القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 عاجز كاملة بقلم أمانى السيد 



عاجز كاملة بقلم أمانى السيد 

كنت بشيل جوزى على ضهرى وانزل بيه السلم عشان اوديه يعمل علاج كنت اشحت من الناس تمن العلاج عشان يقدر يقف على رجله واستحمل عصبيته بقول لنفسى معلش الحادثة صاعبه ومأثره عليه وكنت استحمل عصبيته واقول عشان شغله وقف ومش قادر يتحرك لكن لما يخف ويشوف مواقفى معاه اكيد هيشلى ده ويعاملنى كويس ويشوف اد ايه انا استحملته ووقفت جمبه فى شدته

كنت أسأله سبب الحادثة ايه كان يتهرب منى فى الرد وانا كنت اسكت اقول معلش يمكن مش عايز يفتكرها

لكن صدمه عمرى لما عرفت إنه عمل الحادثة عشان يفدى عشيقته رمى نفسه قصاد العربيه عشان هى متتأذيش

والاصعب من ده لما كنت اشيله على ضهرى وانزل بيه السلم و الدكاتره قصاده يقولوه ده خطر عليها لكن هو مكنش بيفرق معاه كان شايف إن ده واجبى …

واحبى انى اتمرمط واشيل المر لكن حبيبته مايرضاش عليها الاذى

شوفت رسايل بينهم على التليفون وهو بيطمنها عليه

بيقولها

ـ العلاج الطبيعي جايب نتيجه والدكتور مطمنى وقريب اوى هرجع زى الاول واحسن خدى بالك من نفسك لحد ما اقوم وارجعلك وفلوس جوازنا انا شايلها زى ماهى لما ارجع هعوضك عن غيابى

انا سايب نسمه على زمتى عشان تخدمنى لانك مش هتعرفى تعملى اللى هى بتعمله ولا انا هستحمل عليكي كده

عشان كده اصبرى عليه لما اخلص فتره العلاج

شوفت الرساله ودموعى كانت شلالات على وشى


بقى بدل ما يشيلني وقفتي معاه ويعوضني لما يقف على رجله… يكتفي بإنه يعتبرني خدامة مفروضة عليه لخدمة مرضه، ويحوش فلوسه عشان يروح يتجوزها هي!

الدنيا كلها اسودّت في وشي، ورجلي ما بقتش شايلاني. نفس السلم اللي كنت بشيله عليه وضهري بيتكسر تحت ثقله، حسيت إني نازلة عليه والمرارة خنقاني ومش قادرة آخد نفسي. افتكرت كل مرة كنت بوطي فيها عشان يركب على ضهري، افتكرت كسرة نفسي وأنا بمد إيدي للناس وأشحت عشان أجمع حق جلسة العلاج الطبيعي بتاعته، افتكرت الدكاترة لما كانوا يقولولنا: “يا مدام ده خطر عليكي، ضهرك هيتدمر”، وهو يبصلهم ببرود ويقول: “معلش هي شديدة وتقدر”، ما كانش بيخاف عليا، كان خايف على نفسه عشان يرجع ويجرى لحبيبة قلبه!

الرسالة كانت بتتعاد في دماغي زي الس.كينة اللي بتد..بح في البطيء: “أنا سايب نسمة على ذمتي عشان تخدمنى… مش هستحمل عليكِ كده”. الكلمات دي كانت أشد وأقسى من كل درجة سلم نزلتها وأنا شيلاه على ضهرى ، أشد من كل كلمة عصبية وإهانة استحملتها منه وأنا بقول “معلش أصل ظروفه صعبة ومقهور عشان شغله وقف”.

طلعت من الأوضة وأنا مسطولة، مش مصدقة إن البني آدم اللي أفنيت صحتي عشان أقومه على حيله، كان بيبصلي على إني مجرد أداة، مرحلة وهتعدي أول ما يخف. بصيت له وهو نايم على السرير ، البني آدم اللي ضحيت بعمري علشانه، ولقيت نفسي بسأله بصوت مخنوق وطالع بالذوق من وسط دموعي:

ـ هو أنا كنت إيه بالنسبة لك طول الفترة دي يا عمر ؟

بصلي باستغراب وعصبية كالعادة وقال:

ـ إيه السؤال الغبي ده في الوقت ده؟ أنتِ شايفاني في إيه ولا إيه؟ انجزي هاتيلي الدوا بدل الكلام الفاضي ده.

ساعتها رميت التليفون في وشه، والرسالة مفتوحة… وبصيت في عينه واستنيت أشوف نقطة خجل أو إحساس بالذنب، لكن الصدمة الكبيرة كانت في رد فعله…

بدل ما وشّه يحمرّ من الخجل أو ينزل عينه في الأرض، لقيت ملامحه بتتغير للبرود والجحود، وكأن سرقه لحياتي وصحتي حق مكتسب له!

بص للتليفون بلحظة ذهول، وبعدين رفع عينه في عيني بمنتهى القسوة وقال:

ـ أنتِ بتفتشي في تليفوني؟ وأيا كان اللي قريتيه، أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تحاسبيني؟ أنتِ مراتي ودي وظيفتك، ولا كنتِ فاكرة إني هعيش طول عمري ممتن ليكي عشان شوية التعب دول؟

الكلام كان بينزل عليا زي مية نار بتكوي قلبي. الوجع مابراش، ده زاد ونهش في لحمي. افتكرت كل جني جمعته عشان العلاج، افتكرت نظرات الناس ليا وأنا بطلب منهم المساعدة عشان ألحقه، افتكرت كل ليلة سهرتها جنبه أحطله كمدات وأمسح عرقه وأشيله عشان يدخل الحمام، وهو في كل لحظة من دول، كان شايفني أداة… خدامة بتعمل دورها لحد ما يرجع للي يستهلها!

دموعي جفت في عيني، والضعف اللي كان كاسرني تحول لحجر. قربت منه وبصيت له في عينه، بصة ما شافهاش مني طول السنين اللي فاتت، وقلت له بصوت هادي ومخيف من كتر ما هو مكسور:

ـ “شوية التعب دول” هما صحتي اللي راحت، وهما كرامتي اللي اتعفرت في التراب وأنا بشحت عشان علاجك… كنت فاكرة إني بشيل راجل بيصون الجميل، أثاري كنت بشيل حمل تقيل ملوش أي قيمة.

وقف على السرير وحاول يتعصب ويصرخ زي عادته:

ـ اعقلي كده وما تعمليش دراما، أنتِ ليكي بيتك ومصاريفك، وهي ليها مكانتها.

ضحكت… ضحكة طالعة من وسط النزيف اللي جوايا، وقلت له:

ـ مكانتها؟ اللي رمت نفسك قدام العربية عشان تفديها وهي ما كلفتش خاطرها تشيلك ولا تمسح دموعك؟ اللي قعدت أنت تتألم وهي مستنية تجهز روحك وفلوسك عشان تجيلها جاهز؟

مشيت خطوتين ناحية الباب، لقيت ايده بتحاول تمسك فييا وهو بيقول بغضب:

ـ أنتِ رايحة فين؟ مين هيشيلني أنزل الجلسة بكره؟ أنتِ هترمي كل ده عشان كلمتين؟

ساعتها لفيت وبصيت له وبصيت لرجله اللي ابتدت تلمس الأرض وتتحرك، وقلت له بالكلمة:

ـ من النهاردة، ضهري اللي انحنى عشانك مش هيشيلك تاني… اللي ضحت بعمرها عشان تقومك، هي نفسها اللي هتسيبك تقع. خلي اللي فديتها بتمن صحتي تجيلك تشيلك وتدفعلك حق العلاج، لو كانت ترضى تتوسخ إيدها بحاجة أنت ما ترضاش عليها بيها.

طلعت من الأوضة ورزعت الباب ورايا، وسيبته ينادي ويزعق… لأول مرة أحس إن الحمل التقيل اللي كان على ضهري نزل، مش حمل جسمه، لكن حمل القهر والغفلة اللي كنت عايشة فيها.

قعدت على حافة السرير في الأوضة التانية، وسندت راسي بين إيديا. البيت كان ساكت تماماً، غير صوت صراخه وخبطه على الباب اللي بدأ يقل تدريجياً لحد ما اختفى.

في اللحظة دي، السكوت كان ألعن من الضجة. لقيت نفسي بتكلم بصوت واطي، بصوت مكسور وطالع بالعافية من وسط المحن:

ـ “بقى أنتِ يا نسمة… أنتِ اللي كنتِ فاكرة إنك بتصوني بيتك وراجلك؟ أنتِ اللي كنتِ بتربطي بطنك وتنامي جائعة عشان توفري حق كشف ولا شريط دوا؟ أنتِ اللي هُنتي على نفسك لحد ما الناس بقت تبصلك بعين الشفقة والشفاعة وأنتِ بتشحتي عشان تقوميه على حيله؟”

غمضت عيني، وذكريات الثلاث سنين اللي فاتوا بدأت تتجمع قدامي زي الشريط. كل خطوة سلم، كل شيلة شيلتهالها وضهري بيتفصم فيها، كل كلمة قاسية استحملتها منه وأنا أقول لروحي “معلش يا نسمة، الوجع مخليه مش حاسس بنفسه، بكره لما يرجع يقف على حيله هيشيلك في عيونه”.

ضحكت بمرارة ودموعي بتنزل حامية على خدي:

ـ “أتاريه ما كانش حاسس بيا، عشان ما كانش شايفني أصلاً! أتاريه كان شايفني العكاز اللي بيستند عليه لحد ما يوصل للسكة اللي هو عايزها… الخدامة اللي بتبلاش، اللي بترضى بالقليل، اللي ينفع يمرمطها عشان عشيقة الهانم يفضل جسمها ناعم وإيديها متتوسخش!”

رفعت راسي وبصيت لإيديا المجهدة، للجلد اللي اتجرح والضفر اللي اتكسر من كتر الشيل والتعب، وقلت لنفسي:

ـ “أنا الغلطانة… أنا اللي رخصت نفسي لما افتكرت إن التضحية زيادة عن اللزوم بتعلم الأصالة. أنا اللي نسيت إن اللي بيسلم ضهره للناس للدرجة دي، طبيعي يتداس عليه. هو ما خادعنيش لوحده، أنا اللي غميت عيني عن كل علامة… لما كان بيتهرب من حكاية الحادثة، لما كان يبصلي ببرود والدكاترة بتقول ده خطر عليها… أنا اللي كنت بطبطب على خيانته وأسميها عذر!”

قمت وقفت قدام المراية، وبصيت لوشي الشاحن، للهالات السودة تحت عيني، ولحسرتي اللي بقت باينة في ملامحي. مسحت دموعي بإيدي بحدة، ولأول مرة أحس إن النار اللي جوايا مش نار حزن، دي نار يفوق منها الواعي.

ـ “بس خلاص… الكابوس ده لازم يخلص. الضهر اللي انحنى عشان يشيلك يا فلان، هو نفس الضهر اللي هيتسند بيه على ربنا ويقوم من جديد. الفلوس اللي كنت بتشحتها عشان تعالج رجلك اللي اتكسرت وأنت رايح لفجرِك، مش هتشوف منها جني تاني من عرق إيدي ولا من كرامتي. خليهم ينفعوك… وخلي اللي فديتها بعمرك تيجي تشيلك وتغسلك.”

مسكت شنطة هدوم قديمة، وبدأت ألم فيها حاجتي البسيطة. ما كانش يهمني آخد إيه ولا أسيب إيه، المهم إن المكان ده باللي فيه، بالذكريات المزيفة والمرارة اللي شربتها، يتقفل عليه الباب للابد.

عاجز أمانى السيد 2


مشيت في الشارع والشنطة في إيدي، خطوتي كانت سريعة وكأني بهرب من المكان ومن السنين اللي ضاعت فيه. دموعي اللي حبستها جوة الأوضة بدأت تنزل تاني، بس المرة دي ما كانتش دموع حزن على الفراق… كانت دموع قهر على العبط والنعمة اللي كنت عامية عنها.


وفجأة، وقف في دماغي شريط قديم زي الصدمة… افتكرت الحباية اللي كان بيدهاني كل يوم الصبح بإيده، وهو بيبتسم ابتسامة هادية ويقولي:


ـ “خذي يا نسمة يا حبيبتي، مش عايزين نستعجل على الخلفات دلوقتي، لما نؤم نفسنا الأول ونقف على رجلين ثابتة… أنتِ عارفة الظروف وأنا مش عايز أظلمك ولا أظلم العيل معانا.”


ياااااه على الغفلة! يااااه على العبط اللي كنت عايشة فيه!


وقفْت في نص الشارع ومسكت راسي بإيديا الاثنين، كنت عايزة أصرخ بعالي صوتي. أتاريه ما كانش خايف عليا ولا على العيل… أتاريه ما كانش عايز يربط نفسه بيا بعيل! كان بيضمن إن السكة تفضل فاضية للي في باله، كان بياخد احتياطاته عشان لما يخف ويرمي الخدامة اللي شالته، يخرج من غير أي التزام ولا نقطة دم تربطه بيا!


افتكرت لما كنت بتحايل عليه وأقوله: “يا عمر النفس مشتاقة لحتة عيل يملا علينا البيت”، كان يزعق ويتحجج بالظروف، وأنا بحبني وعقلي الصغير أصدقه وأقول “معلش، خايف على مستقبلنا”.


افتكرت كل مرة كنت برفض فيها أشتري لنفسي حتة قماشة أو بلوزة جديدة عشان أوفر فلوس الجمعية اللي أديهاله بحجة “بنأمن مستقبلنا”.


افتكرت لما كنت بمسح الجزمة بتاعته بإيدي قبل ما يخرج، ولما كنت بقوم من أحلى نومة في عز البرد عشان أعمله أكل سخن أو أحطله الكمدات.


قعدت على أول رصيف قابلني، والناس رايحة وجاية، وأنا بتكلم مع نفسي بصوت واطي وضحكة مكسورة مليانة حسرة:


ـ “قد إيه كنتِ عبيطة يا نسمة… قد إيه كنتِ عمياء وبتبصي تحت رجليكي! ده ما كانش بيحبك ولا يوم واحد، ده كان بيبني سعادته على أنقاض صحتك وطفولتك وأحلامك. كنتِ فاكرة روحك شريكة عمره، طلعتِ مجرد محطة، خادمة بدرجة زوجة لحد ما يوصل للي عايزها.”


بس في وسط كل الكسرة دي، حسيت بحاجة جواه بتتغير. الوجع لما بيزيد عن حده بيتحول لقوة… قمت من على الرصيف، نفضت هدومي، وشديت الشنطة في إيدي وأنا بصة للمستقبل من غير غمامة. العبيطة دي ماتت خلاص على السلم اللي نزلت بيه شايلانه… واللعبة دي انتهت، ومن هنا ورايح مش هتكون غير “نسمة” جديدة خالص.


وصلت بيت أبوي والشنطة في إيدي، وشه اتخطف أول ما شافني بالمنظر ده. رميت الشنطة من إيدي وارتميت في حضنه وانهرت، الحبس والوجع اللي حبستهم طول السكة انفجروا زي البركان. حكيت له كل حاجة… من أول الشيل والعذاب والشحاتة على حق العلاج، لحد الرسالة اللي كشفت فُجره، ولعبة حبوب منع الحمل اللي كان بيغفلني بيها عشان يضمن إني أخرج من حياته من غير أثر.


أبويا وشّه اتغير، ملامحه اللي كانت دايماً هادية اتملت غضب وعروقه بارزة من القهر. ما نطقش ولا كلمة، مسح دموعي بإيده اللي بتموت من الشقى، وقال بصوت واطي لكنه يهد جبال:



ـ “حقك هيرجع يا نسمة… وحياة كل خطوة مشيتِها وأنتِ شايلاني وشايلُه، لأخليه يتمنى التراب وما يلاقيهوش.”


ما استناش الصبح. قام في ساعتها، طلب عمامي، وكلم مأذون المنطقة اللي يعرفه، وقال له: “تعال معايا في مشوار كرامة.”


روحنا على الشقة… أول ما الباب اتفتح ورآنا أبويا وعمامي والمأذون، اتسمر في مكانه على السرير، وشه اصفرّ ورجله بدأت تترعش. أبويا دخل عليه وزقه على السرير بكل قسوة الدنيا وقاله:


ـ “أنت مش راجل، واللي زيك ما يتسابش معاه حريم… أكتب ورقة طلاقها دلوقتي من غير نفس، بدل ما الباب ده يتقفل عليك وما تخرجش منه على رجلك تاني!”


من خوفه ورعبه من المأذون والرجالة اللي واقفين، مسك القلم وإيده بتترعش، ووقع على ورقة الطلاق وهو ساكت ومش قادر يرفع عينه في عين أبويا.


أول ما المأذون خلص وحط الختم، أبويا بصلنا وقال بصوت هز العمارة:


ـ “نزلوا كل العفش ده… مش عايز حتة خيط من مال بنتي تفضل في المكان الوسخ ده!”


في أقل من ساعة، كانت العربية نص النقل واقفة تحت العمارة. عمامي والعمال نزلوا العفش حتة حتة… الأوضة اللي كنت بأثثها بدم قلبي، الصالون، الأجهزة، وحتى السجاد والمواعين. الشقة اتفضت تماماً وبقت عبارة عن حيطان فاضية وسقف بيبكي.


قبل ما نخرج ونقفل الباب، بصيت عليه… كان قاعد في نص الصالة الفاضية، مرمي على الأرض فوق سجادة قديمة ومقطعة كانت مركونة في بلكونة المطبخ، مش قادر يتحرك ولا يوصل حتى لكوباية مية، ولا عارف يطلب نجدة من حد.


قربت منه، وبصيت له من فوق، وقلت له بمنتهى الثبات:


ـ “السجادة دي كتير عليك كمان… خلي عشيقتك بقى تيجي تشيلك من على الأرض، وتبعتلك عفش جديد، تدفعلك حق العلاج. اللي بنى بيتك هدّه بيده يا عمر… وأنا ضهري اتفرد خلاص، وعمري ما هحن للمكان ده تاني.”


رزعت الباب ورايا وخليت صوت الرزعة يرن في أركان الشقة الفاضية، ونزلت السلم وأنا حاسة إن أخيرًا… روحِت بيتي الحقيقي، مرفوعة الراس.


قعد عمر على السجادة المقطعة في نص الصالة الفاضية، الصوت بيرن في الحيطان والأركان العريانة. رجله كانت بتوجعه، والعجز كان مكتفه ومش قادر حتى يتحرك يوصل لشاحن التليفون اللي كان مرمي على الأرض قريباً منه.


بإيد بتترعش من القهر والغضب، مد إيده بالعافية وشد التليفون. فتح الكيبورد وطلب رقمها… “حبيبة العمر” اللي ضحى بعمره وصحته ورمى نفسه قصاد العربية عشان يفديها، اللي ساب مراته تتمرمط وتشيله على ضهرها عشان يرجع لها جاهز واقف على رجليه.


رن التليفون مرة… اتنين… في الرنة التالتة فتحت، وجاله صوتها الهادي اللي كان دايماً بيطمنه:


ـ أيوة يا عمر… خير؟ في حاجة ولا إيه؟ أنت بتتصل في الوقت ده ليه؟


عمر بتلعثم وصوت مخنوق طالع بالعافية:


ـ الحقيني يا حبيبتي… نسمة عرفت كل حاجة، وطلقها وجابت أهلها وفضوا الشقة بالكامل، ما سابوش فيها حتى الكرسي اللي بقعد عليه! أنا قاعد على الأرض ومش قادر اتحرك، تعاليلي فوراً يا حبيبتي… نتجوز دلوقتي وتيجي تقعدي معايا وتراعي علاج الطبيعي لحد ما أقف على رجلي، ما فاضلش غير



حاجات بسيطة وأبقى زي الأول!


 عاجز أمانى السيد 3


سكتت لحظة… سكتة كانت أبرد وأقسى من كل الأيام اللي فاتت. عمر استنى يسمع منها صرخة لهفة أو كلمة تطمنه، لكن جاله ردها ببرود يقطع العرق والسلسال:


ـ نتجوز؟ ونقعد فين ويا حسرة؟ في شقة فاضية حيطانها عريانة؟ وأنا إيه اللي يخليني أجي أشيل واحد عاجز مش قادر يقف على حيله؟


عمر اتصدم ولسانه اتعقد:


ـ أنتِ بتقولي إيه يا دينا؟ أنتِ نسيتي إن أنا بقيت في الحالة دي عشانك؟ نسيتي إني رميت نفسي قدام العربية عشان أحميكي أنتِ وما تلمسكيش حكة؟


ردت بضحكة ساخرة مستفزة، ضحكة نزلت على قلبه زي المية المغلية:


ـ وأنا طلبت منك ترمي نفسك؟ أنت اللي عملت فيها بطل! وبعدين أنت كنت بتقولي إن مراتك هي اللي بتشيلك وبتدفعلك حق العلاج، أنا بقى لا عندي صحة أشيل ولا عندي فلوس أصرف على علاجك الطبيعي ولا هقعد في خرابة!


ـ دينا… أنتِ بتتكلمي جد؟ دينا أنا بحبك وضيعت بيتي ومراتي عشانك!


ردت بمنتهى الجحود والقسوة وهي ببتفل الخط:


ـ الحب ده لما تكون راجل واقف على رجليك وتقدر تفتح بيت وتصرف عليا، مش تطلب مني أجي أشتغل عندك دادة وممرضه! شوفلك حد تاني يشيلك يا عمر… وبلاش تتصل بيّا تاني عشان الرقم ده هيتحظر.


وقفلت السكة في وشه!


صوت النغمة المنتطعة كان بيرن في ودنه زي الجرس. مسك التليفون وبص له بذهول، وبعدين رماه على الأرض اتكأ بضهره على الحيطة الساقعة، ودموع الندم والحسرة بدأت تنزل من عينيه، بس المرة دي ما كانش في نسمة تطبطب عليه ولا ضهر ينحني عشان يشيله… كان لوحده، غرقان في الخرابة اللي صنعها بإيده.


الخبر نزل على أهل عمر زي الصاعقة لما عرفوا اللي عمله في نسمة، واللي بسببه طارت الشقة والعفش وخرجت البنت من حياته مرفوعة الرأس. أمه وأخواته اتخلوا عنه في الأول، ولما صعب عليهم حالتهم، اكتفوا بزيارة خاطفة مرة واحدة في الأسبوع؛ يجيبوا مع الأكل أطباق بلاستيك ويمشوا بسرعة، يهربوا من الخدمة التقيلة ومن نظرات العجز اللي في عينيه.


بقت المشكلة الكبيرة عنده هي طلوع ونزول السلم عشان جلسات العلاج. مفيش جيران ترضى تشيله بعد ما عرفوا حكايته، ولا حد كان مستعد يحني ضهره لواحد رمى أصل زوجته في الزبالة. اتضطر عمر يصرف كل القرشين اللي كان محوشهم للجوازة التانية على عربيات الإسعاف الخاصة والعمال عشان ينزلوه ويطلعوه على السلم… الفلوس اللي كان بيبخل بيها على بيته، بقت تتشفط في مشوار الجلسة الواحدة.


وفي الناحية التانية، كانت نسمة في دنيا تانية خالص.


قعدت مع نفسها، ودعمت روحها بعد ما نفضت غبار السنين المزيفة. ركزت في شغلها، وبقت تحط كل جنيه كان بيروح على علاج عمر وعلى المداراة عليه، في صحتها ولبسها وجمالها. رجعت نضارة وشها، وعينيها اللي كانت مطفية بالدموع بقت بتلمع بكرامة وأمل. اهتمت بنفسها وبأكلها، وبقت تشتري اللي كان محرم عليها زمان، حست لأول مرة إن فلوسها وعرقها بيروحوا للمكان الصح… لكرامتها وراحتها.



مرت الأيام، وعمر محبوس في الشقة الفاضية على السجادة القديمة. من كثرة القعدة والنوم في مكان واحد من غير حركة ولا إيد تحن عليه وتقّلبه، جسمه بدأ يتآكل… جاتله قرح الفراش. أوجاع لا تطاق ونزيف وجروح بتأكل في لحمه، وما كانش فيه حد جنبه يغيرله على الجرح ولا يحس بوجعه.


ولما الفلوس خلصت تماماً، ومبقاش قادر يدفع لعربيات الإسعاف ولا يطعم نفسه، أدرك عمر إن النهاية قربت. وبقلب مكسور وعين بتفقد الأمل، عرض الشقة للبيع بأبخس ثمن.


باع السقف اللي كان يلمّه، وأخذ القرشين المتبقين ورحل… راح قعد في مستشفى مجاني ورعاية صحية متواضعة، بين أربعة حيطان باردة ونظرات الممرضين الغريبة. كان قاعد على السرير، يتأمل السقف الفاضي، ويتذكر نسمة وهي نازلة بيه السلم وشايلاني على ضهرها… ساعتها بس عرف إن اللي يخسر الجوهرة عشان التراب، بيموت وحيد من غير ما يلقى حتى اللي يقلّبه على جنبه.


في المستشفى، كانت الأيام بتعدي عليه بطيئة وتقيلة زي الجبل. صوت أجهزة القياس ونظرات الممرضات وهي بتغيرله على جروح القرح ببرود، كانت بتفكرة كل ثانية بقسوة الوحدة. كان يبص للحيطان البيضا الساقعة ويفتكر لما كانت نسمة بتقعد جنبه بالساعات، تحط إيدها على راسه لما يسخن، وتبطّبط عليه وتسمع عصبيته من غير ما تشتكي.


أما نسمة، فكانت الحياة بتفتح لها أبوابها من جديد. الشغل اللي ركزت فيه بدأ يجيب نتيجه، وبقت تمشي بين الناس مرفوعة الراس. اهتمامها بنفسها وبصحتها رد فيها الروح، وبقت لما تبص في المراية تشوف ست قوية، حرة، اتعلمت الدرس وما بقتش تسمح لأي حد يقلل من قيمتها.


وفي يوم، وأحمد أخو عمر معدي بالصدفة في الشارع اللي فيه شغل نسمة، شافها من بعيد. ما عرفهاش في الأول… كانت لابسة شيك، ملامحها منورة، وضحكتها مالية وشها وهي بتتكلم في التليفون. وقف أحمد مشدوه، مش مصدق إن دي هي نفسها نسمة اللي كانت بتنزل السلم متكتفة ومحنية تحت ثقل أخوه.


مرت الأيام وجاء يوم جمعة، دخل أحمد على عمر في المستشفى. عمر كان قاعد على السرير، خاسس ووشه أصفر والهم راكبه، أول ما شاف أخوه سأله بصوت طالع بالعافية:


ـ إيه يا أحمد… محدش سأل عني؟ محدش افتكرني؟


أحمد بصلُه بأسى وسكت لحظة، وبعدين قال بأسف:


ـ محدش بيسأل يا عمر… كله لاهي في حياته.


عمر نكّس راسه وسأل بصوت واطي ومكسور:


ـ ونسمة؟… ما سمعتش عنها حاجة؟


أحمد اتنهد وقال:


ـ شفتها من كم يوم يا عمر… والله ما عرفتها. نسمة بقت واحدة تانية خالص، نضفت واهتمت بنفسها، وشغلها كبر وبقت ماشية وسط الناس ملكة. نسمة نسيتك يا عمر، وعاشت حياتها صح لما نفضتك من حساباتها.


الكلمات دي نزلت على عمر زي الصاعقة. غمض عينيه بوجع، والدموع نزلت من عينيه مالحة تكوي خدوده. افتكر كل لحظة ظلمها فيها، وكل قرش حرمها منه عشان يروح للي بايعاه، وكل مرة كسرت فيها ضهرها عشان ترفعه… ساعتها بس أدرك إن الخسارة الحقيقية مش الشقة ولا الفلوس ولا الصحة اللي راحت، الخسارة الحقيقية كانت “نسمة”… الجوهرة اللي كانت في إيده ورمادها في التراب، عشان يكتشف في الآخر إنه قعد في الضلمة لوحده، لا يطال سماء ولا أرض.



 





تعليقات

التنقل السريع
    close