القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

أقرب صاحبة ليا كانت بتاخد ابني المصاب بالتوحد اسما السيد كامله

 أقرب صاحبة ليا كانت بتاخد ابني المصاب بالتوحد اسما السيد كامله 



حكايات اسما السيد  كامله 

**أقرب صاحبة ليا كانت بتاخد ابني المصاب بالتوحد لنفس المطعم كل مرة تزورنا فيها — وفي عيد ميلاده الـ18، الجرسونة أخيرًا قالتلي هما كانوا بيعملوا إيه هناك طول السنين دي.** صاحبتي المقربة **مريم** كانت في حياتي من وإحنا أطفال. ولما ابني **آدم** كمل 8 سنين، عرضت إنها تاخده معاها كام ساعة كل مرة تزورنا فيها.

قالتلي إن ده هيساعده يتعلم يتعامل مع الناس ويقوي مهاراته الاجتماعية، وفي نفس الوقت كان بيديني كام ساعة أقدر أرتاح فيهم وأخد نفسي.


كنت ممتنة لها جدًا على مساعدتها. كانت بتقول إنهم بيروحوا جنينة هادية أو محلات صغيرة بعيدة عن الزحمة. ساعات آدم كان بيذكر حاجة اسمها “المطعم”، لكن مريم كانت دايمًا بتغير الموضوع. كانت بتقولي: “ده بس مطعم صغير بنقف فيه نجيب بطاطس لما آدم بيتوتر وبيحتاج يهدى شوية.” ومرت السنين. على مدار عشر سنين، آدم كان بيجيب سيرة المطعم من وقت للتاني بشكل عابر، لكن عمره ما حكى تفاصيل حقيقية، وأنا عمري ما شكيت في حاجة أو كان عندي سبب يخليني أحقق ورا الموضوع.


لحد الأسبوع اللي فات، لما آدم كمل 18 سنة. سألته: “تحب نحتفل بعيد ميلادك فين يا حبيبي؟” من غير أي تردد، رد فورًا: “عايز أروح المطعم ده.” وأشار للمطعم اللي كان بيروحه مع مريم. الغريب إن مريم أول ما سمعت كلامه اتوترت جدًا. حاولت تقنعني نروح مطعم أغلى وأفخم، وقالت: “ممكن نروح مكان حلو في **التجمع الخامس** بدل المطعم ده.” لكن آدم كان مصمم. وأنا طبعًا مقدرتش أرفض طلبه في عيد ميلاده.


ركبت أنا وجوزي العربية، وروحنا إحنا التلاتة للمطعم. أول ما وصلنا، قعدنا في ترابيزة في ركن هادي. جوزي كان مبسوط وبيتكلم مع آدم عن عيد ميلاده، وآدم كان فرحان بشكل واضح. أما مريم… فكانت حالتها غريبة جدًا. كانت بتتحرك في مكانها طول الوقت، وتفرك المنديل في إيديها بعصبية، وكل شوية تبص حوالين المكان، وكأنها خايفة حد يشوفها أو يقول حاجة. والأغرب إنها كانت بتتجنب تبص في عيني. بعد شوية، وإحنا في نص الأكل تقريبًا، جات لنا جرسونة كبيرة في السن.


كان واضح إنها شغالة في المكان بقالها سنين. كانت ماسكة طبق صغير عليه قطعة جاتوه. حطته قدام آدم وابتسمت له بحنان. وقالت: “كل سنة وإنت طيب يا حبيبي.” آدم ابتسم ابتسامة كبيرة. وفي اللحظة دي، لأول مرة من ساعة ما دخلنا المطعم، لاحظت إن مريم ارتاحت شوية. وشها هدي، وجسمها ما بقاش متشنج زي الأول. فضلنا قاعدين شوية، وبعد ما خلصنا تقريبًا وبدأنا نستعد نمشي، قمت من على الترابيزة وقلت لهم:


“هروح الحمام وأرجع.” دخلت الحمام، ولما رجعت، كنت ماشية ناحية الترابيزة. لكن قبل ما أوصل، لقيت نفس الجرسونة الكبيرة واقفة قدامي. بصت ناحيتي، وبعدها بصت ناحية الترابيزة. وبعدين قربت مني ومسكت دراعي برفق. كان في حاجة غريبة جدًا في نظرتها. بصتلي بجدية، وخفضت صوتها وقالت: “ممكن أقولك حاجة؟” اتوترت. وقلت: “طبعًا… في إيه؟” بصت تاني ناحية آدم ومريم، وكأنها بتتأكد إن محدش سامعنا. وبعدين قربت مني أكتر وهمست:


**”إنتِ لازم تعرفي ابنك كان بيعمل إيه هنا طول السنين اللي فاتت…”**

وقفت في مكاني وأنا حاسة بركبي بتترعش، والدم انسحب من وشي في ثواني. نبرة صوت الجرسونة كانت جادة ومحملة بتقل غريب خلاني مش قادرة أتنفس. نظراتها ما بين الترابيزة وبين عيني كانت بتقول إن السر اللي حبسته مريم كل السنين دي أخيرًا هيطلع للنور.


الجرسونة قربت مني أكتر، ومسكت دراعي بقوة أكبر وكأنها بتسندني قبل ما أقع، وشاورتلي بعينيها ناحية ممر صغير جنب المطبخ بعيد عن زحمة الصالة وعن أعين الترابيزة اللي قاعد عليها جوزي وآدم ومريم.

مشينا خطوات بطيئة، وأنا قلبي كان ببدق في وداني زي الطبول. أفكار مرعبة بدأت تهاجم عقلي في لحظات: هل مريم كانت بتستغل ابني؟ هل كانت بتعامله بقسوة بعيد عن عيني؟ ليه كانت بتخبيني؟ وليه توترها كان هيمــ,,ـــــوتها أول ما آدم طلب ييجي هنا؟


وقفنا في الممر الهادي، الجرسونة أخدت نفس طويل، وربدت على إيدي بحنان أمومي وقالتلي بصوت خافت: “يا بنتي.. أنا شغال هنا بقالي أكل من 15 سنة، وشوفت ناس أشكال وألوان بتدخل من الباب ده. بس اللي كان بيحصل مع ابنك ومريم من 10 سنين كان حاجة متتوصفش، وكان لازم تعرفيه من زمان.” بلعت ريقي بصعوبة وقلت لها بنبرة مرعوبة: “عميدة مريم كانت بتعمل إيه مع آدم؟ أرجوكي قوليلي الحقيقة بسرعة.. هي كانت بتضايقه؟”


الجرسونة هزت رأسها بنفي سريع، وابتسامة حزينة اترسمت على وشها، لكن النظرة اللي في عينيها فضلت غامضة ومحيرة. وقالت: “لا يا بنتي.. مريم عمرها ما ضايقته، بالعكس. بس الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة خالص. مريم كانت بتجيب آدم هنا كل أسبوع، مش عشان تشتريله بطاطس أو عشان يهدى زي ما بتقولك.. مريم كانت بتجيبه هنا عشان تقابل راجل تاني.” الكلمة نزلت عليا زي الصدمة. “راجل تاني؟!” كررتا بعينين متسعتين ومش مصدقة.



 

كملت الجرسونة: “أيوة.. كان في شاب بييجي هنا مستنيها في الترابيزة البعيدة دي كل مرة بتيجي فيها. كانوا بيفضلوا قاعدين بالساعات يتكلموا، يضحكوا، ويبصوا لبعض بنفس الطريقة اللي بتدل إن بينهم قصة حب كبيرة وعميقة. وآدم.. آدم كان قاعد معاهم على نفس الترابيزة.” حسيت بغضب جارف بيسري في عروقي. صاحبتي المقربة، اللي أمنتها على ابني المصاب بالتوحد، اللي ادعت إنها بتاخده عشان تدربه على المهارات الاجتماعية وتديني أنا فرصة يرتاح، كانت بتستغل حالة ابني وعدم قدرته على التعبير ونقل الأحداث عشان تستخدمه كـ “ستار” لمقابلات غرامية خفية!


قلت للجرسونة وصوتي بدأ يترعش من كتر العصبية: “كانت بتستغل ابني! كانت بتاخده عشان تغطي على نزواتها ومقابلاتها السرية من غير ما حد يشك فيها؟ عشان كدة كانت بتغير الموضوع كل ما آدم يذكر ‘المطعم’؟” الجرسونة حطت إيدها على بوقي ببطء وهزت رأسها وقالت بجدية: “استني يا بنتي.. متظلــ,,ـــــميش مريم بسرعة وتكملي الصورة من خيالك، الحقيقة أعمق وأعقد من كدة بكتير. كملي السمع للآخر.” نزلت إيدها وواصلت كلامها وهي بتبص ناحية الترابيزة:


“الشاب ده.. كان اسمه ‘شريف’. شريف كان خطيب مريم القديم من سنين طويلة، بس أهل مريم رفضوه تمامًا وقفلوا الباب في وشه عشان ظروفه المادية كانت على قدها وكان شغال مصمم ديكور مبتدئ. مريم اتجوزت بضغط من أهلها الشخص اللي هي معاه دلوقتي، وشريف حياته اتدمرت ووقف كل حاجة. لما مريم عرفت إن آدم عنده توحد، وإنك محتاجة مساعدة، اقترحت عليكِ تاخده عشان تخرج بيه.. بس السبب الحقيقي اللي خلي شريف ومريم يتقابلوا هنا ما كانش مجرد مقابلات عاطفية خفية.. شريف كان مهندس شاطر جدًا في التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وكان حلمه يعمل مركز لتأهيلهم.”


برشت بعيني بذهول، وحسيت إن الصورة بتتغير كليًا قدامي. الجرسونة كملت بصوت دافئ:


“مريم لما شافت معاناتك مع آدم في أول سنين تشخيصه، وازاي كنتِ منهارة ومش عارفة تتعاملي مع نوبات غضبه، راحت لشريف وطلبت منه يتدخل ويساعد آدم بالمهارات اللي عنده، لأن ظروفكوا المادية وقتها ما كانتش تسمح بمركز خاص غالي. شريف كان بييجي المطعم ده مخصوص، ويقعد مع آدم بالساعات. كان بيمسك إيده، يعلمه ازاى يمسك المعلقة، يعلمه يجمع الأشكال، يقعد يرسم معاه بالساعات طويلة عشان يخليه يفرغ طاقته ويتحكم في توتره. كل المهارات اللي آدم اتعلمها والتحسن اللي شوفتيه عليه على مدار الـ 10 سنين اللي فاتوا.. ما كانش مجرد صدفة أو تدريب من مريم لوحدها..


ده كان مجهود شريف وآدم ومريم مع بعض هنا في المطعم ده.” وقفت مذهولة. كل نفس، كل حركة، كل كلمة قالها آدم في السنين اللي فاتت بدأت تتجمع في عقلي زي قطع البازل. فتكرت لما آدم بدأ فجأة يمسك القلم ويرسم أشكال هندسية مظبوطة، فتكرت لما نوبات غضبه بدأت تقل تدريجيًا وكان يطلب يرسم عشان يهدى، فتكرت لما مريم كانت بتجيلي وتقولي “آدم اتعلم معلقة الأكل النهاردة في الجنينة!”. اتاري كل ده كان بيحصل هنا.. على ترابيزة مطعم بسيط في أطراف المدينة.


لكن السؤال اللي كان بياكل قلبي فضلت أسأله: “طب ليه الخفاء؟ ليه مريم تخبي عليا كل ده؟ ليه ما قالتليش إن شريف بيساعده؟ ليه التوتر والخوف ده كله لو كانت نيتها حسنة؟” الجرسونة تنهدت بأسى وقالت:


“عشان شريف ومريم.. حبهم لبعض ما ماتش يا بنتي. شريف كان بيعمل كل ده عشان مريم، وعشان ابن صاحبتها. بس المشكلة إن جوز مريم راجل شكاك وشديد جدًا، وأهلها لو عرفوا إنه بيقابل شريف حتى لو عشان بيساعد طفل، كانوا هيخربوا بيتها ويحرموها من أولادها. مريم كانت عايشة في رعب حقيقي إن حد يعرف. بس أغرب حاجة حصلت في القصة دي.. مش المساعدات اللي كان شريف بيقدمها لآدم.” صمتت الجرسونة فجأة، ونظرتها تحولت لشيء مليان غموض ودهشة.


قربت مني أكتر وقالت بصوت واطي جدًا: “الأغرب بقى.. إن من سنتين فاتوا، شريف اختفى تمامًا. ما بقاش ييجي المطعم. ومريم كانت بتيجي هنا لوحدها مع آدم، تقعد على الترابيزة وتبكي بحــ,,ـــــرقة وسكون، وآدم هو اللي كان بيمسك إيدها ويهديها بالطريقة اللي شريف علمهاله! لكن من ست شهور.. حصلت حاجة هزت المكان هنا كله.” قلبي رجع يدق بسرعة رهيبة. “حصل إيه من ست شهور؟” سألتها وأنا حاسة إن الأسرار مش بتخلص.


الجرسونة بصلتلي بقوة وقالت: “من ست شهور، مريم جات هنا لوحدها من غير آدم، وكانت بتترعش. قابلت راجل تاني خالص.. راجل شكله غريب، وادته ظرف مقفول تقيل، وأخدت منه ورقة أو خريطة. وأنا بالصدفة ونا بتعدي من جنبهم، سمعتها بتقول للراجل ده بكل رعب: ‘لو جوزي عرف إن شريف سابلي السر ده قبل ما يختفي.. هي.ني وي. آدم’.” اتسعت عيناي بذهول مطلق. سر؟ شريف ساب سر لمريم؟ وليه آدم مهدد في الموضوع؟


كملت الجرسونة كلامها وهي بتقول: “واليوم اللي جات فيه مريم هنا لوحدها، كانت مفكرة إن محدش شايفها. بس آدم.. آدم كان بييجي هنا ساعات لوحده أو يسيب البيت ويجيلنا بعد ما كبر شوية! آدم يا هانم حافظ المكان ده شبر شبر. وآدم عارف السر اللي شريف سابه هنا تحت الترابيزة دي من سنتين!” في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات سريعة جاية ناحية الممر. التفت بسرعة، لقيت مريم واقفة في أول الممر، وشها أصفر زي الليمونة، وعينيها متسعة بفرع وهلع وهي شايفاني واقفة مع الجرسونة وبنتكلم بوشوشة.


مريم جرت ناحيتنا وصوتها بيلعثم: “أمل! إنتِ بتتأخري ليه؟.. إحنا.. إحنا يلا عشان نمشي، جوزك وآدم مستنيين في العربية!” بصيت لمريم بنظرة أول مرة تشوفها مني.. نظرة مليانة أسئلة، وشك، وصدمة. مريم لمحت النظرة دي في عيني، وفهمت فورًا إن الجرسونة حكتلي حاجة. أيديها بدأت تترعش أكتر، وخطت خطوة لورا وهي بتقول بصوت مبشوح: “أمل.. أرجوكي.. متصدقيش أي حاجة تتقال هنا.. المكان ده مش زي ما إنتِ فاكرة.. وأنا عملت كل ده عشان أحمي ابنك!”


وقبل ما أرد عليها أو أسألها عن شريف والظرف والسر اللي سايبه تحت الترابيزة، جيه صوت آدم من وراها. آدم كان واقف في الصالة، ماسك في إيده علبة خشبية صغيرة قديمة جدًا ومتربة، كان مطلعها من مكان مخفي تحت الترابيزة اللي كانوا بيقعدوا عليها طول السنين اللي فاتت. آدم بصلي بعينين صافية تمامًا، وبص لمريم، وقال بصوت واضح ومستقر لأول مرة في حياته: “ماما.. الأستاذ شريف قاللي أديكي العلبة دي لما أكمل 18 سنة.. عشان مريم خايفة، وبابا مش لازم يعرف اللي جوة.”


“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


حكايات اسما السيد 2

ساد الذهول المكان، واستقرت العيون كلها على العلبة الخشبية الصغيرة المتربة التي يحملها آدم بين يديه بثبات عجيب. مريم أول ما شافت العلبة في إيد آدم، صرخت بصوت مكتوم وحطت إيديها على بوقها، وركبتها خبطت في الترابيزة اللي جنبها وكادت تقع على الأرض. وشها كان منكمش من شدة الرعب، وعينيها رايحة جاية بيني وبين آدم وبين باب المطعم، وكأنها مستنية مصيبة تقتحم المكان في أي لحظة. جوزي، اللي كان واقف ورا آدم ومش فاهم أي حاجة من اللي بتدور، قرب منا بملامح مشدودة وقال بصوت حاد مليان حيرة:


“في إيه يا جماعة؟ مالك يا مريم مرعوبة كده ليه؟ وإيه العلبة دي يا آدم؟ جبتها منين؟” ما حدش رد عليه. الصمت كان أثقل من الحجر في الصالة البسيطة. مسكت إيد آدم بالراحة، وصوابعي كانت بتترعش وأنا بلمس الخشب القديم للعلبة. آدم بصلِي بثبات لأول مرة في حياته، نظرة مفيهاش أي توتر أو تشتت من نوبات التوحد اللي تعودت عليها. نظرة شاب واعي ومدرك لخطورة اللحظة. مريم قربت مني بخطوات سريعة وسحباني من دراعي بنشيج مكتوم، وهسست في ودني بصوت مبشوح مليان ترجي:


“أمل.. عشان خاطر ربنا، عشان خاطر الأيام اللي بيننا وعشان خاطر آدم.. متفتحيش العلبة دي هنا! بلاش جوزك يشوف اللي جواها دلوقتي، وبلاش حد في المطعم يعرف. لو السر ده اتكشف، حياتنا كلنا هتتدمر.. وأولنا شريف اللي فاكراه اختفى!” وقفت مذهولة. كلام الجرسونة عن شريف والعلبة والسر بدأ يترابط بأسلوب يخوف. بصيت لمريم وقلت لها بنبرة حازمة وقاطعة لأول مرة في حياتي: “شريف؟ إنتِ مش قايلة إن شريف سابك واختفى من سنتين؟ ومين الراجل اللي قابلتيه هنا من ست شهور وادتيه ظرف؟ إنتِ ورطتي ابني في إيه يا مريم طوال 10 سنين؟!”


جوزي سمع اسم “شريف”، ووشه اتغير فوراً. هو كان عارف شريف وعارف قصة رفض أهله ليه من زمان. قرب منا بغضب وقال: “شريف مين؟ إنتوا بتتكلموا عن إيه من ورايا؟ مريم.. إنتِ كنتِ بتجيبي ابني هنا عشان تقابلي شريف؟!” قبل ما مريم ترد أو تحاول تدافع عن نفسها، آدم اتكلم بصوت هادي ومستقر وهو بيشاور على باب خروجي وراني: “نروح العربية.. الأستاذ شريف قاللي العلبة تتفتح في مكان مقفول.. عشان الراجل اللي معاه المسدس ميعرفش.”


كلمة “المسدس” نزلِت علينا كلنا زي الصدمة الكهربائية. جوزي اتصلب في مكانه، ومريم أغمى عليها تقريبًا وسندت على الحيطة وهي بتبكي بحــ,,ـــــرقة وسكون. أدركت في اللحظة دي إن الموضوع أكبر بكثير من مجرد قصة حب قديمة أو استغلال لمهارات آدم الاجتماعية.. الموضوع فيه تهديد صريح بحياة ناس. مسكت إيد آدم بقوة، وسحبت مريم من دراعها، وغمزت لجوزي إنه ييجي وارنا من غير ما يعمل شوشرة. خرجنا من المطعم بسرعة تحت نظرات الجرسونة العجوزة اللي كانت بتبصلنا بقلق وخوف شديد، وبتحرك شفايفها بالدعاء لينا.


ركبنا العربية كلنا. جوزي كان بيسوق وهو بيضــ,,ـــــرب الطارة بإيده من الغضب والحيرة، ومريم كانت قاعدة في الكنبة الوراانية جنب آدم وهي حاضنة ركبتها وبتعيط بانهيار. مسكت العلبة الخشبية في حــ,,ـــــضني. كانت مقفولة بقفل معدني صغير ونحاسي، بس مصدي ومأكل. قلت لجوزي بصوت صلب رغم الخوف: “سوق على بيتنا فوراً.. مش هنفتح العلبة دي ولا نسأل كلمة واحدة غير لما نكون جوة شقتنا ومقفلين الأبواب.”


طوال الطريق، كان الصمت يخيم على العربية، باستثناء صوت شهقات مريم وصوت أنفاس آدم المنتظمة. آدم كان بيبص من الشباك بهدوء، وكأنه أدى مهمة كان شايل همها لمدة سنتين كاملين وأخيرًا أتاح له الوقت يخلص منها. وصلنا البيت. دخلنا كلنا، وجوزي قفل الباب بالمفتاح والترباس. قعدنا في صالة الشقة، والعلبة الخشبية محطوطة في نص الترابيزة اللي بيننا. جوزي بص لمريم بغضب وقال: “دلوقتي اتكلمي يا مريم.. تتكلمي من الساس للرأس، وإلا هطلب الشرطة فورا!”


مريم مسحت دموعها بضعف، وبصت للأرض وقالت بصوت مكسور: “أنا هحكي كل حاجة.. بس أوعدوني إنكم تفهموا إن اللي عملته كان غصب عني، وكان الهدف منه أحمي آدم وأحمي شريف.. شريف ممهربش ولا سابني يا أمل.. شريف محبوس!” اتسعت عيني بذهول: “محبوس؟! فين؟ ومين اللي حابسه؟” مريم كملت وهي بتبص للعلبة:


“جوزي.. طارق.. هو اللي حابسه من سنتين! طارق اكتشف إن شريف شغال في شركة ديكورات كبيرة، وعنده أدلة ودلائل على غسيل أموال وأعمال غير قانونية طارق متورط فيها مع ناس كبار في البلد. شريف لما عرف، حاول يبلغ.. بس طارق خطفه وحبسه في مكان خفي ورئ نائي بعيد عن القاهرة، وعاوزه يبصم على ورق يتنازل فيه عن كل الأدلة دي ويشيل هو القضية.” الدم اتجمد في عروقي. جوزي وقف من طوله مش مصدق اللي بيسمعه:


“طارق جوزك؟ رجل الأعمال المعروف؟! هو اللي عمل كده؟!” مريم هزت رأسها وهي بتبكي: “أيوة.. وطارق كان شاكك فيا طول الوقت، وكان مراقب تليفوني وكل خطواتي. المكان الوحيد اللي ما كانش يقدر يراقبني فيه بذكاء كان المطعم ده.. عشان كنت باخد آدم معايا، وطارق كان فاكر إن أنا بروح أساعد طفل متوحد وبس. شريف قبل ما يتخطف بيومين، كان حاسس إن طارق بيلف حوليه، فجيه المطعم ومعه العلبة دي.. وخباها تحت الترابيزة بمساعدة آدم، وقال لآدم: ‘العلبة دي أمانتك يا بطل.. لما تكمل 18 سنة وتسلمها لأمك، هي اللي هتعرف تخلصني’.”



 

التفتت لآدم وأنا مش مصدقة حجم المسؤولية والسر اللي كان شايله الطفل ده في قلبه وعقله طول السنين دي من غير ما يفتح بوقه كلمة واحدة. سألت مريم بنبرة مرعوبة: “والراجل اللي ادتيه الظرف من ست شهور في المطعم؟ ده مين؟” مريم ردت: “ده كان حارس من حراس المزرعة اللي شريف محبوس فيها.. كنت برشوه بفلوس عشان يوصل لشريف أكله وأدويته، وعشان يضمنلي إن شريف يفضل عايش! والظرف كان فيه فلوس ذهب أخدتها من خزنة طارق جوزي من غير ما يعرف!”


بصيت للعلبة الخشبية اللي في نص الترابيزة. مسكت سكــ,,ـــــينة صغيرة من المطبخ، وبأقصى قوة عندي كسرت القفل المصدي. القفل اتكسر، واتفتحت العلبة.

جوة العلبة كان في فلاشة ميموري صغيرة، ودفتر ملاحظات أسود صغير مكتوب بخط إيد شريف، وجنبهم كان في مفتاح قديم ذو شكل غريب، وأخيراً.. كارت معادي مكتوب عليه بخط واضح ورسم هندسي دقيق: “إلى أمل وآدم.. لو العلبة دي اتفتحت، يبقى أنا لسه عايش في المزرعة القديمة في طريق السويس.. والمفتاح ده بيفتح الخزنة السرية في مكتب طارق اللي فيها العقود الحقيقية. بس أوعوا تروحوا لوحدكم.. طارق مراقب البيت ده من النهاردة!”


وفي نفس اللحظة اللي قريت فيها الجملة الأخيرة.. رن جرس باب الشقة بقوة وعنــ,,ـــــف، وصوت خبطات متتالية ومرعبة هزت الخشب! تصلبت أجسادنا جميعًا في مكانها، وتحولت الخبطات العنيفة المتتالية على باب الشقة إلى كابوس يتردد صداه في كل أركان المكان. كانت الضــ,,ـــــربات قوية ومتسارعة، كأن الشخص الواقف بالخارج لا يحاول الاستئذان، بل يسعى لكسر الخشب واقتحام البيت. مريم أطلقت صرخة مكتومة، وانكمشت في زاوية الكنبة وهي تغطي وجهها بيديها المرتجفتين، بينما انقبــ,,ـــــض وجه زوجي وغطت عليه علامات الغضب والذعر في آن واحد. التفت إليّ وهو يهمس بصوت مبشوح:


“طارق… طارق عرف إننا هنا! طارق مراقب مريم من الأول!” أما آدم، فكان التصرف منه هو الأغرب على الإطلاق. ببرود عجيب وثبات لم نعهده فيه طوال سنوات عمره الـ 18، امتدت يده بهدوء إلى الترابيزة، وسحب الفلاشة، ودفتر الملاحظات الأسود، والمفتاح النحاسي، وأدخلهم جميعًا في جيب بنطاله العميق، ثم أغلق العلبة الخشبية الفارغة وأعادها إلى منتصف الترابيزة كما كانت. نظر إليّ آدم بثبات وقال بصوت خفيض: “ماما.. العلبة فاضية دلوقتي. خليه يقتحم.. هو مش هيلاقي حاجة.”


اقترب زوجي بخطوات حذرة نحو باب الشقة، ونظر من العين السحرية. رجع خطوتين للوراء وهو يلهث، ووجهه خالٍ تمامًا من الدماء. “مش طارق لوحده.. طارق واقف ووراه رجلين ضخام ببدل سوداء.. شكلهم مسلّحين!” ارتفع صوت طارق من خلف الباب، صوت سرد حاد وخالٍ من أي رحمة: “افتح الباب يا إبراهيم! أنا عارف إن مريم جوة.. وعارف إنكم أخدتوا الحاجة من المطعم! بلاش تكبروا الموضوع وتدخلوا نفسكم في كابوس مش هتعرفوا تخرجوا منه.. افتح بالتي هي أحسن بدل ما الباب ينكسر فوق رؤوسكم!”


تصاعدت التهديدات، ولم يكن أمامنا خيار. كان زوجي يعلم أن الباب لن يصمد لأكثر من دقيقتين أمام هؤلاء الرجال. التفت إليّ وقال بصوت سريع ومضطرب: “أمل.. ادخلي الأوضة جوة أنتِ وآدم ومريم واقفلي عليكم بالمفتاح.. أنا هفتح له وهحاول أمتص غضبه وأكسب وقت.” “لا يا إبراهيم!” صرخت بصوت خافت، “لو فتحت له هي.ك!” لكن زوجي دفعنا برفق وصارمة نحو الممر الداخلي للشقة. دخلنا غرفة النوم الرئيسية، وأغلقت الباب بالمفتاح، وحصنته بكرسي خشبي ثقيل تحته. وفي اللحظة التالية مباشرة، سمعنا صوت الباب الخارجي يفتح، ثم صوت خطوات ثقيلة ومجرمة تطأ أرضية الصالة.


صوت طارق كان يتردد في الشقة كأنه فحيح أفعى: “فين العلبة يا إبراهيم؟ وفين مريم؟” صوت زوجي حاول أن يكون متماسكًا: “أنت تجرأت واقتحمت بيتي يا طارق؟ أخرج برة فورًا وإلا هطلب النجدة!” ضحكة ساخرة ومستفزة صدـ,,ـــرت من طارق، تلاها صوت صفعة قوية وسقوط جسد زوجي على الأرض بصوت مرتطم! صرخت مريم من وراء باب الغرفة المغلق، بينما اتسعت عيناي بالرعب. سمعنا صوت طارق يقترب من باب الغرفة التي نختبئ فيها، وقرع على الخشب ببطء مرعب:


“مريم… أخرجي يا حبيبتي. أخرجي واديني الحاجة اللي شريف سابها في المطعم، وأنا أوعدك إن محدش هيتأذى.. لا أنتِ، ولا صاحبك إبراهيم، ولا حتى الطفل المتوحد ده.” في هذه اللحظة، اقترب آدم مني، ومسك يدي بقوة. أخرج هاتفه المحمول الصغير من جيبه. كانت مفاجأة لي؛ لم أكن أعلم أنه يحمله. فتح شاشة الهاتف، وأراني رسالة نصية قديمة محفوظة على الجهاز منذ عدة أشهر، مكتوب فيها بخط شريف: “يا آدم.. لو طارق وصل لكم، في سلم طوارئ ورا شباك المطبخ ينزلكم على المنور الخلفي للعمارة.. اطلعوا منه على الشارع التاني بسرعة.”


بصيت لآدم بذهول وأنا مش مصدقة العقل والترتيب اللي كان شريف بيمهد له من سنين! سحبت مريم من يدها، وأشرت لها بالسكوت التام. تحركنا بأقدام حافية وبأقصى درجات الهدوء عبر الباب الداخلي للغرفة الذي يربطها بالمطبخ. فتحنا شباك المطبخ المجهّز بسلم حديدي قديم للمنور الخلفي. بدأت مريم بالتسلل أولاً، تلاها آدم بكل ثبات، ثم نزلت أنا خلفهما مباشرة. كانت المسافة مظلــ,,ـــــمة وصعبة، لكن الخوف من طارق ورجاله كان يدفعنا للأسفل بسرعة جنونية.



 

بينما نصل إلى أرضية المنور الخلفي، سمعنا صوت تحطم باب الغرفة فوقنا بصوت مدوٍّ، وصراخ طارق الغاضب وهو يكتشف أن الغرفة فارغة وأن العلبة الخشبية الموجودة على ترابيزة الصالة لم تكن سوى خدعة! خرجنا من الباب الخلفي للعمارة إلى الأزقة الضيقة المؤدية للشارع الرئيسي. كانت أيدينا ترتجف، والدموع تغطي وجوهنا، وأنفاسنا تتقطع. توقفت مريم وهي تلهث، وقالت بصوت خائف: “هنروح فين دلوقتي؟ طارق هيدور علينا في كل مكان، وجوزك إبراهيم محبوس عنده في الشقة!”


في هذه اللحظة، أخرج آدم الفلاشة والمفتاح النحاسي من جيبه، ونظر إليّ بعينين حادتين وقويتين وقال: “ماما.. المفتاح ده مش بيفتح خزنة طارق بس.. المفتاح ده بيفتح باب المزرعة القديمة اللي شريف محبوس فيها في طريق السويس. شريف قاللي لو طارق هاجمنا.. نروح المزرعة فورًا ونخرّجه، عشان هو الوحيد اللي معاه الباسورد بتاع الفلاشة دي!”

أدركت في تلك اللحظة أننا لسنا في موقف دفاع فقط، بل في سباق مع الزمن. إذا أردنا إنقاذ زوجي إبراهيم، وإحكام القبــ,,ـــــضة على طارق وإعادة شريف للنور، كان علينا اتخاذ القرار الأكثر جرأة وخطورة في حياتنا: الذهاب مباشرة إلى المزرعة المهجورة في منتصف الليل.


أوقفت سيارة أجرى تصادف مرورها في الشارع الفارغ، وركبنا جميعًا في المقعد الخلفي. نظر السائق إلينا في المرآة باستغراب من وجوهنا الشاحبة وأنفاسنا المتسارعة، وسأل: “على فين يا هانم؟” نظرت إلى آدم، الذي أمسك بيدي وقبــ,,ـــــض عليها بصلابة، ثم التفتت إلى السائق وقلت بصوت محمل بالتصميم والخوف: “على طريق السويس الصحراوي… المزرعة القديمة!”


قطعت سيارة الأجرة طريق السويس المظلــ,,ـــــم في منتصف الليل كالسهم، وكان الصمت داخل السيارة أثقل من ظلام الطريق الخارجي. مريم كانت تتشهد بصوت خافت وترتجف، وأنا كنت أعتصر يد آدم، بينما كان هو يراقب شاشة هاتفه ويحدد الاتجاهات بفضل خرائط دقيقة كان شريف قد حُفظها له قبل سنوات. وصلنا إلى مدخل ممر ترابي يعلوه لافتة حديدية مائلة ومتهالكة لمزرعة قديمة. أوقفت السائق وطلبنا منه الانتظار بعيدًا تحت الأشجار. خيم الخوف على المكان؛ لا صوت سوى صفير الرياح الخفيفة ونباح كلاب من بعيد.


تحركنا بخطوات خفيفة ونحن نلتصق بالجدران المتهدمة حتى وصلنا إلى الباب الحديدي الضخم للمزرعة. كان مغلقًا بسلسلة ثقيلة وقفل نحاسي ضخم. أخرج آدم المفتاح من جيبه، ووضعه في القفل بثبات دون أن يتردد لحظة واحدة. دار المفتاح بصوت “تكة” خفيفة، وسقطت السلسلة على الأرض. أنزلنا القفل ببطء ودخلنا. كانت المزرعة عبارة عن جمالون واسع مليء بالآلات القديمة والتراب. وفي آخر الجمالون، كان هناك غرفة صغيرة يخرج من تحت بابها شعاع ضوء خافت.


تقدمنا بحذر، ودفعت الباب ببطء. على كرسي خشبي قديم، كان هناك رجل نحيل، شعره أثعث، وملامحه منهكة للغاية لكنها أليفة. كان شريف. يداه كانتا مقيدتين بسلسلة إلى الجدار خلفه، وأمامه طاولة عليها بعض بقايا الطعام والمياه. رفع رأسه ببطء، وحين وقعت عينيه على آدم، اتسعت حدقتاه وانهالت الدموع من عينيه فورًا: “آدم… أمل… مريم؟ أنتم هنا؟!” ركضت مريم ونشجت بصوت مكتوم، بينما أسرع آدم ومعه المفتاح الثاني الصغير الموجود في نفس ميدالية المفاتيح، وبدأ يفك قيود شريف.


قال شريف بصوت متقطع وهو يحاول الوقوف على قدميه المجهدتين: “طارق… طارق عرف المكان؟” قلت له وأنا أحاول إسناده: “طارق اقتحم بيتنا يا شريف، وحبس زوجي إبراهيم، ودلوقتي أكيد يدور علينا! لازم نخرج من هنا فورًا ونروح للشرطة!” ابتسم شريف ابتسامة تعب، وأخرج من تحت أرضية الغرفة المتآكلة جهاز لاب توب صغير محمول ومحمي بغطاء مضاد للماء، وقال بصوت صلب:


“مش هنروح للشرطة إيدينا فاضية يا أمل. طارق راجل واصل وممكن يخرج منها لو معاكيش دليل قاطع. الفلاشة اللي مع آدم عليها نصف شفرة الحسابات المشبوهة، واللاب توب ده عليه النصف الثاني. بدمجهم مع بعض، البلاغ بيروح إلكترونيًا مباشرة للنيابة العامة وقطاع الأموال العامة في نفس اللحظة!” وضع آدم الفلاشة في جهاز اللاب توب، وبدأ شريف يكتب الشفرة بسرعة وأصابعه تتنقل بين الحروف والقاموس المعقد الذي ابتكره. كان آدم يقف بجانبه، ويساعده في إدخال الأرقام السرية التي كان قد حفظها منه في المطعم كأنها لعبة أرقام!


وفجأة… أضيئت أضواء السيارات الساطعة خارج المزرعة، وصاح صوت بوق سيارات مرتفع! طارق ورجاله وصلوا! دوى صوت طارق عبر مكبر صوت صغير من الخارج: “شريف! أمل! اخرجوا باللي معاكم بدل ما نسوّي المزرعة دي بالأرض! المكان محاصر!” صرخت مريم بانهيار، لكن شريف بصلنا وقال بثبات: “فضل 30 ثانية بس على رفع الملفات للجهات الرسمية… اشغلوا طارق لثواني معدودة!” جمعت كل شجاعتي، وخرجت إلى أعتاب باب المزرعة تحت الأضواء الكاشفة. كان طارق يقف وبيده سلاح، وحوله ثلاثة رجال مدججون بالسلاح.


قلت له بصوت عالٍ وثابت: “طارق! جوزي فين؟ لو جراله حاجة مش هترحمني!” ضحك طارق بشر: “جوزك في أمان يا أمل… اديني الفلاشة وشريف، وهنسيكم اسمي واسم مريم، وكل واحد يرجع لحياته!” في تلك اللحظة بالذات، انطلقت نغمة تنبيه قوية ومستمرة من هاتف طارق، وفي نفس الوقت رنت هواتف رجاله! كانت إشعارات رسمية وأوامر ضبط وإحضار عاجلة صُدرت إلكترونيًا وبشكل فوري من النيابة العامة بناءً على الوثائق الدامغة التي أُرسلت للتو وتضمنت تسجيلات وصور ومستندات لا تقبل الشك!


تغيرت ملامح طارق كليًا، وانسحب الدم من وجهه وهو يقرأ الرسالة على شاشة هاتفه، ورجاله بدأوا يتراجعون للخلف بخوف وذعر. وفي نفس اللحظة، دوت أصوات سرينات سيارات الشرطة التي كانت تقترب بسرعة جنونية من الطريق الرئيسي، بعد أن أرسل نظام البلاغ الإلكتروني إحداثيات الموقع تلقائيًا مع الملفات! حاول طارق الهرب وركوب سيارته، لكن سيارات الشرطة قطعت عليه الطريق في ثوانٍ، ونزل رجال الأمن وألقوا القبــ,,ـــــض عليه وعلى حراسه متلبسين في المزرعة.


بعد مرور أسبوعين… كنا نجلس جميعًا في نفس المطعم البسيط، لكن هذه المرة تحت أشعة الشمس الدافئة وفي أجواء مليئة بالهدوء والأمان. تحررت مريم كليًا من كابوس طارق بعد القبــ,,ـــــض عليه وتثبيت التهم عليه وعزلها عنه قانونيًا، وعاد زوجي إبراهيم إلينا سالماً بعد أن حررته الشرطة من الشقة. أما شريف، فقد استرد عافيته وشرفه أمام الجميع، وبدأ بالفعل في إجراءات تأسيس مركزه الخاص لتأهيل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، بدعم كامل منا جميعًا.


جاءت الجرسونة الكبيرة في السن وهي تحمل طبقًا كبيرًا من الحلوى، ووضعتها أمام آدم وابتسمت بحنان. نظر إلينا آدم، ثم التفت إلى مريم وشريف، وأخيرًا مسك يدي وابتسم ابتسامة هادئة وعميقة، وقال بصوت دافئ: “النهاردة… البطاطس طعمها حلو أوي يا ماما.” ابتسمت ودموع الفرح تسيل على خدي، وأدركت أن كل لحظة صعبة مررنا بها كانت الطريق الذي قادنا أخيرًا للعدالة، ولحياة جديدة يستحقها ابني بطل هذه القصة. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



 


 

تعليقات

التنقل السريع
    close