القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 ورثى من ابويا كامله ندى الجمل



ورثى من ابويا كامله ندى الجمل


بعد سنين من الجواز، وبعد ما جوزي اتجوز عليّا وخلف من مراته التانيه ، بدأت فجأة ألاحظ إنه رجع يهتم بيا ويزورني أكتر من الأول.

كنت فاكرة إن قلبي أخيرًا هيرتاح، لحد ما طلب مني مبلغ ضخم من ورث أبويا وأمي بحجة إنه عايز يبدأ مشروع.

لكن لما قلت له: «هفكر وأرد عليك»… وشه اتغير، ومن هنا بدأت أشك إن اهتمامه بيا كان وراه سبب تاني.

أنا سلمى، عندي ستة وتلاتين سنة، ومتجوزة حسام بقالنا أكتر من عشر سنين.

يمكن أي واحدة تسمع حكايتي تقول إني عايشة حياة صعبة، ويمكن واحدة تانية تقول لي: “طب ما تطلقي وتعيشي لنفسك.”

بس الموضوع مش بالبساطة دي…

أنا مش بخلف.

ودي كانت أكتر حاجة كسرتني في حياتي.

في الأول حسام كان بيقول لي:

— إنتِ نصيبي وأنا راضي بيكي، ومش كل حاجة في الدنيا عيال.

وكنت بصدقه.

كنت بحبه، وكنت شايفة إن طالما هو متمسك بيا، يبقى أقدر أواجه الدنيا كلها.

لكن بعد سنين، بدأ كلامه يتغير.

لحد اليوم اللي قال لي فيه:

— سلمى… أنا عايز أتجوز.

حسيت وقتها إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.

اتجوز فعلًا.

اتجوز مي، وبعد فترة خلف منها ولد وبنت.

وأنا؟

فضلت مراته برضه.

الغريب إني ما طلبتش الطلاق.

مش عشان كنت راضية بكل اللي حصل، لكن عشان ببساطة… ماكانش عندي حد أرجع له.

أبويا مات وأنا صغيرة، وأمي ماتت قبل جوازي بسنة.

والحمد لله، كان والدي سايب لي ورث كبير، فكنت مستقلة ماديًا، ومش محتاجة حسام يصرف عليا.

لكن رغم كل ده…

كنت محتاجاه هو.

محتاجه أحس إني لسه زوجته.

ومحتاجه أعرف إن ليا مكان في حياته.

في الفترة الأخيرة، حاجة غريبة بدأت تحصل.

حسام بقى يزورني أكتر.

يكلمني أكتر.

يسألني:

— أكلتي؟

— نمتي كويس؟

— محتاجة حاجة؟

وفي مرة رجع من شغله مخصوص عشان يقعد معايا ساعتين، وقبل ما يمشي قال لي:

— وحشتيني يا سلمى.

الكلمة دي لوحدها خلتني أعيط بعد ما مشي.

كنت حاسة إن حسام رجع لي.

إن يمكن بعد سنين من الوجع، ربنا أخيرًا بيهون عليا.

لكن اللي حصل إمبارح خلاني أعيد حساباتي كلها…

كنا قاعدين في الصالة، وحسام ساكت بشكل غريب.

بص لي شوية، وبعدين قال:

— سلمى… عايز أطلب منك طلب.

ابتسمت وقلت:

— اطلب.

سكت ثواني وقال:

— أنا بفكر أبدأ مشروع.

قلت له بحماس:

— دي حاجة حلوة، ربنا يوفقك.

قال:

— محتاج مبلغ كبير شوية عشان أبدأ صح.

بصيت له وسألته:

— كبير يعني إيه؟

قال رقم خلاني أسكت.

رقم كبير جدًا.

مش مبلغ بسيط أقدر أطلعه من حسابي من غير تفكير.

فضلت باصة له، وهو قال بسرعة:

— أنا مسؤول عن بيتين يا سلمى… ومصاريفي كتير. المشروع ده لو نجح هيريحني جدًا، وهيخليني أقدر أوفر أكتر.

ماعرفتش أقول إيه.

سألته:

— وإنت عايزني أديك المبلغ كله؟

قال:

— أيوه.

وبعدين قرب مني وقال:

— إنتِ أكتر واحدة ممكن تساعديني.

الجملة دي وجعتني بدل ما تفرحني.

سألته:

— ليه أنا؟

اتوتر شوية وقال:

— يعني… إنتِ معاكي فلوس، وأنا جوزك. ومش هطلب منك حاجة تضرك.

فضلت ساكتة.

وبعدين قلت له:

— هفكر وأرد عليك.

في اللحظة دي بالذات…

وش حسام اتغير.

الابتسامة اختفت.

قال ببرود:

— ماشي.

وقام.

قلت له:

— هتروح؟

رد من غير ما يبص لي:

— أيوه، مي مستنياني.

وقف عند الباب لحظة، وبعدين خرج.

وأنا فضلت قاعدة مكاني.

بس المرة دي ما كنتش زعلانة إنه راح لبيته التاني…

كنت بفكر في سؤال واحد بس:

هو حسام كان بيزورني الفترة اللي فاتت عشان وحشته فعلًا… ولا عشان كان محتاج فلوسي؟

فضلت طول الليل مش عارفة أنام.

ولأول مرة من سنين، بدأت أفتكر كل تصرفاته في الفترة الأخيرة…

كل زيارة…

كل كلمة حلوة…

كل مرة قال لي فيها “وحشتيني”…

وبدأت أسأل نفسي:

يا ترى إمتى بالظبط بدأ اهتمام حسام بيا؟

وفجأة افتكرت حاجة حصلت من حوالي شهر…

حاجة وقتها ماخدتش بالي منها.

لكن دلوقتي…

بدأت أخاف إنها تكون مفتاح الحكاية كلها.



فضلت قاعدة على الكنبة لحد الفجر، وكل ما أغمض عيني أفتكر نفس اللحظة.

حسام واقف قدامي، بيطلب مني مبلغ كبير، ولما قلت له: “هفكر”، ملامحه اتغيرت.

قمت عملت قهوة، وقعدت قدام الشباك.

كنت بحاول أفتكر إمتى بدأ اهتمامه بيا يزيد.

وفجأة افتكرت حاجة حصلت من شهر تقريبًا.

يومها حسام جه عندي من غير ما يكلمني قبلها.

دخل وقال:

— إنتِ في البيت؟

ضحكت وقلت:

— أمال هكون فين؟

ضحك، وقعد جنبي.

وبعد شوية قال لي:

— هو باباكي كان سايب لك فلوس كتير؟

ساعتها استغربت السؤال.

قلت له:

— ليه بتسأل؟

قال بسرعة:

— لا، عادي… افتكرت إنك كنتِ بتحكي لي زمان إن والدك كان عامل حساب لأولاده.

قلت له:

— أيوه، بس ليه؟

رد وهو بيغير الموضوع:

— ولا حاجة.

وقتها ما اهتمتش.

لكن دلوقتي…

بدأت أفتكر أسئلة تانية كان بيسألها.

“إنتِ بتسحبي من البنك قد إيه؟”

“الفلوس اللي في الشهادة لسه موجودة؟”

“أملاك أبوكي اتقسمت إزاي؟”

كنت بعتبرها أسئلة عادية من جوزي.

لكن بعد طلبه…

كل حاجة بقت لها معنى تاني.

قمت من مكاني وطلعت تليفوني.

لقيت رسالة منه الساعة سبعة الصبح:

“صباح الخير يا سلمى، فكرتي في كلامي؟”

فضلت أبص للرسالة.

ما رديتش.

بعد عشر دقايق بعت تاني:

“أنا محتاج ردك النهارده.”

هنا قلبي بدأ يدق بسرعة.

كتبت له:

— ليه مستعجل؟

فضلت مستنية.

بعد دقيقة ظهر إنه بيكتب.

وبعدين الرسالة وصلت:

“عشان عندي فرصة لو ضاعت مش هتتعوض.”

سألته:

— فرصة إيه؟

ما ردش.

اتصلت بيه.

رد بعد شوية.

— أيوه يا سلمى؟

— إنت ليه مستعجل على الفلوس؟

— قلت لك عندي مشروع.

— طب وريني دراسة المشروع.

سكت.

وبعدين قال:

— إنتِ مش واثقة فيا؟

السؤال ده خلاني أسكت.

لأنها كانت أول مرة أحس إنه بيحاول يحول الموضوع من “فلوس” لـ “ثقة”.

قلت بهدوء:

— الثقة ملهاش علاقة إني أعرف فلوسي هتروح فين.

رد بعصبية:

— خلاص، براحتك.

وقفل.

قعدت أبص للتليفون وأنا مش مصدقة.

دي مش نبرة حسام اللي كنت أعرفه.

قبل ما ألحق أفكر، تليفوني رن.

كانت عمتي نوال.

رديت:

— أيوه يا عمتي.

قالت:

— سلمى، حسام كان عندك امبارح؟

اتوترت.

— أيوه… ليه؟

قالت:

— عشان أنا شوفته امبارح.

سألتها:

— شوفتيه فين؟

سكتت ثواني وقالت:

— قدام مكتب المحامي كريم.

حسيت ببرودة في إيدي.

— حسام كان عند كريم؟

— أيوه.

— وإنتِ عرفتي منين؟

قالت:

— كنت رايحة أسأل كريم على ورق خاص بيكي، ولقيت حسام خارج من عنده.

قلبي بدأ يدق أسرع.

سألتها:

— دخل عنده ليه؟

ردت:

— معرفش.

وبعدين قالت جملة خلتني أقوم من مكاني:

— بس يا سلمى… حسام ماكانش لوحده.

— كان مع مين؟

قالت:

— كان مع راجل أنا أول مرة أشوفه.

سكتنا.

وبعدين عمتي قالت:

— والأغرب إن الراجل ده لما شافني، حسام اتوتر جدًا.

قفلت مع عمتي، وفضلت واقفة مكاني.

في اللحظة دي قررت حاجة.

مش هدي حسام جنيه واحد.

مش قبل ما أعرف الحقيقة.

لبست هدومي، وخدت شنطتي، وخرجت من البيت.

روحت على مكتب المحامي كريم.

أول ما دخلت، السكرتيرة قالت:

— أستاذ كريم مستني حضرتك.

دخلت.

بص لي كريم، ولما شاف وشي قال:

— في حاجة يا سلمى؟

قعدت قدامه وقلت:

— أيوه.

سكت لحظة، وبعدين قلت:

— حسام كان عندك امبارح؟

كريم ما ردش.

وبصته ليا كانت كفاية تخلي قلبي يقع من مكانه.

قلت:

— أستاذ كريم… أنا بسألك.

تنهد وقال:

— كان عندي.

— وجاي يعمل إيه؟

فضل ساكت.

قربت منه وقلت:

— أنا مرات حسام، ومن حقي أعرف.

كريم بص لي فترة طويلة، وبعدين قال:

— إنتِ متأكدة إنك عايزة تعرفي؟

قلت:

— أيوه.

فتح درج مكتبه…

وطلع منه ملف بني.

حطه قدامي.

وقال:

— الملف ده وصلني من حسام من حوالي شهر.

بصيت للملف، وقلبي بدأ يدق بعنف.

سألته:

— فيه إيه؟

كريم قال:

— فيه حاجة تخص ورثك كله.

فتحت عيني بصدمة.

وقبل ما أمد إيدي للملف، قال:

— بس قبل ما تفتحيه…

لازم تعرفي إن حسام مش أول شخص سألني عن الفلوس دي.



فضلت باصة للملف قدامي، ومش قادرة ألمسه.

قلت لكريم:

— يعني إيه مش أول شخص؟ مين تاني سأل عن فلوسي؟

كريم اتنهد وقال:

— قبل ما أقولك، لازم تفهمي إن اللي هقولهولك مش معناه إني باتهم حد بحاجة. أنا بس هحكيلك الوقائع اللي حصلت قدامي.

قلت بسرعة:

— قول.

فتح الملف، وطلع منه كام ورقة.

— من حوالي شهر ونص، حسام جه لي وسألني عن أملاك والدك، وعن قيمة نصيبك في الميراث، وعن الحسابات البنكية المرتبطة بيها.

حسيت إني مش قادرة أتنفس.

قلت:

— وكان عايز يعرف ليه؟

— قال إنه عايز يساعدك ترتبي أمورك المالية.

ضحكت بسخرية:

— يساعدني؟

وبعدين سألت:

— طب مين الشخص التاني؟

كريم بص لي وقال:

— مي.

اتجمدت مكاني.

— مي؟ مراته؟

هز راسه.

— أيوه.

قلت:

— وإيه اللي جابها عندك؟

— جت من غير حسام.

— وقالت إيه؟

سكت شوية، وبعدين قال:

— سألتني عن نفس الموضوع تقريبًا.

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

— يعني مي كانت بتسأل عن فلوسي؟

— أيوه.

— ليه؟

كريم قال:

— ده اللي أنا مش عارفه.

قمت من الكرسي بعصبية.

— لأ… أكيد فيه حاجة.

كريم أشار لي أقعد.

— سلمى، اسمعيني للآخر.

قعدت.

قال:

— من شهر تقريبًا، حسام طلب مني أعمل له عقد شراكة لمشروع.

قلت:

— مشروعه؟

— أيوه.

— وطلب كام؟

كريم بص لي مباشرة وقال:

— الرقم اللي طلبه منك تقريبًا.

اتصدمت.

— يعني المشروع موجود فعلًا؟

— موجود.

لأول مرة حسيت إن الصورة مش بسيطة.

حسام فعلًا عنده مشروع.

لكن لو عنده مشروع، ليه محتاج فلوسي؟

سألته:

— طب المشروع ده بتاعه هو؟

كريم سكت.

قلت:

— أستاذ كريم، بالله عليك متخبّيش عني حاجة.

قال:

— حسام مش هيكون المالك الوحيد.

— يعني؟

— فيه شريك.

— مين؟

قبل ما يجاوب، تليفوني رن.

كان حسام.

بصيت للتليفون، وبعدين لكريم.

قلت:

— مش هرد.

لكن حسام اتصل تاني.

وبعدين تالت مرة.

قلت:

— واضح إنه عايز حاجة مهمة.

رديت.

— ألو؟

جالي صوته متوتر:

— إنتِ فين؟

— في مشوار.

— مشوار فين؟

— ليه؟

— سلمى، أنا بسألك إنتِ فين؟

قلت بهدوء:

— عند أستاذ كريم.

الصمت اللي حصل على الناحية التانية كان مرعب.

وبعدين قال:

— إنتِ ليه رحتي له؟

قلت:

— عادي… ده محامي العيلة.

قال بسرعة:

— ارجعي البيت.

— ليه؟

— عشان نتكلم.

— نتكلم في إيه؟

صوته اتغير:

— في كل حاجة.

قفلت المكالمة.

بصيت لكريم وقلت:

— هو عرف إني هنا إزاي؟

كريم ما ردش.

لكن قبل ما أتكلم، سمعنا خبط على باب المكتب.

السكرتيرة دخلت وقالت:

— أستاذ كريم، في حد بيسأل عن مدام سلمى.

قلبي وقع.

قلت:

— مين؟

قالت:

— الراجل اللي كان مع الأستاذ حسام امبارح.

بصيت لكريم.

كريم قام بسرعة وقال:

— خليه يدخل.

دخل راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة بسيطة، ووشه كان هادي بشكل غريب.

بص لي وقال:

— مدام سلمى؟

قلت:

— أيوه.

قال:

— أنا اسمي شريف.

وسكت لحظة.

وبعدين قال جملة خلتني مش فاهمة أي حاجة:

— أنا مش جاي أخد منك فلوس… أنا جاي أحذرك من اللي حسام ناوي يعمله.



بصيت لشريف وأنا مش فاهمة.

قلت له:

— تحذرني من إيه؟

بص لكريم، وبعدين رجع بص لي وقال:

— قبل ما أقولك، لازم تعرفي إن حسام مش ناوي ياخد فلوسك ويحطها في المشروع وبس.

قلبي اتقبض.

— أمال ناوي يعمل إيه؟

شريف قعد قدامي وقال:

— المشروع ده موجود فعلًا، وأنا شريكه.

بصيت لكريم، فقال بهدوء:

— الكلام ده صحيح.

قلت:

— طب إيه المشكلة؟

شريف رد:

— المشكلة إن حسام مش محتاج المبلغ اللي طلبه منك علشان يبدأ المشروع.

اتجمدت.

— أمال محتاجه ليه؟

شريف حط إيده على الترابيزة وقال:

— علشان يسدد ديون قديمة.

سكت.

حسيت إن الكلام نزل عليا زي الصدمة.

— ديون؟

هز راسه.

— حسام داخل في ديون من فترة، وبعضها باسم المشروع، وبعضها شخصي.

بصيت لكريم وقلت:

— وإنت كنت عارف؟

قال:

— عرفت جزء من الموضوع لما حسام طلب مني أراجع بعض الأوراق.

صرخت:

— وسبتوني عايشة وأنا مش عارفة حاجة؟!

كريم حاول يهديني:

— أنا ماكانش ينفع أقولك حاجة من غير ما يكون عندي سبب قانوني واضح.

شريف قاطعنا:

— أنا اللي طلبت من كريم ما يقولش لحسام إني جيت أحذرك.

بصيت له:

— ليه؟

قال:

— لأن حسام في الفترة الأخيرة كان بيضغط عليا أشارك بمبلغ أكبر في المشروع، وأنا رفضت.

سألته:

— وعلشان كده طلب مني الفلوس؟

— مش بس علشان كده.

سكت لحظة.

— هو عارف إن عندك ورث كبير.

قلت:

— عرف منين؟

شريف بص لكريم.

كريم قال:

— حسام كان بيسأل عن تفاصيل تخص ممتلكاتك.

حطيت إيدي على وشي.

فجأة كل الزيارات اللي كان بييجيها، كل كلامه الحلو، كل مرة كان بيسألني فيها عن حساباتي…

بقى ليها معنى تاني.

لكن كان لسه فيه سؤال أهم.

قلت:

— طيب لو هو عايز فلوسي علشان يسدد ديونه، ليه اتجوزني أصلًا؟ وليه فضل معايا كل السنين دي؟

شريف سكت.

كريم بص لي بحزن.

أما شريف فقال:

— يمكن لأنه كان بيحبك فعلًا في البداية.

الكلمة دي وجعتني أكتر.

— وفي البداية بس؟

ما ردش.

فجأة تليفوني رن.

كانت مي.

فضلت أبص للاسم ومش عارفة أرد.

كريم قال:

— ردي.

فتحت المكالمة.

— ألو؟

جالي صوت مي، وكانت بتتكلم بسرعة:

— سلمى، لازم نتقابل.

— ليه؟

— مش هينفع أقولك في التليفون.

— قولي.

قالت:

— حسام مش بيقولك الحقيقة كاملة.

قلبي بدأ يدق.

— وإنتِ عرفتي منين؟

قالت بصوت متردد:

— لأني أنا كمان اتضحك عليا.

سكت.

وبعدين قالت:

— أنا اكتشفت حاجة من يومين.

— إيه؟

قالت:

— حسام عليه ديون أكبر بكتير من اللي إنتِ متخيلة.

قلت:

— أنا عرفت.

سكتت للحظة.

وبعدين قالت:

— لأ… إنتِ لسه ماعرفتيش أخطر حاجة.

قلت:

— إيه؟

قالت:

— حسام مش ناوي ياخد فلوسك بس.

— أمال؟

قالت بصوت منخفض:

— هو كان بيجهز ورق من فترة علشان…

وفجأة المكالمة اتقطعت.

اتصلت بيها تاني.

مفيش رد.

مرة…

اتنين…

تلاتة…

ولا رد.

بصيت لشريف وقلت:

— كانت هتقول إيه؟

شريف قام فجأة.

— لازم تمشي من هنا.

— ليه؟

قال:

— لأن لو حسام عرف إن مي كلمتك، الموضوع هيكبر.

خرجت من مكتب كريم وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.

ركبت عربيتي، وقبل ما أدور المحرك، لقيت رسالة من رقم غريب:

“لو عايزة تعرفي حسام كان بيجهز لإيه، روحي الشقة القديمة بتاعة والدك… لوحدك.”

فضلت أبص للرسالة.

الشقة القديمة…

المكان اللي أنا من سنين ما دخلتوش.

ولأول مرة، حسيت إن السر مش موجود عند حسام…

السر موجود في بيت أبويا


ورثى من ابويا ٢

ندى الجمل


طول الطريق وأنا بسأل نفسي: مين اللي بعت الرسالة؟

وليه الشقة القديمة بتاعة أبويا تحديدًا؟

المكان ده كان مقفول من سنين، ومحدش تقريبًا يعرف إن لسه معايا مفتاحه غير عمتي نوال والمحامي كريم.

وصلت قدام العمارة، ونزلت من العربية وأنا مترددة.

طلعت السلم، وفتحت الباب.

أول ما دخلت، حسيت برائحة المكان زي ما هي…

ريحة أبويا.

البيت كان مليان ذكريات، وكل حاجة تقريبًا في مكانها.

مشيت ببطء لحد أوضة المكتب.

كنت عارفة إن أبويا كان بيقضي معظم وقته هنا.

فتحت الأدراج واحد ورا التاني.

مفيش حاجة.

فتحت الدولاب.

ولا حاجة.

لحد ما افتكرت درج صغير في المكتب كان أبويا دايمًا بيقفله بالمفتاح.

جربت المفتاح القديم اللي كان معايا.

فتح.

جوا الدرج كان فيه ظرف بني قديم.

مسكته، ولقيت اسمي مكتوب عليه بخط أبويا:

“لسلمى… لما تحسي إنك بقيتي لوحدك.”

إيدي بدأت ترتعش.

فتحت الظرف.

كان جواه جواب، ومعاه صور وورق.

بدأت أقرأ:

“يا بنتي، يمكن أنا وأمك نموت وإنتِ لسه صغيرة، ويمكن في يوم تحسي إنك مالكيش ضهر. علشان كده أنا رتبت لك كل حاجة بحيث محدش يقدر ياخد حقك بسهولة.”

دموعي نزلت.

كملت القراءة.

“أنا عارف إن الناس بتتغير لما تعرف إن معاكي فلوس. عشان كده جزء من أملاكك محطوط بطريقة تحميه، ومفيش حد يقدر يتصرف فيه نيابة عنك من غير موافقتك الشخصية.”

تنفست براحة.

لكن الورقة اللي بعدها كانت الصدمة.

كان فيها اسم حسام.

وقعت الورقة من إيدي.

أبويا كان كاتب:

“قبل ما أوافق على جواز بنتي من حسام، سألت عنه كويس. وفي ناس حذرتني منه، لكني ما لقيتش دليل يخليني أرفضه. لذلك طلبت من المحامي كريم يحتفظ بمعلومة مهمة، وما تظهرش إلا لو حسام حاول يتصرف في مال سلمى.”

رفعت عيني.

— يعني بابا كان شاكك فيه من البداية؟

بدأت أقلب في الأوراق.

ولقيت صورة لعقد قديم.

وتحتها ملاحظة بخط كريم:

“في حالة محاولة حسام الحصول على أموال سلمى، يتم فتح الملف رقم 17.”

قلبي وقف.

ملف رقم 17؟

اتصلت بكريم فورًا.

رد بعد أول رنة:

— سلمى؟

قلت:

— أستاذ كريم، أنا في شقة بابا.

سكت.

— لقيت ورق باسمي.

قال بسرعة:

— ما تفتحيش أي حاجة تانية.

— ليه؟

— لأن اللي قدامك ده غالبًا الملف اللي أبوكي كان مخبيه.

قلت:

— إنت كنت عارف؟

— كنت عارف إن فيه وصية وتعليمات خاصة، لكن أبوكي طلب مني ما أقولكيش إلا لو حصل موقف زي ده.

قلت:

— وحسام؟

سكت.

قلت:

— حسام كان يعرف إن بابا شاكك فيه؟

— لا.

قبل ما أقفل، سمعت صوت مفتاح في باب الشقة.

اتجمدت.

قلت:

— أستاذ كريم…

— إيه؟

— أنا مش لوحدي.

وفجأة الباب اتفتح.

حسام دخل.

بص لي، وبعدين بص للأوراق اللي في إيدي.

وشه اتغير.

قال بصوت هادي بشكل مخيف:

— إنتِ بتعملي إيه هنا؟

قلت:

— أنا اللي المفروض أسألك… إنت عرفت إني هنا إزاي؟

ما ردش.

قرب مني.

— اديني الورق ده.

رجعت خطوة.

— ليه؟

قال:

— لأنك مش فاهمة هو إيه.

ضحكت رغم خوفي.

— طب فهمني.

فضل ساكت.

قلت:

— إنت كنت بتخطط لإيه يا حسام؟

فجأة عينيه اتغيرت.

وقال:

— كنت بحاول أحميكي.

— تحميني من إيه؟

قال:

— من نفسك.

وبعدين بص للورقة اللي في إيدي وقال:

— لو قريتي آخر ورقة… هتكرهي أبوكي.

فتحت الورقة الأخيرة.

وقريتها.

وفي اللحظة دي…

عرفت إن أبويا كان مخبي عني سر يخص حسام نفسه.



فضلت ماسكة الورقة، وعيني بتجري على السطور.

“يا سلمى، لو وصلتي للورقة دي، يبقى حسام حاول يتصرف في فلوسك أو طلب منك مبلغ كبير. ساعتها لازم تعرفي الحقيقة كاملة…”

بصيت لحسام.

كان واقف قدامي ساكت، ووشه لأول مرة مفيهوش أي ثقة.

كملت القراءة:

“قبل جوازك من حسام، أنا عرفت إنه كان عليه ديون. وساعدته وقتها يسدد جزء كبير منها، بشرط إنه ما يقربش من أموالك أبدًا. ولو حاول في يوم يضغط عليك علشان فلوسك، يبقى الاتفاق انتهى، ولازم تعرفي إن السبب مش المشروع.”

إيدي بدأت ترتعش.

قريت آخر سطر:

“والأهم يا بنتي… حسام لا يعرف أنني وضعت شرطًا في عقد الزواج يحمي نصيبك من الميراث.”

رفعت عيني لحسام.

— بابا كان عارف إنك مديون قبل ما أتجوزك؟

حسام سكت.

صرخت:

— رد!

قال بصوت منخفض:

— أيوه.

— وأبوكِ ساعدك؟

— أيوه.

— وإنت كنت عارف إنه حط شرط يحمي فلوسي؟

هز رأسه.

— عرفت بعد جوازنا بسنين.

ضحكت بمرارة.

— عشان كده كنت بتسألني عن الورث؟

— سلمى…

— وعشان كده رجعت تهتم بيا؟

قرب مني وقال:

— الموضوع مش كده.

صرخت:

— أمال إيه؟!

سكت طويلًا.

وبعدين قال:

— أنا فعلًا كنت محتاج الفلوس.

دموعي نزلت.

— وأنا كنت محتاجة جوزي… مش محتاجة مشتري.

بص للأرض.

— أنا غلطت.

قلت:

— لأ، إنت ما غلطتش مرة. إنت خليتني أصدق إن اهتمامك رجع علشاني، بينما كنت بتقرب مني علشان فلوسي.

حاول يمسك إيدي، سحبتها.

— ما تلمسنيش.

قال:

— أنا ما كنتش ناوي أضيع حقك.

— بس كنت ناوي تاخد فلوسي.

— كنت هرجعهم.

— ولو المشروع فشل؟

ما ردش.

في اللحظة دي فهمت كل حاجة.

دخلت عمتي نوال فجأة ومعاها المحامي كريم.

بصت لحسام وقالت:

— كفاية يا حسام.

حسام اتوتر.

كريم حط ملف على الترابيزة وقال:

— أنا هشرح لك يا سلمى. والدك كان عامل حساب كل الاحتمالات. أموالك منفصلة قانونيًا عن حسام، وأي محاولة للتصرف فيها من غير موافقتك مش هتتم.

بصيت لحسام.

— يعني أنا كنت محمية طول الوقت؟

كريم ابتسم:

— أبوكي وأمك كانوا عاملين حساب إنك في يوم تحسي إنك لوحدك.

هنا انهرت في العياط.

لأول مرة من سنين فهمت إن خوفي كان أكبر من الحقيقة.

أنا ماكنتش لوحدي.

أبويا كان سايب لي أمان.

أمي كانت سايبة لي حب.

وورثي ماكانش مجرد فلوس…

كان فرصة إني ما أضطرش أعيش مع حد خوفًا من إني ما ألاقيش غيره.

حسام وقف قدامي وقال:

— سلمى، أنا مش عايز أخسرك.

بصيت له بهدوء:

— أنت خسرتني من اللحظة اللي خليتني أشك إن حبك ليا له تمن.

سكت.

وبعدها قال:

— يعني هتطلبي الطلاق؟

مسحت دموعي وقلت:

— المرة دي مش هقرر علشان خايفة أبقى لوحدي.

بصيت له بثبات:

— هقرر علشان أنا عايزة أعيش مرتاحة.

ومشيت.

بعدها بأسابيع، بدأت إجراءات الانفصال.

مي كمان اكتشفت حجم الديون اللي كان مخبيها عنها، وقررت تحمي نفسها وأولادها.

أما أنا…

رجعت لشقتي، وبدأت أرتب حياتي من جديد.

احتفظت بفلوسي، وبدأت مشروع صغير باسمي.

وكل مرة كنت أحس بالخوف، كنت أفتكر جملة أبويا:

“يا بنتي، لو في يوم حسيتِ إنك مالكيش ضهر… افتكري إن نفسك هي أول ضهر ليكي.”

وفهمت أخيرًا إن أكبر خسارة ما كانتش إني أخسر جوزي…

أكبر خسارة كانت إني أخسر نفسي علشان أحافظ عليه



تعليقات

التنقل السريع
    close