قبل ولادتي بيومين حكايات ندى الجمل كاملة
حكايات ندى الجمل كاملة
قبل ولادتي بيومين، حماتي وقفت قدامي وقالتلي بمنتهى البرود: «كلمي أخواتك البنات يخلي أزواجهم يبعتوا فلوس علشان نجيب حاجات النفاس.» أبويا وأمي متوفيين، وأخواتي نفسهم ظروفهم صعبة… فرفضت. لكن اللي حصل بعدها خلاني أكتشف ليه حماتي بتعمل كده والأغرب إن كل ده عرفناه في نفس اليوم اللي ولدت فيه بنتي
كنت فاكرة إن آخر يومين قبل الولادة هيكونوا أهدى يومين في حياتي…
كنت متخيلة إني هقعد في شقتي، ألمس بطني وأكلم بنتي اللي مستنية أشوفها من شهور، وأفكر هسميها إيه، وهتكون شبه مين.
لكن اللي حصل كان مختلف تمامًا.
أنا سلمى، عندي خمسة وعشرين سنة، ومتجوزة محمود من تلات سنين.
محمود شغال باليومية، يوم يشتغل ويوم لأ، بس عمره ما قصر معايا على قد قدرته.
من يوم ما اتجوزته وأنا عارفة ظروفه، وعارفة إني هعيش في بيت عيلة، وعارفة إن أمه سعاد ست صعبة شوية.
لكن عمري ما تخيلت إن وأنا في آخر يومين من حملي، وظهري بيوجعني وبطني تقيلة لدرجة إني مش عارفة أنام، هسمع منها الكلام اللي وجعني أكتر من وجع الحمل نفسه.
كنت واقفة في المطبخ بحاول أعمل لنفسي كوب شاي، لما سمعت صوتها من ورايا:
— سلمى!
لفيت لها وأنا ماسكة الكوباية.
— نعم يا ماما؟
بصتلي من فوق لتحت، وبعدين قالت بمنتهى العادية:
— كلمي أخواتك خليهم يبعتولك حاجات النفاس.
اتجمدت مكاني.
— حاجات نفاس؟
— أيوه. هدوم، ملايات، أكل… الحاجات اللي الست بتحتاجها بعد الولادة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وأنا بحاول أفهم هي تقصد إيه.
— يا ماما، أنا متفقة مع محمود إننا هنجيب اللي نقدر عليه.
قاطعتني بسرعة:
— محمود؟
— أيوه.
ضحكت ضحكة قصيرة وقالت:
— محمود هيجيب منين؟ ده شغال باليومية يا حبيبتي. هو هيدفع مصاريف الولادة ولا هيجيب أكل؟
سكت.
الجملة دخلت قلبي بطريقة غريبة.
مش عشان قالت إن محمود على قد حاله…
أنا عارفة.
لكن عشان قالتها قدامي كأن جوزي عاجز، وكأني أنا حمل زيادة عليه.
قلت بهدوء:
— إحنا متفاهمين يا ماما. أنا مش فارق معايا آكل إيه. الأكل الموجود في البيت آكل منه، مش لو مكلتش فراخ يبقى مش هعرف أنفّس.
بصتلي باستغراب:
— يعني إيه الأكل الموجود في البيت؟
— يعني اللي يتعمل للبيت هاكل منه.
هزت رأسها وقالت:
— عايزة الناس تاكل وشنا؟
بصيت لها ومفهمتش.
— ناس مين؟
— أخواتك يا حبيبتي. الواحدة لما بتولد أهلها بيقفوا جنبها.
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
قلت:
— يا ماما، بابا وماما الله يرحمهم مش موجودين. أخواتي نفسهم ظروفهم صعبة.
ردت بمنتهى البرود:
— ما هما متجوزين.
— يعني؟
— يعني أزواجهم يساعدوهم ويجيبوا لك اللي تحتاجيه.
بصيت لها كأني أول مرة أشوفها.
— ماما، منى وحسام بالعافية ماشيين بيتهم. ونور وإيهاب عندهم التزامات. أطلب منهم فلوس عشان يشتروا لي حاجات نفاس؟
قالت:
— أمال عايزاهم يعملوا إيه؟ دول أخواتك.
صوتي بدأ يهتز:
— أخواتي، آه… بس مش معنى كده إني أطلب منهم حاجة هما مش قادرين عليها.
رفعت صوتها:
— يا سلمى، إنتِ عايزة تفضحينا؟
الكلمة دي كسرتني.
أنا اللي قربت أولد…
أنا اللي فقدت أمي وأبويا…
أنا اللي كنت نفسي في حضن أمي في اللحظة دي…
بقيت أنا اللي بفضحهم؟
ما رديتش.
حطيت الكوباية على الرخامة، ومسحت دموعي بسرعة قبل ما تنزل قدامها.
قالت وهي بتتمتم:
— الواحد بيعمل اللي عليه، وبعدين مرات ابنه تقول مش عايزة.
بصيت لها وقلت بهدوء:
— أنا مش بقول مش عايزة يا ماما… أنا بقول مش هقدر أطلب من أخواتي فوق طاقتهم.
ما استنتش ردها.
طلعت على الشقة.
قفلت الباب ورايا، وأول ما ضهري لمس الباب، انفجرت في العياط.
حطيت إيدي على بطني.
— معلش يا حبيبتي…
بطني اتحركت تحت إيدي.
— معلش يا بنتي… شكلك هتتولدي في دنيا مفيهاش ماما تحضني.
قعدت على طرف السرير وأنا بمسح دموعي.
وفجأة…
سمعت صوت المفتاح في الباب.
محمود رجع من الشغل.
قلبي وقع.
أنا كنت عارفة إنه لو سمع اللي حصل، هيتخانق مع أمه.
وعارفة كمان إن أمه مش هتسكت.
فتحت الباب بسرعة قبل ما يطلع.
لقيته واقف قدامي هدومه عليها تراب وشكله مرهق.
أول ما شاف عيني حمرا، اتغير وشه.
— مالك يا سلمى؟
هزيت رأسي:
— مفيش.
قرب مني:
— مفيش إيه؟ إنتِ عيطتي؟
سكت شوية.
وبعدين قلت:
— أمك كلمتني النهاردة.
وشه اتشد.
— قالتلك إيه؟
قبل ما أرد…
سمعنا صوت أمه من تحت وهي بتنادي:
— محمود! تعالى يا ابني، عايزاك في كلمتين.
بصلي محمود.
وبعدين بص ناحية الباب.
وقال:
— هي قالتلك إيه؟
دموعي نزلت تاني.
— قالتلي أكلم أخواتي… عشان يطلبوا من جوازهم فلوس ويجيبولي حاجات النفاس.
سكت محمود.
وشه اتغير تمامًا.
لأول مرة من يوم ما اتجوزته، شفت في عينيه حاجة عمري ما شفتها قبل كده…
غضب.
قال بصوت واطي:
— أمي قالتلك كده؟
هزيت رأسي.
— أيوه.
وقبل ما يلحق يتكلم…
سمعنا صوت أمه من تحت مرة تانية:
— محمود! متطلعش فوق! انزل الأول عايزاك!
محمود بصلي وقال:
— استنيني هنا.
مسك إيدي للحظة.
— المرة دي… أنا اللي هتكلم.
ونزل.
وأنا فضلت واقفة مكاني…
لكن بعد أقل من خمس دقايق، سمعت صوت خناقة عمرها ما حصلت في البيت ده.
وصوت محمود لأول مرة وهو بيزعق في أمه:
— مراتي مش هتطلب من حد جنيه واحد!
وبعدها…
سمعت أمه بتقول جملة ….
فضلت واقفة ورا باب الشقة، قلبي بيخبط في صدري من الخوف.
صوت محمود كان عالي لأول مرة بالشكل ده:
— مخبية إيه يا أمي؟ إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
ردت سعاد بصوت مكسور، لكنه كان واضح إنه مقصود:
— اسأل مراتك الأول… هي ليه مصممة تخلي الناس تقول إنك مش قادر تصرف عليها؟
محمود رد بعصبية:
— مفيش حد له عندنا حاجة!
— لأ، ليهم! وإنت عارف كويس إن أختك منى كانت بتبعت لنا حاجات كتير قبل كده.
اتصدمت.
أنا أصلًا ما كنتش أعرف إن منى كانت بتبعت حاجة لحماتي.
سمعت محمود يقول:
— منى كانت بتبعتلك إيه؟
سكتت أمه ثواني.
وبعدين قالت:
— فلوس.
قلبي وقع.
محمود قال:
— فلوس إيه؟
— كانت بتبعتلي كل شهر مبلغ صغير، عشان تساعد في مصاريف البيت.
— وإنتِ كنتِ بتقوليلي إنها بتبعتلك ليه؟
— عشان ما تحسش إنها مقصرة.
محمود سكت.
وبعدين قال:
— وإنتِ عايزة منها فلوس تاني؟
ردت:
— دي أخت مراتك، وهي أولى بيها دلوقتي.
— لأ يا أمي. هي مش أولى بمراتي من جوزها.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
محمود كمل:
— سلمى عمرها ما طلبت من أخواتها حاجة. وإنتِ عارفة إن أبوها وأمها ماتوا، وعارفة إن أخواتها نفسهم بالعافية عايشين.
— وإنت هتعمل إيه؟ هتجيب لها احتياجات النفاس منين؟
— هجيبها.
ضحكت أمه بسخرية:
— بإيه؟
سكت محمود.
وأنا عرفت إنه فعلًا مش عارف.
هو كان معاه مبلغ صغير في جيبه، وأنا عارفة إنه كان موفره للولادة.
صوت أمه رجع:
— شايف؟ أهو ساكت.
رد محمود:
— حتى لو هقعد من غير أكل، مراتي مش هتمد إيدها لحد.
دخلت الغرفة وأنا بعيط.
أنا مش عايزة محمود يقعد من غير أكل عشاني.
ولا عايزة أخواتي يطلبوا من أزواجهم عشاني.
ولا عايزة أكون سبب مشكلة بين أي حد.
لكن اللي حصل بعدها كان أغرب من كل ده.
تليفوني رن.
كانت منى.
رديت وأنا بحاول أتماسك:
— ألو يا منى.
قالت بصوت قلق:
— سلمى، إنتِ كويسة؟
— آه.
— حماتك كلمتني.
سكت.
— قالتلي إنك محتاجة حاجات النفاس.
غمضت عيني.
— منى، بالله عليك ما تجيبي حاجة.
— إنتِ عارفة أنا ممكن أعمل إيه؟
— عارفة.
— وعارفة كمان إنك أختي الوحيدة؟
ابتسمت وسط دموعي.
— إحنا تلاتة يا منى.
ضحكت:
— عارفة، بس إنتِ الصغيرة.
وبعدين صوتها اتغير:
— بس في حاجة لازم تعرفيها.
— إيه؟
— حماتك ما كلمتنيش بس عشان حاجات النفاس.
قلبي انقبض.
— أمال؟
— قالتلي إنك لازم تجهزي مبلغ كبير.
— مبلغ كبير ليه؟
— قالت إن محمود عليه مصاريف للولادة، وإن البيت محتاج فلوس، وإن لو إحنا أخواتك فعلًا لازم نقف جنبك.
سكت.
وبعدين قلت:
— وإنتِ قلتي لها إيه؟
ضحكت منى ضحكة فيها مرارة:
— قولتلها إن جوزي مش معاه.
— ونور؟
— كلمتها قبلك.
— وقالت إيه؟
— قالتلها نفس الكلام.
سكتنا إحنا الاتنين.
وبعدين منى قالت:
— بس أنا مش هسيبك.
— منى، إوعي تعملي حاجة.
— اسمعيني.
صوتها كان حازم.
— أنا مش هطلب من حسام فلوس عشان أجيبلك حاجات نفاس.
— أهو ده اللي أنا خايفة منه.
— لأ… أنا هبيع الدهب اللي عندي.
شهقت:
— إيه؟!
— الدبلة والسلسلة.
— لا يا منى!
— ليه لأ؟
— عشان إنتِ مش معاكي غيرهم!
— وإنتِ أختي.
بدأت أعيط:
— أنا مش عايزة دهبك.
قالت بهدوء:
— وأنا مش هبيعه.
سكت.
— طب هتعملي إيه؟
قالت:
— هاجي لك.
— هتيجي؟
— أيوه. أنا ونور.
— منى…
قاطعتني:
— بس مش جايين بإيدينا حاجات.
استغربت.
— أمال جايين ليه؟
قالت:
— عشان نقعد معاكي.
سكتت لحظة وبعدين قالت:
— إحنا اتيمنا من غير أب وأم، بس مش معنى كده إننا بقينا من غير أهل.
الكلمة دي خلّتني أنهار.
قفلت المكالمة وأنا حاطة إيدي على بطني.
بعدها بدقايق، محمود دخل.
كان وشه متغير.
قعد جنبي وقال:
— أنا آسف.
بصيت له:
— على إيه؟
— إني خليتك توصلي للحالة دي.
— إنت ما عملتش حاجة.
— لأ، عملت.
مسك إيدي.
— أنا كنت فاكر إن سكوتي بيحافظ على البيت.
بصيت له باستغراب.
— يعني إيه؟
قال:
— أمي من أول جوازنا وهي بتطلب مني حاجات تخص البيت، وأنا كنت بديها اللي أقدر عليه، حتى لو على حسابي.
— وأنا كنت عارفة.
— بس اللي اكتشفته النهاردة إن في حاجة تانية.
سألته:
— إيه؟
طلع موبايله وفتحه.
— منى بعتتلي رسالة.
قرأتها.
كانت بتقول:
“يا محمود، أنا عارفة إن أختي ما قالتلكش، بس أمك كانت بتطلب مني فلوس كل شهر بحجة إنها مصاريف البيت. أنا كنت بديها على قد استطاعتي، ومكنتش عايزة أقولك عشان ما يحصلش مشكلة بينكم.”
رفعت عيني لمحمود.
— أنا ما كنتش أعرف.
قال:
— وأنا كمان.
سكت شوية.
وبعدين قلت:
— محمود، أنا مش عايزة فلوس من حد.
— وأنا مش هخليكي تحتاجي حد.
— بس إنت شغلك باليومية.
ابتسم رغم تعبه:
— يبقى أشتغل يومين زيادة.
— والولادة؟
— ربنا هيسهلها.
— والأكل؟
— ناكل فول.
ضحكت غصب عني.
قال:
— إنتِ عايزة فراخ يعني؟
هزيت رأسي وأنا بضحك وبعيط:
— لا.
— أمال إيه؟
— عايزة بس أحس إني مش لوحدي.
سكت محمود.
وبعدين حضني.
— عمرك ما هتبقي لوحدك.
في اللحظة دي، سمعنا خبط على الباب.
محمود قام يفتح.
كانت منى ونور واقفين.
دخلوا الاتنين، وأول ما شافوني، منى حضنتني.
ونور حطت شنطة صغيرة على السرير.
بصيت لها:
— إيه دي؟
قالت:
— حاجات بسيطة.
— قولتلكم ما تجيبوش!
قالت نور:
— دي مش فلوس من جوزي.
استغربت.
— أمال؟
ابتسمت:
— دي حاجات كنت مجهزاها لبنتي.
بصيت لها.
— بنتك؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— أيوه… بس أنا فقدت الحمل من شهرين.
اتجمدت.
نور كملت وهي بتحاول تمنع دموعها:
— كنت مخبية الحاجات دي، ومش عارفة أعمل بيها إيه.
فتحت الشنطة.
كان فيها ملاية صغيرة، وهدوم بيبي، وبطانية وردي.
— لما عرفت إنك هتولدي، حسيت إن الحاجات دي لازم تروح لبنتك.
انهرت في العياط.
حضنتها.
ولأول مرة من بداية اليوم، حسيت إن ربنا بعث لي أمي في شكل أخواتي.
لكن اللي ما كناش نعرفه وقتها…
إن سعاد كانت واقفة تحت السلم، وسمعت كل كلمة.
وفي نفس الليلة، حصل شيء قلب البيت كله.
لأن سعاد طلعت فوق، وخبطت على باب الشقة، ولما فتح محمود، قالت له:
— لو أخوات سلمى دخلوا البيت ده تاني، يبقى أنا مش هقعد هنا.
وبعدين بصتلي وقالت:
— ولسه عندي كلام كتير لازم تعرفيه قبل ما تولدي.
حطيت إيدي على بطني.
وفي اللحظة دي…
جالي أول وجع قوي.
اتنيت من الألم.
محمود صرخ:
— سلمى!
نور جريت عليا.
ومنى قالت:
— شكلها هتولد!
لكن سعاد…
فضلت واقفة مكانها.
وبصتلي بنظرة غريبة جدًا.
وقالت:
— قبل ما تروحي المستشفى… لازم تعرفي الحقيقة اللي أخويا ابني مخبيها عنك.
محمود بص لها بصدمة:
— أمي… كفاية!
قالت:
— لأ، المرة دي لازم تعرف.
والوجع زاد.
وأنا ما كنتش عارفة…
هل اللي مستنيني في المستشفى هو لحظة ولادة بنتي؟
ولا بداية أكبر صدمة في حياتي؟
Writing
— أمي… كفاية!
محمود قالها وهو واقف قدامها، لكن سعاد ما اتحركتش.
أنا كنت متعلقة في دراع منى، ونور بتحاول تسندني، والوجع بييجي ويروح أقوى من اللي قبله.
قلت بصعوبة:
— محمود… أنا لازم أروح المستشفى.
بص لأمه وقال:
— الكلام ده بعدين.
لكنها ردت:
— لو خرجت دلوقتي وهي مش عارفة الحقيقة، هتندم طول عمرها.
بصيت لها وأنا مش فاهمة.
— حقيقة إيه؟
سكتت.
محمود قرب مني وقال:
— مفيش حاجة يا سلمى. دي أمي بتحاول تخوفك.
صرخت من الوجع:
— أمال ليه بتقول كده؟!
سعاد قالت:
— لأن ابني مخبي عنك إن البيت ده مش بيتنا أصلًا.
اتجمدت.
— يعني إيه؟
محمود بص لأمه بغضب.
— أمي!
قالت:
— البيت ده بتاع أخوك الكبير، مش بتاعك. وإنت من أول ما اتجوزتها قلت لها إنك هتعيش هنا لحد ما تقدر تجهز شقتك.
بصيت لمحمود.
هو سكت.
— الكلام ده صح؟
حرك عينه بعيد عني.
— أيوه… بس الموضوع مش زي ما أمي بتقول.
— أمال زي إيه؟
قال بسرعة:
— أنا كنت بجمع فلوس عشان أبدأ أجهز شقتنا. بس الشغل وقف معايا أكتر من مرة، والفلوس اللي كنت موفرها صرفنا جزء منها على علاج أبويا قبل ما يموت.
سعاد قاطعته:
— ونسيت تقول لها إن أخوك عايز البيت ده؟
محمود بص لها:
— مش وقته!
لكنها كملت:
— أخوك رجع من السفر، وعايز بيته. يعني بعد ما تولد، ممكن تلاقي نفسك إنتِ وبنتك في الشارع.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
منى قالت بعصبية:
— إنتِ بتقولي إيه يا طنط؟!
سعاد ردت:
— بقول الحقيقة.
نور قالت:
— والحقيقة إن سلمى قربت تولد، وإنتِ واقفة بتخوفيها!
أنا حطيت إيدي على بطني.
— محمود…
قرب مني.
— أنا هنا.
— كنت هتقول لي؟
سكت.
— كنت هتقول لي إن ممكن نخرج من البيت؟
قال:
— كنت هتصرف.
— إمتى؟
— بعد الولادة.
ضحكت وسط دموعي.
— يعني كنت مستني أجيب بنتي وأعرف بعدها إن مالناش مكان؟
— لا يا سلمى، والله ما كان قصدي.
— أمال قصدك إيه؟
قال وهو بيبص في عيني:
— كنت عايز أحلها لوحدي.
صرخت:
— أنا مراتك! مش حد غريب عنك!
سكت.
وفي اللحظة دي جالي وجع أقوى.
مسكت بطنّي وصرخت.
منى قالت:
— خلاص، مفيش وقت للكلام. لازم ننزل المستشفى دلوقتي.
محمود جاب المفاتيح.
لكن سعاد وقفت قدام الباب.
— محمود، استنى.
— مش هنتظر.
— اسمعني بس.
— أمي، لو مراتي ولدت في العربية بسببك، عمري ما هسامحك.
فتحت الباب.
نزلنا بسرعة.
وأثناء ما محمود كان بيسندني، سعاد نادت:
— سلمى!
بصيت لها.
قالت:
— أنا عارفة إنك فاكراني بكرهك.
سكت.
— بس لما ترجعي من المستشفى، هتفهمي ليه كنت بحاول أخلي أخواتك يساعدوكي.
ما رديتش.
ركبت العربية.
ومحمود اتحرك بأقصى سرعة.
طول الطريق، كنت ماسكة إيده.
هو كان سايق بإيد، والتانية ماسك إيدي.
قال:
— سامحيني.
— على إيه؟
— إني خبيت عليكي.
— أنا مش زعلانة عشان البيت.
— أمال؟
بصيت له.
— عشان حسيت إنك شايل كل حاجة لوحدك ومش شايفني شريكة معاك.
سكت.
وبعدين قال:
— عندك حق.
بعد حوالي نص ساعة وصلنا المستشفى.
دخلوني غرفة الولادة.
ومنى ونور كانوا معايا لحد باب الغرفة.
قبل ما أدخل، نور حضنتني وقالت:
— إنتِ مش لوحدك.
ومنى قالت:
— وإحنا مش هنسيبك.
بصيت لمحمود.
كان واقف بعيد، وشه مليان خوف.
قلت له:
— محمود.
قرب.
— نعم؟
— لو بنتنا جت، أول حاجة عايزة أسمعها منك إنك مش هتخبي عني حاجة تاني.
مسك إيدي.
— أوعدك.
دخلت غرفة الولادة.
والساعات اللي بعدها كانت أصعب ساعات عدت عليا.
ألم…
خوف…
دعاء…
وبعدين…
سمعت أول صرخة لبنتي.
بنتي.
اللحظة دي نسيت فيها كل حاجة.
كل اللي حصل.
حماتي.
البيت.
الفلوس.
الخوف.
كل حاجة.
فضلت أعيط وأنا بقول:
— بنتي…
الممرضة حطتها جنبي.
بصيت في وشها.
كانت صغيرة جدًا.
إيدي كانت بتترعش وأنا بلمس خدها.
— أهلًا يا قلبي.
وبعدها بدقائق دخل محمود.
أول ما شافها، دموعه نزلت.
قرب وباس راسي.
— الحمد لله على سلامتك.
قلت:
— بنتك.
ضحك وهو بيعيط.
— بنتي.
لكن فرحتنا ما كملتش.
لأن محمود خرج من الغرفة، وبعد دقائق رجع ووشه متغير.
قلت:
— في إيه؟
ما ردش.
— محمود؟
قال:
— أخويا جه المستشفى.
— ليه؟
سكت.
وبعدين قال:
— قال إن البيت لازم يتفضى خلال أسبوع.
بصيت لبنتي.
كانت نايمة جنبي.
وقلت:
— أسبوع؟
— أيوه.
بدأت أعيط.
لكن محمود قرب مني وقال:
— متخافيش.
— هنروح فين؟
— مش عارف.
— وإنت كنت فاكر إنك هتحلها إزاي؟
سكت.
وفي اللحظة دي…
دخلت سعاد.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها، شفتها منهارة.
قربت مني، وبصت على حفيدتها.
وبعدين قالت:
— أنا آسفة يا سلمى.
بصيت لها باستغراب.
— آسفة على إيه؟
قعدت على الكرسي جنب السرير.
— على كل كلمة قلتها لك.
— طب ليه عملتي كده؟
نزلت دموعها.
— لأن أخو محمود مش هو صاحب البيت.
اتسعت عيني.
— أمال مين؟
بصت لمحمود.
ومحمود نزل عينه في الأرض.
قالت:
— البيت باسم محمود.
سكتنا كلنا.
أنا بصيت لمحمود.
— إيه؟
سعاد قالت:
— أبو محمود كتب البيت له قبل ما يموت.
قمت من مكاني رغم تعبي.
— طب ليه كنت بتقول إن أخوك هو صاحبه؟
محمود قال:
— عشان…
سعاد قاطعته:
— عشان محمود باع نصيبه من البيت.
اتصدمت.
— باعه؟!
قالت:
— أيوه.
بصيت له.
— ليه؟
محمود دموعه نزلت.
— عشان أختي كانت مديونة.
سكت.
— أنا بعت نصيبي عشان أسدد ديونها، وأمي كانت عارفة.
سعاد كملت:
— بس لما أخوك عرف إنك بعت نصيبك، استغل الموضوع، وقال لك إنه هيسيبك تعيش هنا مؤقتًا، لحد ما تجهز شقتك.
محمود قال:
— وأنا كنت عايز أحل الموضوع من غير ما أحملك هم.
بصيت له طويلًا.
كنت عايزة أزعق.
كنت عايزة ألومه.
لكن لما بصيت لبنتي، افتكرت إنه ضحى بكل اللي كان معاه عشان أخته.
سألت:
— وطلبك من أخواتي؟
سعاد سكتت.
وبعدين قالت:
— أنا كنت خايفة.
— من إيه؟
— كنت خايفة إن محمود يفضل يضحي لحد ما ييجي يوم مايبقاش معاه حاجة. فكنت عايزة أخواتك يقفوا جنبك.
قلت لها:
— بس مش بالطريقة دي.
هزت رأسها وهي بتعيط.
— عارفة.
وبعدين مدت إيدها ولمست بنتي.
— أنا غلطت.
لأول مرة، ما حسيتش إن قدامي حماتي.
حسيت قدامي ست كبيرة خايفة على ابنها، لكن خوفها خلاها تظلم مرات ابنها.
مديت إيدي لبنتي.
وبصيت لمحمود.
— إحنا هنبدأ من الصفر.
قال:
— معنديش غيرك.
ابتسمت وسط دموعي.
— وأنا معنديش غيرك.
سعاد قامت.
وقبل ما تخرج، قالت:
— وأنا عندي حاجة أخيرة لازم أقولها لكم.
بصينا لها.
قالت:
— أخوك محمود مش هو الوحيد اللي باع حاجة عشان يساعد حد.
سكتت لحظة.
— أنا كمان بعت دهبي كله من سنتين.
محمود اتصدم:
— إيه؟!
قالت:
— عشان أدفع مقدم شقة صغيرة ليكم.
وسكتت.
— والشقة دي… جاهزة من شهرين.
محمود وقف مكانه مش مصدق.
وأنا بصيت لها.
قالت:
— كنت مستنية اليوم اللي بنتك تتولد فيه عشان أقول لكم.
خرجت.
وساد الصمت.
محمود بصلي.
وأنا بصيت لبنتنا.
وفي اللحظة دي فهمت إن أوقات كتير…
الناس بتوجع بعض مش لأنها ما بتحبش بعض.
لكن لأنها بتخاف…
وتخبي…
وتتصرف غلط وهي فاكرة إنها بتحمي اللي بتحبه.
وأنا؟
أنا كان كل اللي نفسي فيه من البداية…
مش فراخ، ولا فلوس، ولا حاجات نفاس.
كنت بس محتاجة حد يقول لي:
“إنتِ مش لوحدك.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
حكايات ندى الجمل 2
بعد ما سعاد خرجت من الأوضة، أنا ومحمود فضلنا ساكتين. هو كان واقف مكانه كأنه مش مستوعب اللي سمعه. — أمي اشترت لنا شقة؟ قلت: — أيوه. — ومن شهرين؟ — أيوه. قعد على الكرسي وحط إيده على وشه. — وأنا كنت فاكر إنها بتكرهك. بصيت له وابتسمت بحزن.
— وأنا كمان.
ضحك ضحكة قصيرة، وبعدين دموعه نزلت.
— عارفة أنا كنت بعمل إيه؟
— إيه؟
— كنت كل يوم أرجع من الشغل وأعد الفلوس اللي معايا، وأقول هجيب لبنتنا إيه، وأدفع الولادة إزاي، وأجهز الشقة إمتى.
بص لبنتنا.
— وكنت خايف أقولك إني مش قادر.
مسكت إيده.
— وأنا كنت خايفة أقولك إني خايفة.
بصلي.
— من إيه؟
— من إني أولد من غير أمي.
سكت.
— كنت كل ما أشوف واحدة أمها جنبها في المستشفى، أتخيل أمي.
دموعي نزلت.
— كنت نفسي حد يقولي ألبس إيه، أجهز إيه، أعمل إيه بعد الولادة.
محمود قرب مني.
— وأنا كنت فاكر إنك محتاجة فلوس.
هزيت رأسي.
— كنت محتاجة حضن.
سكت.
وبعدين باس إيدي.
— أنا آسف.
ابتسمت.
— خلاص.
لكن في اللحظة دي دخلت الممرضة وقالت:
— يا مدام سلمى، في ست كبيرة تحت بتسأل عنك.
— مين؟
— بتقول إنها قريبتك.
بصيت لمحمود.
— يمكن حماتي.
الممرضة هزت رأسها.
— لأ، مش والدته.
استغربنا.
— مين يعني؟
قالت:
— بتقول اسمها الحاجة فاطمة.
قلبي دق بسرعة.
الحاجة فاطمة؟
جارتنا القديمة؟
قلت:
— دخليها.
بعد دقائق دخلت ست كبيرة في السن، ماسكة شنطة قماش قديمة.
أول ما شافتني، دموعها نزلت.
— يا بنتي…
بصيت لها.
— حضرتك؟
قربت مني.
— أنا فاطمة. كنت ساكنة جنب أمك وأبوك زمان.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
— ماما؟
هزت رأسها.
— كنت أعرفهم كويس.
قعدت جنب السرير.
وبعدين طلعت من الشنطة ظرف قديم.
— أمك سايباه عندي من سنين.
اتجمدت.
— عندك؟
— أيوه.
مدتهولي.
— قالتلي: “لو حصل لي حاجة، ما تديهولهاش غير يوم ما تبقى أم.”
بصيت للظرف.
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الظرف.
كان جواه جواب بخط أمي.
أول سطر خلاني أنهار:
“بنتي سلمى…”
ماقدرتش أكمل.
محمود قرب مني.
— أقرأه أنا؟
هزيت رأسي.
بدأ يقرأ:
“بنتي سلمى، لو إنتِ بتقري جوابي ده، يبقى ربنا رزقك باللي كنتِ نفسك فيه.
عايزة أقولك حاجة واحدة…
متفتكريش إن فقدان أبوكي وأمك معناه إنك بقيتي لوحدك.
إحنا ممكن نموت، لكن اللي زرعناه في قلوب الناس بيفضل.
خلي بالك من أخواتك، وخلي بالك من بيتك، والأهم… ما تخليش الخوف يخليكي تظلمي حد.
لو في يوم حسيتِ إن الدنيا قفلت، افتكري إن الرزق مش دايمًا بييجي في شكل فلوس.
ممكن ييجي في أخت.
ممكن ييجي في جوز بيحبك.
وممكن ييجي في ست كبيرة تقول كلمة غلط، لكن جواها قلب خايف عليك.
سامحي يا بنتي…
بس ما تسمحيش لحد يهينك.
كوني طيبة، لكن خلي عندك حدود.
وخلي بنتك تعرف إن أمها اتعلمت تكون قوية من غير ما تبقى قاسية.”
محمود وقف عن القراءة.
وأنا كنت بعيط بصمت.
الحاجة فاطمة قالت:
— أمك كانت عارفة إنها مش هتعيش لحد ما تشوفك أم.
بصيت لها.
— كانت عارفة؟
هزت رأسها.
— وكانت بتجهز حاجاتك من بدري.
فتحت الشنطة.
طلع منها بطانية صغيرة.
— دي أمك كانت عاملاها بإيديها.
حطيتها على بنتي.
أنا ما قدرتش أتكلم.
في اللحظة دي دخلت منى ونور.
أول ما شافوا الحاجة فاطمة، اتصدموا.
— الحاجة فاطمة!
ضحكت.
— لسه فاكرينني؟
منى جريت حضنتها.
— إنتِ كنتِ صاحبة ماما.
قالت:
— وأمكم كانت بتوصيني عليكم.
بصيت لأخواتي.
— ماما كانت موصية علينا؟
قالت:
— أيوه.
وبعدين قالت:
— وكانت عاملة حاجة تانية.
— إيه؟
— كانت سايبة مبلغ صغير.
محمود استغرب.
— فلوس؟
— أيوه.
قلت:
— فين؟
قالت:
— أبوكم كان سايب حساب في البريد، وأمكم كانت بتضيف عليه كل شهر مبلغ بسيط.
سألتها:
— الحساب لسه موجود؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— ليه محدش قال لنا؟
قالت:
— لأن أمك قالتلي ما أقولش غير لما واحدة فيكم تولد أول طفل.
أنا بصيت لبنتي.
وفهمت إن أمي، حتى وهي مش موجودة، كانت بتحاول تسيب لنا حاجة.
لكن اللي ما كنتش أعرفه…
إن المبلغ ده كان كافيًا لحاجة واحدة بس.
مقدم الشقة.
بصيت لمحمود.
هو بصلي.
قال:
— يبقى الشقة اللي أمي قالت عليها…
الحاجة فاطمة هزت رأسها.
— لأ.
— أمال إيه؟
قالت:
— الشقة دي مش اللي أمك اشترتها.
سكتنا.
— أم سلمى كانت مشترية شقة صغيرة باسمها من زمان.
قلبي وقف.
— إيه؟
— وكانت ناوية تديها لك يوم جوازك.
بصيت لمحمود.
وبعدين لأخواتي.
وساعتها فهمت…
إن كل اللي حصل من أول يوم…
كان أكبر بكتير من مجرد خناقة على حاجات النفاس.
كان فيه سر قديم…
سر ماما خبته سنين.
وسر تاني حماتي خبته.
والاتنين اتفتحوا في نفس اليوم اللي بنتي اتولدت فيه.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما الحاجة فاطمة قالت:
— في ورقة كمان.
طلعتها من الشنطة.
— أمك قالتلي ما أديهاش لسلمى غير لما جوزها يكون موجود.
بصيت لمحمود.
مديت إيدي للورقة.
فتحتها.
وأول ما قريتها…
اتسعت عيني.
لأن أول جملة فيها كانت:
“محمود… لو بنتي سلمى اتجوزتك، يبقى لازم تعرف الحقيقة اللي أبوك خبّاها عنك.”
Writing
فضلت ماسكة الورقة وإيدي بتترعش.
بصيت لمحمود.
— مكتوب اسمك.
محمود قرب مني، وشه اتغير.
— إيه اللي مكتوب؟
ناولته الورقة.
بدأ يقرأ، وبعد أول سطرين وقف.
— سلمى…
— إيه؟
— دي حاجة بين أبويا وأمك.
سكتنا كلنا.
منى قالت:
— طب اقرأ.
محمود رجع يقرأ بصوت مسموع:
“محمود…
يمكن تستغرب إن أنا كتبت لك الكلام ده، ويمكن تسأل نفسك إيه علاقة أم سلمى بأبوك.
قبل ما أبوك يتوفى بسنة، جه لي البيت.
كان عليه دين كبير، وكان خايف إن الدائنين ياخدوا البيت.
أبوك كان صاحب فضل كبير على أبو سلمى، ولما أبو سلمى مات، وعده إنه هيقف جنبكم.
لكن أبوك ماكانش عايز يبيع البيت.
فطلب مني أساعده.”
محمود وقف.
— أمي كانت بتقول إن أبويا ماكانش عليه ديون.
الحاجة فاطمة قالت:
— كانت بتحاول تحافظ على صورته قدامكم.
كمل محمود القراءة:
“أبوك طلب مني أبيع الشقة اللي كنت بجهزها لسلمى، وأديه فلوسها.
وافقت.
لكن قبل ما آخد منه وعد، قال لي:
لو حصل لي حاجة، البيت يبقى لمحمود.
مش لأخوه.
ومش لأي حد تاني.
لمحمود.”
محمود بصلي.
— يعني البيت…
هزيت رأسي.
— كان بتاعك؟
كمل القراءة:
“لكن بعد وفاة أبو محمود، حصل خلاف بينه وبين أخوه.
وأم محمود خافت على ابنها.
فخبت عنه الحقيقة.”
محمود قفل عينه.
— أمي كانت عارفة؟
الحاجة فاطمة قالت:
— أيوه.
— وسكتت كل السنين دي؟
قالت:
— عشان ما يحصلش خلاف بينك وبين أخوك.
محمود قام من مكانه.
— بس أنا بعت نصيبي!
سكتت.
— أنا بعت نصيبي عشان أسدد ديون أختي!
الحاجة فاطمة قالت بهدوء:
— نصيبك اللي بعته ماكانش ملكك وحدك.
محمود بص لها.
— يعني إيه؟
— يعني العقد اللي أبوك كتبه باسمك ما اتلغاش.
اتجمد.
— إيه؟
— أخوك باع لك حاجة مش ملكه.
ساد الصمت.
أنا بصيت لمحمود.
هو كان مش قادر يستوعب.
— يعني أخويا خد فلوسي؟
الحاجة فاطمة هزت رأسها.
— مش بس كده.
فتحت شنطتها وطلعت صورة قديمة.
— دي صورة العقد.
محمود أخذها.
بص فيها.
وبعدين قال:
— التاريخ…
سكت.
— العقد اتكتب قبل وفاة أبويا بشهر.
قالت:
— أيوه.
منى قالت:
— يعني البيت بتاع محمود؟
الحاجة فاطمة قالت:
— قانونيًا، الورق هو اللي يحكم. بس لازم محامي يشوفه.
محمود قعد.
حط إيده على راسه.
— أنا ضيعت سنين وأنا فاكر إني مديون لأخويا.
بصيت له.
— وممكن يكون أخوك نفسه ماكانش يعرف.
قال:
— لازم أعرف.
في اللحظة دي، دخلت سعاد.
كانت واقفة عند الباب.
أول ما شافت الورقة في إيد محمود، عرفت.
— فاطمة…
الحاجة فاطمة بصتلها.
— كفاية يا سعاد.
سعاد نزلت عينيها.
محمود قال:
— إنتِ كنتِ عارفة؟
ما ردتش.
— كنتِ عارفة إن البيت باسمي؟
دموعها نزلت.
— أيوه.
صرخ:
— وسكتّي ليه؟!
قالت:
— عشان أخوك.
— أخويا خد حقي!
— كنت خايفة أخسركم الاتنين.
— خسرتيني أنا!
سعاد قعدت على الكرسي.
— أنا غلطت.
محمود قال:
— وإنتِ لما طلبتي من أخوات سلمى فلوس…
سكتت.
— كنتِ بتعملي كده عشان تساعديني؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— بس جرحتِ مراتي.
قالت وهي بتبكي:
— عارفة.
بصتلي.
— وأنا آسفة يا سلمى.
أنا ما رديتش.
مش عشان مش مسامحاها.
لكن عشان كل حاجة حصلت في يوم واحد.
ولادتي.
البيت.
أمي.
الفلوس.
والأسرار.
بعد يومين خرجنا من المستشفى.
رجعنا البيت القديم.
لكن المرة دي، محمود ما دخلش وهو خايف.
دخل وهو ماسك الورق.
أخوه كان مستنينا.
أول ما شافه، قال:
— إيه اللي جابك؟
محمود حط الورق قدامه.
— البيت ده بتاعي.
أخوه ضحك.
— إنت اتجننت؟
— لا.
حط العقد على الترابيزة.
— أبويا كتبه باسمي.
وش أخوه اتغير.
— مين قالك؟
— الورق قال لي.
أخوه مسك العقد.
إيده بدأت تترعش.
وبعدين قال:
— أنا ما كنتش أعرف.
محمود سكت.
— والله ما كنت أعرف.
أنا بصيت لمحمود.
قلت:
— يمكن دي أول مرة الحقيقة تظهر.
أخوه بصلي.
— أنا كنت فاكر إن أبويا سايب البيت ليا.
سعاد قالت:
— هو كان سايبه لمحمود.
أخوه بص لها.
— وإنتِ كنتِ عارفة؟
قالت:
— أيوه.
سكت.
وبعدين أخو محمود قرب منه.
— أنا آسف.
محمود ما ردش.
— والله لو كنت أعرف، ما كنتش عملت كده.
محمود بص له.
— أنا مش عايز أخد منك بيت.
— أمال؟
— عايز حقي.
أخوه هز رأسه.
— حقك.
سكت محمود لحظة.
وبعدين قال:
— وإنت أخويا.
الراجل بدأ يعيط.
— وأنا غلطت في حقك.
مد محمود إيده.
اتصافحوا.
وفي اليوم ده، لأول مرة من سنين، العيلة كلها قعدت على ترابيزة واحدة من غير خناقة.
بعدها بأسبوع، نقلنا للشقة اللي سعاد اشترتها لنا.
كانت صغيرة.
غرفتين وصالة.
لكن بالنسبة لي كانت قصر.
حطيت بنتي في سريرها.
ومحمود وقف جنبي.
قال:
— فاكرة أول يوم؟
ضحكت.
— يوم ما أمك قالتلي أطلب من أخواتي حاجات النفاس؟
ضحك.
— أيوه.
— كنت هموت من العياط.
— وأنا كنت هموت من الخوف.
بصينا لبنتنا.
قلت:
— وفي الآخر، لا أخواتي اضطروا يستلفوا، ولا إنت قعدت من غير أكل، ولا إحنا نمنا في الشارع.
محمود ابتسم.
— وأمي طلعت بتحبك.
ضحكت.
— بتحبني بطريقتها الغريبة.
في اللحظة دي دخلت سعاد.
كانت ماسكة طبق أكل.
قالت:
— عملتلك فراخ.
بصيت لها.
ضحكت.
— ماما… أنا مش محتاجة فراخ.
قالت:
— أنا عارفة.
وحطت الطبق قدامي.
— بس أنا محتاجة أعملك حاجة.
سكتت لحظة.
— من يوم ما جيتي البيت وأنا فاكرة إن القوة معناها إني أتحكم في كل حاجة.
بصت لبنتي.
— لكن إنتِ علمتيني إن القوة أحيانًا إن الواحد يعرف يقول: أنا غلطت.
دموعي نزلت.
قربت منها.
وحضنتها.
ولأول مرة، حضنت حماتي كأنها أمي.
لكنها همست في ودني:
— بس عندي طلب.
ضحكت.
— إيه؟
قالت:
— سمي البنت على اسم أمك.
بصيت لبنتي.
وسكت.
وبعدين قلت:
— اسمها هيكون “أميرة”.
لأن أمي كانت دايمًا بتقول لي:
“البنت اللي تعرف قيمة نفسها، عمرها ما تحتاج حد يقول لها قيمتها.”
ومن يومها…
كل ما بنتي تكبر وتسألني:
— ماما، جدتي كانت بتحبك؟
هقول لها:
— أيوه يا حبيبتي…
بس كانت محتاجة وقت عشان تعرف إزاي تحبني.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


تعليقات
إرسال تعليق