القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 ست شهور بحوش كاملة حكـايات مني السيد



ست شهور بحوش كاملة حكـايات مني السيد


الجزء الأول


— إنت بتقول إيه؟! يعني أنا بقالي ست شهور بحوش وبحسبها بالجنيه، وبمنع نفسي حتى من إني أجيب كريم وشي، عشان فاكرة إننا بنحوش سوا… وفي الآخر الرحلة دي لمامتك إنت؟!


مريم سابت الموبايل من إيدها وبصت لجوزها أحمد ببطء.


أحمد كان قاعد مريح على الكنبة في شقتهم في القاهرة، وفتح على موبايله حجز رحلة لمدة 12 يوم في منتجع صحي فاخر في العين السخنة.


الحجز كان شامل جلسات مساج، حمام سباحة، سبا، أكل مفتوح، وأوضة كبيرة بتراس على البحر.


اسم النزيل:


الحاجة نوال عبد الحميد.


حماتها.


مريم بصت للاسم كذا مرة، كأنها مستنية الحروف تتغير.


— دي مش فسحة يا مريم، دي عشان ضهر أمي تعبان.


— وأمال أنا كنت بحوش ليه؟


أحمد اتنهد وقال بمنتهى البرود:


— يا ستي أمي برضه… وبعدين دي فلوس مرتبي.


الجملة وقعت عليها كأنها قلم على وشها.


من ست شهور، كان فيه اتفاق واضح بينهم.


مرتب مريم كان بيروح لمصاريف البيت: الإيجار، الأكل، الكهربا، الميه، الإنترنت، البنزين، والحاجات اليومية.


أما مرتب أحمد، فكان المفروض يتحوش كله في حساب توفير مشترك.


كانوا متفقين إنهم بعد فترة يقدروا يعملوا أول فسحة حقيقية ليهم من ساعة ما اتجوزوا.


وكانوا بيحلموا يروحوا شرم الشيخ أسبوع.


مريم بقت تحسب كل جنيه.


بطلت تطلب أكل من بره.


بقت تستنى عروض السوبر ماركت.


اشترت هدوم جديدة مرة واحدة بس خلال الست شهور.


حتى الكريم اللي كانت بتحبه، استبدلته بواحد أرخص.


وكانت معلقة صورة لبحر شرم الشيخ على التلاجة.


كل ما نفسها تشتري حاجة، كانت تبص للصورة وتقول لنفسها:


“معلش… عشان الرحلة.”


أما أحمد؟


كان بيصحى الصبح يفطر كويس، ياخد غداه معاه الشغل، ويرجع بالليل ياكل من الأكل اللي مريم عاملاه.



وكان كل شوية يهزر معاها:


— إيه يا وزيرة المالية؟ لسه بتوفري؟


وهي كانت بتضحك، لأنها كانت فاكرة إنهم فعلًا بيبنوا حاجة سوا.


لكن في اللحظة دي، كل حاجة اتكسرت.


مريم بصت له وقالت:


— الحجز ده بكام؟


أحمد سكت ثانية.


— حوالي مية وأربعة وتلاتين ألف جنيه.


مريم اتصدمت.


— 134 ألف و600 جنيه؟!


— أيوه.


— فلوسنا إحنا؟


— فلوسي أنا.


مريم قربت منه.


— أحمد… إحنا متفقين إن مرتبك كله بيتحوش عشان الرحلة بتاعتنا.


— ما هو اتحوش.


— عشان تعمل رحلة لمامتك؟!


— هي أمي يا مريم. وبعدين دي محتاجة ترتاح.


مريم فضلت باصة له ثواني، وبعدها قالت بهدوء غريب:


— طيب… الغي الحجز.


أحمد ضحك بسخرية.


— إنتِ عبيطة؟ الحجز غير قابل للاسترداد.


— الغيه.


— مش هينفع.


— يبقى هات الفلوس من حسابك.


— قولتلك مفيش فلوس هترجع.


مريم هزت راسها وسكتت.


لكن جواها كان فيه حاجة اتغيرت.


في الليلة دي، أحمد نام قدام التلفزيون كعادته.


ومريم قعدت لوحدها على ترابيزة السفرة.


فتحت الدفتر اللي كانت بتسجل فيه مصاريف البيت من أول يوم بدأوا فيه التوفير.


إيجار.


كهربا.


ميه.


إنترنت.


مصاريف أكل.


بنزين.


حاجات شخصية لأحمد.


هدومه.


مصاريف خروجاته.


وحتى الحاجات الصغيرة اللي كانت بتدفعها من غير ما تتكلم.


بدأت تجمع الأرقام واحدة واحدة.


وبعد أكتر من ساعة، وصلت للحساب النهائي.


96 ألف و840 جنيه.


ده المبلغ اللي كانت دافعاه من جيبها خلال الست شهور وهي شايلة مصاريف البيت، بينما أحمد كان بيحوش مرتبه كامل.


مريم بصت للرقم طويل.


وبعدين قامت.


فتحت الدولاب.


وبدأت تطلع هدوم أحمد واحدة واحدة.


البدل.


القمصان.


البناطيل.


الأحذية.


الجاكتات.


حتى هدوم الجيم.


حطتهم كلهم في أربع كراتين كبيرة.



ونزلتهم لشقة الحاجة سعاد، جارتهم الكبيرة اللي ساكنة في الدور الأرضي.


الحاجة سعاد فتحت لها وهي لابسة إسدال البيت.


— إيه ده يا بنتي؟


مريم قالت بهدوء:


— هدوم أحمد. خليهم عندك يومين.


— ليه يا مريم؟


ابتسمت ابتسامة صغيرة.


— عشان عندي حساب لازم يتقفل الأول.


تاني يوم الصبح، الساعة سبعة ونص، أحمد دخل الأوضة وهو بيصفر.


فتح الدولاب.


سكت.


فتح الأدراج.


سكت.


فتح الدولاب التاني.


وبعد أقل من نص دقيقة، البيت كله اتقلب.


— مريييييم!


مريم كانت في المطبخ بتحضر القهوة.


خرج أحمد وهو لابس بوكسر كاروهات ووشه أحمر من الغضب.


— فين هدومي؟!


مريم أخدت رشفة من القهوة وقالت بكل هدوء:


— متخزنة.


— متخزنة فين؟! عندي شغل بعد أربعين دقيقة!


مريم حطت ورقة على السفرة.


— بص على دي الأول.


أحمد مسك الورقة.


في أسفل الصفحة كان فيه رقم كبير ومحطوط حواليه دايرة:


96,840 جنيه.


— إيه ده؟!


— ده اللي صرفته على البيت وعلى حاجاتك خلال الست شهور اللي إنت كنت بتحوش فيهم مرتبك.


أحمد بص لها بعدم تصديق.


— إنتِ بتعملي إيه؟!


— بحسب.


— إنتِ مش من حقك تحاسبيني على إني جوزك!


مريم ابتسمت، بس من غير أي فرحة.


— وإنت كان من حقك تحاسبني على إني مراتك؟


أحمد خبط بإيده على الترابيزة.


— رجعي هدومي!


— لما الفلوس ترجعلي.


— إنتِ مجنونة!


— لأ.


سكتت لحظة، وبصت في عينه.


— أنا بس بطلت أوافق على كل حاجة بتقولها.


أحمد صرخ:


— كل اللي في الجواز ده ملكنا إحنا الاتنين!


مريم ردت فورًا:


— تمام. يبقى حجز الرحلة كمان كان ملكنا إحنا الاتنين.


سكت أحمد.


ولأول مرة، مريم شافت في عينيه حاجة مختلفة.


هو ماكانش زعلان عشان الاتفاق اتكسر.


هو كان زعلان لأنها بطلت تطيعه.



لكن اللي حصل بعدها كان أخطر بكتير…


لأن مريم وهي بتجمع حساباتها اكتشفت إن موضوع الرحلة نفسه فيه حاجة مش منطقية.


الحجز كان باسم حماتها…


لكن عدد النزلاء في الحجز كان اتنين.


ومريم ماكانش حد قال لها إن فيه شخص تاني مسافر.


والشخص ده…


ماكانش اسمه ظاهر في أي مكان من اللي أحمد وريه لها.


الجزء الثاني

مريم وقفت في المطبخ وضربات قلبها كانت بسرعة مش طبيعية. الورقة بتاعة الحجز اللي كانت شافتها على موبايل أحمد امبارح بالليل كانت لسه مطبوعة في دماغها زي الوشم. هي لمحت سطر صغير جدًا تحت اسم الحاجة نوال، سطر هو حاول يداريه بصباعه وهو بيقفل الشاشة بسرعة لما حس إنها بتدقق:

عدد النزلاء: 2 بالغين – غرفة مزدوجة مع تراس بانورامي.

في اللحظة دي، ومريم باصة لأحمد وهو واقف قدامها بالبوكسر ووشه جايب ألوان من الغيظ والعجز، كل نقطة شك كانت مكتومة جواها انفجرت.

أحمد كان بيتنفس بصوت عالي، وعينيه رايحة جاية بين الورقة اللي في إيده وبين مريم اللي كانت واقفة ثابتة زي السد.

— إنتِ هتهزري يا مريم؟ افتحي الدولاب وطلعي الهدوم، أنا متأخر على اجتماع مهم في الشركة!

مريم أخدت بق قهوة تاني بكل برود، وحطت الفنجان على الترابيزة بالراحة:

— وأنا مش بهزر يا أحمد. 96 ألف و840 جنيه يرجعوا حسابي، هدومك هترجع مكانها في الدولاب خلال خمس دقايق. غير كده، انزل شغلك باللي عليك ده.. لو تقبله على نفسك يعني.

— إنتِ اتجننتي رسمي! بتبتزيني في بيتي؟

— ده مش ابتزاز، دي تسوية حسابات. إنت اللي بدأت ونزلت قوانين اللعبة الجديدة. لما قلت إن مرتبك بتاعك لوحدك، يبقى مرتب معناه إني مش ملزمة أصرف عليك قرش واحد من مرتي. الفلوس اللي أنا دفعتها دي كانت على أساس إننا شراكا وبنحوش للرحلة سوا. بما إن الرحلة طلعت لمامتك بس، يبقى إنت كنت بتستغلني وتخليني أتكفل بأكلك ولبسك وبنزين عربيتك عشان إنت تحوش وتدلع.

أحمد قرب منها وهو بيتكلم بعصبية وبيشاور بصباعه:

— أمي تعبانة! فاهمة يعني إيه أمي تعبانة؟! ضهرها محتاج المحلول والسبا ده! إنتِ إيه؟ مفيش في قلبك رحمة؟ بقيتي حجر كده ليه؟!

مريم بصت له بنظرة ثاقبة وشفايفها اترسمت عليها ابتسامة سخرية متألمة:

— أمك على عيني وعلى راسي، ومفيش مشكلة إنك تعالجها.. بس من جيبك! مش تدبسني أنا في مصاريف بيتك ست شهور وتيجي في الآخر تقول لي “أمي يا ستي” وتخليني أحرم نفسي من أبسط حقوقي! وبعدين.. تعال هنا صحيح..

مريم خطت خطوة ناحيته، وأحمد أخد خطوة لورا من غير ما يحس.

— هي أمك رايحة السخنة مع مين؟

أحمد رمش بعينيه مرتين بسرعة، وحرك رقابته بقلة أريحية:

— يعني إيه مع مين؟ رايحة لوحدها طبعًا!

— لوحدها؟ في أوضة دبل بتراس؟ وعدد الأفراد المكتوب في الحجز “2 بالغين”؟ هي الحاجة نوال بقت بتحجز لشخصين عشان تحط شنطتها في السرير التاني؟ ولا كبرت وبقت تترعب تنام لوحدها؟

أحمد اتلخبط، ولسانه ثقل لحظة قبل ما يرد ويحاول يداري ارتباكه بالصوت العالي:

— إيه الجنان ده؟! أختي.. أختي هبة هتروح معاها عشان تخلي بالها منها! إنتِ بتفتشي ورايا وبتحققي كمان؟!

— هبة؟

مريم سالتها ببرود وهو بيدمر كل حجة بيقولها.

— هبة اللي ولدت قيصري من أسبوعين ومابتقومش من السرير؟ هبة اللي جوزها مطلع عينها عشان مابتمشيش من البيت؟ دي هي اللي هتروح السخنة تعمل سبا مع أمك؟

أحمد سكت. السكوت كان تقيل، ومليان كذب ملوش رجلين يقف عليها. وش أحمد ابتدى يعرق، وبص في الساعة اللي في إيده لقها تمانية إلا ربع.

— مريم.. خلصينا من الجنان ده. الفلوس دي تحويشة عمري مش هعرف أفك منها حاجة دلوقتي، والرحلة اتدفعت خلاص. سيبي الموضوع ده يتلم وبعدين نتكلم. طلعي الهدوم الله يخليكي، أنا كدة هتجازى في الشغل!

مريم قعدت على كرسي السفرة، حطت رجل على رجل، وبصت له بكل ثبات:

— تحويشة عمرك؟ الـ 134 ألف دول مش تحويشة عمرك، دول مرتبك بتاع الست شهور اللي فاتوا بالمليم. وبما إنك مش قادر تدفع لي اللي عليا، يبقى استعوض ربنا في الهدوم لحد ما تتصرف.

— إنتِ فاكرة إنك كدة بتلوين دراعي؟ والله لأوريكي يا مريم!

أحمد سابها ودخل الأوضة، رزق الباب وراه برزع هز الحيطة. مريم فضلت قاعدة مكانها. من بره كانت باينة متماسكة وقوية، بس من جوة كانت إيديها بتتطلع مرعوبة، وقلبها بيتقطع. الوجع مكنش بسبب الفلوس، الوجع كان بسبب السنين اللي ضاعت وهي فاكرة إنها بتبني بيت مع راجل بيفكر فيها وفي مستقبلهم، واكتشفت في لحظة إنه كان بيستخدمها كـ “حصالة” بتصرف عليه وهو بيخطط لحياته بعيد عنها.

بعد عشر دقايق، أحمد خرج. كان لابس ترينج قديم أوي من بتاع التمارين زمان، ترينج مبهوق ولونه باهت ومقطوع من عند الركبة، ولابس في رجله شبشب بيت.

بص لها بغيظ وهو بيمسك مفاتيح عربيته وموبايله:

— أنا نازل الشغل كدة يا مريم. خليهم ينفعوكي الـ 96 ألف بتوعك. وعليّ النعمة ما هعدي الموضوع ده على خير، والرحلة دي هتتم، وأمي هتروح، وإنتِ حسابك معايا بعدين.

مريم ردت عليه من غير ما تبص له حتى:

— مع السلامة يا أحمد.. بلاش تتأخر على الاجتماع عشان الترينج يلحق ياخد واجبه.

أحمد نزل ورزع باب الشقة وراه بكل قوته.

أول ما صوت خطواته اختفى على السلم، مريم اتنفست بطريقة هستيرية، والدموع اللي كانت حابساها نزلت كئيبة وساخنة على خدها. بس مكنتش دموع ضعف، كانت دموع صدمة الغدر. مسحت دموعها بسرعة بقسوة، وقامت وقفلت الباب بالمفتاح والترباس.

“أختي هبة هتروح معاها؟”

الجملة دي فضلت ترن في دماغ مريم. أحمد كان بيكذب، والكذب كان واضح في عينيه زي الشمس. هي عارفة كويس إن هبة أخته محجوزة في البيت مع ابنها الجديد، والحاجة نوال أساسًا مابتقطيعهوش مع هبة ومبتحبش تخرج معاها في حتة.

يبقى مين الشخص التاني؟

مريم مشيت ناحية ترابيزة السفرة، مسكت الموبايل بتاعها، وفتحت الواتساب. دخلت على شات “هبة أخت أحمد”.

كتبت لها:

— صباح الخير يا هبة، عاملة إيه والنونو عامل إيه النهاردة؟

ردت هبة بعد دقيقتين بمسج صوتي، وكان صوت البيبي بيبكي وراها وهبة باين عليها التعب والفرك:

— الحمد لله يا مريم، يموت من التعب والله.. الجرح لسه بياكلني مش عارفة أقف على رجلي ساعة، ومحمد جوزي طالع نازل يتخانق معايا عشان البيت مبهدل. إنتِ عاملة إيه وأحمد عامل إيه؟

مريم كتبت ببرود:

— الحمد لله يا حبيبتي، ربنا يقويكي. كنت بس بظبط حاجات مع أحمد عشان رحلة السخنة بتاعة طنط نوال، وهو قال لي إنك ممكن تروحي معاها تفيقي شوية.. فقلت أسألك لو محتاجة حاجة أجهزها لك.

جاء لها الرد الصوتي من هبة بسرعة، وفي صوتها ذهول وضحكة سخرية:

— رحلة إيه يا بنتي وسخنة إيه؟! هو أنا قادرة أروح التواليت لما هروح السخنة؟! بعدين ماما نوال قالت لي إنها مش طالعة في حتة الصيف ده عشان رجلها تعباها ومابتستحملش صهد البحر! أحمد بيقول لك إيه إنتِ؟ هو اتجنن ولا إيه؟

هنا، الأرض اتسحبت من تحت رجل مريم.

الحاجة نوال نفسها مكنتش تعرف حاجة عن الرحلة!

مريم حست بدوخة شديدة. مسكت في حرف الترابيزة وقعدت.

لو الحاجة نوال مابتحبش البحر وماتعرفش عن الرحلة.. وهبة مابتقومش من السرير.. يبقى الحجز اللي بـ 134 ألف و600 جنيه باسم “الحاجة نوال عبد الحميد” ده إيه؟

دا كان مجرد ستار. أحمد حط اسم أمه في الحجز عشان لو مريم قفشت الموبايل ولا لمحت الإيميل، يمسكها من إيدها اللي بتوجعها ويقول لها “دي أمي وضهرها تعبان ومينفعش تتعرضي لأمي”، فيكسر عينها ويسكتها برابوس البر بالوالدين.

بس الحقيقة.. الرحلة مكنتش لأمه.

الرحلة كانت لأحمد.. وشخص تاني.

مريم دماغها بدأت تشتغل زي الماكينة. فتحت اللابتوب بتاع أحمد اللي كان سايبه على السفرة. أحمد كان دايماً بيستعمل باسورد واحد لكل حاجة: تاريخ ميلاد أمه.

كتبت الباسورد.. اللابتوب فتح.

إيديها كانت بترتعش وهي بتفتح متصفح الإنترنت. دخلت على أكونت الجيميل بتاعه اللي كان مفتوح أوتوماتيك. راحت على خانة البحث وكتبت كلمة “حجز” أو “Booking”.

طلع لها إيميل التأكيد بتاع المنتجع الصحي في العين السخنة.

فتحت الإيميل وقرت التفاصيل بالكامل.

الحجز فعلاً مدفوع بكارت البنك الفيزا بتاعه.

المبلغ: 134,600 جنيه.

النزيل الرئيسي: نوال عبد الحميد.

النزيل الإضافي:

وهنا.. مريم اتسمرت مكانها.

الاسم المكتوب تحت النزيل الإضافي مكنش اسم راجل.. ومكنش اسم حد من قرايبه.

الاسم كان: نهى شريف صلاح.

مريم بصت للاسم وثواني وجمود تام صابها. نهى شريف؟ مين نهى شريف؟!

رجعت بذاكرتها لورا.. الست شهور اللي فاتوا.

افتكرت كل مرة أحمد كان بيرجع فيها متأخر من الشغل وبيقول “عندي أوفر تايم يا مريم عشان نعرف نحوش”.

افتكرت كل مرة كان بيحط الموبايل على وشه وهو نايم.

افتكرت الريحة الغريبة اللي كانت بتطلع من قمصانه وساعتها كان يقول لها “دي ريحة المعطر بتاع الشركة الجديدة”.

افتكرت الزميلة الجديدة اللي اتعينت معاه في القسم من سبع شهور.. اللي كان بيمدح في شطارتها قدامها ويقول “دي بنت ناس أوي ومجتهدة”.

نهى.. زميلته في الشغل.

أحمد كان بياخد مرتبه، اللي مريم وفرت له كل جنيه فيه من دمها وعرقها وحرمانها، عشان يروح يقضي أسبوعين مع زميلته في أفخم منتجع صحي في العين السخنة، وتحت اسم أمه عشان يغطي على قذارته!

مريم مدمعتش. الدموع جفت تماماً. يتحول الوجع جواها لكتلة من الثلج والنار في نفس الوقت.

مسكت الموبايل وصورت شاشة اللابتوب بالكامل، بالإيميل، بالاسم، برقم الحجز، وبكل التفاصيل.

وبعدين قفلت اللابتوب بالراحة.

وقامت وقفت في نص الصالة.

الصدمة الأولى كانت الفلوس.. الصدمة التانية كانت الخيانة.. بس اللي جاي؟ اللي جاي مش هينفع معاه مجرد قفل دولاب أو إخفاء هدوم.

مريم رفعت سماعة الموبايل واتصلت برقم.

ردت عليها الحاجة سعاد من الدور الأرضي:

— أيوة يا مريم يا بنتي؟ الهدوم زي ما هي في الكراتين محدش جه جنبها.

مريم ردت بصوت ثابت، هادي، ويخوف من كتر ما هو مفيش فيه أي انفعال:

— أيوة يا حاجة سعاد.. معلش هتعبك معايا. الكراتين دي مش هتقعد عندك.

— أومال هتروديها فين يا بنتي؟

— فيه عربية نقل هتعدي عليكي كمان ساعة تاخدهم.

— تاخدهم توديهم فين؟ هو أحمد هيعزل ولا إيه؟

مريم ابتسمت ابتسامة باردة جداً وهي تبص لصورته اللي معلقة في الصالة:

— لأ يا حاجة.. الهدوم رايحة عنوان تاني خالص.. رايحة لبيت حماتي الحاجة نوال. أصل ابنها حابب يريحها الصيف ده.. وأنا قررت أريحهم هم الاثنين مني خالص.

قفلت مريم مع الحاجة سعاد، وفتحت الدفتر تاني. المرة دي مكنتش بتكتب أرقام مصاريف البيت.

المرة دي كتبت عنوان واحد في أول الصفحة:

“قائمة المنقولات الزوجية.. ودعوى تبديد.”


ست شهور بحوش ج 2 حكايات مني السيد


الجزء الثالث

مريم ما ضيعتش دقيقة واحدة.

الهدوء اللي نزل عليها فجأة كان يرعب، هدوء الست اللي أدركت إنها كانت عايشة في كذبة كبيرة، وقررت إنها مش هتبكي على اللي فات، لكن هتهد المعبد على دماغ اللي حاول يستغفلها.

نزلت لشقة الحاجة سعاد، وساعدت سواق العربية النقل إنه يشيل الكراتين الأربعة اللي فيهم هدوم أحمد بالكامل، وبدل ما تبعتهم لبيت أمه زي ما قالت للحاجة سعاد في الأول، غيرت خطتها في آخر لحظة.

مريم بصت للسواق وقالت له بنبرة قاطعة:

— العمارة رقم 12 شارع الميرغني، الدور التالت، شقة الحاجة نوال عبد الحميد. تسلمهم لها إيد بإيد، وتقول لها “مريم بتبعتلك هدوم ابنك عشان يرتاح عندك الفترة الجاية”.

السواق هز راسه وأخد الفلوس، ومريم طلعت شقتها تاني.

أول ما دخلت، فتحت الدولاب الكبير بتاعها. جابت شنطتين سفر كبار، وبدأت تلم هدومها هي، حاجتها الشخصية، دهبها، ورقها الرسمي، وشهادة ميلادها، وعقد الجواز. كل حاجة تخصها جمعتها في نص ساعة.

لكن قبل ما تقفل الشنط، راحت على النيش. فتحت الباب الزجاجي وأخدت طقم الفضة اللي كانت جابته بفلوسها من شغلها قبل الجواز، وأخدت الأجهزة الكهربائية الصغار اللي كانت شارياها من جيبها الشخصي وهي متجوزة وكانت مسجلاها في قائمة المنقولات.

قفلت الشنط، وحطتهم جنب الباب.

وبعدين قعدت على ترابيزة السفرة، مسكت موبايلها، وطلبت رقم الأستاذ أشرف.. المحامي اللي كان مسك قضية قبل كده لخالها.

— أيوة يا أستاذ أشرف.. أنا مريم.

— أهلاً يا مدام مريم، خير يا بنتي؟

— أنا محتاجة أرفع دعوى تبديد منقولات، ودعوى خلع أو طلاق للضرر، ومحتاجة أعمل محضرات إثبات حالة فوراً.

— إيه ده؟! خير يا مريم؟ فيه إيه بينك وبين أحمد؟

— أحمد أخد شقايا وفلوسي عشان يصرفها على واحدة تانية، وعايز يسبني على الحديدة. أنا معايا الأدلة الكاملة بالصوت والصورة والأوراق.. ومحتاجة حضرتك تبدأ الإجراءات من النهاردة قبل بكرة.

المحامي سكت ثانية، وبعدين رد بجدية:

— تمام.. هات لي الأوراق والصور وتعالي لي المكتب الساعة أربعة العصر، وهنعمل كل حاجة بالقانون.

ساعتها الموبايل في إيد مريم بدأ يرن.

اسم “أحمد” كان منور الشاشة. مريم سابت الموبايل يرن ويفرك على الترابيزة لحد ما فصل لوحده.

رن تاني.. وتالت.. ورابع.

في المرة الخامسة، فتحت الخط، وحطت الموبايل على ودنها من غير ما تتكلم ولا كلمة.

صوت أحمد جاء لها من الناحية التانية زي المجنون، صوته كان هسيستيري وجايب آخره:

— إنتِ اتجننتي يا مريم؟! إنتِ بعتي هدومي لأمي في كراتين مع سواق نقل؟! أختي هبة بتكلمني بتصرخ وتقول لي أمك أغمى عليها لما شافت الهدوم وسمعت كلام السواق! إنتِ بتعملي إيه بالضبط؟!

مريم ردت عليه ببرود أبرد من التلج:

— أصلك نزلت من غير هدوم يا أحمد.. فقلت أريحك وأبعتهالك على هناك، بدل ما ترجع البيت وماتلاقهاش. وبعدين.. مش أمك برضه أولى بالراحة؟ أهي هدومك عندها عشان لما تطلعوا رحلة السخنة سوا.. إنت وهي.. ونهى.

السكوت ينزل على الخط زي الصاعقة.

أحمد اتسمر مكانها. صوته المجهد والعالي اختفى فجأة، وبقت أنفاسه العالية هي بس اللي مسموعة في السماعة.

مريم كملت وهي بتهز رجلها بالراحة:

— إيه؟ السكوت ده معناه إيه؟ هو الاسم غريب عليك؟ نهى شريف صلاح.. النزيل الإضافي في الغرفة المزدوجة ذات التراس البانورامي بـ 134 ألف و600 جنيه.. اللي مدفوعة بكارت الفيزا بتاعك، ومن مرتبك اللي كنت بتتحرم عليه وتقول لي “بنحوش للرحلة سوا يا مريم”.

أحمد لسانه اتقطع. حاول يتكلم، حاول يرتجل أي كذبة:

— مريم.. إنتِ.. إنتِ فهمتي غلط.. دي.. دي زميلتي في الشغل وكان فيه مؤتمر..

— مؤتمر؟

مريم ضحكت بصوت عالي، ضحكة مليانة قرف وسخرية.

— مؤتمر مساج وسبا وحمام سباحة في منتجع فاخر في العين السخنة لمدة 12 يوم؟ والمؤتمر ده طالع باسم “الحاجة نوال عبد الحميد” عشان لو أنا قفشت الإيميل بالصدفة تقول لي دي أمي وضهرها تعبان وأكل وشي بالقوامة والدين؟

— مريم اسمعيني بس.. والله الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.. أنا هفهمك كل حاجة.. افتحي الباب أنا جاي في السكة!

— مفيش حاجة تتفهم يا أحمد. الباب مقفول بالترباس، وشنطي جنب الباب.. وأنا نازلة بعد شوية. بس مش هروح بيتنا.. أنا رايحة للمحامي.

أحمد صرخ في التليفون بدعر:

— محامي إيه؟! إنتِ هتخربي بيتك عشان حتة سوء فهم؟!

— بيتي اتخرب من ست شهور يا أحمد.. من أول يوم حطيت إيدك في جيبي وأنا فاكرة إنك بتصونني، وأنت كنت بتستغفلني وتصرف على زبالتك. 96 ألف و840 جنيه بتوع مصاريف البيت هيرجعوا بالقانون.. وقائمة المنقولات هتتدفع بالمليم، وإما تدفع يا إما البوكس هيعدي عليك في الشركة ياخدك بالترينج المقطوع اللي إنت لابسه ده!

قفلت مريم السكة في وشه، وعملت للرقم بتاعه بلوك.

في نفس اللحظة، الموبايل رن برقم تاني.. كان رقم أخته هبة.

مريم فتحت الخط:

— أيوة يا هبة.

هبة كانت بتتكلم وصوتها بيرتعش من الذهول والصدمة:

— مريم.. هو الكلام اللي أمي بتقوله ده صح؟! هو أحمد عامل حجز للسخنة مع واحدة اسمها نهى؟! هو بجد كان بيضحك عليكي وبياخد فلوسك يصرفها عليها؟!

مريم تنهدت وقالت بكل ثبات:

— الإيميل معايا يا هبة، بالاسم والتاريخ ورقم الحجز. وأنا مش هظلم حد.. أنا تبعت لك صور الشاشة حالا على الواتساب عشان تشوفي أخوكي “البار بوالديه” كان بيستغل اسم أمه إزاي عشان يغطي على قذارته.

بعتت مريم الصور لهبة. بعد دقيقة واحدة، جاءت مسج صوتية من هبة وهي بتعيط وبتقول:

— حسبي الله ونعم الوكيل فيه! والله يا مريم إحنا ما نعرف حاجة عن القرف ده، أمي قاعدة بتعيط ومقهورة وبتقول لي أنا مربيتش ابني على كده.. حقك علينا يا مريم، حقك على راسي!

مريم ردت بصوت هادي:

— إنتِ وأمك مالكوش ذنب يا هبة.. ذنبه هو لوحده، وهو اللي يشيل شيلته.

الساعة جاب أربعة إلا ربع.

مريم نزلت الشنط بمساعدة حارس العمارة، وأخدت تاكسي وطلعت على مكتب المحامي.

في المكتب، المحامي قعد قرا الأوراق، شاف صور الحجز، وشاف دفتر المصاريف اللي مريم كانت كاتباه باليوم والساعة والمبلغ.

الأستاذ أشرف هز راسه بإعجاب وقال:

— شغلك مظبوط أوي يا مدام مريم. الدفتر ده مع الفواتير اللي معاكي للكهربا والإيجار والإنترنت باسمك أو من حسابك البنكي، مع إيميل الحجز اللي بياكد إن مرتبه كان رايح في اتجاه تاني كلياً.. كل ده بيثبت الضرر والتعسف وسوء النية.

— والقائمة يا متر؟

— القائمة هنعمل بيها محضراً تبديد منقولات زوجية فوراً. والشقة؟ الشقة طبعاً من حقك لو فيه أطفال، بس طالما مفيش أطفال، إحنا هنطالب بتمكين من الشقة أو استرداد كامل للمؤخر والمحتويات.

مريم بصت للمحامي وقالت بكل إصرار:

— أنا مش عايزة الشقة يا متر.. الشقة دي ريحتها كلها كذب وغدر. أنا عايزة حقي بالمليم. الـ 96 ألف بتوع مصاريف البيت، ودهبي، وقائمة المنقولات، ومؤخري. مش هسيب له جنيه واحد يفرح بيه مع السنيورة بتاعته.

المحامي ابتسم:

— اعتبريه حصل. بكرة الصبح هيكون الصال هوأول إنذار على يد محضر واصل له على الشركة وعلى بيت أمه.

خرجت مريم من مكتب المحامي الساعة ستة بالليل. الشمس كانت بتبدأ تغرب، والهوا كان براد شوية. لأول مرة من ست شهور، مريم حسيت إنها قادرة تتنفس. التعب والحرمان والضغط اللي كانت عايشة فيه عشان “توفّر للرحلة” اختفى، واستبدل بمتعة الحرية والاسترداد.

راحت على بيت أهلها في المقطم. أول ما فتحت لها أمها الباب وشافت الشنط، اتخضت:

— مريم؟! خير يا بنتي فيه إيه؟! فين أحمد؟

مريم دخلت، حطت الشنط في الصالة، وقعدت على الكنبة، وبصت لأمها وابتسمت ابتسامة صافية:

— مفيش حاجة يا أمي.. أنا بس رجعت بيتي. الحساب اتقفل، وأحمد طلع يدفع الفاتورة.

أما على الناحية التانية.. في شركة أحمد في التجمع الخامس..

أحمد كان قاعد في مكتبه، وشه أصفر زي الليمونة، ولابس الترينج القديم المبهوق وسط زمايله اللي كانوا بيبصوا له باستغراب وتهامس.

الموبايل في إيده ما كانش بيبطل رن.

أمه بتمسح بكرامته الأرض في التليفون وتصرخ فيه وتقول له “يا خايب يا فضيحتنا وسط الناس!”..

وأخته هبة بعتت له رسالة بتهدده إنها مش هتدخل بيته تاني..

ونهى شريف.. الزميلة اللي كان طالع معاها.. دخلت عليه المكتب فجأة وهي ماسكة موبايلها وشها أحمر من الغضب، وقالت بصوت واطي بس يرعب:

— أحمد! هو إيه الإيميل اللي جاي لي على ميل الشركة ده من محامي مراتك؟! هو إنت مجنون؟! إنت مدخل اسمي في قضايا ومحاضر تبديد بسبتك؟!

أحمد بص لنهى، وبعدين بص لموبايله اللي جاية له عليه رسالة إنذار قضائي على إيميله الشخصي..

حس إن الدنيا كلها بتلف بيه، وإن السحر انقلب على الساحر بسرعة ما كانش يتوقعها أبداً.

مريم ما اكتفتش بتدمير خطته.. مريم بدأت الحرب الحقيقية، وأحمد ما كانش حاسب إن الست اللي كانت بتحسب كل جنيه عشان تريح جيبه.. ممكن تحسب كل ثانية عشان تاخد حقه منه بالمثل!

لكن اللي أحمد ما كانش يعرفه.. إن مريم كانت شايلة له مفاجأة تالتة.. مفاجأة في الشغل بتاعه نفسه، هتخلي رحلة العين السخنة دي.. هي آخر رحلة يقدر يفكر فيها في حياته!



ست شهور بحوش ج 3 والاخير حكايات مني السيد

الجزء الرابع والأخير

اليوم التالي، الساعة تسعة الصبح.

الشمس كانت طالعة صافية فوق القاهرة، بس جوه مبنى الشركة الاستثمارية الكبيرة في التجمع الخامس، الجو كان أشبه بعاصفة ثلجية بتضرب المكان.

أحمد كان قاعد على مكتبه، يحاول يركز في شاشة الكمبيوتر قدامه، بس عينيه كانت مجهدة زايغة، وجفونه منتفخة من قلة النوم. طول الليل وهو قاضيها لف في الشقة الفاضية زي المجنون، ينط من أوضة لأوضة، يدور على أي هدوم صالحة للبس ملقاش غير شورتات بحر وقمصان صيفية قديمة من أربع سنين. اضطر يلبس قميص كستور قديم كان معلقه ورا الباب، وياخد بعضه وينزل عشان ميفوتش الميعاد.

بس مشكلته مكنتش في الهدوم بس.. مشكلته كانت في الهدوء المريب اللي سببه محامي مريم.

فجأة، الباب الخشب التقيل بتاع قسم الموارد البشرية (HR) اتفتح، وخرجت منه نهى شريف. وشها كان جايب ألوان، وشفايفها بملامح مشدودة وهي شايلة شنطتها على كتفها وتلمح أحمد بعينين مليانين غل وقرف.

مشيت ناحيته بخطوات سريعة، وضربت بكعب جزمتها على الأرض بصوت يرن في الطرقات، وقفت قدام مكتبه وقالت بصوت واطي وبحيح مليان تهديد:

— إنت حسابك معايا مش هنا يا أحمد.. حسابك معايا بعدين. إنت فاكر لما تتدبس في مصيبة وتسحب اسمي معاك إنها هتعدي؟ الإيميل اللي بعته محامي هانم هانمك للـ HR النهاردة الصبح حطني في موقف زبالة قدام الإدارة!

أحمد اتنفض من كرسيه وبص حواليه برعب، يوشوشها:

— وطي صوتك يا نهى يخرب بيتك! إيميل إيه اللي راح للـ HR؟!

— الإيميل اللي فيه صور الحجز بتاع العين السخنة!

نهى قربت منه أكتر وقالت بفحيح:

— المحامي بعت إخطار رسمي للشركة بيبلغهم إنك بتستغل ميزانية الانتداب والسفريات الخارجية وتستعمل الفيزا المحاسبية بتاعة العمليات في حجز رحلات شخصية واستجمام تحت بند “سفريات عمل”! إنت متخيل إنت عملت إيه؟! إنت مش بس فصحتنا وفضحت نفسك.. إنت دخلت الشركة في حيطة سد بسبب نمرة الغباء اللي عملتها!

أحمد حك جبهته بإيده وهو بيحس إن دماغه بتتفرتك:

— فيزا العمليات؟! أنا محجزتش بفيزا العمليات! أنا حجزت بفيزتي أنا!

— لأ يا فالح!

نهى هزت رأسها بسخرية قاسية:

— إنت من كتر لغبطتك وغباءك وأنت بتعمل الحجز الشهر اللي فات، استعملت كارت الفيزا المربوط بالحساب البنكي المزدوج اللي الشركة عملتهولك عشان مصاريف المبيعات والعملاء! ومريم لما فتحت اللابتوب بتاعك وطبعت كشف الحساب، طبعت رقم الكارت المربوط بالشركة! المحامي بتاعها ذكي.. ذكي أوي للدرجة اللي تخلي الإدارة تراجع كل السحبيات اللي عملتها من الحساب ده خلال الست شهور اللي فاتوا!

أحمد اتسمر مكانه. ركبه خارت وقعد على الكرسي تاني زي الشوال.

أحمد كان فعلاً بياخد مبالغ صغيرة من كارت مصاريف الشغل تحت بند “ضيافة عملاء” و”انتقالات ميدانية”، ويحولها لحسابه الشخصي بالتدريج عشان يقفل مبلغ الـ 134 ألف بتوع الرحلة، وهو متأكد إن الحسابات مش هتدقق في الفراقات الصغيرة دي طالما البيزنس شغال. كان فاكر إن محدش هياخد باله.. بس مريم لما جمعت الدفتر وبصت في صور الشاشة، سلقت البيانات كلها وأدتها للمحامي اللي قدر بنظرة واحدة يفهم إن الأرقام مش راكبة مع مرتب أحمد الفعلي!

قبل ما أحمد ينطق أو يفتح بوقه، صوت التليفون الداخلي (الإنتركوم) على مكتبه رن.

صوت سكرتيرة المدير العام جاء جاف وصارم:

— أستاذ أحمد.. الباشمهندس طارق طالبك في مكتبه فوراً.. ومعاك أستاذة نهى.

أحمد بص لنهى، ونهى بصت له بقرف، ومشيوا الاتنين ناحية مكتب المدير العام زي اللي رايحين حبل الإعدام.

في نفس الوقت، في شقة المقطم..

مريم كانت قاعد على ترابيزة المطبخ، قدامها طبق فول دافي وفنجان شاي بالنعناع. أمها كانت رايحة جاية في المطبخ، تبص لها بشفقة وحيرة، ومش قادرة تستوعب الهدوء الصادم اللي مريم فيه.

— يا بنتي فهميني.. إنتِ بجد مش زعلانة؟ مش حاسة بحسرة على السنين اللي ضاعت؟ الست شهور دول إنتِ كنتِ بتموتي نفسك فيهم من الجوع والتوفير!

مريم أخدت رشفة شاي بالراحة، حطت الفنجان على الطبق وقالت بابتسامة هادية:

— الزعل يا أمي بيبقى على حد يستاهل. على راجل كان بيبني معاكي بجد واتهدم البيت بظروف غصب عنه. بس أحمد؟ أحمد مكنش بيبني معايا.. أحمد كان بيسرقني. كان بياكل من عرق حيرتي وتوفيلي عشان يروح ينبسط. عارفة يا أمي؟ الـ 96 ألف جنيه دول كانوا ثمن غشاوة نزلت من على عيني. أنا دفعتهم عشان أشتري حريتي وأعرف حقيقة البني آدم اللي كنت مأمنة له.

الموبايل على الترابيزة رن. كان الأستاذ أشرف المحامي.

مريم فتحت السبيكر:

— أيوة يا متر، خير؟

— صباح الفل يا مدام مريم. حبيت أطمنك.. الإنذارات وصلت للشركة ولبيت أمه، والمحضر بتاع تبديد المنقولات اتسجل برقم رسمي في قسم الشرطة التابع لشقتكم.

— وموضوع الشركة يا متر؟

الأستاذ أشرف ضحك بصوت مرتفع:

— موضوع الشركة ده بقى القاضية! الإيميل اللي بعثناه لقسم المراجعة المالية والشؤون القانونية عندهم عمل حريقة. المدير المالي راجع الحسابات بنفسه ولقى إن أحمد كان بيلعب في فواتير الانتقالات وضيافة العملاء من ست شهور، والمبلغ المتبدد من حساب الشركة غير الفلوس اللي خدها منك طالع حوالي 85 ألف جنيه كمان!

مريم سكتت ثانية، وبعدين سألت:

— وإيه اللي هيحصل دلوقتي؟

— الشؤون القانونية في الشركة استدعوه فوراً للتحقيق. قدامه خيارين لا ثالث لهما: يا إما يدفع المبالغ دي كلها كاش خلال 48 ساعة، يا إما الشركة هترفع عليه قضية اختلاس وخيانة أمانة وتفصله فصل تعسفي بدون أي مستحقات!

أم مريم شهقت وحطت إيدها على صدرها:

— يا ساتر يا رب! يفضحه في شغله ومستقبله يضيع؟!

مريم بصت لأمها بثبات وقالت للمحامي:

— خليه يدوق من نفس الكأس يا متر. هو مفرمتش قلبي ولا حرحش كرامتي لما حط اسم أمه في حجز مشبوه عشان يغطى على قذارته. خليه يتحمل نتيجة أفعاله.

— مضبوط يا مدام مريم. وبكرة الصبح هنعمل طلب تمكين واسترداد للمنقولات بالقوة الجبرية لو مفرغش الشقة وسلمك حاجتك بنفسه.

نرجع لمكتب المدير العام في التجمع الخامس..

الجو جوة كان أحر من النار. الباشمهندس طارق، راجل في الخمسينات، شعره أبيض وجاد جداً، كان قاعد ورا مكتبه الفخم، وقدامه الملفات المالية الخاصة بأحمد وكشوف الحسابات.

جنبه كان قاعد المدير المالي ومدير الموارد البشرية.

أحمد كان واقف وركبه بتخبط في بعضها، الترينج المبهوق والقميص الكستور مخلين شكله زي الشحاتين وسط المكتب الفخم، ونهى واقفة جنبه مربع إيديها وبتبص في الأرض بعيد عنه.

الباشمهندس طارق رمى القلم على المكتب بصوت عالي:

— أنا مش قارد أصدق! إنت بجد يا أحمد بتستغل ثقتنا فيك والفيزا المفتوحة بتاعة الانتقالات عشان تحجز رحلات استجمام شخصية للعين السخنة؟! وعامل الحجز باسم والدتك ومقضيها مع زميلتك في الشركة؟!

أحمد اتكلم بصوت مرعوب وبيقطع:

— يا فندم والله العظيم سوء فهم! الفلوس دي أنا كنت هردها للحساب تاني.. أنا بس كان عندي زنقة مالية و…

المدير المالي قاطعه بحزم:

— رد الفلوس ده لما تكون واخد سلفة بعلم الإدارة! مش لما تزور فواتير ضيافة عملاء وتكتب إنك كنت مع وفد أجنبي وأنت كنت بتحول المبالغ دي لحسابك الشخصي عشان تقفل حجز الـ 134 ألف! حركة المحامي بتاعة مدام مريم كشفت التلاعب كله، وبناءً عليه الشركة مش هترحمك!

الباشمهندس طارق بص لأحمد بصرامة:

— قدامك خيارين يا أحمد.. ومافيش خيار تالت.

المبلغ الإجمالي اللي اتسحب من فيزا الشركة بدون وجه حق 85 ألف و400 جنيه. تدفعهم بالكامل في خزانة الشركة قبل الساعة واحدة ظهر بكرة.. وتقدم استقالتك فوراً وبدون أي مكافأة نهاية خدمة.

أحمد اتصدم وصرخ:

— استقالة؟! يا باشمهندس أنا بقالي خمس سنين في الشركة!

— ولو مادفعتش واستقلت بنفسك..

الباشمهندس طارق كمل وهو بيشاور للمدير القانوني:

— البلاغ بتهمة الاختلاس وخيانة الأمانة هيتقدم للنيابة العامة الساعة واحدة والدقيقة خمسة. إنت ونهى!

نهى أول ما سمعت اسمها اتنفضت وقالت بانهيار ودموع:

— أنا ماليش دعوة يا باشمهندس! هو اللي حجز وهو اللي قال لي إن دي رحلة مكافأة من الشركة للموظفين المتميزين! أنا مكنتش اعرف إنه ساحب الفلوس دي من حساب العمليات! والله العظيم أنا اتخدعت فيه زي مراته بالضبط!

أحمد بص لنهى بذهول، مش مصدق إنها بتبيعه في ثانية عشان تنقذ نفسها:

— نهى؟! إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ كنتِ معايا في كل خطوة وعارفة إن الفلوس دي…

نهى صرخت فيه بغضب:

— أخرس يا نصاب! إنت ضيعت مستقبلي ودمرت سمعتي في الشركة! أنا أصلًا مش عايزة أعرفك تاني، ويا باشمهندس أنا مستعدة أقدم استقالتي فوراً وأشهد ضد أحمد في النيابة لو التحقيق اتفتح!

الباشمهندس طارق هز رأسه بقرف وقال:

— اتفضلوا برة المكتب أنتم الاتنين. قدامك لليوم بكرة يا أحمد.. الفلوس تسترد والاستقالة تتقدم.. يا إما هتبات في القسم بكرة بالليل.

خرج أحمد من المكتب ومشي في الطرقات زي الميت. زمايله في القسم كانوا بيبصوا له بفضول وتهامس، الأخبار انتشرت في الشركة زي النار في الحطب. نهى سابته وجريت على مكتبها تلم حاجتها وتعيط، وأحمد مشي لحد أسانسير العمارة وهو حاسس إن السقف بيقع عليه.

85 ألف جنيه للشركة..

و96 ألف جنيه لمريم..

وقائمة المنقولات اللي بتتقدر بـ 250 ألف جنيه..

غير قضايا المؤخر والنفقة!

منين؟ أحمد مكنش حيلته غير الـ 134 ألف اللي محجوزين في المنتجع الصحي في العين السخنة.. والرحلة نفسها “غير قابلة للاسترداد”!

الساعة أربعة العصر، أحمد كان واقف قدام شقة أمه في شارع الميرغني.

فتح الباب بالمفتاح ودخل. الشقة كانت ظالمة ورائحة البخور فيها تقيلة.

في الصالة، كانت الكراتين الأربعة بتوع هدومه مرميين في النص زي الزبالة. الحاجة نوال أمه كانت قاعدة على الكنبة ولابسة طرطة سودا، وجنبها هبة أخته اللي كانت باصة له بنظرات مليانة قرف واشمئزاز.

أول ما أمه شافته بالترينج القديم والقميص الكستور ووشه الأصفر، رميت المسبحة من إيدها وقالت بصوت مكسور ومليان غضب:

— أهلاً بالبيه.. أهلاً بالبار بأمه! أهلاً باللي استغل اسم أمه المريضة عشان يغطي على الخياسة بتاعته!

أحمد قرب من أمه وحاول يمسك إيدها:

— يا أمي اسمعيني بس والله العظيم…

أمه ضربت إيده بقوة وبعدت عنه:

— إياك تلمسني! إياك تتكلم! أنا الحاجة نوال عبد الحميد اللي طول عمري ماشية بين الناس بالحق ومربياكم بالحلال.. تيجي إنت في آخر زمني تحط اسمي في حجز مشبوه مع واحدة زبالة من الشارع عشان تغفل مراتك الأصيلة؟! مراتك اللي كانت شايلالك بيتك وموفرة لك قرشك وشايلة عنك الهم؟!

هبة أخته وقفت وقالت بقسوة:

— مريم بعتت لنا صور الحجز والإيميل يا أحمد. بعتت لنا كل حاجة بالدليل! مريم اللي كنت بتستقل بيها وتعمل عليها راجل وهي بتدفع إيجار بيتك ومصاريف أكلك وشربك! إنت أزاي قادر تبص في وشنا كده؟

أحمد قعد على الأرض عند رجلين أمه، وصوته بدأ يتخنق بالدموع لأول مرة:

— يا أمي الحقيني.. أنا هضيع! الشركة طالبين مني 85 ألف جنيه بكرة الصبح وإلا هيرفعوا عليا قضية اختلاس ويسجونني! ومريم رفعت قضايا تبديد وخيانة أمانة ورامياني بالإنذارات! أنا هروح في داهية يا أمي!

الحاجة نوال بصت له بجفاء شديد، عينها مكنش فيها أي نقطة شفقة:

— تروح في داهية؟ وإنت فاكر إن ربنا هيسيبك بعد اللي عملته في البنت دي؟ البنت دي حرمت نفسها من الكريم اللي بتحطه على وشها عشان توفر لك الفلوس اللي إنت رايح تدلع بيها السنيورة بتاعتك!

— يا أمي سلفيني الفلوس دي من شهاداتك في البنك وأنا هردها لك! والله هردها لك!

أمه ضحكت بسخرية مفرطة:

— أسلفك من شهاداتي؟ الشهادات دي هي اللي حيلتي اللي هعيش بيها اللي فاضل من عمري! أديها لك عشان تطلعك من مصيبة وسفالة عملتها بكامل إرادتك؟ لا يا أحمد.. مش هأخد جنيه واحد من فلوس حلال أصرفها على طيشك وخيانتك.

— يا أمي هنسجن!

— اتسجن!

أمه زقت كرسيه وقامت وقفت بال بالعافية وهي مستندة على عصايتها:

— يمكن السجن ينضفك ويرجع لك عقلك! الهدوم دي تاخدها وتغور بيها من بيتي. أنا ماليش ابن بالاسم ده لحد ما ترجع لمراتك حقها بالمليم وتطلب منها الس/لاح والمسامحة!

هبة مسكت دراع أحمد وزقته ناحية الباب:

— اطلع برة يا أحمد.. أمي ضغطها عالي ومش متحملة نشوف وشك. روح للست نهى بتاعتك تخليك تتصرف لك في الفلوس!

أحمد اتطرد من بيت أمه زي الكلاب، وهو شايل كرتونة واحدة من هدومه بالعافية، ونزل على السلم وصوت الباب بيرزع وراه.

النهارده التاني، الساعة اتناشر الضهر..

في المحكمة البحرية بالحي العاشر..

مريم كانت قاعدة مع الأستاذ أشرف المحامي في القاعة، مستنيين دورهم قدام القاضي في جلسة نظر طلب التمكين والاسترداد العاجل.

مريم كانت لابسة فستان أسود أنيق، وحاطة ميك أب هادي أوي، وشعرها متظبط، وبشكل يفيض بالثقة والراحة. أمها كانت قاعدة جنبها تمسك إيدها وبتدعيلها.

فجأة، أحمد دخل القاعة.

شكله كان يرحم ويرعب في نفس الوقت. كان لابس نفس الترينج القديم بس كان مبهدل أكتر، وشه دبلان، وعينيه أحمر زي الدم، وشعره منكوش. مكنش قادر يرفع عينيه في مريم.

قرب من كرسيه المحامي بتاعه وهو بيمشي ببطء شديد.

المحامي بتاع أحمد قرب من الأستاذ أشرف وتكلم معاه بصوت واطي:

— يا أستاذ أشرف.. الموكل بتاعي جاهز للتسوية الودية. مش عايزين القضايا تكبر أكتر من كده.

الأستاذ أشرف بص لمريم، ومريم هزت رأسها بالرفض القاطع وابتسمت للمحامي:

— التسوية شروطها واضحة يا متر. مافيش تنازل عن أي قضية ولا محضر قبل ما الشروط تتنفذ بالمليم.

المحامي بتاع أحمد تنهد وقال لأحمد:

— زي ما قلت لك يا أحمد.. موقفنا القانوني زبالة، والشركة باعتك خلاص. لازم تدفع.

أحمد قرب خطوة من مريم، وصوته كان بيرتعش زي الطفل الصغير:

— مريم.. أنا بعت عربيتي النهاردة الصبح. بعتها بأقل من سعرها عشان أجمع الفلوس.

مريم بصت له بكل هدوء واستخفاف:

— بعت العربية؟ كويس.. أديت الشركة الـ 85 ألف بتوعها؟

أحمد هز رأسه بكسرة:

— أيوة.. أديتهم الفلوس وقدمت استقالتي.. أنا اتفصلت خلاص يا مريم.. ومبقاش حيلتي حاجة. والـ 134 ألف بتوع المنتجع ضاعوا عليا لأن الحجز اتلغى بدون استرداد بناءً على طلب الشؤون القانونية للشركة.

مريم هزت رأسها بالراحة:

— زعلتني عليك يا أحمد.. بس ده حظك. وين الفلوس بتوعي؟ الـ 96 ألف و840 جنيه مصاريف البيت خلال الست شهور؟

أحمد حط إيده في جيبه وطلع شيك بنكي من باقي فلوس بيع العربية:

— الشيك ده بـ 100 ألف جنيه.. الـ 96 ألف بتوعك وباقي الفلوس تعتبريها مؤخرك. والمنقولات بتاعتك محطوطة في العربيات النقل قدام المحكمة دلوقتي، جاهزة للتسليم تحت إشراف المحضرين.

مريم أخدت الشيك من إيد المحامي بتاعها، وبصت فيه كويس، وقارنت الرقم بالدفتر اللي كان في شنطتها.

— مظبوط يا متر.. الحساب كده يتقفل بالنسبة للمصاريف والمنقولات.

أحمد بص لمريم بكسرة وأمل أخير:

— مريم.. إحنا كده خلصنا كل حاجة مالية.. أرجوكي تنازلي عن القضايا وخلينا نتطلق بالهدوء.. أنا اتدمرت خلاص، شغل وضاع، وسمعتي اتفضحت، وأمي مش عايزة تبص في وشي.. حرام عليكِ اللي عملتيه فيا ده!

مريم وقفت، قربت منه خطوة واحدة، وبصت في عينيه بثبات يقطع النفس:

— حرام عليا أنا يا أحمد؟

إنت اللي عملت كده في نفسك. إنت اللي فاكر إن الست لما بتحب وتضحي وتوفر من لحم حيها عشان تبني معاك، تبقى عبيطة ومستغفلة! إنت فاكر إن القوامة إنك تاكل شقايا وتصرفه على نزواتك وتحط اسم أمك كسبوبة تغطي بيها وساختك!

أنا معملتش فيك حاجة.. أنا بس سبتك تقع في الحفرة اللي حفرتها بإيدك.

سكتت مريم لحظة، وطلبت من المحامي ورقة التنازل عن المحاضر بعد ما استلمت المنقولات والشيك.

مريم توقّع على الورقة وادتها للمحامي وقالت بصوت واضح سمع القاعة كلها:

— تنازلت عن القضايا يا أحمد.. مش عشان خاطرك، عشان أنا مش عايزة أي حاجة تفكرني بيك أو تخليني أشوف وشك تاني في محكمة. إنت بالنسبة لي بقيت صفحة اتطوت وترمت في الزبالة.

أحمد فضلت واقف مكانه مش قادر ينطق، والدموع بتنزل من عينيه بالبطيء وهو بيشوف مريم بتمشي بثقة، ماسكة إيد أمها، وخارجة من باب المحكمة بكل كبرياء وشموخ.

بعد شهرين..

في أحد الكافيهات الهادية في المعادي..

مريم كانت قاعد مع صاحبتها سارة.

مريم كانت شكلها متغيّر تماماً. رجعت لجمالها، أنيقة، وحاطة الكريم اللي بتحبه، وابتسامتها مالية وشها. مريم استغلت جزء من فلوسها وقدمت على كورس متقدم في إدارة المكتبات والمعلومات، وجاء لها عرض شغل جديد في مكتبة مدرسة دولية كبيرة في التجمع الخامس بمرتب محترم أوي.

سارة كانت بتشرب القهوة وبتبص لها بإعجاب:

— والله يا مريم إنتِ بقيتي أسطورة! البنات في الجروبات كلها بيتكلموا عن اللي عملتيه مع أحمد! بس قوليلي.. ما عرفتيش أخباره إيه دلوقتي؟

مريم ابتسمت ببرود ورشفت من عصير البرتقال:

— أخته هبة كلمتني من أسبوع تتطمن عليا ولقيتها بتبكي وتقولي أخباره.

— وقال لك إيه؟

— أحمد بايع كل حاجة حيلته، وقاعد في أوضة مفروشة بالإيجار في شبرا. شغال مندوب مبيعات بعقد مؤقت في شركة صغيرة بمرتب ميكفيش أكله وشربه. ونهى شريف طبعاً سابته ورفعت عليه قضية عشان كان متداين منها بفلوس، وأمه لحد النهاردة رافضة تدخله بيتها أو تسامحه.

سارة هزت رأسها بقناعة:

— كما تدين تدان.. كان فاكر نفسه ناصح وهياكل حقك، طلع هو اللي اتأكل في الآخر.

مريم بصت للسما الصافية من شباك الكافيه، وتنهدت نفس طويل مليان راحة ونقاء:

— عارفة يا سارة؟ أنا مدمدمتش على أي جنيه صرفته أو أي يوم ضاع. الدرس كان غالي، بس نتيجته إني عرفت قيمتي. عرفت إن الست لما تقرر تتنازل وتوفر وتستحمل، ده بيكون حب وجدعنة مش ضعف ولا هبل.. ولما تقرر تاخد حقها.. بتقدر تاخده بالقانون وبكل شياكة.

مريم مسكت موبايلها، وفتحت أكونت الإنستجرام بتاعها.

نزلت صورة للبحر في شرم الشيخ.. الصورة اللي كانت معلقاها زمان على التلاجة وهي بتحلم بفسحة مع راجل مبيصونهاش.

وكتبت تحت الصورة كابشن صغير:

“الرحلة مكنتش لشرك الشقاء.. الرحلة كانت لنفسي.. وأخيرًا وصلت.”

وقد كان. مريم أخدت الشنطة بتاعتها، وحجزت رحلة أسبوع كامل لوحدها في أفخم فندق في شرم الشيخ، من فلوسها اللي رجعت لها، ومن عرقها الصافي.

وقفت على شاطئ البحر، الميه الزرقا بتلمس رجليها، والهوا الطاير بيلعب في شعرها، وهي بتضحك من قلبها لأول مرة من سنين.. ضحكة ست عرفت إن أجدع اتفاق في الدنيا.. هو الاتفاق اللي بتعمله مع نفسك عشان تصون كرامتك وما تسمحش لأي حد في الدنيا يستغفلها تاني!



أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close