درس اخي كامله حكايات زهرة حصريه
درس اخي كامله حكايات زهرة حصريه
اخويا عنده متلازمة داون و كل ما يجي عندي يقولي بيتك في ريحه وحشه نضف بيتك ! لدرجة انه مش بيطيق يقعد اكتر من عشر دقايق ، ومهما نضفنا وعطرنا يقول نفس الجمله ، وكانت صدمة عمري لما فهمت يقصد ايه!!!!
أنا نعيم، راجل ربنا كرمه واتجوزت وعشت حياتي، وبقى عندي بيت وعيال ومستورة والحمد لله. حياتي ماشية هادية زي أي راجل بيسعى على أكل عيشه وبيحمد ربنا على اللقمة
بس هي مشكلة واحدة بس اللي كانت منغصه عليا حياتي... أخويا الصغير نصر.
نصر عنده حوالي 18 سنة، ربنا خلقه بمتلازمة داون، بس الناس في منطقتنا وفي العيلة مش بيسموه غير "من الطيبين" أو "من الدراويش". وش سمح، وضحكة صافية ما فيهاش غل، ونظرة عين بتعدي القلوب وتدخل في الروح على طول. أنا بحبه حب ما يعلم بيه إلا ربنا، وهو بالنسبة لي مش بس أخويا الصغير، ده البركة اللي في عيلتنا. بس نصر كان بيعمل معايا تصرف خلاني ليل ونهار أضرب كف بكف ومحتار في أمري.
كل ما أمي تيجيبه وتيجي تزورني في بيتي، ما يكملش عشر دقايق! يفضل قاعد مش على بعضه، يفرك في إيديه، ويهز في رجله، وعينيه تدور في زوايا السقف والحيطان كأنه شايف حاجة إحنا مش شايفينها. وبعدين ينطق بالجملة اللي كانت بتنزل عليا زي الصاعقة:
– "بيتك فيه ريحة وحشة يا نعيم... نضف بيتك!"
في الأول، كنت باكل في نفسي من الكسوف وافضل مستغرب أصل (مراتي) ست بيت لهلوبة والنضافة عندها خط أحمر. بس لما أسمع نصر يقول كدة، كنت أتحرج من أمي، وأرجع أتعارك مع مراتي بعد ما يمشوا:
"أنتِ مش مسحتِ الشقة؟ أنتِ مش واخدة بالك من نضافة البيت؟ الولد متضايق ومش طايق يقعد بسبب الريحة!"
ومراتي تسكت وتحلف لي بيمينات ربنا إنها ماسحة ومخلية الشقة فلة.
الموضوع اتكرر مرة واتنين وعشرة. بقى طبع عند نصر، أول ما يدخل يشمشم في الهوا، ويكشر وشه، ويقول لي نفس الكلمة: "بيتك فيه ريحة وحشة يا نعيم!"، وما يكملش عشر دقايق ويشد في هدوم أمي وهو مخنوق وبيدمع: "يلا نمشي يا أمه.. أنا مخنوق من الريحة!"
وصلت لمرحلة إني بقيت أعمل طوارئ في البيت لو عرفت إن أمي ونصر جايين يزوروني. أقوم أنا ومراتي من النجمة، نهد الشقة ونبنيها تاني. نمسح بالديتول والكلور، ونولع بخور من الغالي، ونرش أحسن أنواع المعطرات اللي تجيب آخر الشارع. والله العظيم الشقة كانت بتبقى ريحتها ترد الروح، تسحب العقل من جمالها!
يجي نصر... يدخل من باب الشقة، يتنفس، وبعدين يكشر ويكتم مناخيره بإيده ويقول بنفس النبرة : "برضه فيه ريحة وحشة يا نعيم... نضف بيتك!"
أمي كانت تتكسف أوي، ووشها يجيب ألوان، وتهديه وتقولي: "يا بني ما تاخدش على كلامه، ده من الطيبين، يمكن بيتهيأله ولا حاجة."
بس أنا كنت أفضل متضايق، . أخويا اللي بحبه مش مرتاح في بيتي، حاسس إنه مخنوق عندي، ودي كانت اكتر حاجه بتضايقني.
لحد ما في يوم كنت عازم أمي ونصر على الغدا، وقايل لمراتي اعملي كل ما لذ وطاب. عملت صينية بطاطس باللحمة، وشوربة، ورز بشعرية يفتح النفس، وأول ما حطت الأكل على الترابيزة والريحة طالعة تغوي النايم...
نصر بص للأكل، وراح زاق الطبق بإيده، ووقف فجأة وهو شايط!
– "يلا نمشي يا أمه! الأكل ريحته وحشة أوي! يلا نمشي!"
مراتي اتسمرت مكانها من الكسوف، ووشها احمر ودارت دمعتها بالعافية. وأنا... أنا الدم غلى في عروقي ة خلاص طفح بيا الكيل. وقفت وزعقت فيه بصوت عالي لأول مرة في حياتي:
– "نصر! أنت زودتها أوي! كفاية بقى! اقعد كُل، الأكل نضيف وما فيهوش أي حاجة! حرام عليك اللي بتعمله فينا ده!"
نصر بص لي بنظرة عمري ما هنساها... نظرة طفل مظلوم بيضرب وهو مش فاهم هو اضرب ليه. عينيه اتملت دموع، وبدأ يبكي بصوت طالع بالعافية، ومسك في إيد أمي وهو بيرتعش ويقول لها بانهيار: "نمشي يا أمه... نمشي... نمشي!"
أمي بصت لي بعتاب ، وقامت وهي بتطبطب عليه وقالت لي: "حقك عليا يا نعيم، أخوك ما يقصدش..." وأخدته من إيده ومشيت.
أول ما باب الشقة اتقفل، أنا حسيت بقلبي اتعصر. صمت رهيب نزل على البيت. مراتي وافقة بتبكي في الصالة، وأنا واقف مكاني حاسس إني أحقر بني آدم على وجه الأرض. أزاي أزعق لنصر؟ إزاي أكسر بخاطره وانا عارف ظروفه؟
ما استحملتش. نزلت أجري على السلم وراهم ألحقهم قبل ما يركبوا الميكروباص. لقتهم وافقين على أول الشارع، نصر مستخبي في ضهر أمي وبيمسح دموعه بياقة قميصه.
قربت منه وأنا كلي ندم، ومسكت إيده الباردة وقلت له ونفسي مقطوع:
– "يا حبيبي أنا أسف... معلش يا نصر، حقك عليا يا أخويا، ما تزعلش مني يا طيب."
نصر بص لي... بياض عينيه كان محمر من البكا، ودموعه نازلة على خدوده.
مسح بإيده، وبعدين قرب مني أوي، وميل على ودني علشان محدش يسمع اللي هيقوله
واللي قاله وقتها خلاني اتجمد مكاني من الصدمه واالذهول كلام ميتخيلهوش عقل !!!!!
ميل عليّ نصر، وحط إيده الصغيرة الباردة على كتفي، وصوته كان بيرعش بس فيه نبرة غريبة، كأنه مش طفل، كأنه حكيم طالع صوته من بئر بعيد مالوش نهاية. قرب شفايفه من ودني وقال لي كلام نزل عليا زي الصاعقة، جمد الدم في عروقي وشل تفكيري في ثانية:
– "الريحة مش في السجاد يا نعيم... الريحة طالعة من قرشك! الفلوس اللي بتجيب بيها الأكل الشبعان ده... ريحتها عفشة أوي يا أخويا، خنقاني ومش قادر أتنفسها! نظف قرشك يا نعيم... نظف بيتك!"
الشارع كله اختفى من قدام عيني. دوشة الميكروباصات، وصوت البياعين، والناس اللي ماشية تزق في بعضها... كل ده اتكتم مرة واحدة وكأني اتزرعت في مشهد من فيلم صامت. إيدي اللي كانت ماسكة إيد نصر اترخت وسقطت جنب مني زي الميتة. بصيت في عينيه... العينين الصافية البريئة اللي عمري ما شفت فيها خبث ولا لؤم، كانت بتطالعني بنظرة شفقة ورحمة موجعة، نظرة كأنها بتقول لي: "أنا شايف اللي أنت مخبيه عن العالم كله."
أمي بصت لي باستغراب شديد وهي بتطبطب على كتف نصر وقالت: "فيه إيه يا نعيم؟ مالك اتسمرت مكانك كده ليه يا بني؟ نصر قال لك إيه خلّاك اتخضيت وشك جاب ألوان كده؟"
ما قدرتش أنطق. لساني اتعقد في بقي، وريقي نشف تماماً. نصر مسك إيد أمي وشدها بالراحة وهو بيبتص لي بابتسامة حزينة وقال لها: "يلا يا أمه... نمشي خلاص، نعيم فهم."
درس اخي ٢ حكايات زهرة حصري
رجعت الشقة بجر رجلي بالعافية، كأني شايل جبل على كتفي. فتحت الباب ودخلت، لقيت مراتي سمر واقفة في الصالة بتلم الأكل والدموع في عينيها. بصت لي بخوف ورعب لما شافت وشي أصفر زي الليمونة المعتوقة، وقالت بصوت متقطع:
– "مالك يا نعيم؟ وشك أصفر ومخضوض ليه كده؟ حقك عليا يا ابن الناس، أنا مش زعلانة من نصر والله، ده أخوك البركة ورزقنا في الدنيا، بس أنا اتكسفت عشان الأكل اللي تعبت فيه..."
قلت لها بصوت واطي ومبحوح كأنه طالع من المقابر: "شيلي الأكل ده يا سمر... شيلي الأكل كله وما تاكليش منه أنتِ ولا العيال... ارميه في الزبالة."
سمر اتصدمت وبصت لي بذهول: "ترميه؟! ارمي صينية البطاطس واللحمة اللي مكلفة الشي الفلاني؟ ليه يا نعيم؟ الأكل ماله؟ فيه حاجة بايظة وأنا مش واخدة بالي؟"
ما ردتش عليها. سيبتها واقفه مذهولة ودخلت الأوضة وقفت الباب بالمفتاح عليا.
قعدت على طرف السرير، وحطيت رأسي
بين إيديا. ذكريات السنتين اللي فاتوا بدأت تتجمع قدام عيني زي الشريط السريع في سينما مهجورة.
أنا بشتغل محاسب في شركة مقاولات واستيراد كبيرة. طوال عمري شغال بلقمتي الحلال، أطلع من بيتي الصبح أرجع بالليل مش شايل غير القرش الطيب اللي طالع بفقر وعرق. بس من سنتين، مدير الحسابات القديم أخد مكافأة نهاية الخدمة ومشي، والشركة جابت مدير جديد... راجل أملس، كلامه معسول وعينيه بترمُش بسرعة كأنه بتدبّر لمصيبة. الراجل ده مسكني ملفات "المشتريات، وفواتير الموردين، وعمولات المقاولين".
في الأول، كانت بتتعرض عليا "هدايا" بسيطة. مقاول ييجي يقول لي: "يا أستاذ نعيم، مشي لي الفاتورة دي بسرعة، والنسبة دي مظبوطة بس مشيها وأناظبطك."
أرفض وأخاف وأقول: "لا يا فندم، أنا بربّي عيالي بالحلال."
يقوم يضحك ويقول لي: "حلال إيه يا أستاذ؟ دي مش سرقة ولا اختلاس! دي عمولة وإكرامية من جيبنا إحنا، والشركة
كدة كدة كسبانة ملايين ومحدش مضرور! أنت أولى بالقرشين دول عشان تستر نفسك وتعيش عيالك بدل المرمطة اللي أنت فيها."
شوية بشوية... الشيطان لقي الباب الموارب فزقه بأيديه الاتنين. النفس أَمّارة بالسوء، والاحتياجات كترت، والعيال كبرت ومتطلباتهم زادت. قلبي بدأ يقسى، والخوف اللي كان بيرعشني بقى يقل يوم عن يوم. الظرف البسيط اللي كان فيه أربعمية ولا خمسمية جنيه، بقى محفظة فيها آلاف. والمبالغ كبرت... بقيت أغمض عيني عن خامات مستواها رديء، وأعدي فواتير فيها مبالغ متضخمة، وأخد نسيبي من "العمولة".
بدأت أدخل القرش الحرام وسط قرشي الحلال. اشتريت العفش الجديد، ودمست الشقة بالدهانات الغالية، وغيرت السجاد، وبقيت أشتري معطرات وبخور بالشيء الفلاني... كنت فاكر إني بنضف بيتي وبخليه "فل"، وأنا في الحقيقة كنت بغرقه في عفانة السحت!
البخور الغالي اللي كنت بولعه علشان يداري، والديتول والكلور اللي
مراتي كانت بتمسح بيهم الشقة كل يوم... كل ده ما كانش قادر يغطي على ريحة الحرام اللي طالعة من اللقمة اللي بدخلها في بطن ولادي!
نصر... أخويا اللي الناس منطقتنا بيتحسروا عليه ويقولوا "مريض داون"... طلع أذكانا وأصفانا كلنا. قلبه الفطري النظيف اللي ما اتلوثش بالطمع والدنيا، كان بيشم اللي العقول المريضة مش قادرة تحسه. كان بيشم نجاسة الحرام اللي ملغمة في حيطان البيوت وعلى الترابيزات!
ليلة المواجهة مع النفس
قعدت على الأرض وبكيت. بكيت بكا عمري ما بكيته في حياتي، بكا راجل حس إنه ضاع وخسر دينه ودنياه في لحظة. كنت بنتحب وصوتي مكتوم عشان العيال ما يسمعوش.
الباب اتخبط بشويش، وصوت سمر مراتي جاني من وراه: "نعيم... افتح يا نعيم الله يخليك، أنت تقلت قلبي، فيه إيه؟"
قمتفتحت الباب. أول ما شافت وشي والدموع مغرقة دقني، شهقت وحطت إيدها على بقها: "يا لهوي يا نعيم! مالك يا ابن الناس؟
حد من أهلك جرى له حاجة؟ أمك كويسة؟"
مسكتها من إيدها وقعدتها على السرير جنبي. بصيت في عينيها قلت لها: "سمر... الأكل اللي على الترابيزة ده... والشاشات اللي على الحيطان... والسجاد اللي تحت رجلينا... كل ده حرام يا سمر."
سمر اتسمرت مكانها، عينيها اتوسعت بذهول وقالت: "حرام؟! يعني إيه حرام؟ أنت بتسرق يا نعيم؟"
حكيت لها كل حاجة من الألف للياء. حكيت لها عن المدير الجديد، وعن العمولات والمبالغ اللي بقيت ألمّها من ورا فواتير المقاولين، وعن القرش اللي دخل بيتنا وبقى يتصرف على اللقمة واللبس. وفي الآخر، حكيت لها اللي نصر قاله لي في ودني على أول الشارع.
سمر فضلت ساكتة فترة طويلة. الدموع بدأت تنزل من عينيها ببطء، بس مش دموع ضعف... كانت دموع صدمة وألم. مسحت دموعها بكف إيدها، وبصت لي بنظرة عمري ما هنساها، وقالت بصوت
صارم وواضح:
– "أنا اتجوزتك يا نعيم وأنت حيلتكش غير هدومك اللي عليك. عشنا أيام سودا، وأيام مكناش بنلاقي فيها حق العيش الناشف، وعمري ما فتحت بقي ولا قلت لك هات لي ولا أعمل لي. أكل عيش حاف مع راجل بيتقي الله، وأنام على البلاط وأنا مرتاحة البال، ولا إنك تطعمني أنا وعيالك من حرام نتحاسب عليه قدام ربنا! نصر ربنا ما بعتوش يكسفك يا نعيم... نصر ربنا بعتهولك نجدة وطوق نجاة من السما قبل ما تقابل ربنا بالذنب ده وتتدمّر حياتك وحياة عيالك!"
كلام سمر كان زي البلسم اللي نزل على جرحي بس في نفس الوقت كان بيزيد من إحساسي بالذنب.
سألتها: "نعمل إيه يا سمر؟ الفلوس دي كتيرة... والشركة كبيرة، ولو اتعرفت هروح في داهية وأتسجن!"
ردت عليا بثبات: "تتسجن في الدنيا ولا تتسجن في نار جهنم؟ الفلوس دي
تتجمع، واللي تقدر ترجعه ترجعه، والشقة دي تتطهر... حتى لو هنبيع العفش والذهب ونقعد على الحصيرة تاني!"
رحلة التطهير والتوبة
في الليلة دي، ما جانيش نوم. فضلت قاعد على المصلاية لحد الفجر. أستغفر ربنا وأبكي، وأصلي ركعتين توبة، وأطلب منه يسترني وما يفضحنيش، ويقويني على المواجهة.
أول ما الشمس طلعت، فتحت الخزنة الصغيرة اللي كنت مخبي فيها الفلوس اللي جمعتها من العمولات. حطيت المبالغ كلها في شنطة أسود كبيرة. طلعت كمان الذهبات اللي كنت شاريها لمراتي من القرش ده، وسمر قلعت غوايشها وسلسلتها وحطتهم في الشنطة من غير ما تتردد لحظة واحدة.
نزلت من البيت بدري جداً قبل ما حد من العيال يصحى. أخدت الشنطة ورحت على الشركة. ركبت المواصلات وأنا حاسس إن الناس كلها بتبص عليا، حاسس إن الشنطة
اللي في إيدي دي ملغمة وهتفجر في وشي في أي لحظة.
وصلت مقر الشركة. صعدت الدور الأخير حيث مكتب رئيس مجلس الإدارة نفسه... الحاج عبد الفتاح. راجل في الستينيات من عمره، معروف بالشدة والقسوة في الشغل، بس راجل مصلي وبيتقي الله ومحدش يقدر يكسر كلمته.
قعدت في الانتظار بره يجي ساعتين، قلبي كان بيخبط في أضلعي زي الطبلة. كل ما حد يمر من جنبي كنت بحس إنه عارف أنا جاي أقول إيه. وأخيراً، السكرتير قال لي: "ادخل يا أستاذ نعيم، الحاج عبد الفتاح مستنيك."
دخلت المكتب. كان مكتب ضخم، مفروش بسجاد عجمي فاخر وتابلوهات غالية. الحاج عبد الفتاح كان قاعد ورا مكتبه الأبنوس، بيبص في ملفات قدامه. رفع راسه وبص لي بنظرة حادة وقال:
– "خير يا نعيم؟ السكرتير قال لي إنك عايزني في موضوع ضروري ومستعجل...
فيه حاجة في حسابات فرع المشتريات؟"
درس اخي 2 حكايات زهرة حصري
خير يا نعيم؟ السكرتير قال لي إنك عايزني في موضوع ضروري ومستعجل... فيه حاجة في حسابات فرع المشتريات؟"
قربت من المكتب بخطوات مرعوبة. حطيت الشنطة السودا على المكتب الأبنوس بحرص، وجمعت كل شجاعتي المتبقية، وقفت وبصيت في الأرض وقلت له:
– "يا حاج عبد الفتاح... الشنطة دي فيها أربعمية ألف جنيه وذهب قيمته مية وخمسين ألف... دي فلوس مش من حقي."
الحاج عبد الفتاح ساب القلم من إيده، وضهر استند لورى على الكرسي. عينيه اتوسعت واستغراب شديد اترسم على وشه: "يعني إيه مش من حقك؟ الفلوس دي بتاعة مين؟"
رديت ونفسي مقطوع ودموعي نازلة: "دي عمولات وأظرف أخدتها من الموردين والمقاولين خلال السنتين اللي فاتوا علشان أعدي فواتير وأسهل شغل... أنا خنت الأمانة يا فندم، وأنا جاي النهارده أحط الفلوس دي تحت رجليك، وتعمل فيا اللي أنت شايفه صح. عاوز تبلغ الشرطة أنا جاهز ومستعد أتسجن، بس المهم أطهر نفسي وعيالي من الذنب ده.
"
المكتب ساد فيه صمت رهيب. صمت يوجع الأذان. الحاج عبد الفتاح فضيل باصص لي لفترة طويلة جداً، ملامحه كانت متجمدة ومفيهاش أي تعبير. وبعد يجي خمس دقايق كاملين من السكوت الساقط زي المطر، فتح الشنطة وبص فيها، وبعدين قفلها تاني وبص لي وقدم جسدُه لقدام وقال:
– "نعيم... الموردين دول إحنا كنا شاكين فيهم من فترة، والمدير الجديد بتاعك إحنا بنحقق معاه اصلاً في اختلاسات كبيرة وهنخليه يتكلبش الأسبوع الجاي. بس أنت... محدش كان كاشفك يا نعيم. أوراقك كُلها كانت مظبوطة ومتقفلة بالمسطرة، ومحدش كان هيقدر يثبت عليك مليم واحد. إيه اللي جابك تعترف برغبتك وتستسلم كده؟"
مسحت دموعي وقلت له بكسرة: "ربنا كشفني يا حاج... كشفني عن طريق أنضف وأطهر خلق الله، أخويا الصغير اللي عنده متلازمة داون. أخويا اللي بيشم نجاسة الحرام في البيوت. أنا مش مستعد أخسر آخرتي وأكل عيالك نار عشان كام الف جنيه. الفلوس اهي، وأنا تحت أمرك.
"
الحاج عبد الفتاح قام من على كرسيه، ومشي بالراحة لحد ما وقف قدامي. حط إيده الكبيرة على كتفي، وبص في عيني بنظرة اختلفت تماماً... كانت نظرةفيها تقدير واستغراب في نفس الوقت. تنهد وقال بصوت هادي:
– "أنا لو بلغت عنك الشرطة يا نعيم، القانون هيحبسك... بس ربنا قبِل توبتك خلاص. والراجل اللي يرجع لعقله ويخاف ربنا ويرجع الفلوس بالمنظر ده، يبقى لسه فيه خير ومينفعش أهد بيته وأشرد عياله. الفلوس دي تدخل خزنة الشركة كتعويض عن الفواتير اللي عدت. وأنت... من بكرة مش هتمسك مشتريات تاني خالص. هنقلك فرع الحسابات العامة، وتحت المراقبة لمدة سنة... بمرتبك القديم وبدون أي صلاحيات إضافية. اعتبر دي فرصة تانية ربنا بعتهالك، والباب ده اتقفل للأبد."
أنا ما صدقتش اللي سمعته. انحنيت وبست إيده من كتر الفرحة والامتنان: "ربنا يسترك يا حاج عبد الفتاح... ربنا يبارك لك في صحتك وعيالك يا رب، والله العظيم عمري ما هحط جنيه
حرام في جيبي تاني لو موت من الجوع!"
البيت الجديد والقلب النظيف
خرجت من الشركة وحاسس إن الهوا اللي في الشارع له طعم تاني خالص. حاسس إن صدري اتوسع، وإن الأرض اللي بمشي عليها متشالة تحت رجلي براحة.
رجعت البيت، بعنا كل حاجة كُنّا شاريينها بفلوس الحرام دي أو بالبواقي بتاعتها. رجّعنا البيت زي ما كان زمان... بساطة كاملة، أكل على قد الحال، جبنة وعيش وفول وثوم، بس اللقمة طالعة من عرق جبيني، مية بالمية حلال صافي ميهوش شائبة.
البيت مابقاش فيه معطرات غالية ولا بخور بالشيء الفلاني. بقت ريحته ريحة النضافة العادية... ديتول رخيص، وصابون غسيل، والشبابيك مفتوحة ليل ونهار بتدخل شمس ربنا ونسمة الهوا الصافية.
مراتي سمر كانت طايرة من الفرحة، رغم إننا رجعنا للفقر والمشقة، بس وشهى كان منور بحد راحة البال. العيال بقوا يأكلوا اللقمة وهم بيلعبوا وبيضحكوا، وأنا بقيت أنام الليل طالع نازل من غير ما أصحى مرعوب
من كابوس ولا خايف من بكرة.
يوم الاختبار العظيم
عدى أسبوعين على الموضوع ده. أسبوعين وأنا بتعلم بعيش بالقرش الحلال الصافي، وبروح شغلي الجديد بخلص فيه بضمير وأمانة تجيب شقى اليوم.
في يوم جمعة، وقفت بعد الصلاة وقلت لمراتي سمر: "أنا هكلم أمي وأقول لها تجيب نصر وتيجي تتغدى معانا."
سمر بصت لي بخوف وتردد وقالت: "يا نعيم... بلاش دلوقتي، افرض الولد جه وقال نفس الكلام تاني؟ أنت ساعتها هتتكسر وهتتضايق!"
رديت عليها وأنا واثق وببتسم بكسرة رضا: "لا يا سمر... لو نصر قال إن البيت فيه ريحة وحشة تاني، يبقى أنا لسه مطهرتش، ويبقى لسه فيه حاجة حرام في بيتي وأنا مش واخد بالي. نصر هو الميزان بتاعنا... هاتيه وتعالي ونشوف ربنا راضي عنا ولا لأ."
اتصلت بأمي وقلت لها: "يا أمه... وحشتيني أوي، خدي نصر في إيدك وتعالوا اتغدوا معايا النهارده. سمر عاملة أكل بسيط على قدنا بس من قلبنا."
أمي في الأول كانت مترددة وبتتأسف: "يا بني بلاش، أخوك نصر أنا خايفة يضايقك تاني ولا يقول كلام يزعل مراتك... أنت عارف ظروفه
يا نعيم."
مسكت نفسي وقلت لها برجاء: "عشان خاطري يا أمي... تعالوا، والله العظيم مش أزعل، البيت بيتكوا ونصر ده البركة اللي عايشين بفضلها."
لحظة الحقيقة
ساعة زمن، ورن جرس الباب.
فتحت الباب بقلب بيلعب بين ضلوعي. كانت أمي واقفة، وجنبها نصر.
نصر كان لابس قميصه الأزرق النظيف، ومسرح شعره، ووشه الصافي الملاكي كان هادي. بس أول ما وقفت عند عتبة الباب، نصر اتسمر مكانه.
أمي بصت لي بخوف وضغطت على إيده. نصر رفع راسه لفوق... وبدأ يتنفس ببطء شديد.
شم الهوا مرة... ويكشر...
شم الهوا تاني... ويتنفس بفركة في مناخيره...
أنا وسَمَر كُنّا واقفين ورا الباب محبوسة أنفاسنا. قلبي كان بيبصق دقاته في زوري من كتر الخوف. هل لسه فيه حرام؟ هل نسيت حاجة؟ هل ربنا ما قبلش توبتي؟
نصر قرب خطوة جوة الصالة... وغمض عينيه... وأخد نفس عميق أوي من الهوا...
وفجأة... وشه اللي كان مشدود ومكشر، انفرطت فيه ابتسامة زي شمس الصبح لما تطلع وتشق الضلمة! سنانه البيضا ظهرت، وعينيه اتملت بريق وفرحة
مش طبيعية!
ضحك ضحكته الصافية اللي بتهز الحيطان، وجري عليا بلهفة وشوق، وحضنني بقوة شديدة وهو بيلف بيا في الصالة ويصرخ بصوت مالي البيت كلّه بهجة وفرح:
– "الله يا نعيم!... الله يا أخويا! بيتك بقى ريحته حلوة أوي أوي! ريحته فل ورائحة جنة... نضفت بيتك يا نعيم! نضفت بيتك خلاص!"
الدموع انفجرت من عيني زي السيل. وقعت على ركبي في نص الصالة، وحضنت نصر بقوة، وبست راسه وإيديه ورجليه وأنا بنتحب بصوت عالي وبقول له:
– "نضفته يا نصر... نضفته ببركتك يا روح أخوك! نضفته بفضل ربنا وبصيرتك يا أنضف خلق الله!"
أمي وقفت مذهولة مش فاهمة حاجة، والدموع في عينيها من فرحة نصر، وسمر مراتي قعدت على الأرض وهي بتبكي وبتحمد ربنا وتشكره.
نصر قعد جنبي على الأرض، ومسك وشي بكفوفه الصغيرة، ومسح دموعي بإبهامه وقال لي بابتسامة حنونة: "خلاص يا نعيم... ما تبكيش، الأكل ريحته حلوة أوي النهارده... يلا ناكل!"
قعدنا كلنا على الترابيزة. حطينا أكل بسيط جداً... فول وطعمية وبطاطس محمرة وعيش بلدي وطماطم.
بس اللقمة كان ليها طعم تاني خالص... طعم الحلال الصافي اللي مفيش معاه خوف ولا خزي. نصر كان بياكل بمنتهى الفرحة والشهية، وبيضحك ويهزر معانا، والبيت اللي كان دايماً كئيب ومخنوق، اتملى بنور وراحة بال ما تتوصفش بكلمات.
الدرس الخالد
من اليوم ده، وحياتي اتغيرت تماماً. عرفت إن ربنا سبحانه وتعالى لما بياخد من حد حاجة في الدنيا (زي القدرات الذهنية العادية)، بيدي له قصادها "بصيرة" نورة بتشق ضلمة القلوب وتشوف اللي البشر العاديين بيعموا عنه.
نصر ما كانش مجرد أخ عنده متلازمة داون ولا "مريض"... نصر كان الملاك الحارس اللي ربنا بعته لي في الوقت المناسب، عشان ينتشلني من طريق الحرام والهلاك قبل ما يفوت الأوان.
بيتي كبر ورزقي بقى قليل بالأرقام، بس مبروك ومكفينا وزايد. والمرتب اللي باخده بعرق جبيني بقى يفيض منه ونعمل منه خير كمان. وكل ما يجيلي شيطان الطمع في يوم من الأيام، أفتكر بس جملة نصر وهو بيهمس في ودني على أول الشارع: "نضف قرشك يا نعيم... نضف بيتك!" وأرجع أستغفر
ربنا وأبوس إيد أخويا الطيب اللي نضف حياتي ورجعني لطريق الله.


تعليقات
إرسال تعليق