخر الثلاثينات، لابسة نظارة سوداء برغم الليل، وماسكة شنطة جلد فاخرة، قربت مننا بخطوات واثقة ووقفت قدامنا تماماً.


قلعت النظارة، وعينيها كانت مليانة تشفي وباردة زي التلج.


بصت لحمايا حسين، وبعدين بصتلي أنا، وقالت بصوت ناعم ويرعب:


“أهلاً يا مدام شيرين.. أخيراً اتقابلنا. أنا ‘رانيا’.. الشريكة الفعلية لهشام، والست اللي كانت محبوسة في الضل إحدى عشرة سنة عشان حضرتك تفضلي فاكرة إنك الزوجة الوحيدة.”


الكون وقف.


سكتنا كلنا، والهوا اتسحب من الممر.


رانيا ابتسمت ابتسامة خبيثة وطلعت ملف أسود من شنطتها:


“هشام مكنش بيبعدكم عن المصيف عشان الخناقات يا شيرين.. هشام كان بياخدكم المصيف الثاني معايا أنا.. وفي الشاليه اللي كان كاتب نصيبه فيه باسمي!”


في اللحظة دي، دقات قلب هشام على جهاز المونيتور جوة غرفة العناية المركزة بدأت تصدر صوت إنذار متواصل وعالي جداً، والدكاترة جرو على الغرفة في حالة طوارئ قصوى!


صوت جهاز المونيتور الصارخ جوة العناية المركزة كان بياكل السكون في الممر، والأطباء بيجروا ويتجمعوا حولين سرير هشام. الموقف كان قمة في السريالية: دكاترة بتحاول تنقذ حياته، والشرطة منتظرة بره، ورانيا واقفة قدامي بملف أسود وابتسامة حقد شاقة وشها، وأهله مذهولين ومش قادرين يجمعوا كم الخيانات اللي بتتنكشف في لحظة واحدة.


رانيا بصت لناحية العناية المركزة ببرود، وبعدين رجعت بصتلي: “متخافيش يا شيرين.. هشام مش بيموت بسهولة، هو بس متعود يهرب أول ما الدنيا تتخنق حواليه.”


عمي حسين، رغم تعبه وقصر نفسه، قرب من رانيا بجسم بيترعش من الغضب: “أنتِ مين؟ وجاية هنا تعملي إيه في وسط مصيبتنا؟”


فتحت رانيا الملف الأسود وطلعت منه ورق رسمي، وبصت لحمايا بثبات: “أنا اللي بنيت مع هشام كل حاجة يا حاج.. من إحدى عشرة سنة، لما أخدت أنت الفلوس منه، هشام مكنش عنده ملليم كاش يكبر بيه الشركة. أنا اللي مولته، وأنا اللي دخلت معاه بعقود استثمارية من الباطن.. وكان المقابل شيلتي كاملة في الأصول، والزواج.”


“الزواج؟” الكلمة طلعت من بين شفايف حماتي حنان وهي بتمسك في حيطة الممر عشان تقع.


رانيا بصتلي أنا بالذات، ونبرتها كانت مليانة تشفي: “أيوه.. زواج عرفي بعلم محاميه الخاص، وموثق بدعوى صحة توقيع. إحدى عشرة سنة يا شيرين وهشام مقسم حياته بين أسبوع معاكي، وأسبوع سفر شغل معايا. إحدى عشرة سنة كان بياخدكم في أوهام إنه الزوج العصامي، وفي المصايف اللي كنتِ فاكرة أهله بيستبعدوكم منها، كان بيقضيها معايا أنا في شاليه بورتو اللي باسمنا إحنا الاثنين!”


الصدمة كانت أكبر من إني أبكي. الصورة اكتملت بأبشع طريقة ممكنة.


هشام مكنش بس بيسرق أهله وبيستغل حسني نيتي، ولا كان بيحرم ولاده من أهله عشان خايف من الفلوس بس.. ده كان بني هيكل كامل من الكذب عشان يعيش حياتين! حرم بنته من جارد المية البمبي، وحرم ابنه من حضن جده، وعيشني إحدى عشرة سنة في إحساس ذنب ودونية وخجل من أهله، كل ده عشان يغطي على شريكة حياته الثانية وعلاقاته المشبوهة!


يوسف، ابني اللي عنده إحدى عشرة سنة، قرب من رانيا. بص في عينيها بصغر سنه بس برجولة غير طبيعية وقيل لها: “أنتِ ست شريرة.. وبابا راجل كذاب. وماما أنضف منك ومنه.”


رانيا وشها اتغير وسكتت لحظة، كأن كلام طفل ضربها في مقتل.


في اللحظات دي، أستاذ فريد المحامي قرب مني وشدني بعيد عنهم: “أستاذة شيرين، انتبهي معايا أرجوكِ! رانيا ما قدمت البلاغ بتاع الأموال العامة إلا لما عرفت إن هشام كان بيحاول ينقل أصول الشركة باسمك أنتِ وشاليه الساحل باسم ولادك الأسبوع اللي فات! هي اكتشفت إنه كان ناوي يتخلص منها ويبدأ صفحة جديدة معكِ، فتحركت وقدمت أوراق العقود الوهمية للنيابة عشان تدبسه وتدبسك أنتِ معاه بصفتك رئيس مجلس الإدارة الشكلي!”



بصيت للمحامي وأنا بحاول أجمع شتات نفسي: “يعني هشام مكنش بيحميني.. هشام كان بيحول كل حاجة باسمي عشان لما اللعبة تتكشف مع رانيا، الضربة تيجي فيا أنا وهي تطلع برة الشرويلة؟”


“بالظبط،” المحامي قالها بأسف. “هشام لعب لعبة قذرة مع الطرفين.”



خرج الدكتور الرئيسي من غرفة العناية، وهو بيمسح عرقه، وبص لنا كلنا: “الحمد لله، قدرنا نعدي أزمة التوقف الأذيني.. المريض استرد نبضه، وضغطه بدأ يستقر، بس هو تحت تأثير المخدر التام ومش هيقدر يتكلم قبل 24 ساعة.”


الشرطي اللي كان واقف منتظر قرب مننا بلهجة حازمة: “الاستاذة شيرين؟ اتفضلي معانا على القسم عشان تتسجل أقوالك في البلاغ المقدم ضد الشركة.”


سارة أخت هشام جرت وقفت قدام الشرطي: “شيرين ملهاش دعوة! أخويا هو اللي استغلها وتوقيعاتها روتينية!”


عمي حسين مسك إيد الشرطي وبكى لأول مرة بصوت مسموع: “يا باشا خدوني أنا.. أنا أبوه وأنا السبب في كل ده من الأول.. سيبوا أم ولاده.”


بصيت لولادي.. يوسف ماسك سلمى الصغيرة اللي كانت بتعيط ومستخبية في ظهره. بصيت لحماتي وحمايا اللي اتكسروا في أواخر عمرهم بسبب ابنهم الكبير.


مسحت دموعي اللي كانت هتنزل، وقفت بظهر مشدود، وبصيت للظابط: “أنا جاهزة أروح مع حضرتك يا فندم. بس بشرط.. المحامي بتاعي ييجي معايا، ومعايا كل المستندات والرسائل اللي تثبت إن توقيعاتي كانت تحت التضليل الممنهج.”


قبل ما أتحرك خطوة واحدة مع الشرطة، رانيا قربت مني وقالت بتهديد مكتوم: “فاكرة إنك هتنقذي نفسك؟ الأوراق الرسمية أوقع من الأوهام يا شيرين.”


بصيت لرانيا في عينيها بمنتهى الثبات اللي اكتسبته من وجع إحدى عشرة سنة: “الأوراق رسمية يا رانيا.. بس الحقائق مالهاش أوراق. أنتِ وهشام بنيتم بيتكوا على كذب وخيانة واستغلال أطفال، والبيت اللي بيتبنى على باطل، بيهد صاحبه قبل أي حد ثاني. وهتشوفي مين فينا اللي هيطلع من المأزق ده مرفوع الرأس.”


مشيت مع الشرطة في ممر المستشفى الفاضي، وصوت كعبي كان بيرن بقوة وثقة. كنت سايبة هشام غرقان في أجهزة التنفس الصناعي، وسايبة رانيا ب غلها، وسايبة عيلة كامة بتعيد حسابات عمرها.


أنا مكنتش رايحة القسم كضحية.. أنا كنت رايحة أرد اعتبار إحدى عشرة سنة من الاستبعاد والخذلان، وأجيب حق سلمى ويوسف.. حتى لو كان الثمن إني أهد المعبد على كل اللي فيه.


في مكتب النيابة، كان صمت الليل ثقيلًا يقطعه صوت صرير القلم على الورق. قضيت أربع ساعات متواصلة أمام وكيل النيابة، وكنت أترجم كل الوجع والخذلان الذي عشته طوال إحدى عشرة سنة إلى ثبات مطلق وكلمات حازمة.


أستاذ فريد، المحامي، قدّم للنيابة التسجيلات الصوتية الأخيرة، والرسائل النصية التي كشفت كذب هشام واستغلاله لي، بالإضافة إلى كشوفات الحسابات البنكية التي أثبتت أنني لم أتسلم مليمًا واحدًا من الأرباح الوهمية للشركة، وأن توقيعاتي كانت تتم بحسن نية كاملة داخل منزل الزوجية.


مع ساعات الفجر الأولى، وبشهادة عمي حسين الرسمية التي أقرّ فيها بأن أصل أموال الشركة يعود لورث العائلة، صدر قرار النيابة: الإفراج عني بكفالة مالية مالية على ذمة التحقيقات، وتحويل القضية بالكامل إلى النيابة المالية لمواجهة هشام ورانيا بالتهم المباشرة.


خرجت من مبنى قصر النيل، وكانت الشمس تشرق على شوارع القاهرة الصامتة. لأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت أن الهواء يدخل رئتي نقيًا وخاليًا من الخوف أو الدونية.


خارج المبنى، كان عمي حسين، وحماتي حنان، وسارة أخته، ومعهم يوسف وسلمى بانتظاري. سلمى جرت ونطت في حضني، بينما يوسف ابتسم ابتسامة بالغة ونظر إليّ بفخر جعلني أدرك أنني نجحت في الدرس الأكثر أهمية في حياتي: أن أعلّم ولادي ألا يقبلوا بالاستبعاد أو الظلم مهما كان مصدره.


حماتي حنان قربت مني والدموع تغرق وجهها، وحضنتني بقوة وهي تردد: “سامحينا يا شيرين.. سامحينا إننا صدقنا الأوهام، واستسلمنا للغربة اللي فرضها علينا.”


رددت عليها بهدوء وكرامة: “المهم إن الحقيقة ظهرت يا طنط.. والعلاقة بين الولاد وبينكم أصلًا مكنتش محتاجة إذن من هشام عشان تتصلح.”


بعد أسبوعين كاملين، استرد هشام وعيه في المستشفى، ليجد نفسه وحيدًا مجردًا من كل ما بناه بالكذب.


رانيا تخلت عنه فور إصدار النيابة قرارًا بتجميد أصول الشركة، وقدمت أوراق العقود الرسمية للمحكمة في محاولة للنجاة بنفسها، لتبدأ بينهما حرب قضايا طاحنة أكلت الأخضر واليابس. أهله يرفضون رؤيته أو زيارته، والشركة التي بنى ملكها على السرقة والتضليل أُغلقت بالشمع الأحمر.


أما أنا، فلم أتردد لحظة واحدة. رفعت دعوى طلاق للضرر مع الاحتفاظ بكامل حقوق ولادي والتمكين من مسكن الحضانة، واسترجعت استقلالي المادي والأنثوي والنفسي.


بعد ستة أشهر، وفي أول أيام صيف جديد…


كنت أقف على شاطئ البحر في بورسعيد، تحت الشمس المشرقة. يوسف كان يجري ويلعب كورة مع أعمامه وأولاد عمومته، وصوت ضحكاتهم يصل إلى آخر الشاطئ.


سلمى كانت تجلس على الرمل بجانبي، ولابسة مايوه أزرق جميل، ومسكت جاروفها البلاستيك الصغير البمبي، ورفعت رأسها لي وهي تبتسم من أذن لأذن: “ماما! الجاروف طلع بيعمل بيوت رمل حلوة أوي في البحر الحقيقي!”


ابتسمت، ونزلت لمستواها، ومسكت يدها الصغيرة وقبلتها.


بصيت للبحر الواسع، وأدركت أن المصيف لم يكن أبدًا مجرد شاليه أو مكان نذهب إليه… المصيف كان رمزًا لانتمائنا وكرامتنا، واليوم، وبعد إحدى عشرة سنة من الخذلان والاستبعاد، استرددنا حقنا في الشمس والبحر والحياة، بدون كذب، وبدون قناع، وبدون رجعة.


“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



تعليقات

التنقل السريع
    close