القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 بعد وفاه زوجي



بعد وفاه زوجي

بعد أن دفنا زوجي، أخذني ابني بسيارته إلى طريق هادئ خارج البلدة، ثم قال لي بكل برود

هتنزلي هنا . البيت والشركة بقوا ملكي دلوقتي.

وقفت وسط التراب وأنا أضم حقيبتي إلى صدري، بينما انطلقت سيارته بعيدًا من دون أن يلتفت حتى.

لم يكن معي هاتف.

ولا نقود.

لكن في تلك اللحظة أدركت شيئًا لم يكن ابني يعرفه...

أنا لم أكن وحيدة.

كنت حرة.

لكنه لم يكن لديه أي فكرة عما كنت قد أعددته قبل وفاة والده...

كان صوت الحصى تحت حذائي الذي ارتديته في الجنازة يطقطق كأنه كان ينتظر تلك اللحظة منذ زمن.

راقبت سيارة ابني وهي تتحرك للأمام، ثم تباطأت للحظة قصيرة، وكأنها تمنحه فرصة ليتظاهر بأن ما يحدث ليس حقيقيًا.

لكنها سرعان ما أسرعت واختفت خلف المنعطف، حيث تبدأ حقول الذرة وتنتهي البلدة.

لم أصرخ باسمه.

لم أرفع يدي أطلب منه العودة.

كان حلقي جافًا لدرجة أنني لم أعد أحتمل الصراخ، وقلبي كان متعبًا أكثر من أن يتوسل.

قبل ثلاثة أيام فقط، كنت أقف في المقبرة أمام قبر زوجي، أمسك برنامج الجنازة المطوي بين يدي.

كانت ترن في رأسي أغنية دينية اختاروها لوداعه، رغم أننا لم نكن من الأشخاص الذين يهتمون كثيرًا بهذه الأمور.

جاء الناس ليواسوني بالطريقة التي يعرفونها.

صواني طعام، أطباق من ورق، وأوانٍ مغطاة بورق الألومنيوم تراكمت فوق طاولة المطبخ وكأنها جيش صامت.

كان الجيران يحتضنونني ويقولون

كان رجلًا طيبًا.

تلك هي الطريقة التي يودع بها الناس الموتى عندما لا يجدون كلمات أخرى يقولونها.

أما أولادي...

فقد وصلا وكأنهما حضرا لإنجاز مهمة محددة.

كان ابني يتصرف وكأن حياته مقسمة إلى مواعيد مدتها خمس عشرة دقيقة.

عيناه دائمًا في مكان آخر، وهاتفه مقلوب على الطاولة، وكأنه لا يريدني أن أرى مدى سرعة استعداده للعودة إلى حياته الطبيعية.

كان يتحدث عن الرحلات الجوية، والاجتماعات، والزحام على الطريق السريع الذي يجب أن يلحق به.

أما ابنتي، فجاءت بنظارة شمسية غالية وابتسامة متوترة.

احتضنتني، لكن عناقها كان يبدو وكأنه مجرد أداء أمام الآخرين.

في تلك الليلة، بعد الجنازة، أصبح المنزل هادئًا بشكل مؤلم.

كان من الصعب أن أصدق أن هذا البيت الذي كان يمتلئ يومًا بأصوات طفليّ أصبح الآن صامتًا إلى هذه الدرجة.

صنعت القهوة كعادتي، ثم وقفت أمام حوض المطبخ أحدق في الحديقة.

الأغصان كانت عارية، لكنها كانت تستعد لتخرج براعمها مع بداية الربيع.

نظرت إلى المكان الذي قضيت فيه أنا وزوجي سنوات طويلة نبني حياتنا بأيدينا.

وفجأة فتح ابني جهاز الكمبيوتر المحمول ووضعه على طاولة الطعام.

طاولتنا نحن.

ثم قال

لازم نتكلم عن الخطوات الجاية.

الخطوات الجاية.

لم يقل

ماما، إنتِ كويسة؟

لم يسألني إن كنت نمت.

لم يتحدث عن والده.

لم يتحدث عن ذكرياتهما.

فقط...

الخطوات الجاية.

كأنني ملف يجب إغلاقه.

تحدثوا معي بهدوء شديد، وبأدب مصطنع، بالطريقة التي يتحدث بها شخص يريد إبعاد امرأة مسنة من طريقه دون أن يعترف بأنه يفعل ذلك.

استخدموا


كلمات مثل

عملي.

أسهل.

أفضل لك.

وكانت ابنتي تهز رأسها باستمرار، وكأنها تدربت على تلك الإيماءات أمام المرآة.

وفي صباح اليوم التالي، أعطوني حقيبة سفر لم أرها من قبل.

وقالوا إننا سنذهب لنرى مكانًا سيكون أفضل بالنسبة لي.

قلت لهم

أنا مش رايحة في أي مكان.

ابتسم ابني كما لو أنه سمع هذه الجملة من قبل.

وكأن رفضي مجرد مرحلة وسأمر منها سريعًا.

قال

تعالي بس شوفي المكان يا أمي. كل حاجة هتبقى أسهل لو عملناها بهدوء.

سرت داخل منزلي وأنا أشعر وكأنني ضيفة.

مررت بغرفة المعيشة، حيث كان زوجي ينام أحيانًا أثناء مشاهدة مباريات كرة القدم.

مررت بالممر الذي ما زالت علامات طول أطفالي موجودة على حائطه.

كل علامة كانت تذكرني بأيام لم أكن أتخيل أنها ستنتهي بهذه الطريقة.

أمسكت حقيبتي.

كانت أثقل مما ينبغي.

ثم تبعتهم إلى السيارة.

ليس لأنني وافقت.

ولكن لأن جزءًا مني أراد أن يرى...

إلى أي مدى يمكن أن يذهبوا؟

لم يتجه ابني إلى البلدة.

ولم يدخل الطريق السريع.

ظل يقود حتى وصل إلى طريق غريب.

طريق ذو حارتين فقط.

لا أرصفة.

لا منازل.

حقول على الجانبين.

وسماء واسعة بما يكفي لتبتلع إنسانًا دون أن يلاحظه أحد.

ثم أوقف السيارة.

نظر إليّ وقال بهدوء شديد، وكأنه يخبرني عن حالة الطقس

هنا هتنزلي.

فتحت ابنتي فمها.

ثم أغلقته.

لم تعترض.

لم تقل شيئًا.

فقط ذلك الصمت الهش، وكأنها كانت تخشى أن ينهار كل شيء إذا نطقت بكلمة واحدة.

فتحت الباب ونزلت.

كان الهواء يحمل رائحة التراب الرطب وبدايات الربيع.

التصق الغبار بطرف ملابسي.

ثم أُغلق باب السيارة خلفي بصوت خافت...

لكن بداخلي كان الصوت أشبه بإغلاق باب الماضي كله.

لم يكن معي هاتف.

ولا نقود.

أو هكذا كانوا يعتقدون.

وقفت أراقب سيارة ابني وهي تبتعد.

صغرت شيئًا فشيئًا حتى أصبحت مجرد نقطة متحركة في الأفق.

ثم اختفت خلف المنعطف.

ولأول مرة منذ وفاة زوجي...

شعرت أن صدري بدأ يتنفس من جديد.

ليس لأن الألم اختفى.

ولكن لأنني فهمت أخيرًا ما الذي حدث.

لقد أرادوا أن يقطعوا كل شيء.

أن يتخلصوا مني.

أن يأخذوا البيت والشركة وكل ما تركه والدهم.

لكنهم ارتكبوا خطأً واحدًا...

لقد ظنوا أنني لم أستعد.

أدخلت يدي في أعمق جيب داخل حقيبتي.

ولمست شيئًا صغيرًا وحادًا.

شيئًا يحمل اسمي.

شيئًا لم يعرف ابني بوجوده طوال كل تلك السنوات.

شيئًا أعددته قبل وفاة زوجي بوقت طويل...

ابتسمت للمرة الأولى منذ أيام.

ثم بدأت أمشي.

لكنني هذه المرة...

لم أكن أمشي بعيدًا عن حياتي.

كنت أمشي نحو الحياة التي أخفيتها عنهم.

وكان ابني على وشك اكتشاف أن البيت والشركة لم يكونا الشيء الوحيدين اللذين تركهما والده وراءه.

فما كنت أحمله في حقيبتي...

كان قادرًا على تغيير كل شيء.

والسر الذي لم يعرفه أولادي عني سيجعلهم يتمنون لو أنهم لم يتركوني في ذلك الطريق أبدًا.

يتبع...

حكايات حماده

مشيت على الطريق وأنا ماسكة الحقيبة بكل قوة، رغم إن رجلي كانت بتوجعني من حذاء الجنازة.

كل خطوة


كنت باخدها كانت بتفكرني بكلمة ابني

البيت والشركة بقوا ملكي دلوقتي.

الغريب إني ما كنتش غاضبة من الجملة نفسها

كنت غاضبة لأنه قالها بثقة.

ثقة شخص متأكد إن مفيش حاجة ممكن توقفه.

بعد حوالي عشر دقائق، سمعت صوت عربية جاية من بعيد.

وقفت.

لم أكن أعرف هل أرفع يدي أم أختبئ.

لكن العربية توقفت أمامي.

كانت شاحنة صغيرة قديمة، ونزل منها رجل في أواخر الخمسينات، نظر إليّ باستغراب وقال

يا حاجة إنتِ بتعملي إيه هنا لوحدك؟

ترددت لحظة.

ثم قلت

ابني وصلني هنا ومشي.

اتغيرت ملامحه فورًا.

مشي وسابك؟

هزيت رأسي.

نظر إلى ملابسي السوداء، ثم إلى الحقيبة، وفهم أنني كنت خارجة من جنازة.

قال

اركبي، أوصلك لأقرب مكان فيه ناس.

ركبت.

وأثناء الطريق، لم أسأله عن شيء.

لكن هو كان يرمقني من المرآة بين لحظة وأخرى.

وبعد دقائق قال

اسمك إيه يا حاجة؟

فتحت فمي

ثم سكت.

لأول مرة منذ سنوات، ترددت قبل أن أقول اسمي.

ليس خوفًا منه.

بل لأنني أدركت أن اسمي نفسه كان جزءًا من السر.

قلت أخيرًا

اسمي نوال.

ابتسم وقال

تشرفنا يا ست نوال.

ثم أضاف

على فكرة أنا أعرف المنطقة دي كويس.

نظرت إليه.

تعرفها؟

أيوه. وفيه مكان قريب هنا، يمكن يكون مناسب ليكي.

شعرت بشيء غريب في قلبي.

لأن المكان الذي كان يقصده

لم يكن مكانًا عاديًا.

بعد ربع ساعة، توقفت الشاحنة أمام مبنى قديم من طابقين، بابه الحديدي عليه لوحة صغيرة.

نزلت وأنا أنظر حولي.

وفجأة

تجمدت في مكاني.

كان هناك شيء أعرفه.

شيء لم أره منذ أكثر من عشرين سنة.

مشيت ببطء نحو الباب، ومددت يدي إلى اللوحة.

كان عليها اسم شركة قديمة.

نفس الاسم الذي كان زوجي يستخدمه في أول مشروع له.

التفتُّ للرجل وقلت

إنت جبتني هنا ليه؟

قال باستغراب

عشان دي مؤسسة الأستاذ فؤاد مش جوزك اسمه فؤاد؟

شعرت بقلبي يتوقف للحظة.

زوجي لم يكن قد ذكر اسم هذه المؤسسة أمام أولادي منذ سنوات.

بل كان يظن أنها انتهت تمامًا.

لكنها لم تنتهِ.

لأنني أنا من كنت أحتفظ بالمفتاح.

أدخلت يدي في حقيبتي، وأخرجت الشيء الصغير الحاد الذي أخفيته.

لم يكن مفتاحًا عاديًا.

كان مفتاح خزانة حديدية.

وعليه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط زوجي

لو اضطررتِ يومًا لاستخدامه لا تثقي في أول شخص يحاول مساعدتك.

توقفت عن التنفس.

لأن الرجل الذي أوصلني كان واقفًا خلفي

ويحدق في المفتاح.

ثم قال بصوت مختلف تمامًا

يعني هو أخيرًا خلاكي تفتحيها؟

التفتُّ إليه ببطء.

إنت تعرف المفتاح ده؟

لم يجب.

فقط أخرج من جيبه ظرفًا بنيًا قديمًا.

ووضعه في يدي.

نظرت إلى اسمي المكتوب عليه.

ثم قرأت الجملة الأولى

نوال لو وصل الظرف ده ليكي، يبقى أولادي حاولوا ياخدوا كل حاجة.

يدي بدأت ترتجف.

لكن قبل ما أفتح الظرف

رن هاتف الرجل.

نظر إلى الشاشة، وتغير وجهه تمامًا.

قال

لازم نمشي من هنا حالًا.

ليه؟

رفع عينيه نحوي وقال

لأن ابنك عرف إنك لسه عايشة

ثم أضاف

وهو مش جاي يدور عليكِ لوحده أول ما سمعت كلامه، حسيت إن الدم انسحب من وشي.

قلت له

يعني إيه


مش جاي لوحده؟

قفل المكالمة بسرعة، وبص ناحية الشارع.

مش وقت أسئلة. اركبي.

لكن المرة دي ما تحركتش.

مسكت الظرف بقوة وقلت

أنا مش هتحرك خطوة قبل ما أعرف الحقيقة.

فضل ساكت ثواني، وبعدها تنهد وقال

جوزك كان عارف إن أولادك ممكن يعملوا كده.

اتجمدت.

عارف؟!

أيوه.

وكان سايبني أعيش معاهم كل السنين دي وهو عارف؟

هز رأسه.

كان بيحاول يحميكي بطريقته.

ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.

يحميّني؟ هو مات وسابني لهم!

رد بهدوء

لا هو مات وساب خطة.

فتحت الظرف بسرعة.

كان جواه ثلاث أوراق وصورة قديمة ومفتاح صغير.

أول ورقة كانت مكتوبة بخط زوجي

نوال، لو أنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا مش موجود، وأول اختبار حقيقي للخطة بدأ.

حبست دموعي.

وكملت القراءة.

أول حاجة هتسمعيها من أولادنا إن البيت والشركة أصبحوا من حقهم. ما تصدقيش.

رفعت عيني للرجل.

يعني البيت مش بتاعهم؟

قال

كملي.

رجعت للورقة.

لكن أهم من البيت والشركة فيه شيء أخطر. شيء حاولت أخفيه عنهم لسنين.

توقفت.

قلبي بدأ يخبط.

قلبت الورقة.

في آخر السطر كان مكتوب

لو حاولوا يبعدوكي عن البيت، روحي للمكان الموجود في الصورة.

بصيت للصورة.

كانت صورة قديمة لزوجي واقف أمام مبنى أعرفه جيدًا.

لكن المفاجأة لم تكن في المبنى.

كانت في الشخص الواقف بجواره.

شهقت

مستحيل

الرجل اقترب.

تعرفيه؟

هززت رأسي وأنا أحدق في الصورة.

ده أخو جوزي.

قال الرجل

أيوه.

بس أخوه مات من خمسة عشر سنة!

سكت الرجل.

ثم قال

مين قال لك إنه مات؟

وقعت الصورة من إيدي.

وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المبنى.

رفع الرجل رأسه بسرعة.

نظر من النافذة.

ثم أمسك بذراعي وقال

خلاص وصلوا.

مين؟

نظر إليّ بعينين مليئتين بالقلق.

ابنك ومعاه شخص المفروض إنك عمرك ما تقابليه تاني.

وقبل ما أقدر أسأله مين، انطفأت أنوار السيارة بالخارج.

ثم نزل منها شخص ببطء.

وقف تحت ضوء الشارع.

وعندما رفع وجهه ناحية النافذة

عرفته فورًا.

كان الشخص الذي رأيته في الصورة.

الشخص الذي قيل لي إنه مات منذ خمسة عشر عامًا.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت إن الرجل رفع يده

وأشار مباشرة إلى المفتاح الموجود في إيدي.

ثم ابتسم.

وقال من خلف زجاج النافذة

نوال افتحي الباب.

تراجعت خطوة.

لأن صوته كان نفس الصوت الذي سمعته آخر مرة قبل خمسة عشر عامًا

يوم اختفى زوجي لمدة ثلاثة أيام.

وفي تلك اللحظة فقط، فهمت أن وفاة زوجي

لم تكن بداية المصيبة.

كانت نهايتها المؤجلة وقفت مكاني كأن رجلي اتثبتت في الأرض.

صوت الرجل من خلف الباب رجعني لليوم القديم، اليوم اللي كنت فاكرة إني دفنته مع ذكرياتي.

لكن الرجل اللي معايا شد على دراعي وقال

متفتحيش.

بصيت له

ده أخو جوزي أنا شوفته بعيني.

قال بهدوء

عشان كده بالضبط متفتحيش.

في اللحظة نفسها، خبط الرجل على الباب.

خبطة واحدة.

ثم قال

نوال أنا عارف إنك جوا.

ما رديتش.

فقال

وفاكر إن فؤاد قالك إني مت.

جسمي كله ارتعش.

إزاي يعرف الكلام ده؟

الرجل اللي معايا قرب مني وقال

الظرف افتحي


الورقة التانية.

فتحتها بإيد مرتعشة.

كان فيها سطر واحد

الشخص الذي سيظهر لكِ بعد وفاتي ليس عدوك لكنه ليس حليفك أيضًا.

رفعت عيني.

يعني إيه؟

قال الرجل

يعني جوزك كان عارف إنه هيظهر.

قبل ما أستوعب، سمعنا صوت سيارة تانية بتقرب.

الرجل اللي واقف برا التفت ناحية الطريق.

وفجأة ابتسامته اختفت.

دي عربية ابنك.

قلبي وقع.

هو

 



جاي هنا؟

أيوه.

وبعد ثواني، ظهر ابني من العربية.

كان واقف بعيد، بيتكلم مع أخو والده.

ولأول مرة من يوم ما تركني في الطريق، شفت على وشه حاجة غير البرود.

الخوف.

قلت

ابني خايف؟

الرجل رد

مش منك.

ثم أشار إلى أخو زوجي.

منه.

بدأت أسمع أصواتهم رغم إنهم كانوا بعيدين.

ابني قال

قلتلك الموضوع انتهى! الورق كله معايا!

أخو والده رد

الورق اللي معاك نسخة.

ابني صمت.

ثم قال بصوت غاضب

مستحيل تكون عارف بالخزنة.

ابتسم الرجل.

أبوك كان عارف إنك هتقول الجملة دي.

شهقت.

الخزنة؟

بصيت للمفتاح اللي في إيدي.

فهمت فجأة إن المفتاح مش لخزنة عادية.

كان مفتاحًا لشيء ابني كان مستعدًا يخاطر بكل شيء عشانه.

وقبل ما أقدر أسأل، ابني رفع عيني ناحية المبنى.

نظر مباشرة إلى النافذة التي أقف خلفها.

ثم قال بصوت مسموع

أمي لو أنتِ سامعاني، لازم تعرفي إن أبويا كذب عليكي.

تجمدت.

أخو والده التفت له بعنف

اسكت!

لكن ابني كمل

هو ما ماتش وهو بريء.

سقطت الورقة من إيدي.

وبدأت أتنفس بصعوبة.

ثم جاء الصوت الذي حطم آخر شيء كنت أصدقه

أبويا كان عارف إن كل ده هيحصل وكان هو اللي بدأه.

نظرت إلى الظرف.

ثم إلى المفتاح.

ثم إلى الرجل الواقف خلف الباب.

وفجأة أدركت أنني طوال السنوات الماضية

لم أكن أعرف زوجي كما كنت أعتقد.

لكن قبل ما أفتح الباب، اهتز هاتفي؟

توقفت.

هاتف؟

أنا لم يكن معي هاتف أصلًا.

أخرج الرجل جهازًا صغيرًا من جيبه وقال

ده مش هاتفك.

نظر إلى الشاشة.

ثم شحب وجهه.

في رسالة وصلت من رقم جوزك.

مد لي الجهاز.

وكانت الرسالة قصيرة جدًا

نوال لا تثقي بابني.

ثم وصلت رسالة ثانية بعدها مباشرة

ولا تثقي بأخي.

رفعت عيني إليه.

وقبل أن أنطق

وصلت الرسالة الثالثة.

وكانت هي التي جعلتني أفهم أن الخطر الحقيقي لم يبدأ بعد

الشخص الوحيد اللي تقدري تثقي فيه هو الشخص اللي هيدخل الباب بعد خمس دقايق فضلت أبص للشاشة وأنا مش قادرة أستوعب.

قلت للرجل

مين الشخص اللي جوزي بيتكلم عنه؟

قال

معرفش.

لكن صوته ما كانش مقنع.

قلت له

أنت بتكدب.

وقبل ما يرد، سمعنا خطوات على السلم.

حد كان طالع.

خطوة

ثم خطوة

ثم توقف أمام باب الغرفة.

ابني من الخارج بدأ يخبط بعنف

ماما! افتحي! لازم نتكلم!

لكن الشخص الواقف أمام الباب لم يتحرك.

ثواني صمت.

ثم جاء صوت امرأة

نوال؟

اتجمدت.

صوت أعرفه.

فتحت عيني على اتساعهما.

مستحيل

الرجل بجانبي قال

تعرفيها؟

قلت بصوت منخفض

دي أختي.

لكن أختي كانت تعيش في مدينة أخرى، ولم تكن تعرف شيئًا عن الخزنة أو المؤسسة أو أسرار زوجي.

فتح الباب ببطء.

دخلت أختي وهي تحمل حقيبة سوداء.

نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت

كنت مستنياكي من سنين.

قلت

مستنياني ليه؟

أغلقت الباب خلفها.

ثم نظرت للرجل الموجود معي وقالت

وإنت لسه بتنفذ وصية فؤاد؟

لم يجب.

اقتربت مني وأمسكت يدي.

نوال، اسمعيني كويس. اللي حصل النهارده مش صدفة.

ابني خدني ورماني في الطريق!

عارفة.

وإنتِ كنتِ عارفة؟

هزت رأسها.

مش كل حاجة لكن فؤاد كان


بيجهزك لليوم ده.

فتحت حقيبتها وأخرجت ملفًا كبيرًا.

وضعته أمامي على الطاولة.

ده ملكك.

فتحت الملف.

كانت هناك عقود.

حسابات.

أوراق ملكية.

وأسماء شركات لم أسمع بها من قبل.

ثم ظهرت ورقة في المنتصف تحمل توقيع زوجي.

لكن تحت توقيعه كان هناك توقيع آخر

توقيعي أنا.

صرخت

أنا ما وقعتش على ده!

أختي قالت

عارفة.

يبقى التوقيع مزور!

قالت

أيوه.

نظرت إليها.

مين زوره؟

قبل أن تجيب، سمعنا صوت زجاج بيتكسر في الطابق السفلي.

ثم صوت ابني

اطلعوا بره! دلوقتي!

أختي أمسكت الملف بسرعة.

لازم نخرج من الباب الخلفي.

لكنني لم أتحرك.

قلت

لا.

نظرت لي باستغراب.

إيه؟

رفعت رأسي.

لأول مرة منذ دفن زوجي، شعرت أن الخوف بدأ يتحول إلى غضب.

قلت

أربع شهور وأنا عايشة في بيتي كأني غريبة.

نوال

النهارده ابني رمّاني في الطريق عشان ياخد اللي مش بتاعه.

أمسكت بالمفتاح.

وأنا مش ههرب تاني.

ثم فتحت الورقة الأخيرة الموجودة داخل الملف.

وكان عليها اسم واحد فقط.

اسم ابني.

لكن بجانبه تاريخ قديم جدًا

تاريخ يعود إلى قبل زواجه، وقبل تأسيس الشركة، وقبل ولادة أول حفيد لي.

وتحت الاسم جملة قصيرة جعلتني أشعر أن الأرض اختفت من تحتي

من هذا التاريخ، أصبح ابني شريكًا سريًا في كل ما أملكه بشرط واحد ألا يعرف الحقيقة قبل وفاة والده.

رفعت عيني إلى أختي.

إيه الحقيقة؟

لكنها لم تجب.

لأن الباب الخارجي انفتح فجأة

ودخل ابني.

وكان في يده الظرف الأصلي الذي كتبه والده.

ابتسم ابتسامة غريبة وقال

خلاص يا أمي

ثم وضع الظرف أمامي.

دلوقتي لازم تعرفي ليه أبويا كان بيخاف مني ابني وقف قدامي، والظرف في إيده، وأنا لأول مرة شفت في عينيه حاجة مختلفة عن الغرور

الخوف.

قال

ماما، قبل ما تحكمي عليّا، اسمعيني.

ضحكت بمرارة

أسمعك؟ بعد ما رميتني في طريق مقطوع؟

خفض عينيه للحظة.

أنا ما كنتش عايز أعمل كده.

صرخت

لكنك عملتها!

سكت.

ثم قال

لأن أبويا كتب في وصيته إنك لو فضلتِ في البيت، حياتك هتكون في خطر.

تجمدت.

أختي نظرت إليه بغضب

كداب.

ابني التفت إليها

وإنتِ عارفة إن ده حقيقي.

ثم فتح الظرف وأخرج ورقة مطوية.

مدها نحوي.

دي آخر رسالة كتبها أبويا قبل ما يموت.

أخذتها.

كان خط زوجي واضحًا.

لكن أول جملة جعلت أصابعي ترتعش

نوال، لو ابنك وصل للمرحلة دي، يبقى أنا فشلت في حمايتك.

توقفت عن القراءة.

فشلت في حمايتي من مين؟

ابني قال

من الناس اللي كانوا بيشتغلوا معاه.

مين؟

لم يجب.

أختي قالت

فؤاد كان داخل في شراكة من سنين، والشراكة دي انتهت بشكل سيئ.

نظرت إليها

إنتِ كنتِ عارفة؟

كنت عارفة جزء.

ابني قاطعها

وأنا كنت عارف أكتر.

نظرت إليه بصدمة.

من إمتى؟

قال

من خمس سنين.

شعرت بصدري يضيق.

يعني كل الفترة دي كنت عارف أسرار عن أبوك وأنا لا؟

هز رأسه.

أيوه.

ثم أضاف

لكني ما كنتش عارف إنه سايب لكِ كل حاجة.

رفعت الملف.

إيه اللي سايبه لي؟

ابتسم ابتسامة حزينة.

مش البيت.

ولا الشركة.

لأ.

ثم أشار إلى المفتاح الصغير في يدي.

الخزنة.

سكت الجميع.



قلت

وإيه فيها؟

ابني نظر لأخته ثم لأخيه والده.

ثم قال

الدليل الوحيد اللي ممكن يثبت إن أبويا ما ماتش بسبب المرض.

اتسعت عيناي.

يعني إيه؟

قبل أن يرد، انطفأت الكهرباء فجأة.

غرق المكان في الظلام.

سمعت أختي تصرخ

نوال!

ثم صوت ارتطام قوي.

وبعده

صمت.

أشعلت مصباح الهاتف الموجود على الطاولة.

لكن ابني لم يكن أمامي.

ولا الرجل الذي جاء بي إلى المكان.

ولا أخو زوجي.

كلهم اختفوا.

وبقيت أنا وأختي فقط.

نظرت إليها.

هما راحوا فين؟

لم تجب.

كانت تحدق في شيء خلفي.

التفتُّ ببطء.

كانت هناك ورقة جديدة موضوعة على الطاولة.

لم تكن موجودة قبل انقطاع الكهرباء.

اقتربت منها.

وكان مكتوبًا عليها بخط زوجي

نوال، لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى لازم تعرفي الحقيقة كاملة لكن قبل ما تفتحي الخزنة، روحي للمقبرة.

وتحتها مباشرة

قبر فؤاد ليس المكان الذي دُفن فيه.

تجمدت مكاني.

قلت بصوت بالكاد خرج مني

إحنا دفناه فين إذن؟

أختي أمسكت بذراعي.

لكن قبل أن تجيب

سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المبنى.

ثم صوت رجل من الخارج يقول

نوال!

كان صوت زوجي.

نفس صوته تمامًا صوت زوجي

نفس النبرة، نفس طريقة نطقه لاسمي، حتى تلك الوقفة القصيرة التي كان يفعلها قبل أن يكمل الجملة.

تسمّرت مكاني.

همست

ده فؤاد.

أختي أمسكت بيدي بقوة وقالت

مستحيل.

لكن الصوت جاء مرة أخرى من الخارج

نوال افتحي الباب.

بدأت دموعي تنزل من غير ما أحس.

اقتربت من الباب خطوة.

أختي صرخت

متفتحيش!

وقفت.

وفجأة سمعت صوتًا آخر من الخارج.

صوت ابني.

ماما، ابعدي عن الباب!

ثم صوت الرجل الآخر

محدش يفتح!

وبعدها حدث شيء أغرب

صمت الجميع.

لا صوت سيارات.

لا خطوات.

ولا حتى حركة.

فتحت أختي الستارة قليلًا ونظرت للخارج.

ثم شهقت.

مفيش حد.

اقتربت منها.

كانت السيارة ما زالت موجودة أمام المبنى

لكنها كانت فارغة تمامًا.

قلت

يبقى مين كان بيناديني؟

لم ترد.

عدت إلى الطاولة وأمسكت بالورقة.

كان هناك شيء لم أنتبه له من قبل.

أسفل الجملة الخاصة بالمقبرة، كان هناك رقم مكتوب بخط صغير

17 4 29

أختي قالت

ده تاريخ؟

هززت رأسي.

مش عارفة.

لكن بمجرد ما شفته، افتكرت حاجة.

قبل وفاة زوجي بأسبوعين، كان واقف في المطبخ وبيكتب أرقام على ورقة.

ولما دخلت عليه، خبّاها بسرعة.

سألته وقتها

بتعمل إيه؟

ضحك وقال

شغل قديم.

لم أفكر في الأمر وقتها.

لكن الآن

فهمت أن الرقم لم يكن تاريخًا.

كان رقم قبر.

أخرجت الورقة القديمة من الملف، وقارنتها بالرقم.

ثم اتسعت عيناي.

المقبرة اللي دفنا فيها فؤاد فيها قطاع 17.

أختي أمسكت رأسها.

نوال إحنا لازم نروح هناك.

خرجنا من المبنى، لكن قبل أن نركب السيارة، لاحظت شيئًا جعلني أتوقف.

على زجاج السيارة كان هناك ظرف أبيض مثبت بمسّاحة الزجاج.

أخذته.

لم يكن عليه اسم.

فتحت الظرف.

في داخله صورة واحدة.

صورة لي وأنا خارجة من جنازة زوجي.

لكن الصورة لم تكن مأخوذة من بعيد.

كانت مأخوذة من داخل المقبرة.

وعلى ظهرها جملة

كنتِ تحت المراقبة منذ يوم


الجنازة.

رفعت عيني لأختي.

مين بيراقبني؟

قالت

الشخص اللي كان متوقع إنك توصلي للحقيقة.

مين؟

قبل أن تجيب، وصلتها رسالة على هاتفها.

قرأت الرسالة، ثم تغيّر وجهها.

ناولَتني الهاتف.

كانت الرسالة من رقم مجهول

لو نوال راحت للمقبرة، خليها تفتح القبر رقم 17 بنفسها لأنها هتلاقي هناك أول دليل على إن فؤاد كان حيًا بعد يوم الجنازة.

شعرت بركبتي تضعف.

حي بعد الجنازة؟

أختي هزت رأسها ببطء.

نوال لو الرسالة دي حقيقية، يبقى إحنا دفنا شخصًا آخر.

ركبنا السيارة.

وطوال الطريق لم نتكلم.

كنت أحاول استيعاب شيء واحد فقط

من الذي دفناه إذن؟

وعندما وصلنا إلى المقبرة، كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.

دخلنا بين القبور.

الهواء كان باردًا، والمكان ساكنًا بشكل مخيف.

حتى وصلنا إلى القطاع 17.

وجدت الرقم.

17.

لكن قبل أن نقترب من القبر

سمعنا صوت خطوات خلفنا.

استدرنا.

كان ابني واقفًا على بعد أمتار.

وجهه شاحب.

وقال

ماما متفتحيش القبر.

نظرت إليه.

ليه؟

اقترب خطوة.

لأن اللي جواه

سكت.

قلت

إيه؟

رفع عيني نحوي وقال

مش شخص غريب.

ثم أضاف بصوت مرتجف

ده شخص أنا شفته بعيني قبل ما يموت أبويا تراجعت خطوة وأنا أحدق في ابني.

يعني إيه شفته قبل ما أبوك يموت؟

لم يرد فورًا.

كان ينظر إلى القبر وكأنه يخشى حتى الاقتراب منه.

قلت بغضب

اتكلم!

أخذ نفسًا طويلًا وقال

قبل وفاة أبويا بيومين، شوفته مع واحد من شركائه.

مين؟

الراجل اللي كان واقف عند المؤسسة.

تذكرت الرجل الذي قيل لي إنه أخو زوجي.

لكن ابني هز رأسه.

مش عمه شخص تاني.

أختي اقتربت منه

وإنت كنت عارف كل ده وسايب أمك؟

صرخ

أنا كنت بحاول أحميها!

ضحكت بمرارة

تحميني؟ وإنت رميتني على طريق مقطوع؟

خفض رأسه.

لو كنتِ فضلتي في البيت، كانوا هيأذوكي.

سألته

مين هم؟

رفع عيني وقال

الناس اللي أبويا كان خايف منهم.

ثم أخرج هاتفه.

فتح صورة.

كانت صورة قديمة لزوجي جالسًا في مكتب، وبجواره ثلاثة رجال.

أشرت إلى أحدهم.

ده أخو أبوك.

قال

أيوه.

أشرت إلى الرجل الثاني.

وده شريكه؟

أيوه.

ثم نظرت إلى الرجل الثالث.

تجمدت.

لم أكن أعرفه.

لكن كان هناك شيء في وجهه مألوف جدًا.

قلت

مين ده؟

ابني لم يجب.

أختي اقتربت من الصورة.

ثم وضعت يدها على فمها.

نوال

إيه؟

قالت بصوت منخفض

أنا شفت الراجل ده قبل كده.

فين؟

نظرت إليّ.

في جنازة فؤاد.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

وقبل أن نكمل، سمعنا صوت سيارة يقترب من بوابة المقبرة.

ابني التفت بسرعة.

لازم نمشي.

قلت

لأ.

أمسكت بالمفتاح.

أنا مش ههرب تاني.

اقتربت من القبر.

وضعت يدي على الحجر.

كان اسمي محفورًا على لوحة التعزية بجوار اسم زوجي.

لكن شيئًا صغيرًا لفت انتباهي.

تاريخ الوفاة.

كان مختلفًا عن التاريخ الذي أخبرني به الطبيب.

صرخت

التاريخ ده غلط!

ابني اقترب.

قرأ اللوحة.

ثم تراجع.

مستحيل

قلت

إيه؟

قال

التاريخ ده هو تاريخ اختفاء الشخص اللي في الصورة.

سكت الجميع.

وفجأة وصلتنا رسالة على هاتف ابني.

نظر إليها.

ثم أغلق


الشاشة بسرعة.

قلت

مين بعت؟

محدش.

وريني.

رفض.

مددت يدي.

وريني يا ابني.

تردد.

ثم سلّمني الهاتف.

كانت الرسالة من رقم مجهول

خلي أمك تبعد عن القبر وإلا هتعرفوا ليه فؤاد اختار يموت باسمه.

قرأت الرسالة مرتين.

ثم رفعت رأسي.

يعني إيه يموت باسمه؟

ابني قال بصوت خافت

ماما

إيه؟

أبويا كان عنده اسم تاني.

تجمدت.

اسم تاني؟

هز رأسه.

أيوه.

من إمتى؟

من قبل ما تتجوزيه.

شعرت أن كل سنوات زواجي بدأت تتهاوى أمامي.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في الكلمة التالية.

ابني قال

وأنا مش ابنه الوحيد

 


 

وقفت أمامه وأنا مش قادرة أستوعب الكلمة.

إيه اللي إنت بتقوله ده؟

ابني بلع ريقه وقال

أبويا كان عنده حياة كاملة قبل ما يتجوزك.

قلت بعصبية

ده مش معناه إن عنده ابن تاني!

عنده.

أختي قربت منه

إنت متأكد؟

أخرج من جيبه ورقة مطوية.

دي صورة من شهادة ميلاد.

مدها لي.

فتحتها تحت ضوء هاتفه.

اسم الأب كان اسم زوجي

لكن اسم الأم لم يكن اسمي.

والأغرب أن تاريخ الميلاد كان قبل زواجي بسنوات.

رفعت عيني إليه.

وإنت عرفت إمتى؟

من شهرين.

شهرين؟!

أيوه.

وليه مخبي عليا؟

سكت.

ثم قال

لأن الشخص ده هو اللي كان أبويا بيحاول يحميه.

فين هو؟

ابني نظر ناحية القبر.

معرفش.

قلت

وإنت بتكدب.

والله ما أعرف.

وفجأة سمعنا صوت خطوات تقترب بين القبور.

التفتنا جميعًا.

كان رجل واقف بعيدًا، يحمل مظلة سوداء رغم أن السماء لم تكن تمطر.

قال بصوت هادئ

كفاية.

تراجعت أختي.

أما أنا فثبتُّ مكاني.

الرجل اقترب ببطء.

وعندما أصبح وجهه واضحًا، شعرت أن قلبي توقف.

كان هو

الرجل الثالث الموجود في الصورة.

نظر إليّ وقال

أنا كنت آخر شخص شاف فؤاد حي.

قلت

إنت مين؟

قال

اسمي سامح.

وإنت تعرف جوزي من إمتى؟

ابتسم بحزن.

من قبل ما تعرفيه إنتِ.

ابني صرخ

إنت وعدتني إنك مش هتظهر!

التفت إليه سامح.

وأنا وعدتك إني مش هسيب أمك تموت من غير ما تعرف الحقيقة.

صرخت

الحقيقة إيه؟!

سكت لحظات.

ثم نظر إلى القبر وقال

القبر ده مش قبر فؤاد.

أغمضت عيني.

كنت أتمنى للحظة أن يقول أي شيء آخر.

أي شيء أسهل من هذه الحقيقة.

لكن سامح أضاف

لكن فيه شخص مدفون هنا.

قلت

مين؟

اقترب مني وهمس

الشخص اللي مات عشان فؤاد يقدر يعيش.

تراجعت خطوة.

يعني إيه؟

نظر إلى ابني.

هو عارف.

ابني هز رأسه بسرعة

لا أنا مش عارف كل حاجة.

سامح قال

لكنك عارف مين الشخص اللي دفنتوه.

ابني بدأ يبكي لأول مرة.

وقال

أنا كنت فاكر إنه أبويا.

سكتنا جميعًا.

ثم قال بصوت مكسور

يوم الجنازة لما شفت وشه، حسيت إن فيه حاجة غلط.

نظرت إليه.

وإنت سكت؟

لأن أبويا كان سايبلي رسالة وقال لي لو حصل لي حاجة، صدق إنني مت حتى لو شككت.

أخرج سامح شيئًا من جيبه.

كان مفتاحًا آخر.

وضعه في يدي.

المفتاح ده يفتح الخزنة.

نظرت إليه.

خزنة إيه؟

قال

خزنة فيها كل شيء.

ثم اقترب مني أكثر وقال

أسماء الناس اللي شاركوا في الخطة

وسكت لحظة.

والدليل على إن زوجك كان حيًا بعد الجنازة.

تجمدت.

بعد الجنازة؟

هز رأسه.

أيوه.

ثم أضاف

وفؤاد كان عارف إنك هتوصلي للخزنة في الليلة دي تحديدًا.

نظرت إلى أختي.

ثم إلى ابني.

ثم إلى القبر.

لكن قبل أن نتحرك، أضاء هاتف سامح.

وصلته رسالة.

قرأها، ثم رفع عيني نحوي.

كان وجهه قد تغير تمامًا.

قال

متأخرين.

ليه؟

أراني الشاشة.

كانت الرسالة قصيرة

الخزنة اتفتحت.

ثم وصلت رسالة ثانية فورًا

والشخص اللي فتحها مش واحد منكم حدقت في الشاشة، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

قلت

يعني


إيه الخزنة اتفتحت؟ مين فتحها؟

سامح لم يجب.

كان ينظر إلى ابني.

وابني كان ينظر إلى أختي.

وفجأة فهمت أن كل واحد منهم يخفي شيئًا.

قلت بصوت حاسم

كفاية أسرار. من النهارده محدش هيخبي عني حاجة.

سامح أخرج مفتاحًا صغيرًا آخر من جيبه.

الخزنة موجودة في مكان محدش يعرفه غير فؤاد وثلاثة أشخاص.

مين؟

قال

أنا أخوه وشخص رابع.

مين الشخص الرابع؟

نظر إلى ابني.

ابنك.

التفتُّ إليه.

إنت كنت تعرف مكان الخزنة؟

ابني هز رأسه.

أبويا أخدني ليها مرة واحدة وأنا عندي خمسة وعشرين سنة.

وليه؟

قال لي وقتها لو حصل لي حاجة، متفتحهاش إلا لما أمك تكون في خطر.

سكت.

ثم قال

وأنا افتكرت إن ده مجرد احتياط.

صرخت

وإمتى فتحتها؟

نظر إلى الأرض.

أنا ما فتحتهاش.

سامح قاطعه

لكن حد استخدم المفتاح الخاص بيك.

أخرج ابني سلسلة من رقبته.

كان فيها مفتاح صغير.

لم يكن موجودًا.

المفتاح اختفى من عندي من أسبوع.

نظرت إليه.

أسبوع؟

أيوه.

ثم ساد صمت ثقيل.

وفجأة جاء صوت من خلفنا

لأن الشخص اللي أخده كان موجودًا معاكم من البداية.

استدرنا جميعًا.

كانت أختي.

لكنها لم تكن تتحدث إلينا.

كانت تنظر إلى سامح.

اقتربت منه وقالت

صح؟

سامح ظل صامتًا.

قلت

أختي، إنتِ عارفة حاجة؟

نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بالدموع.

أنا كنت بحاول أحميكي.

من مين؟

قالت

من الحقيقة.

ثم أخرجت من حقيبتها صورة قديمة.

ناولتها لي.

كانت صورة لي أنا وزوجي في أول سنة زواج.

لكن خلفنا، عند باب المنزل، كان يقف رجل صغير السن.

نظرت إلى الصورة طويلًا.

ثم شهقت.

ده

كان سامح.

لكن الصورة عمرها أكثر من ثلاثين سنة.

رفعت عيني إليه.

إنت كنت تعرفني قبل جوازي من فؤاد؟

قال

أيوه.

وإزاي؟

تنهد.

لأن فؤاد لم يكن أول شخص في حياتك عرفته.

تجمدت.

ثم أكمل بسرعة

مش بالطريقة اللي بتفكري فيها.

أمال إيه؟

أنا كنت أعمل مع والدك.

سكتُّ.

والدي كان قد توفي منذ سنوات طويلة.

لكن سامح أخرج ورقة أخرى.

والدك ترك لي رسالة قبل وفاته.

فتحتها.

وكان أول سطر

لو فؤاد مات قبلي، احمِ نوال من أولادها.

رفعت رأسي ببطء.

أبويا كان عارف؟

كان عارف إن فؤاد مخبي حاجة كبيرة.

ثم أشار إلى القبر.

لكن محدش كان يعرف إن فؤاد وصل لمرحلة إنه يزوّر موته.

قلت

ليه يزوّر موته؟

سامح قال

لأنه اكتشف إن واحدًا من أقرب الناس ليه كان بيخطط لقتله.

نظرت إلى ابني.

ثم أختي.

ثم سامح.

وقلت

مين؟

لم يجب أحد.

وفجأة

جاء صوت هاتف من داخل حقيبتي.

تجمدت.

أنا متأكدة أنني لم أكن أملك هاتفًا عندما تركني ابني في الطريق.

فتحت الحقيبة ببطء.

كان هناك هاتف أسود صغير.

وشاشته مضاءة.

مكالمة واردة.

الاسم الظاهر على الشاشة كان

فؤاد.

رفعت الهاتف إلى أذني.

لم أتكلم.

وجاءني صوته

هادئًا.

واضحًا.

وحقيقيًا.

قال

نوال

تجمدت دموعي على وجهي.

ثم قال

لو سامح وصل لك، يبقى الخطة اتغيرت.

قلت بصوت مرتجف

إنت فين؟

صمت ثانيتين.

ثم


قال

أنا قريب منك جدًا.

رفعت عيني ونظرت حولي بين القبور.

ثم جاء صوته مرة أخرى

لكن قبل ما تشوفيني

توقف.

لازم تعرفي مين اللي خانني.

وفجأة انقطع الاتصال.

وفي اللحظة نفسها، أضاءت شاشة الهاتف برسالة جديدة

ابعدي عن سامح.

ثم وصلت رسالة ثانية

هو مش الشخص اللي قال لك إنه عليه.

رفعت عيني إلى سامح

وكان ينظر إلى الهاتف في يدي.

لكن ملامحه لم تكن ملامح شخص مصدوم.

كانت ملامح شخص

كان ينتظر هذه الرسالة ثبتُّ عيني على سامح، وقلت بصوت مرتجف

إنت كنت مستني الرسالة دي؟

لم يجب.

خطوة واحدة للخلف كانت كفاية تخلي ابني يقف بيني وبينه.

سامح قال بهدوء

نوال، اسمعيني قبل ما تحكمي.

أسمعك إيه؟ جوزي اتصل بيا وقال أبعد عنك!

لأن فؤاد مش عايزك تثقي في حد بسهولة.

قلت

طب ليه الرسالة قالت اسمك أنت؟

تنهد سامح.

لأن الشخص اللي معاه الهاتف مش فؤاد.

تجمدت.

يعني إيه؟

أشار للهاتف.

الرقم ممكن يتزوّر. الصوت ممكن يتسجل. لكن فيه حاجة واحدة مستحيل تتزوّر

أخرج من جيبه ورقة صغيرة.

خط فؤاد الحقيقي.

مدها لي.

كانت الورقة تحمل جملة قصيرة

لو سمعتِ صوتي من أي هاتف بعد وفاتي، لا تصدقيه.

شعرت أن الأرض تميد بي.

بس إنت قلت إنه حي!

قال

قلت إن فيه دليل إنه كان حيًا بعد الجنازة. ما قلتش إنه حي دلوقتي.

ابني قاطعنا

يبقى مين اللي بيتحكم في كل ده؟

لم يجب سامح.

وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت سيارة تقترب من بوابة المقبرة.

هذه المرة لم تكن سيارة واحدة.

كان هناك ثلاث سيارات.

أضواؤها انطفأت دفعة واحدة.

ثم نزل منها عدة أشخاص.

أختي أمسكت بذراعي

لازم نمشي.

لكن سامح قال

فات الأوان.

أحد الرجال بدأ يقترب منا.

وكان يحمل شيئًا في يده.

وعندما اقترب أكثر، اتضح أنه صندوق معدني صغير.

قال

نوال؟

قلت

أيوه.

وضع الصندوق أمامي.

ده من فؤاد.

نظرت إلى سامح.

ثم إلى ابني.

إيه ده؟

الرجل قال

آخر حاجة كان محتفظ بيها قبل ما يختفي.

فتحت الصندوق.

في داخله كانت هناك ساعة زوجي القديمة.

وصورة لنا يوم زواجنا.

وورقة واحدة.

فتحتها.

وكان مكتوبًا

لو وصل الصندوق لنوال، يبقى الشخص الذي أثق به أكثر من الجميع مات.

شهقت.

وتحت الجملة كان اسم واحد.

اسم أختي.

رفعت رأسي إليها.

كانت تبكي.

قلت

إنتِ؟

هزت رأسها بسرعة

والله ما عملت حاجة!

لكن قبل أن أكمل، قال الرجل

فؤاد كان يعرف إنها هتكون أول شخص تتهميه.

ثم أخرج ورقة ثانية من الصندوق.

وقال

لكن فيه سبب يخليك تشكي فيها.

فتحت الورقة.

وكان فيها سجل تحويلات مالية باسم أختي.

مبالغ ضخمة.

وتواريخ متزامنة مع الأيام التي اختفى فيها زوجي.

نظرت إليها بصدمة.

إنتِ كنتِ بتاخدي فلوس من فؤاد؟

بكت وقالت

أيوه

تراجعت.

ليه؟

مسحت دموعها وقالت

لأنه كان بيديني الفلوس عشان أراقب أولادك.

سكت الجميع.

ثم أضافت

لكنه ما كانش خايف منهم كلهم.

نظرت إليها.

كان خايف من واحد بس.

قلت

مين؟

أختي رفعت عيني ناحية


ابني.

لكن قبل ما تتكلم

ابني قال

أنا.

ثم أخرج من جيبه ورقة قديمة، ومدها لي.

أبويا كتبها قبل وفاته.

أخذتها.

وكان مكتوبًا فيها

نوال، لو ابنك اعترف، لا تصدقي اعترافه كله لأن الحقيقة أسوأ مما تتخيلين.

رفعت عيني إلى ابني.

فقال بصوت مكسور

ماما أنا فعلًا أخفيت عنك حاجة.

إيه؟

اقترب مني.

ثم قال

أنا كنت آخر شخص شاف أبويا حيًا.

سكت لحظة.

وكنت أنا اللي سلمته للشخص اللي قتله على الأقل ده اللي كنت فاكره.

اتسعت عيناي.

لكن قبل أن أستوعب كلامه، جاء صوت من خلف القبور

لا يا بني

تجمدنا جميعًا.

كان صوت رجل مسن.

ثم ظهر شخص من الظلام.

وعندما رأيته

سقطت مني الورقة.

لأن الرجل الذي يقف أمامنا كان يحمل ملامح زوجي

لكن ليس زوجي.

وكان أول شيء قاله

فؤاد ما ماتش.

ثم نظر إليّ مباشرة.

وأنا الوحيد اللي أعرف هو فين الرجل وقف أمامنا، وملامحه كانت قريبة بشكل مخيف من ملامح زوجي، لكن مع سنوات أكثر على وجهه.

قلت بصوت مرتجف

إنت مين؟

قال

اسمي عادل.

ثم نظر إلى ابني وقال

وأبوك طلب مني ما أظهرش قدامك غير لما أمك توصل للحقيقة.

ابني اقترب منه

أنت كنت معاه؟

عادل هز رأسه.

لآخر لحظة.

سألته

فؤاد حي؟

صمت طويل.

ثم قال

كان حيًا بعد الجنازة.

شهقت.

وبعدها؟

نظر إلى الأرض.

هنا لازم تعرفي الحقيقة كاملة.

أخرج من جيبه ملفًا صغيرًا، وقال

فؤاد اكتشف إن الشركة اتعرضت لعملية تلاعب كبيرة. أموال اختفت، عقود اتغيرت، وتوقيعات اتزوّرت.

قلت

مين عمل كده؟

قال

شخص قريب جدًا من العائلة.

نظرت إلى ابني.

ثم إلى أختي.

لكن عادل قال

مش ابنك.

شعرت بالارتباك.

أمال مين؟

فتح الملف.

كان بداخله كشف حساب قديم، وتحت عدة تحويلات توقيع واحد.

توقيع زوجي نفسه.

قلت

دي إمضته.

قال

أيوه.

يعني هو اللي سرق؟

هز رأسه

لا. هو كان بيعمل كده عشان يخفي حاجة أكبر.

قلب الصفحة.

ظهر اسم شركة لم أسمع به من قبل.

ثم قال

الشركة دي كانت بتشتري أسهم من شركتكم بشكل سري.

سألته

ومين مالكها؟

عادل لم يجب.

بدلًا من ذلك، أخرج صورة.

في الصورة كان زوجي يقف بجوار رجل آخر.

رفعت الصورة أمام عيني.

وتعرفت على الرجل فورًا.

كان طبيب زوجي.

الطبيب الذي أعلن وفاته.

تراجعت خطوة.

هو؟

قال عادل

أيوه.

يعني الطبيب كان شريكًا؟

أكتر من شريك.

ثم نظر إلى ابني.

هو الشخص اللي ساعد فؤاد يختفي.

ابني صرخ

ليه؟

عادل قال

لأن فؤاد كان متأكد إن محاولة قتله جاية من داخل بيته.

نظرت إلى ابني.

منك؟

هز رأسه بسرعة

لا يا أمي.

لكن عادل قال

مش منه.

ثم سكت لحظة.

من شخص ما خطرش على بالك أبدًا.

شعرت بالخوف.

مين؟

أخرج عادل آخر ورقة.

كانت عبارة عن صورة من وصية قديمة.

لكن المفاجأة لم تكن في الوصية.

كانت في الاسم المكتوب في آخر الصفحة.

اسمي أنا.

قلت

أنا؟

قال

أيوه.

إيه اللي أنا عملته؟

اقترب عادل وقال

فؤاد كتب كل شيء باسمك قبل وفاته

ثم توقف.

لكن المشكلة إن حد زور


توقيعك بعد موته وحاول ينقل الملكية كلها لشخص آخر.

سألت

لمين؟

رفع عادل عيني نحوي.

وقال

للشخص اللي رماكي في الطريق.

نظرت إلى ابني.

لكن ابني كان شاحبًا.

أنا ما عملتش كده.

عادل رد

عارف.

ثم أضاف

لأن اللي وقع الأوراق باسمك

مد الورقة نحوي.

كانت أختك.

ساد الصمت.

نظرت إلى أختي.

كانت تبكي.

قلت

قولي إن ده مش حقيقي.

لكنها لم تجب.

ثم قالت بصوت مكسور

أنا ما كنتش عايزة أعمل كده.

قلت

أمال ليه عملتيه؟

رفعت عيني نحوي.

لأن فؤاد هو اللي طلب مني.

تجمد الجميع.

قالت

كان عارف إنك لو عرفتِ الحقيقة، هتروحي تدوري عليه

 

 

بنفسك.

ثم أخرجت ورقة من حقيبتها.

ودي آخر رسالة منه.

فتحتها.

وكان أول سطر فيها

نوال لو أختك قالت لك إنني طلبت منها تزوير توقيعك، صدقيها.

لكن تحت السطر مباشرة كانت جملة أخرى

لأن الشخص الذي سيقتلني ليس ابني ولا أخي ولا طبيبي.

رفعت عيني.

وتحتها كان اسم واحد.

اسم لم أتوقعه أبدًا.

اسمي أنا وقفت أحدق في اسمي المكتوب على الورقة، وشعرت أن كل شيء حولي يدور.

قلت

اسمي أنا؟! يعني إيه إن أنا اللي هقتلك يا فؤاد؟

عادل أخذ الورقة مني وقال

اقلبيها.

قلبتها.

وكان خلفها سطر واحد

نوال، لا تخافي. أنا لم أقصد أنك ستقتلينني بل أنك الوحيدة القادرة على كشف من فعل.

أخذت نفسًا طويلًا.

وفجأة بدأت كل القطع تتجمع.

الطبيب، الشركة، الخزنة، ابني، أختي، والجنازة.

فؤاد لم يكن قد مات بالطريقة التي ظنناها.

لقد اكتشف أن أحد الشركاء كان يختلس أموال الشركة، وعندما حاول كشفه،


تعرض لمحاولة قتل.

لذلك اتفق مع الطبيب وعادل على اختفاء مؤقت، وأعد خطة تضمن أن أمواله وحقوقي لا يمكن الاستيلاء عليها بسهولة.

لكن خطته لم تستمر كما أراد.

الشخص الذي كان يختلس الأموال اكتشف جزءًا منها، وتعاون مع آخرين لتزوير الأوراق.

أما ابني، فكان قد عرف شيئًا من الحقيقة، لكنه أخطأ عندما ظن أن إبعادني عن البيت سيحميني.

ولهذا رماني في الطريق.

لم يكن تصرفه صحيحًا، لكنه لم يكن يريد قتلي.

أما أختي، فكانت تنفذ تعليمات فؤاد وتحاول حمايتي من بعيد.

والشخص الذي ظهر في النهاية، عادل، كان آخر من يعرف مكان فؤاد.

لكن السؤال الذي ظل يؤرقني

طيب فؤاد فين؟

نظر عادل إلى الطريق.

ثم قال

في المكان اللي بدأ منه كل شيء.

ذهبنا إلى منزلنا القديم.

دخلت غرفة زوجي للمرة الأولى منذ وفاته.

كان كل شيء كما تركه.

فتحت الخزنة بالمفتاح.

وجدت أوراق الشركة، تسجيلات، عقودًا،

وأخيرًا رسالة باسمي.

فتحتها.

وكانت آخر رسالة كتبها زوجي

نوال، سامحيني لأني أخفيت عنك الحقيقة. كنت أعرف أن طمع الناس قد يصل إلى أقرب من نحب، لذلك تركت لك كل الأدلة. لو وصلتي إلى هنا، فاعرفي أنني اخترت أن أحميك حتى لو كرهتِني بسبب أسراري.

ثم وجدت صورة.

رفعتها أمام عيني.

وكان فؤاد واقفًا أمام منزل صغير في بلدة بعيدة.

وعلى ظهر الصورة

هنا ستجدينني.

في اليوم التالي، سافرت مع عادل.

وصلنا إلى المنزل.

طرقت الباب.

فتح رجل مسن.

نظرت إليه.

توقفت أنفاسي.

كان فؤاد.

أكبر سنًا، متعبًا، لكنه هو.

قلت

فؤاد؟

امتلأت عيناه بالدموع.

وقال

سامحيني يا نوال.

لم أستطع أن أتكلم.

بكيت فقط.

ليس لأنني كنت سعيدة بعودته.

بل لأنني كنت غاضبة من كل ما حدث.

بعد أيام، عاد فؤاد إلى البلدة، وواجهنا بكل الحقيقة.

تم تقديم الأدلة للجهات المختصة، واستُعيدت ملكية الشركة والأموال

التي حاولوا الاستيلاء عليها.

أما ابني، فوقف أمامي يومًا وقال

ماما، أنا عارف إن اللي عملته مستحيل يتصلح بكلمة.

نظرت إليه طويلًا.

وقلت

يمكن مش هقدر أنسى لكن ممكن أديك فرصة تثبت إنك اتعلمت.

وبنتي بكت واعتذرت لي عن صمتها.

أما أنا

فلم أعد المرأة التي خرجت من السيارة وحيدة وسط الطريق.

تعلمت أن العمر لا يعني الضعف، وأن فقدان شخص لا يعني فقدان الحياة كلها.

بعد أشهر، جلست في الحديقة نفسها التي كنت أخاف أن أجلس فيها وحدي.

وضعت فنجان القهوة أمامي، ونظرت إلى البيت.

كان البيت ما زال بيتي.

والشركة عادت لأصحابها.

لكن أهم شيء استعدته لم يكن المال ولا الممتلكات.

كان نفسي.

ابتسمت وأنا أتذكر اللحظة التي تركني فيها ابني على الطريق.

وقلت لنفسي

هو كان فاكر إنه سابني من غير حاجة

ثم نظرت إلى السماء.

لكنه في الحقيقة سابني حرة.

ومن يومها، لم أعد أخاف من الوحدة.

لأنني اكتشفت أن أصعب لحظة في حياتي

كانت هي نفسها اللحظة التي بدأت فيها حياتي من جديد.

 


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close