رواية جارتي فضلت تقنعني أسلفها العجان كامله حكايات اسما السيد
حكايات اسما السيد كامله
جارتي فضلت تقنعني أسلفها العجان بتاع أمي الله يرحمها… ولما بوّظته، وماكلفتش نفسها حتى تغسله، ورمته قدام باب بيتي، قررت إنها محتاجة تتعلم درس عمرها ما تنساه.
جارتي استلفت مني تقريبًا عشر حاجات السنة دي.
الموضوع بدأ في الربيع لما طلبت مني السلم.
بعدها ماكينة غسيل الضغط.
وبعدين الموضوع دخل المطبخ عندي…
الحلة الكهربائية.
جهاز البخار.
كولمان.
وصينية الفرن الكبيرة بتاعتي.
كل حاجة كانت بترجع متأخر.
أو متوسخة.
أو ناقص منها غطا.
ومن غير حتى كلمة اعتذار.
الثلاث اللي فات، جت تطلب مني العجان.
العجان ده قديم وتقيل، لونه كريمي.
أمي اشترته سنة 1989، وكانت بتستخدمه تقريبًا كل يوم أحد لحد ما صحتها ما بقتش تسمحلها تقف فترة طويلة.
وده من الحاجات القليلة جدًا اللي فضلت عندي منها ولسه بستخدمها.
المرة دي قلت لأ.
قلت الكلمة فعلًا.
— بصي، العجان ده بالذات مش حابة أسلفه لحد. ده كان بتاع أمي.
ضحكت كإني قلت نكتة.
— يا ستي هخلي بالي منه جدًا. ده أنا هعمل بيه كيكة واحدة بس.
فضلت واقفة قدامي.
وبنتي كانت قاعدة على السلم عند باب البيت وبتسمع الكلام.
ومش عارفة إزاي لقيت نفسي بقول:
— خلاص، خديه.
صباح السبت…
لقيته قدام باب البيت.
ماجابتوش في إيدي.
ماخبطتش على الباب.
ماقالتش حتى إنها رجعته.
كان مرمي على الأرض جنب دواسة الباب، في مكان أي حد معدي كان ممكن ياخده.
قربت منه.
لقيت بواقي كريمة ناشفة محشورة في الفاصل بين رأس العجان وجسمه.
لونها مائل للأصفر.
ناشفة ومشققة.
واضح إنها بقالها كذا يوم.
هي حتى ماكلفتش نفسها تشطفه بالمية.
دخلته البيت.
وصلته بالكهربا.
شغلته.
الموتور طلع صوت أنا عمري ما سمعته منه طول 36 سنة.
قفلت الجهاز فورًا.
وفصلت الفيشة.
وفضلت واقفة مكاني وإيدي لسه على زر التشغيل.
بعدها خرجت.
عديت الحديقة الصغيرة اللي بين البيتين.
وخبطت على بابها.
الغريب إني لحد اللحظة دي ماكنتش حتى متعصبة.
كنت فعلًا متخيلة إنها اتحرجت لما الجهاز باظ معاها…
وعلشان كده سابته قدام الباب ومشيت.
فتحتلي الباب وهي ماسكة فنجان قهوة.
قالت بمنتهى البرود:
— آه… العجان.
وبعدين كملت:
— بصراحة، إنتِ المفروض تشتري واحد جديد. الحاجة دي قديمة جدًا.
فضلت باصة لها.
قالت:
— وقف مني وأنا بعمل الكريمة، وكان عندي 11 واحد قاعدين على السفرة مستنيين الكيكة.
وخدت رشفة من القهوة.
وبعدين قالت:
— يعني شكرًا بقى على الليلة اللي باظت بسبب العجان بتاعك.
وقتها بس…
فهمت.
هي ماكانتش مكسوفة.
وماكانتش حاسة بالذنب.
ولا حتى شايفة إنها عملت حاجة غلط.
بالعكس…
كانت بتلومني أنا لأن الحاجة اللي أخدتها مني وبوظتها مااشتغلتش معاها كويس.
ساعتها عرفت إن الموضوع ماعادش مجرد جار بيستلف حاجة ويرجعها متأخر أو متوسخة.
دي كانت شايفة إن كل حاجة عندي من حقها.
وإن أنا هفضل أقول حاضر مهما عملت.
وعلشان كده…
تاني صباح، قعدت أفكر شوية.
الكاتبه_اسما_السيد
وبعدين جاتلي فكرة.
فكرة بسيطة جدًا…
لكن كنت متأكدة إنها هتعلمها درس مش هتنساه بسهولة…
”
صباح الأحد كان مختلفًا. لم أعد تلك المرأة التي تبتلع إهانتها وتبتسم كي لا تعكر صفو الجوار. الوقاحة التي واجهتني بها وهي ترشف قهوتها، والاتهام اللئيم بأن عجان أمي المفضل كان سببًا في إفساد ليلتها، كل هذا أنار في عقلي شعلة حادة من الجلاء. لم أعد غاضبة بالمفهوم التقليدي، بل أصبحت حاسمة إلى درجة المخافة.
جلسْتُ على طاولة المطبخ وأمامي العجان الكريمي القديم. أخرجت قطعة قماش مبللة بالماء الدافئ، وبدأت أنظف بواقي الكريمة الصفراء الجافة بعناية فائقة، وكأني أضمد جراح صديق قديم. كان جسد الجهاز الساخن قليلاً يروي قصة ست وثلاثين سنة من الخبز والحب والذكريات، قبل أن تطأه يد هذه المرأة الجاهلة. وبينما كنت أمسح الفواصل الصغيرة، نضجت الفكرة في رأسي تمامًا.
هي لم تكن فقط تستغل سخائي، بل كانت تتعامل مع ممتلكاتي وكأنها ملحقة ببيتها، تستبيحها وتطالبني بجودة الخدمات فوق ذلك. كانت ترى طيبتي ضعفًا، وحيائي خنوعًا. والدرس الوحيد الذي يفهمه هذا النوع من البشر، ليس المواجهة الزاعقة التي تمنحهم دور الضحية، بل أن تضعهم وجهًا لوجه مع أنانيتهم وتجعلهم يدفعون ثمنها كاملاً.
أول ما قمت به كان حصر كل ما استعارته مني خلال الأشهر الماضية. لم تكن مجرد أدوات، بل كانت منظومة كاملة اعتمدت هي عليها لتقليل مصاريف بيتها وتسهيل حياتها على حساب جهدي وممتلكاتي. السلم التلسكوبي، ماكينة غسيل الضغط، الحلة الكهربائية، جهاز البخار، الكولمان الكبير، وصينية الفرن الثقيلة.
ابتسمت بسخرية. جارتي هذه كانت ترتب لمناسبة كبيرة يوم الجمعة المُقبل، عرفت ذلك من ابنتي التي سمعتها تتحدث في الهاتف على السور الخشبي للحديقة. كانت تقيم حفل خطوبة ابنتها الكبرى في حديقة منزلها، وكانت تخطط لإعداد كل شيء بنفسها لتوفير تكاليف شركات التنظيم، مستندة بشكل كلي وجاد على “مخزن أدواتي”.
قمت من مكاني بثبات. ذهبت أولاً إلى ورشة صيانة الأجهزة الكهربائية في آخر الشارع. حملت العجان بين يدي كأنني أحمل تحفة أثرية. الفني المتقاعد، العم يعقوب، الذي يعرف أمي منذ تسعينيات القرن الماضي، فحص الجهاز ورفع نظارته:
— “هذا الموتور من الطراز القديم الأصيل يا ابنتي.. المرأة التي استخدمته حشترت فيه عجينًا سميكًا أو ضغطت عليه وهو متوقف، مما أدى لكسر الترس الداخلي واحتراق السلك الرئيسي. إصلاحه ممكن، لكنه سيحتاج قطع غيار أصلية سأحضرها مخصوصًا، والتكلفة لن تكون قاطعة البساطة.”
كتبت لي الفاتورة الأولى باسمها، وطلبت من العم يعقوب تقريرًا فنيًا مكتوبًا يدويًا ومختومًا يوضح سبب العطل بوضوح: “سوء استخدام ناتج عن الضغط الزائد والمفاجئ على أجزاء الحركة”.
عدت إلى البيت، وبدأت الخطوة الثانية. لم أذهب للتطاول عليها، بل استغللت نقطة ضعفها الأكبر: صورتها الاجتماعية أمام أهل الحي وزوجها المحافظ الذي لا يعلم شيئًا عن سلوكياتها الطفيلية.
مساء الاثنين، انتظرت حتى رأيت سيارة زوجها تقف أمام البيت. كان رجلًا هادئًا، يكره المشاكل، ويعتز بسمعته جدًا. أخذت معي ملفًا أصفر صغيرًا وضعْتُ فيه كل شيء: تقرير الفني المكتوب لتقييم تلف العجان، مع قائمة دقيقة بجميع الأدوات التي أخذتها هذا العام والتواريخ التي استعارتها فيها، مع صور كنت قد التقطتها للصينية المخدوشة وجهاز البخار المفقود غطاؤه بمجرد عودتهما لي سابقًا.
مشيت بخطوات وثيقة عبر الحديقة الصغيرة. خبطت على الباب بثقة.
فتحت هي، وبمجرد أن رأتني، ضيقت عينيها بتبرم وأرادت أن تتحدث بتلك النبرة المتعالية ذاتها، لكن زوجها أطل من خلفها ورحب بي بتهذيب:
— “أهلاً يا أم فلان.. خير، هل هناك أي مشكلة؟”
قبل أن تنطق هي بحرف، ابتسمت برفق وقلت له بنبرة هادئة ومسموعة:
— “مساء الخير يا أستاذ. لا يوجد مشكلة إن شاء الله.. أنا فقط جئت لأمر بسيط يتعلق بالأدوات التي تستعيرها أم أمير بشكل دوري لتجهيز عزائمكم ومناسباتكم.”
تغير وجهها فورًا، وانقبضت ملامحها. حاولَت التدخل:
— “أنا لم…”
قاطعتها بنفس الهدوء، وأنا أفتح الملف أمام زوجها:
— “أنت تعلم يا أستاذ أن العجان الكهربائي الذي استعارته أم أمير الثلاثاء الماضي هو إرث أمي رحمها الله، وهو جهاز ثري وله قيمة عاطفية لا تُقدر بثمن. للأسف، الجهاز تعطل كليًا أثناء استخدامها له، وتركتْه أمام باب بيتي في العراء دون علمي وهو بحالة سيئة. هذا تقرير الصيانة الفنية، وتكلفة قطع الغيار التي دمرت بسبب الضغط الزائد هي ألفا جنيه.”
اتسعت عينا الزوج بذهول، وتطلع إليها بنظرة نارية. حاولت هي التلعثم:
— “هو.. هو كان قديمًا وأصلاً على وشك التلف!”
رددت عليها بصوت خفيض ونبرة ثاقبة وأنا أنظر في عينيها مباشرة:
— “الجهاز كان يعمل بكفاءة كاملة لمدة 36 سنة، ولم يشتكِ إلا عندما دخل بيتك. وعلى كل حال، الفني كتب في التقرير الرسمي سبب التلف، ولن أقبل بتقليل قيمة ممتلكاتي.”
ثم التفت للزوج وأكملت بمودة مصنعة:
— “ولأنني أعرف حرصك على الأصول يا أستاذ، فأنا هنا أيضًا لأعيد ترتيب الأوراق. هذه قائمة بالأدوات الأخرى: ماكينة غسيل الضغط أُعيدت بخرطوم مكسور وتكلف إصلاحها 500 جنيه، جهاز البخار عاد بدون الغطاء المقاوم للحرارة وثمنه 300 جنيه، وصينية الفرن الإيطالية عادت مخدوشة بسكين حاد ولا تصلح للاستخدام الآدمي وتكلفتها 800 جنيه. الإجمالي ثلاثة آلاف وستمائة جنيه.”
ساد صمت خادق في المدخل. كان وجنتا جارتي تحترقان حمقًا وخجلًا، بينما كان زوجها يزداد جمودًا ورعبًا من الفضيحة أمام الجارة التي طالما احترمها.
قال الزوج وهو يلتفت إليها بصوت كالرعد الخفيض:
— “هل هذا الكلام صحيح؟ هل تأخذين أغراض الناس وتردينها مكسورة وتتركينها على أبوابهم؟”
حاولت أن تدافع عن نفسها بصوت مرتعش:
— “أنا.. هي تقدم الأدوات بنفسها.. وأنا كنت سأشتري لها غطاءً جديدًا…”
ابتسمتُ وقلت:
— “أنا لم أقدم شيئًا يا أم أمير، أنتِ من تصرين وتلظين بالطلب حتى تستحيي ابنتي ويستحي حكائي. والآن، أنا لا أطلب فقط قيمة الأضرار، بل أطلب إعادة السلم التلسكوبي والكولمان فورًا، لأنني بحاجة إليهما غدًا صباحًا.”
الزوج، ولأنه شعر بالخزي الشديد، لم ينتظر. دخل فورًا إلى المخزن الخلفي لبيته، وأحضر السلم والكولمان بنفسه، ووضعهما عند قدمي وهو يعتذر بكلمات متلعثمة. ثم أخرج محفظته، واستل منها المبلغ كاملاً، ووضعه في يدي قائلاً:
— “حقك عليّ يا أم فلان.. هذا التقرير والتلفيات سأتفل بها أنا، وأعتذر لكِ نيابة عن بيتي. ولن يتكرر هذا مطلقًا.”
أخذت المبلغ بوقار، وقلت له:
— “أنا قدرتك دائمًا يا أستاذ، وأعرف أنك رجل أصول.. لكن ما حدث لعجان أمي كان خطًا أحمر.”
نظرتُ إليها.. كانت تقف متيبسة، القهوة التي كانت ترشفها ببرود بالأمس استُبدلت بغصة علقَت في حلقها، وقد سُحبت منها كل أدوات التبجح أمام زوجها الذي أدرك مدى استغلالها وتفاهة تصرفاتها.
لكن الدرس لم ينتهِ عند هذا الحد.. كانت هذه مجرد المقدمة.
صباح الأربعاء، وقبل حفل الخطوبة بيومين، بدأت المرحلة الثانية من خطتي. كانت تعتمد بشكل كامل على ماكينة الضغط لتنظيف السجاد والحديقة، وعلى الحلة الكهربائية الكبيرة لطهي أرز العزومة، وعلى صواني الفرن الخاصة بي لخَبز الموالح.
عندما جاءت ابنتها الكبرى بكل خجل، وتطرق بابي بصوت خفيض وتقول:
— ” طنط.. ماما محتاجة بس الحلة الكهربائية الكبيرة لمدة ساعتين.. أرجوكِ.”
فتحتُ الباب بابتسامة دافئة، وقلت لها بصوت رقيق سمعته أمه الواقفة خلف الشيش ترقب المشهد:
— “يا حبيبتي، ألف مبروك للخطوبة.. لكن للأسف، بيتي وأدواته خرجت من الخدمة التشاركية تمامًا. لقد تعلمتُ الدرس مؤخرًا، وممتلكاتي أصبحت خطًا أحمر لا يُعار ولا يُستأجر. بإمكان والدتك استئجار شركات التجهيز كما يفعل الجميع.”
أغلقتُ الباب برفق شديد، ودون أي انفعال.
سمعتُ خطى الفتاة وهي تعود مسرعة، ثم صراخًا خفيضًا ومشادة كلامية اندلعت بين الجارة وابنتها. كانت في ورطة حقيقية؛ الوقت ضيق، والميزانية التي ضغطتها على حسابي اختلت تمامًا، والأدوات التي كانت تعتبرها حقًا مكتسبًا أصبحت بعيدة المنال كأنها في مجرة أخرى.
اضطرت الجارة ليلة الخميس أن تستأجر مستلزمات كاملة من شركة تجهيز حفلات بأسعار مضاعفة وفي أوقات حجة، ورأيتها بنفسي تقف في الحديقة وهي تشرف على العمال وتحمل الصواني الثقيلة بيدها، وقد انحنى ظهرها وتصبب عرقها، بعد أن كانت تعتمد عليّ وعلى جهدي وأدواتي لتجلس هي ملكة متوجة تشرب القهوة وتتطاول على الناس.
وفي يوم الجمعة، أثناء الحفل، كنت أجلس في حديقة بيتي الهادئة. العجان الكريمي كان قد عاد من عند العم يعقوب، يعمل بصوت ناعم ومحرك جديد قوي، وكأنه ينبض بالحياة من جديد. قمت بخلط قالب كيك مبهر، برائحة الفانيليا والليمون التي كانت أمي تحبها.
عندما فاحت رائحة الكيكة في الأرجاء وتخطت السور الفاصل، كانت المعازيم في الجهة الأخرى يتناولون أطعمة متأخرة باردة جاءت بها شركات التأجير الاستثماري.
خرجتُ إلى الحديقة وأنا أحمل طبقًا جميلًا فيه قطعة كيك طازجة، وقدمتها لزوجها الذي كان يقف قرب السور يرحب بالضيوف. قلت له بصوت مسموع:
— “مبارك خطوبة ابنتكم يا أستاذ.. هذه كيكة معمول بها بعجان أمي بعدما تم إصلاحه.. أحببت أن تذوقوا طعم الأصول.”
أخذ الزوج القطعة بامتنان وأكل منها وأثنى عليها بحرارة أمام حشد من أقاربه، بينما كانت هي تقف على مسافة أمتار، تنظر إليّ بوجوم ذهول، وقد فهمت أخيرًا أن الطيب ليس غبيًا، وأن الصمت لم يكن ضعفًا، بل كان مجرد استراحة قصيرة قبل أن يُلقن الاستغلاليون درسًا يظل يتردد صداه مع كل دقة موتور وكل رائحة خبيز.
حكايات اسما السيد 2
خرج الأستاذ عبد الله زوج جارتي من بوابة الحديقة ليلاً ليُوصل آخر المعازيم، بينما بقيت هي واقفة عند السور الخشبي تنظر إليّ بعينين تتأقدان جمرًا. كانت قطعة الكيك التي أطغيت بها على مجلس زوجها وأمام أسرته كأنها صفعة مغلفة بالسكر. لم تنطق بكلمة واحدة ليلتها، لكن السكون الذي يخيم على بيتها كان يشي ببركان يُطبخ على نار هادئة.
صباح السبت، وبعد انتهاء حفل الخطوبة وانتشال آثار الصواني المؤجرة، كان من المفترض أن يهدأ الحي. لكنني كنت أعلم أن أم أمير ليست من النوع الذي يعترف بالخسارة بسهولة. الشخصية التي عاشت سنوات تتغذى على استغلال الآخرين وتعتبر ذلك شطارة، ترى في كشف حقيقتها عدوانًا يجب الانتقام منه، لا خطأ يجب إصلاحه.
في الساعة العاشرة صباحًا، سمعت جرس الباب يرن بدقات متلاحقة، حادة ومستفزة. فتحتُ الباب لأجدها تقف بكامل هيئتها، لكن وجهها كان يحمل تعبيرًا مختلفًا؛ لم يعد تعبير التبجح البارد، بل كان قناعًا من الهجوم الصريح.
قالت بصوت عالٍ تعمدت أن يسمعه الشارع كله:
— “مبروك يا ست هانم.. مبسوطة بالفيلم اللي عملتيه قدام جوزي؟ مبسوطة بـ3600 جنيه اللي أخدتيهم بالنصب والافتراء؟”
وقفتُ على أعتاب بابي، مكتوفة الذراعين، ونظرت إليها بهدوء تام دون أن تتغير نبرة صدمتي أو أرفع صوتي:
— “صباح الخير يا أم أمير. لو جاية تتكلمي في الأصول، فالكلام ده اتفل بيه جوزك واعتذر عنه بالنيابة عنك. ولو جاية تفضحي نفسك زيادة قدام الجيران، فالشارع كله يستاهل يسمع.”
اقتربت خطوة نحو السلم الداخلي، وقالت وهي تؤشر بإصبعها في وجهي:
— “أنا ما فضحتش نفسي! إنتِ اللي استغليتي إن جوزي راجل طيب وما بيحبش المشاكل وضحكتي عليه بتقرير مزور من الراجل الراجل العجوز اللي في آخر الشارع! الفلوس دي مش حقك، والعجان بتاعك ده كان خردة وأصلاً مكسور قبل ما يدخل بيتي.. وإنتِ لبستيني تصليحه!”
في تلك اللحظة، خرجت ابنتي من غرفة المعيشة، ووقفت بجانبي. لم ترغب في التدخل، لكن ملامحها كانت تعكس غضبًا عارمًا من طريقة الحديث.
قلت لها بصوت ثابت كالجبل:
— “العم يعقوب راجل فاضل وتقريره رسمي ومعتمد. والجهاز اشتغل 36 سنة في بيت أمي وبيتي من غير عطل واحد، وماتوقفش غير لما كريمتك اتحشرت في الموتور عندك. الفلوس دي حق التلفيات اللي سببتيها، والأستاذ عبد الله دفعها لأنه راجل يفرق بين الحق والباطل.”
ضحكت بسخرية ملأت الشارع:
— “عبد الله؟ عبد الله دفع عشان يشتري دماغه ويقفل الفضيحة اللي عملتيهالنا ليلة خطوبة بنتك! بس وحياة ولادي ما هعديهالك.. والشارع ده مش هيشيلنا إحنا الاتنين بعد النهاردة.”
استدارت وهي تمشي بخطوات هادرة عبر الحديقة، وتصيح بصوت يسمعه البقال وسائق الفول على أول الشارع:
— “يا ناس يا اللي هنا! شوفوا الجارة اللي بتسلف الحاجة وتستنى لما تعطل عندها عشان ترفع عليها الفاتورة! شوفوا اللي بتستغل طيبة الناس وتاخد فلوسهم بالنصب!”
أغلقتُ الباب برفق شديد. لم أرد عليها بكلمة واحدة في الشارع. كشفت لي هذه النوبة الهستيرية أنها لم تتعلم الدرس الأول، بل اعتبرته مجرد جولة خسرتها بالضربة القاضية وتخطط للجولة الثانية.
في مساوات اليوم ذاته، بدأت الحرب الباردة.
بدأت أم أمير تُسرب جارات الشارع واحدة تلو الأخرى إلى بيتها تحت دعوى “القهوة والمباركة بالخطوبة”. وفي كل جلسة، كانت تروي روايتها المحورة: كيف أنها استعارت عجاناً قديمًا متهالكًا لتساعدني في تجريبه، وكيف أنه عطل في يدها فجأة، وكيف أنني انتهزت الفرصة وأحضرت تقريراً مزيفاً وهددتها بإنشاء فضيحة أمام ضيوف الخطوبة لتأخذ منها مبالغ مالية طائلة تحت مسمى إصلاح أدوات متهالكة هي من سلمتني إياها بنفسها.
مساء الأحد، أتت جارتنا الحنونة، الحاجة صفية، التي تسكن في البيت المقابل. دخلت وهي مترددة، وجلست على الأريكة، ونظرت إليّ بأسف وقالت:
— “يا أم فلان.. أنا عارفة أصلك وعارفة بيت المرحومة أمك.. بس أم أمير عازمة كل ستات الشارع وبتقول كلام مش حلو في حقك. بتقول إنك بلطجتِ على جوزها وأخدتي منه فلوس من غير وجه حق، وإنك بتأجري حاجتك للجيران وتطالبي بتعويضات خيالية لو الحاجة قِدمت.”
ابتسمتُ للحاجة صفية وقمت لإحضار الشاي. وضعت الكوب أمامها وقلت:
— “يا حاجّة صفية، إنتِ أقدم واحدة في الشارع دي، وعارفة العجان الكريمي بتاع أمي من سنة 89.. شفتيه مرة وحدة عطلان؟ شفتيني مرة طلبت من حد قرش؟”
تنهدت الحاجة صفية وقالت:
— “والله يا بنتي أنا عارفة.. بس المفتري بياكل حق الضعيف بالصوت العالي، وهي صوتها جايب آخر الشارع، والستات بدأت تصدق إنك استغليتي موضوع الخطوبة عشان تزنقيها.”
هنا أدركت أن الدرس الأول كان ينقصه جزء أساسي. لقد واجهتها بالحقائق الفردية بيني وبين زوجها، لكنها قررت أن تنقل المعركة إلى ساحة “الرأي العام” في الشارع وتشويه السمعة. والرد على التشويه لا يكون بالتكذيب الشفهي، بل بوضع الأدلة الدامغة في عين كل من استمع إلى روايتها.
صباح الاثنين، استجمعت كل ما أملك من رباطة جأش. ذهبت إلى ورشة العم يعقوب مجدداً.
طلبته أن يعطيني الفاتورة القديمة المكتوبة، إضافة إلى تصوير أجزاء الموتور التالفة التي استبدلها؛ الترس المكسور ذو اللون الأسود المحترق والسلك المنصهر من شدة الضغط. كما أخرجت من هاتفي جميع الصور التي التقطتها للأجهزة السابقة لحظة استلامها منها: خرطوم ماكينة الضغط المقطوع ومثبت بلاصق شفاف رديء، غطاء جهاز البخار المفقود، والصينية الإيطالية المخدوشة بحديد حاد.
قمت بطباعة كل تلك الصور على ورق مقوى واضح، ورفقت بها صورتين واضحين للعجان وهو ملطخ بالكريمة الصفراء الجافة عند باب بيتي قبل أن أدخله، مع التاريخ والوقت الظاهرين على الشاشة.
لم أوزع الورق، ولم أذهب لأشكي لأحد. بل قمت بعمل بسيط جداً.
في العصر، عندما كانت النساء يجتمعن عادة على مصطبة الحديقة الأمامية للشارع لتبادل الحديث، خرجتُ وبيدي ملف أبيض نظيف. مشيت باتجاه الحاجة صفية وسعاد جارتنا الثالثة وهما تجلسان تتحدثان.
قلت بصوت دافئ ومسموع:
— “مساء الخير يا جماعة. أنا عرفت إن أم أمير متأثرة شوية من الموقف اللي حصل بيننا، وبتقول إن الحاجة كانت قديمة وأنا افتربت عليها. عشان بس الأصول وعشان روح أمي الله يرحمها ما تترددش على ألسنة الناس بكلام مش حقيقي.. الملف ده فيه صور الأجهزة أول ما استلمتها منها، وفيه التقرير الفني الموثق بقطع الغيار المحروقة بسبب سوء الاستخدام، وصورة العجان وهو مرمي في الطين قدام الباب بالكريمة الناشفة.”
وضعتُ الملف على المنضدة الخشبية المتوسطة بينهن.
— “الملف ده ملك للشارع، أي حد يحب يشوف الحقيقة قبل ما يسمع الحواديت، يتفضل يبص فيه. وأنا مش زعلانة من حد.. بس كرامتي وذكرى أمي خط أحمر.”
تركتهن ومضيت.
لم تمضِ ساعة واحدة حتى كانت الصور تتنقل بين أيدي جارات الشارع. الصورة لا تكذب. منظر الكريمة الجافة المشققة على الموتور، والترس المكسور بفعل الضغط المفاجئ، وخرطوم الغسالة المقطوع.. كل هذا دمر رواية “الضحية” التي كانت أم أمير تغزلها طوال يومين.
تحول الموقف فورًا. النساء اللاتي كن يستمعن لها بفضول وشفق، بدأوا يستذكرون مواقفها الخاصة معهن: كيف كانت تستعير السكر والزيت ولا ترده، وكيف تستلف الملابس والمعدات وترجعها تالفة. الفضيحة التي حاولت أن تلفها حول عنقي، ارتدت إلى عنقها بقوة أكبر.
مساء الثلاثاء، حدث ما لم تكن تتوقعه أم أمير.
جاء الأستاذ عبد الله زوجها إلى بيتنا مرة أخرى. لكنه هذه المرة لم يكن غاضبًا، بل كان يحمل خجلاً أعمق. خبط على الباب، وعندما فتحتُ له، وقف على بعد خطوتين وقال بنبرة مكسورة:
— “يا أم فلان.. أنا شفت الملف والصور اللي الجيران بتتكلم عنها في الشارع.. أنا جيت أعتذر لك تاني، وجيت أقولك إن اللي حصل النهاردة من كلام وادعاءات من زوجتي مش هيتكرر. أنا أخذت منها كل مفاتيح المخزن، وحرمت عليها تدق باب أي جار في الشارع ده تستلف دبوس.”
نظر إلى الأرض وأكمل:
— “زوجتي كانت فاكرة إن الجيرة معلش وسكوت.. بس إنتِ أدتيها وأديتني درس في إدارة البيوت والحفاظ على كرامة النظافة. المبلغ اللي أخدتيه كان حقك، وأنا بنفسي اللي أصلحت غلطتها قدام الشارع كله.”
قلت له باحترام:
— “أستاذ عبد الله، إنت راجل فاضل، وأنا ما بيني وبين بيتك غير كل خير.. المشكلة كانت في الاستهانة بأشياء الناس ومشاعرهن. العجان ده روح أمي، والحمد لله إنه رجع يشتغل.”
في تلك الليلة، سمع الشارع كله صوت الشجار العنيف الذي اندلع داخل منزل أم أمير. لم يكن شجاراً عادياً، بل كان صوت إعادة ضبط المصنع لامرأة ظنت أن العالم ملك لها وأن الناس سخرة لقضاء مآربها.
صباح الأربعاء، خرجتُ لأسقي زهور الحديقة الصغيرة. رأيت أم أمير تخرج من باب بيتها لتجمع القمامة. عندما تلاقت أعيننا، لم تعد هناك تلك النظرة المتعالية ولا نبرة التبجح. انحنت عيناها إلى الأرض فوراً، واستدارت وعادت إلى الداخل بسرعة وكأنها تهرب من خيالها.
لم أعد مجرد الجارة الطيبة التي تقول “حاضر”، بل أصبحت المرأة التي حمت ذكرى أمها ورسخت حداً صارماً لا يجرؤ أحد على تخطيه. والجهاز الكريمي القديم كان يدور في المطبخ بصوته الهادئ المستقر، يخبز روزنامة جديدة من أيام لا مكان فيها للاستغلال.
مرّت عدّة أيام على حادثة الملف والأدوات، وظننتُ أن المياه عادت إلى مجاريها وأن جارتي قد استوعبت حجم الخطأ وانكشاف أمرها أمام الشارع وزوجها. كان الهدوء يسود الحديقة الفاصلة بين بيتينا، وصوت العجان الكريمي يستقر في مطبخي كرمزٍ لانتصار كرامتي وذكرى أمي. لكن النفوس الاستغلالية التي تُحرم من مكاسبها الشيطانية لا تطوي الصفحة بسلام، بل تبحث عن منافذ جديدة للانتقام، منافذ أكثر لؤمًا وتدبيرًا.
في صباح الاثنين التالي، استيقظتُ على صوت شاحنة كبيرة تقف أمام منزل أم أمير. خرجتُ إلى الشرفة لأرى ما يحدث، فوجدت عمالاً ينزلون طاولات وكراسي ومعدات ضخمة، وأخرى تتعلق بتجهيز الحفلات والمناسبات. كانت أم أمير تقف في وسط الحديقة تُملي عليهم الأوامر بصوت مرتفع متصنع، مشيرة بيديها نحو السور الخشبي الفاصل بين بيتينا بابتسامة صفراء لا تخطئها العين.
لم أهتم للأمر في بدايته، وقررتُ ممارسة يومي كالمعتاد. لكن عند الظهيرة، نزلتُ إلى الحديقة الأمامية لأسقي الزهور، ففوجئتُ بأمرٍ لم أكن أتوقعه. لقد قامت أم أمير بوضع مكبرات صوت ضخمة وهياكل معدنية مستندة تمامًا على السور الخشبي المشترك بين بيتينا، بل إن السلك الكهربائي الرئيسي لشاحنات التجهيز كان يمر عبر أطراف حديقتي من دون أخذ إذني، مما يعوق الحركة تمامًا ويمثل خطورة على ابنتي.
عندما اقتربتُ من السور لأتبين الأمر، أطلت هي من فوق السور ويدها على خصريها، وقالت بنبرة قطعت كل شك في نيتها:
— “أهلاً يا ست هانم.. معلش بقى، إحنا بنجهز لحفلة ثانية صغنونة بمناسبة العريس، والحاجة دي هتقعد هنا كام يوم. طبعًا الأرض دي ملك ربنا والمكان يسع الجميع، ولا إنتِ كمان هتعملي لي فيها ملف وصور؟”
نظرتُ إلى السلك الممتد فوق شجيراتي وإلى الهيكل المعدني الذي كاد يكسر السور الخشبي، وقلت بهدوء شديد حذر:
— “السور ده مناصفة بين البيتين يا أم أمير، ووضع السقالات المعدنية عليه بالشكل ده بيضر بالسور. والسلك الكهربائي المترامي في حديقتي خطير وغير مسموح بيه. تقدروا تحطوا معداتكم في حديقتكم من غير ما تعدوا على بيتي.”
ضحكت بصوت عالٍ ملأ الشارع:
— “والله؟ مش هي دي الحديقة اللي كنتِ بتطلعي منها تصوري أدواتي وتقولي اتكسرت؟ أرض ربي واسعة، والسلك مش يضرك في حاجة.. وإذا مش عاجبك، الشارع عريض روح اشتكي!”
كانت تحاول جاهدة أن تستدرجني إلى مواجهة زاعقة وشجار شوارع تفقدني فيه هدوئي ووقاري أمام الجيران الذين بدأوا يطلون من نوافذهم. كانت تراهن على أنني سأغضب وأتصرف بتهور، لكنها نسيت أن من أدير بيته بعقل وثبات لا يُستدرج بالحيل الرخيصة.
دخلتُ إلى بيتي فورًا دون أن أرد عليها بكلمة واحدة. لم أمنحها متعة الانفعال.
جلستُ على طاولة المطبخ وسكبتُ لنفسي كوبًا من الشاي. كان عليّ أن أتعامل مع هذه الحركة الجديدة بقواعد القانون والأصول التي تتجاهلها. أول ما قمتُ به هو التقاط صور وفيديوهات دقيقة للسلك الكهربائي الخطير الممتد داخل حديدي الخاص، وللهياكل الثقيلة التي تحمّل وزنها بالكامل على السور الخشبي الآيل للسقوط.
تواصلتُ فورًا مع المهندس المسؤول عن الحي، ورفعت بلاغًا رسميًا مرفقًا بالصور يوضح وجود “إشغالات غير قانونية وتمديدات كهربائية عشوائية تشكل خطورة على الأمل والممتلكات الخاصة”. وفي الوقت ذاته، طلبت نجارًا متمرسًا يفحص السور ويحدد مدى الضرر الناجم عن التحميل الزائد.
في العصر، وصل النجار وشاهد الهياكل المعدنية. قال لي بحضور الحاجة صفية التي جاءت لتستطلع الأمر:
— “يا أم فلان، الخشب ده قديم ومسوس من الناحية التانية، والحديد ده لو فضلت عليه ليلة واحدة السور كله هيقع على حديقتك ويهدم السور الجانبي.”
كتب لي النجار تقريرًا فورياً وتكلفة إعادة بناء السور إذا انهار، وقام بالتوقيع عليه رفقة الحاجة صفية كشاهدة عيان.
لم تنتظر أم أمير كثيراً لترى نتيجة فعلتها. ففي تمام الساعة السادسة مساءً، وقبل أن تبدأ حفلتها الصغيرة بساعة واحدة، أقبلت سيارة طوارئ الحي برفقة شرطي المرافقة للتحقق من بلاغ التمديدات الخطرة والإشغالات.
نزل المفتش ورأى الأسلاك العارية الممتدة في حديقتي والهياكل المستندة بجهل على السور. تحولت الحديقة التي كانت تتهيأ للغناء إلى ساحة ارتباك عارم. خرجت أم أمير ترجف وتتأتأ محاولة التبرير:
— “يا بيه دي جارتنا وحاجات بسيطة.. السلك بس معدي عشان الإضاءة!”
رد عليها المفتش بصرامة شديدة:
— “تعدي على ملكية غيرك بسلك كهرباء ضغط عالي بدون معايير أمان؟ ده غير التحميل على سور جارك اللي مهدد بالسقوط! افرزي المعدات دي فورًا وقصي السلك ده، وإلا التجهيزات كلها هتروح الحجز مع غرامة تعدي!”
كان الأستاذ عبد الله قد وصل للتو من عمله ليجد سيارة الحي ورجال المرافقة يقفون في منتصف شارعه. عندما علم بالتفاصيل ورأى التقرير المصور والتعدي الصريح على حديقتي وعلى السور، بلغت به الحيرة والغيظ مبلغهما.
وقف أمام المفتش واعتذر بحرارة، وقام بنفسه بإزالة الأسلاك والتنبيه على العمال بنقل الهياكل فورًا إلى جهة بيته، وسط خزي تام وزوجته تقف متصلبة لا تستطيع النطق بحرف واحد أمام رجال الحي والشارع بأكمله.
لكن القصة لم تقف عند هذا الحد.
بعد أن رحلت سيارة الحي وتم تعديل وضع المعدات داخل حدود بيتها بضيق شديد، اتجه الأستاذ عبد الله نحو باب بيتي. خبط بثقل الواثق من الخطأ، وعندما فتحتُ له، كان النجار يقف بجانبي ومعه تقرير التلفيات المتوقعة للسور.
قال الأستاذ عبد الله بأسى شديد:
— “حقك عليّ للمرة الألف يا أم فلان.. أنا ما كنتش أعرف إنها كررت التعدي وعملت الحركة دي من ورايا. السور ده أنا متكفل بإن الشاطر يغيره بالكامل على حسابي بكرة الصبح، والأسلاك مش هتعتب حديقتك تاني.”
قلت له بنبرة حازمة ولكن راقية:
— “يا أستاذ عبد الله، أنا صبرت كتير وسكتّ عشان الجيرة، بس التعدي على البيوت وتعريض سلامة بيتي وبنتي للخطر خط أحمر مش هسمح بيه أبداً. السور لازم يتصلح فورًا، والتصرفات دي لازم تقف، لأن المرة الجاية القضية مش هتكون تقرير صيانة.. هتكون بلاغ رسمي بالتعدي.”
انحنى رأسه خجلاً وأكد لي أن السور سيتم تجديده بالكامل بالبناء الخرساني الفاصل بناءً على رغبتي وعلى نفقته الخاصة.
وفي ليلة الحفلة، اقتصرت التجهيزات على مساحة صغيرة ضيقة داخل حديقتها، بعد أن أزيلت كل مظاهر الفخامة الممتدة التي كانت تبنيها على حساب صحتي وحديقتي. وقضت هي الليلة تنقل الأطباق والصواني بنفسها وسط حر شديد ومساحة مخنوقة، بينما كنتُ أجلس في حديقتي النظيفة الهادئة، أستمع إلى صرير محرك العجان الكريمي وهو يخفق كعكة جديدة، يستعد لصباحٍ يثبت فيه الشارع كله أن الحق إذا وجد من يحميه بقوة وعقل.. لا يضيع أبداً.
حكايات اسما السيد 2
مرت أيام قليلة على انتهاء أزمة البناء، وظن الجميع في الشارع أن جارتي قد استسلمت تمامًا للأمر الواقع، خاصة بعد أن أصبح الجدار الخرساني الفاصل عازلاً صلبًا يقطع عليها كل حيلها القديمة. لكن المرأة التي اعتادت أن تصنع من الاستغلال والتبجح منهج حياة، لا تتقبل الهزيمة بسهولة. لقد أدركت أن المواجهات المباشرة معي أو محاولات التعدي المادي باتت تدفع ثمنها فورًا من حساب زوجها وسمعتها، فقررت أن تلجأ إلى أسلوب أكثر خبثًا وتدبيرًا: حرب الشائعات الموجهة والأذى الخفي من تحت العباءة.
بدأت القصة صباح يوم الخميس، عندما وصلت سيارة بضائع كبيرة تجارية إلى الحي. ترجل منها رجلان يحملان صناديق خشبية ومعدات منزلية حديثة، وتوجها مستفسرين عن منزلي. خرجتُ إلى الباب لأرى ما الأمر، فوجدت أحد العمال يحمل إيصال استلام وفاتورة لمستلزمات مطبخ كهربائية حديثة بأسعار خيالية، مدعيًا أنني من قمت بطلبها عبر الهاتف مع طلب “الدفع عند الاستلام”.
نظر إليّ العامل وقال:
— “حضرتك المدام صاحبة البيت؟ الفاتورة باسمك ومطلوب دفع ثمانية آلاف جنيه قيمة الأجهزة المطلوبة هاتفياً.”
وقفتُ مشدوهة لثوانٍ. أنا لم أطلب شيئًا، وليست من عادتي الشراء بهذه الطريقة. وقبل أن أنطق بكلمة، أطلت أم أمير من شرفة منزلها وهي ترتدي قناع الشفقة المصنوع، وقالت بصوت مسموع للجيران الذين جمعهم الفضول في الشارع:
— “خير يا أم فلان؟ إيه الحاجات الجديدة دي؟ مش كنتِ بتقولي العجان القديم بتاع المرحومة يكفي وما لكيش في الحاجات الحديثة؟ ولا الفلوس اللي أخدتيها مننا شجعتك تشتري وتجددي البيت؟”
في تلك اللحظة، اتضحت اللعبة كاملة في عقلي. لقد قامت بطلب هذه البضائع باسمي ورقم هاتفي الأرضي الذي تحصلت عليه سابقًا، مستغلة معرفتها ببعض بياناتي، كي تضعني في موقف محرج أمام العمال والجيران: إما أن أدفع مبلغًا كبيراً لم أستعد له وأشتري بضائع لا أريدها، أو أرفض فيُقال في الشارع إنني امرأة مفلسة أخذت أموال زوجها بالباطل ودعيت التعالي، فضلاً عن استخفافها المبطن بذكرى أمي وعجانها.
نظرتُ إلى العامل بهدوء، ثم رفعت عيني نحو شرفتها وقلت بثبات:
— “يا بني، أنا ما طلبتش البضاعة دي. والشركة بتاعتكم أكيد عندها سجل بالمكالمة اللي اتعملت وزمنها والرقم اللي اتصل منه الزبون.”
تغيرت ملامح العامل، وقال:
— “فعلاً يا أفندم، المكالمة مسجلة في السيستم بتاع الشركة للـتأكيد.”
قلت له بصوت واثق يسمعه الشارع كله:
— “ممتاز. افتح السبيكر ورن على الرقم اللي طلبتكم منه دلوقتي، عشان نعرف مين اللي بيستخدم اسمي وبيطلب أجهزة باسم الجيران.”
ترددت أم أمير في الشرفة ودخلت خطوة إلى الداخل. طلب العامل الرقم المسجل في استمارة الطلب.. وفي نفس اللحظة، رن هاتف أم أمير المحمول الذي كانت تحمله في يدها وتطل به من الشرفة! صدمة الرنين المتواصل جعلتها تتصلب في مكانها، بينما نظر إليها جميع الواقفين في الشارع بذهول.
أقفل العامل الخط، فأنقطع الرنين فورًا في يدها.
ابتسمتُ ببرود وقلت للعامل:
— “أعتقد كده الرؤية وضحت. تقدر تعمل بلاغ بشركتك عن حوادث النصب وانتحال الشخصية، وتسجل الرقم ده في التقرير الرسمي.”
انزلقت أم أمير من الشرفة كالظل، وأغلقت الزجاج خلفها بسرعة، بينما علت زمجرة الغضب والتندر بين نساء الشارع اللاتي شاهدن هذه الحادثة الخسيسة التي تجاوزت مجرد فضول الجيران إلى الجريمة الصريحة والتزوير.
لكن انتقامي الحقيقي من هذه الفعلة لم يكن بمجرد كشفها أمام العمال.
في عصر اليوم نفسه، لم أكتفِ بذلك. ذهبتُ إلى مركز الشرطة التابع لحيّنا، وأبلغتُ رسمياً عن محاولة انتحال شخصية وإزعاج ونصب باستخدام هاتفي وبياناتي، وأرفقتُ التقرير الصادر من شركة البضائع برقم الهاتف المتصل وعنوان الصدور. لم أرد أن أتسرع، بل أردت أن أضع القانون فوق رأسها ليكون سيفًا مسلولاً لا تستطيع الفكاك منه.
مساء الجمعة، وبينما كان زوجها الأستاذ عبد الله يقف مع جيرانه أمام البيت بعد صلاة العشاء، وصلت سيارة الشرطة ليتم استدعاء صاحب الرقم المسجل في البلاغ للتحقيق.
اتسعت عينا الزوج بذهول ورعب وهو يرى استدعاء رسمياً باسم زوجته بتهمة النصب وانتحال الشخصية وإزعاج السلطات. حاول الاستفسار، فأخبره الضابط بالواقعة كاملة وبأن المكالمة المسجلة تبتعد تماماً عن حسن النية وتدخل في باب الأذى العمدي وتزوير المعاملات التجارية.
جاء الأستاذ عبد الله يجر قدميه جراً نحو بابي، والدم يغلي في عروقه من الشديد والخزي الذي تسببت فيه زوجته للمرة التي لا تُحصى.
فتحتُ الباب، فوجدته يقف وعيناه مليئتان بالانكسار والرجاء:
— ” يا أم فلان.. أنا مكسوف منك ومن الشارع ومن نفسي. اللي عملته النهاردة جليلة أدب وجريمة، وأنا مش هدافع عنها ولا هطلب منك تعديها.. بس أرجوكِ، عشان خاطر ولادنا وعشاني أنا، بلاش الموضوع يوصل للمحاكم والنيابة.”
نظرتُ إليه بجدية وقار، وقلت:
— “يا أستاذ عبد الله، زوجتك اتعدت كل الخطوط الحمراء. المرة الأولى بوظت عجان أمي وتركت هدم البيت، والمرة الثانية كسرت السور والتعدي بالكهرباء، والنهاردة بتطلب بضائع باسمي وبتحاول تعملي مشكلة مالية وقانونية قدام الجيران والشركات. سكوتي عنها كان هيخليها تفتكر إن بيت أمي مستباح، لكن لحد هنا والشرع والقانون بيقولوا كفاية.”
سقطت دمعة خفيضة من عين الرجل المحترم، وقال:
— “أنا أوعدك.. ومستعد أكتب لك تعهد رسمي في المجلس العرفي بحضور كبار الشارع، إنها مش هتخرج من باب البيت ده ولا تتدخل في حياتك، وإني هقطع خط الهاتف وهغير نظام حياتها بالكامل.. بس بلاش قضايا تفضح ولادي في مدارسهم.”
رأيت في عينيه صدق الرجل المظلوم بزوجة لا تقدر قيمة النعمة، فقلت له بنبرة صارمة:
— “أنا هتنازل عن البلاغ بشرط واحد: تنازل رسمي وتعهد مكتوب وموقع منك ومنها أمام الحاجة صفية وكبار الشارع بعدم التعرض لي أو لبيتي أو لاسم أمي بأي شكل مباشر أو غير مباشر، وأن أي حركة جديدة منها هتحرك التنازل ده فوراً للمحكمة.”
وافق الزوج بدون تردد، وفي ليلة السبت، عقد مجلس مصغر في بيتي بحضور كبار الحي، وتم توقيع التعهد، بينما كانت هي تجلس في الزاوية منكسة الرأس، سحبت منها كل أدوات البلطجة والادعاء، وأصبحت مجبرة على الالتزام بحدودها كالغريبة داخل حيّها.
وفي صباح الأحد، عدتُ إلى مطبخي. فتحت النافذة المطلة على الجدار الخرساني النظيف الجديد. أدرتُ زر التشغيل في العجان الكريمي، فدار الموتور بنعومة وإتقان، ممتلئًا بنغمات الخبز العتيقة. صنعتُ فطيرة التفاح التي كانت أمي تحبها، ووزعت منها على الحاجة صفية وكبار الشارع الذين شهدوا على صون كرامة بيتي، بينما بقيت جارتي تعيش خلف أسوار بيتها، تدرك أن الحق المدافع عنه لا يُقهر، وأن طيبة قلوبنا ليست إلا غلافًا لصلابة لا تُكسر.
مر أسبوعان كاملاً على توقيع التعهد الرسمي في المجلس العرفي. تحول الحي إلى مكان تسوده سكينة لم نعهدها منذ سنوات، وأصبح الجدار الخرساني الجديد يقف كحد فاصل ليس فقط بين الأرضين، بل بين عهدين؛ عهد الاستباحة وعهد الهيبة. أصبحت أم أمير لا تخرج إلى الشارع إلا نادراً، وإذا تصادف ومرت من أمام بيتي، كانت تحث خطى المشي وتنظر إلى الأرض بوجوم كأنها غريبة تحاول تفادي النظرات.
لكن الماكر الذي يتعرض للهزيمة العلنية ويُجبر على توقيع التنازل تحت ضغط الخزي، لا يبرأ من حقده بسهولة. لقد أدركت أن التهديد القانوني والتعهد المكتوب يحرمانها من الأذى المباشر أو انتحال الشخصية أو محاولات التعدي المادي، فقررت أن تبحث عن ثغرة جديدة لا تطالها فيها أحكام التعهد ولا تحرك ضدها الشرطة؛ ثغرة ضرب العلاقات الاجتماعية وتسميم الأجواء بيني وبين المحيطين بي من مدخل خبيث لا يخطر على بال.
بدأت الخطوة الأولى مع بداية الموسم الدراسي والتحضير لمناسبة الجمعية الخيرية التي أدارها في الحي منذ سنوات برفقة الحاجة صفية وسيدات المنطقة. كنا نجمع التبرعات ونجهز الكسوة والأطعمة للعائلات المستورة مع كل موسم. كانت هذه الجمعية بمثابة النبض الحي للشارع، وكان لي فيها مكانة واضحة ومسؤولية حفظ الأمانات وإعداد الخبز والمخبوزات الطازجة بنفسي في مطبخي.
مساء الثلاثاء، أتت الحاجة صفية إلى بيتي، لكن ملامح وجهها لم تكن كالمعتاد. كانت تحمل حقيبة صغيرة وجلست على المقعد في المطبخ، وعيناها تدوران بحيرة وتردد قبل أن تنطق.
سألتها وأنا أقدم لها كوبًا من الأعشاب الدافئة:
— “خير يا حاجّة صفية؟ مالك مترددة وكأن في صدرك كلام تقيل؟”
تنهدت الحاجة صفية، وقالت بصوت خفيض:
— “والله يا أم فلان أنا مكسوفة منك.. بس الأمانة فرض. أم أمير راحت لإدارة الجمعية المركزية في الحي التاني، واجتمعت مع المسؤولة الكبيرة هناك، وقدمت شكوى واستغاثة مكتوبة!”
عقدتُ حاجبَيّ وقلت بثبات:
— “شكوى في إيه؟ التعهد اللي بيننا يمنعها تبص لبيتي، مش تروح تدور في أعمال الخير!”
ردت الحاجة صفية بأسف:
— “الشكوى مش عنك لشخصك في الشارع، الشكوى بتقول إن الأطعمة والمخبوزات اللي بتتعمل في بيتك للفقراء بتتعمل بأدوات قديمة جداً ومتهالكة وممكن تسبب تسمم أو نقل أمراض! وذكرت بالاسم العجان القديم بتاعك، وقالت إن الموتور بتاعه اتصلح بمواد كيميائية وقطع غيار غير صحية، وإنك بتفتخري باستخدامه وهو جهاز من القرن الماضي لا يصلح للاستخدام الآدمي وتسبّب قبل كده في إفساد أكل في بيتها!”
اتسعت عين بذهول من هذا الالتفاف الشيطاني. لم تتعدَ على بيتي، ولم تشتكني للشرطة، بل ضربت في أقدس ما أملك؛ أمانة عمل الخير وسمعة نضافتي وإطعام المساكين، واستخدمت نفس الذريعة: العجان الكريمي القديم!
أكملت الحاجة صفية وهي تمسك يدي:
— “المسؤولة هناك ست شديدة جداً وما بتعرفش الجيرة، وقالت إن الجمعية لازم تعمل معاينة مفاجئة لمطبخك وللأدوات اللي بتخبزي فيها قبل ما تسمح بدخول أي دفعة مخبوزات جديدة للفقراء الجمعة الجاية، وإلا هيستبعدوكِ نهائياً من النشاط!”
وقفتُ في منتصف المطبخ، ونظرتُ إلى العجان الكريمي القابع فوق الرخام كأنه شاهد على النقاء. لم أكن خائفة من المعاينة، فنظافة مطبخي وأدواتي تضاهي أكبر المستشفيات، لكن الغيظ كان من هذه القدرة العجيبة على غزل الأكاذيب وتوظيف الجهات الرسمية والأهلية للانتقام الشخصي.
قلت للحاجة صفية بنبرة حادة كالسيف:
— “معاينة؟ أهلاً وسهلاً بالمعاينة في أي وقت. بس المرادي مش بس هثبت نضافة مطبخي وحاجة أمي.. المرادي هخلي الشكوى دي تبطل آخر حيلة عندها وتتحول لشهادة جودة رسمية تخرسها طول العمر.”
صباح الخميس، كانت الساعة العاشرة تماماً عندما وصلت اللجنة المعنية من الجمعية المركزية. كانت تتكون من الدكتورة نادية، وهي طبيبة بيطرية ومفتشة سلامة غذائية معروفة بصرامتها، ومعها عضوتان من المجلس.
وعلى الجانب الآخر من السور الخشبي/الخرساني، كانت أم أمير تقف في حديقتها تحت دعوى تنظيم زهورها، لكن أذنيها كانتا ممدودتين كالرادار لترقب لحظة طردي أو سحب الترخيص الاجتماعي مني.
استقبلتُ اللجنة بابتسامة هادئة ووقار تام. دخلن إلى المطبخ، وكان المكان يفوح برائحة النعناع والليمون والمطهرات المعتمدة. كل شيء في مكانه، الأواني الاستيل تتلألأ، والعجان الكريمي يلمع كأنه قطعة تحفية خرجت للتو من المعرض.
بدأت الدكتورة نادية بفحص الأواني والمجففات، ثم اتجهت فوراً نحو العجان الكريمي. أخرجت مكبراً وزوجاً من القفازات البيضاء الشفافة، وبدأت تفحص الفواصل والموتور وحالة التروس والشفرات، وتبحث عن أي أثر للصدأ أو الرواسب أو المواد الكيميائية كما جاء في البلاغ الكاذب.
كنت أقف بثبات، ومعي التقرير الفني المعتمد من العم يعقوب والذي يثبت أن جميع قطع الغيار المستبدلة هي قطع أصلية ومطابقة للمواصفات القياسية ومرخصة كهروميكانيكياً، ومعه شهادة فحص سلامة الموتور.
رفعت الدكتورة نادية رأسها، ونزعت القفاز الأبيض الذي لم يتلطخ بذرة غبار واحدة. وقالت بنبرة ملأتها الدهشة والاحترام:
— “يا مدام.. أنا لفيت على مطابخ ومخابز كتير في الحي، بس عمري ما شفت جهاز بالقدم ده محتفظ بصلابته ونضافته وتعقيمه بالشكل ده! الجهاز ده مش بس آمن، ده أنضف وأرقى من أجهزة حديثة كتير بتملا السوق وتصدي بعد شهرين!”
ثم التفتت إلى العضوتين وقالت بصوت مسموع وصل إلى مسامع الواقفة خلف الجدار:
— “البلاغ اللي جيلنا ده مش مجرد بلاغ كاذب.. ده كيد صريح ومحاولة لتشويه واحدة من أنضف وأخلص متطوعات الجمعية!”
لم أكتفِ بشهادة المفتشة الشفهية. بل طلبتُ منها رسمياً:
— “دكتورة نادية، بصفتك المفتشة الرسمية، أنا بطلب منك تقرير معاينة رسمي ومختوم بسلامة المطهر والأدوات والعجان، وإعطاء شهادة جودة صحية معتمدة لمطبخي تُرفق في ملف الجمعية.”
وافقت الدكتورة نادية فوراً، وكتبت التقرير على أوراق الجمعية الرسمية ووضعت ختم الجودة والاعتماد، مع توصية خاصة بتسلمي قيادة خط إنتاج مخبوزات الموسم بالكامل.
في عصر الجمعة، وأثناء التجهيز الكلي لفعالية توزيع الكسوة والمخبوزات في الفناء الكائن بأول الشارع، كانت سيدات الحي يجتمعن. وقفت الدكتورة نادية أمام الجميع، وأمسكت بالميكروفون الصغير وقالت:
— “أنا أحب أشكر المدام أم فلان، ونعلن إن مطبخها وأدواتها، وعلى رأسها عجانها الأثري الجميل، أخدوا شهادة السلامة والجودة العالية من الجمعية، ورفضنا رسمياً الشكوى الكيدية اللي أتقدمت ضدها، وهيتم اتخاذ إجراء حظر ضد أي شخص يقدم بلاغات كاذبة للجمعية مستقبلاً!”
تفرقت النظرات في المكان لتستقر على أم أمير التي كانت تقف في أواخر الشارع. تصبب وجهها خجلاً وألماً بعد أن انقلب سحرها عليها مجدداً، وتحول العجان الذي حاولت وصمه بالقذارة والخراب إلى رمزٍ ممرض للجودة والنظافة المعتمدة رسمياً في الحي كله.
في مساء ذلك اليوم، جلستُ في مطبخي الهادئ. أخرجتُ قطعة قماش بيضاء ومسحتُ بها جسم العجان الكريمي. أدرتُ المفتاح، فصدر منه صوت ناعم منتظم، كأنه يبتسم لي ولذكرى أمي، وكأن كل محاولة لإسقاطنا لا تزيدنا إلا بريقاً وثباتاً أمام كل عين حاقدة.
حكايات اسما السيد 4
مرت الأسابيع التي أعقبت صفعة “شهادة الجودة الصحية”، وتحولت أم أمير في الشارع إلى مجرد خيال يهرب من ظله. فقدت كل حيلها؛ المباشرة بالقوة أوقفتها الشرطة والتعهد، والمواجهة الاجتماعية أفشلها ملف الصور والدلائل، وحتى المحاولة الخبيثة عبر الجمعية انقلبت لشهادة تكريم رسمية لمطبخي. كانت تشعر بعزلة قاتلة، وأصبح الشارع كله يتعامل معها بحدود ضيقة وحذر شديد.
لكن المريض بالحقد الذي يرى نجاح غيره وسكينة بيته عذاباً شخصياً له، لا يستسلم حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة في الخصومة. أدركت أن الشارع والجمعية والشرطة أصبحت أبواباً مغلقة في وجهها، فقاطعت الجميع وقررت أن تلعب آخر كروت حيلها، كرت “الطعن من داخل البيت” وبث السموم في أخص علاقاتي الإنسانية: ابنتي.
بدأت القصة في منتصف شهر سبتمبر. كانت ابنتي “سارة”، التي تدرس في سنتها الجامعية الأخيرة، تمر بفترة ضغط عصبي بسبب الامتحانات والتحضير لمشروع التخرج. وكانت عادتها أن تجلس في شرفة غرفتها المطلة على الحديقة في المساء للمذاكرة.
في أحد الأيام، لاحظتُ أن سارة عادت إلى البيت مجهزة بشرود واجم، وتتجنب النظر في عيني. لم تكن عادتها أن تخفي عني شيئاً، لكن ملامحها كانت تحمل مزيجاً غريباً من الشك والحيرة والتشتت.
مساء الثلاثاء، بينما كنتُ أعد الشاي في المطبخ، دخلت سارة ووقفت بجانب الرخامة، وترددت كثيراً قبل أن تقول بصوت خفيض:
— “ماما.. هو… هو بابا الله يرحمه وأنتِ، كان بينكم وبين أهل بابا مشاكل زمان بخصوص البيت ده والأدوات؟”
نظرتُ إليها بدهشة ووضعت الكوب من يدي:
— “مشاكل؟ مشاكل إيه يا سارة؟ بيت أبويكِ وأمك معروف أصله، وأنا وأبوكِ بنينا حياتنا بالطوب والشقاء، وأهله طول عمرهم فوق رأسنا بالاحترام.. مين اللي قالك الكلام ده؟”
فركت سارة يديها بتوتر وقالت:
— “طنط أم أمير… قابلتني وأنا طالعة من المترو امبارح. وقفتني وقالت لي إنها صعبان عليها حالي، وإنك ست قاسية ومتحكمة، وإن المشاكل اللي بتعمليها مع الجيران دي طبع فيكِ من زمان، وإنك حرمتي أهل بابا من ميراثهم واستوليتي على الأدوات والمطبخ وعجان تيتة اللي بتتباهي بيه، وإن العجان ده أصلاً مش بتاعك أنتِ.. ده كان حق عمي الكبير وأنتِ أخدتيه بالعافية بعد وفاة تيتة!”
اتسعت عيناني، وشعرت بدمي يغلي في عروقي. لم يكن غضباً من ابنتي، بل من هذه الشياطينية المتجسدة! امرأة لم تكتفِ بتدمير أجهزتي والتعدي على حديقتي وتزوير المعاملات باسمي، بل وصلت بها الخسة أن تنتظر ابنتي عند محطة المترو بعيداً عن عيني، لتبث في عقلها الغض سموماً وتشككها في إرث جادتها وأخلاق أمها!
مسكتُ يدي سارة وجلستُ معها على طاولة المطبخ. أخرجتُ صندوق الذكريات الخشبي القديم الذي أحتفظ فيه بأوراق أمي وأبي رحمهم الله. أخرجتُ منه فاتورة شراء العجان الكريمي الأصلية المؤرخة بسنة 1989 باسم أمي، ومحضر توزيع التركة الودي الموقع والمختوم من عمها الكبير شخصياً وموثقاً بالرضا والقبول.
أريتها الأوراق ورسائل الحب والتقدير من أهل أبيها، وقلت لها بصوت دافئ حاسم:
— “يا سارة.. أمك عمرها ما أكلت حق حد، ولا دخل بيتها قرش ولا جهاز بالحرام. المرأة دي لما غلبت معايا وقفلنا في وشها كل أبواب الشر، حبت تحرق قلبك وتشككك في أمك وميتينك. وده الخطأ الأخير اللي مش هيمر زي اللي قبله.”
احتضنتني سارة وهي تبكي وتعتذر عن ترددها، وساد في البيت يقينٌ جديد بأن هذه الأفعال الإبليسية لا بد لها من قطع دابر نهائي يقلع جذور أذاها للأبد.
صباح الأربعاء، لم أعد تلك المرأة التي تنتظر أو تلجأ لمجالس عرفية. حماية أبنائي ونقاء عقولهم خط أحمر يتجاوز حدود الجيرة والصبر.
أخذتُ الأوراق الثبوتية، وفاتورة العجان، ورسائل عم سارة، وذهبتُ مباشرة برفقة ابنتي إلى مكتب المحامي. قمنا بتحرير دعوى قضائية رسمية بتهمة “التحرش بالقاصرين والشباب، والتعدي على القذف والسب وتشويه السمعة، وممارسة الإزعاج النفسي العمدي وتتبع خطى المواطنين”.
ولم أكتفِ بذلك. بل اتصلتُ بعم سارة الكبير (شقيق زوجي المرحوم)، وهو رجل له كلمة مسموعة ومكانة مرموقة. عندما علم بما تجرأت عليه هذه المرأة وما قالته عن تركة والدته وشقيقه، غضب غضباً شديداً وقرر أن يحضر بنفسه.
مساء الخميس، كانت المفاجأة التي لم تتوقعها أم أمير في أعتى كوابيسها.
ترجل عم سارة من سيارته الفارهة أمام البيت، ومعه اثنان من كبار عائلتنا، برفقة المحامي الذي يحمل العريضة الرسمية للمحكمة. خبط العم على باب منزل الأستاذ عبد الله بقوة وهيبة.
فتح الأستاذ عبد الله الباب، وعندما رأى الوجوه الصارمة والعم الجليل الذي يعرف قدره جيداً، ارتبك ورحب بهم بتلعثم.
خرجت أم أمير من الداخل تظن أنها مشكلة عادية، لكن عم سارة لم يمنحها فرصة للتنفس. وقف في منتصف الصالة، وقال بصوت هز أركان البيت:
— “يا أستاذ عبد الله! إحنا جينا هنا مش عشان نسألك عن أدوات ولا صواني.. إحنا جينا نسألك عن المرا اللي واقفة جنبك دي! إزاي تسمح لمرتك تقف لبنت أخويا المرحوم في الشارع وتتعدى على سمعة بيتنا وتدعي زوراً إن أم سارة سارقة تركتنا ومغتصبة عجان أمي؟!”
سقطت الصدمة كالصاعقة على رأس الأستاذ عبد الله. التفت إليها بعينين تشتعلان شراراً:
— “أنتِ عملتِ كده؟! أنتِ وقفتِ لبنت الناس في الشارع وتكلمتِ في أعراض وميراث؟!”
حاولت التأتأة والإنكار بكذبها المعهود:
— “أنا.. أنا بس كنت بفتح معها كلام.. هي اللي…”
قاطعها عم سارة بحزم صلب، وأخرج أوراق الميراث وفاتورة العجان لعام 1989 ووضعها على الطاولة:
— “الأوراق دي بتثبت إنك كذابة ومفترية! وده التقرير والبلاغ الرسمي اللي اترفع النهاردة في النيابة بتهمة التتبع والافتراء على ابنتنا! والقضية دي مش هتتقفل إلا بقرار المحكمة أو برحيلك عن الحي ده!”
اصفر وجه أم أمير وانعقد لسانها تماماً، بينما انهار الأستاذ عبد الله من شدة الخزي والحرَج أمام رجال العائلة والمحامي. شعر أن حياته وسمعة بيته أصبحت في الحضيض بسبب نزوات امرأة لا تشبع من الغل والفضول.
قال الأستاذ عبد الله بصوت مكسور ومبحوح وهو ينظر لزوجته بكل قسوة:
— “حقكم على راسي من فوق يا أصول.. التعهد والشرط اللي كان بيننا انتهى النهاردة. أنا مش هسمح للمرأة دي تدمر بيتي واسم أولادي أكتر من كده.”
التفت إليها وقال أمام الجميع بصوت قاطع كالسيف:
— “قدامك 24 ساعة تلمي هدومك وتروحي بيت أهلك في العزبة.. والورقة بتاعتك هتوصلك هناك، والبيت ده مش هتعتبيه تاني طول ما أنا حي!”
صرخت هي وانهارت على الأرض تبكي وتتوسل، لكن هذه المرة لم يكن هناك مجال للشفقة أو الرجاء. لقد استنفدت كل فرص الحياة والجيرة، وانكشف سترها بالكامل بعد أن أردت أن تبث سمومها في ابنتي، فارتد السم إلى صدرها وقطع حبل حياتها الزوجية والاجتماعية في الشارع.
في ليلة الجمعة، خرجت أم أمير من البيت وهي تحمل حقيبتها، تجر أذيال الخيبة والفضائح، تحت أنظار الشارع الذي لم يرحمها بنظراته بعد أن طردها زوجها وسُحبت منها كل أدوات التبجح.
وفي صباح الجمعة المباركة، جلستُ في مطبخي برفقة ابنتي سارة وعمها. كان العجان الكريمي يدور بنعومة، صوته المترنم يملأ الأرجاء برائحة المخبوزات الطازجة. ابتسمتُ وأنا أرى ابنتي تضع يدها على العجان وتساعدني، نعد كعك الجمعة بنفوس مطمئنة، بعد أن انزاحت الغمة الخبيثة وتطهر الشارع والبيت إلى الأبد، متأكدين أن القادم هو الفصل الأخير والسطر النهائي في حكاية كرامة لا تُقهر.
أشرقت شمس صباح السبت دافئة وهادئة، وساد الشارع سكونٌ نقيٌّ لم نعهده منذ شهور طويلة. كان الهواء يمر بين البيتين صافياً خفيفاً، بعد أن انزاحت عن الحي تلك الهالة الثقيلة من الحقد والمواربة التي زسخّرتها أم أمير لسنوات.
خرج الأستاذ عبد الله في الصباح الباكر، ومعه ابنه الشاب وبعض العمال. رأيتهم من نافذة المطبخ يزيلون بقايا المستلزمات القديمة التي كانت تتكدس في حديقتهم، ويضعون ترتيباً جديداً ونظيفاً لبيتهم، وكأن المكان كله يتنفس الصعداء ويغتسل من أثر السنين الماضية.
قبل الظهر، خبط الأستاذ عبد الله على بابي خبطات هادئة محترمة. عندما فتحتُ له، كان يرتدي جلبابه الأبيض، وعلى وجهه حزن راقٍ وراحة لم أصل إليها من قبل. كان يحمل في يده ظرفاً ورقية مغلقاً.
قال بنبرة يملؤها الوقار والاعتذار العميق:
— “صباح الخير يا أم فلان.. أنا جيت أودعك وأستأذنك، وجئت أسلمك الأوراق دي بنفسي.”
نظرتُ إليه باستفسار، فأكمل بصوت ثابت:
— “الورقة الأولى هي إقرار رسمى وموثق بفسخ أي توكيل أو معاملة كانت تخص أم أمير، وإعلام رسمي بطلاقها وانقضاء تواجدها في هذا الشارع نهائياً.. والورقة الثانية هي تنازل عن الجزء الخاص بي في السور الفاصل، ليكون ملككِ بالكامل تبنينه أو تتركينه كما تشائين.”
ثم صمت لبرهة، ونظر إلى الحديقة النظيفة وقال:
— “أنا بعت البيت لأحد أقارب الحاجة صفية، رجل فاضل وأسرته محترمة وه ينتقلوا هنا الشهر الجاي.. أنا وولادي قررنا ننقل لحي تاني قريب من شغلي، عشان نبدأ صفحة جديدة بعيداً عن أثر الأيام اللي فاتت. أنا آسف على كل لحظة إزعاج أو ضيق تسببت لكِ فيها أنتِ وبنتك، وبشكرك لأنك فتحتِ عيني على حقيقة كنت هفضل أعمى عنها لعمر طويل.”
قلت له بصدق واحترام:
— “ربنا يعوضك خير يا أستاذ عبد الله.. أنت راجل أصول وطول عمرك محترم في نظرنا، والبيت والشارع هيفتقدوا وجودك. ربنا يصلح حالك وحال أولادك ويوفقكم في مكانكم الجديد.”
سلم عليّ وغادر بثبات، حاملاً معه آخر بقايا تلك الحقبة المرهقة.
وفي عصر ذلك اليوم، أتيحت لي فرصة حقيقية للاحتفال بهذه النهاية. أقبلت الحاجة صفية وسيدات الشارع، ومعهن الدكتورة نادية من الجمعية، وجلسنا جميعاً في حديقتي النظيفة التي تزينت بأزهار الياسمين والمرمية.
في منتصف الطاولة، كان يقف قالب كيك ضخم ومبهر، مغطى بطبقة ناعمة من الكريمة البيضاء ورائحة الليمون والفانيليا التي تميز خبيز أمي. كان هذا الكيك مخفوقاً بالكامل داخل العجان الكريمي القديم، الذي وُضع هو الآخر في منتصف طاولة المطبخ الداخلية، يلمع تحت الضوء وكأنه بطل الحكاية الحقيقي.
قطعتُ الكيك ووزعته على الجارات. أكلت الحاجة صفية القطعة الأولى وقالت بابتسامة دافئة والدكوع في عينيها:
— “تسلم إيدك يا أم فلان.. طعم كيكة المرحومة أمك بالظبط! والله العجان ده مش مجرد جهاز، ده بركة البيت والشارع كله.”
قالت الدكتورة نادية وهي تبتسم:
— “الجهاز ده أثبت إن الأصالة والنظافة مش بقدم الشيء أو حداثته، الأهم هي الإيد اللي بتستخدمه والقلب اللي بيحرك البيت. الطيبة أحياناً بتبقى صامتة، بس لما بتصحى بتبني سدود ما يقدرش أي شر يكسرها.”
نظرتُ إلى ابنتي سارة وهي تضحك وتوزع العصائر على الجارات، وإلى السور الخرساني القوي الذي يفصل بين الحق والباطل، وإلى العجان الكريمي القابع في مطبخي بسكون ووقار.
36 عاماً من العمل والذكريات والمحبة، لم تكسرها أطماع جارة استغلالية، ولم تهزمها نوبات الغل والحقد. بل خرج منها الدرس الأكبر الذي لن ينساه الحي كله: أن حلم الطيبين ليس ضعفاً، وأن الصمت ليس خنوعاً، بل هو مهلة قصيرة يعطيها الكرام لمن لا يعرف الأصول.. حتى إذا تجاوز الخط الأحمر، قام الحق ليعيد كل شيء إلى نصابه، ويقطع دابر الاستغلال إلى الأبد.
أغلقتُ باب حديقتي في المساء، وأنا أستشعر روح أمي تطوف حول المكان برضا وسلام. أدرتُ المفتاح الداخلي للعجان دورة خفيفة أخيره، فأنطلق منه صوت حنون متزن.. صوت الأصول التي لا تموت.


تعليقات
إرسال تعليق