القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت شقه عمتى كاملة أماني سيد 



سكريبت شقه عمتى كاملة أماني سيد 


كنت راجعة البيت عمي، وقفت عند الباب، همدي إيدي على المفتاح… بس وقفت ، صوته كان واضح جدًا من جوّه، بيكلم ماما سعاد مرات عمي……. = أتجوز مين يا ماما؟ دي جاهلة! = أنا مش ناقص أتشرف بواحدة جاية من ورا الجاموسة! وقفت مكاني كإني اتشلِيت…..الكلمة دي وجعتني أكتر مما توقعت، يمكن عشان طالعـة منه هو….. أنا فرح… من المنصورة. أبويا توفى من تلات شهور، وجيت أقعد مع مرات عمي بعد ما أصرت عليا. ست طيبة جدًا، حنونة بطريقة تخليك تنسي الوجع. كانت أحن عليّ من أمي الله يرحمها، وعمري ما حسّيت إني غريبة عندها.


بس النهارده… وأنا واقفة على باب الشقة، حسّيت فعلاً إني غريبة. الكلمة دي كسرت فيّ حاجة، مش عشان هو قالها، لكن عشان الشخص اللي كنت شايفاه محترم ومتعلم، طلع تفكيره سطحي كده. أكتر حاجة وجعاني كانت إني كنت معجبة بشخص شبه ده. مش عارفة كان إعجاب ولا حب يمكن ما كانش أي حاجة أصلاً، لكن اللي أكيد إنه خدعني بصورة قدام نفسي. كنت بشوف فيه عقل وهو كان فارغ من جوّه، كنت بشوف فيه ذوق وهو كان بس لعبة مظهر. بس خلاص…اللي سمعته كفّى. مسحت دموعي بإيدي وقلت لنفسي بهدوء: ماشي يا معتز… هوريك أنا الجاهلة اللي بتتكلم عنها دي.


سعاد بعصبية وهي بتحلف: والله العظيم يا معتز…لو ما أتجوزتها لتكون ابني ولا أعرفك! في اللحظة دي، الباب اتفتح بهدوء… فرح دخلت، وشها هادي، ملامحها متماسكة، بس جواها نار. ولا حد فيهم أخد باله إنها كانت واقفة من الأول. ما كنتش عايزاها تحلف… أنا مش قليلة عشان حد يحلف عليا عشان يرميني على ابنها. ولا عايزة أتجوز واحد يبصلي كأني حمل تقيل أو واجب لازم يتخلص منه. أنا مش قليلة… ولا هقبل أكون اختيار بالغصب. قلبها كان بيخبط في صدرها، بس مش من كسوف… من وجع الكرامة. بصت لهم بسرعة، من غير كلام، وراحت على أوضتها بخطوات هادية.


فتحت الباب بهدوء وقلت: – السلام عليكم. ضحكت ضحكة خفيفة كده وأنا داخلة، بس أول ما دخلت حسّيت إن في نظرات عليا. مش عارفة ليه، بس كنت حاسة إن كل اللي في الأوضة بيبصلي. أنا يمكن مش جميلة الجمال اللي يخلي الناس تتقلب، بس الحمد لله، عارفة إن عندي ملامح حلوة، ربنا مديها لي. قمحاوية كده، بشرتي دافية، وملامحي هادية، وعيوني محدش عارف يحدد لونها بالضبط.


مش شبه حد، بس برضه شبه الكتير. سعاد مرات عمي أول ما شافتني قامت بسرعة: – فرح! حمد لله على السلامة يا حبيبتي، ده معتز ابن عمك، رجع من اسكندرية الحمد لله. بصيت له وابتسمت ابتسامة بسيطة: – ازيك يا معتز، عامل إيه؟ هو ما ردش أول لحظة، واقف كده سرحان، لحد ما سعاد ضربته بكوعها في دراعه وقالت له وهي بتضحك: – يا واد رُد! ضحك ضحكة باهتة وقال: – ازيك يا فرح، عاملة إيه؟


كبرتي. ضحكت بخفة وأنا شايلة الشنطة من على كتفي وقلت له: – كله بيكبر يا ابن عمي. وبصوت هادي كده قلت: – عن إذنكم، هادخل أستريح شوية. دخلت الأوضة، بس قلبي لسه واقف عند الباب… مش عشان هو، لأ، عشان الكلمة اللي قالها قبل ما أدخل… جاهلة. وأنا ناوية أوريه بنفسه مين هي الجاهلة. —————— علي الغدا قعدنا على السفرة، الأكل كان محطوط والجو ساكت، مفيش غير صوت الملاعق بيخبط في الأطباق.


كنت باكل في هدوء، وبحاول أتجاهل وجوده، بس هو اللي قرر يفتح الكلام… قال وهو بيبصلي بنص ابتسامة فيها سخرية: – صحيح يا فرح لما جيت مكنتيش هنا، كنتي فين النهارده يا فرح؟ وكمان شكلِك مهمومة قوي. رفعت عيني عليه بهدوء وقلت: – كنت بقابل واحدة صاحبتي يا معتز. ضحك بخفة وقال وهو بيقطع العيش: – صاحبِتك؟


وإنتِ بقى تعرفي ناس من هنا؟ من القاهرة كمان؟ نزلت المعلقة بهدوء، ومسحت بإيدي على الفوطة، وبصيت له بثبات: – أيوه، أعرف يا دكتور، الدنيا مش مقفولة على قاعة المحاضرات اللي حضرتك فيها. في ناس برضه بتفهم، حتى لو ما معاهاش لقب. سكت المكان كله،مرات عمي بصت له بحدة، وهو حاول يخبي ارتباكه في لقمة تانية. بس نظراته اتغيرت،و ملامحه اتغيرت لحظة، زي اللي اتفاجئ إن “الجاهلة” ردّت عليه بالعقل مش بالصوت. اللحظة دي بس، كانت كفاية أعرف أنا مين… ومين اللي فعلاً لازم يتكسف من نفسه. قمت من السفرة بخطوات سريعة، ما كنتش قادرة أكمّل لحظة واحدة هناك….دخلت أوضتي، وقفلت الباب ورايا بإيدي، بس قلبي كان بيدق بسرعة، زي اللي بيهرب من حاجة وجواه وجع مش عارف له اسم.


قعدت على السرير شوية، وبعدين قمت أتنفس عند الشباك. الهواء كان ساكت، بس صوتهم لأ. صوت معتز كان واصل لحد عندي واضح… كان بيكلم صاحبه في البلكونة، وضحكته تقطع الهدوء. قال بنبرة فيها استهزاء واضح: – اسكت يا عم،مش أمي كانت هتجنني النهارده. وعايزاني أتجوز واحدة جاهلة، جايه من ورا البهايم، ولا تعرف تتكلم حتى. ضحك صاحبه وقال: – طب عملت إيه؟ معتز كمل بنفس النبرة المتعجرفة: – خلاص يا عم، خلعت منها قبل ما أمي تحلف عليا اني اخدها غصب عني. بس بغبائها كالعادة، فتحت الباب ودخلت كأنها فاهمة كل حاجة. سكت لحظة، صوته بقى أهدى، وقال بخفة فيها لمحة غرور: – بس الغريبة بقى… إنها مش وحشة.


يعني لو كانت متعلمة، والله يمكن كنت فكرت. ضحك هو وصاحبه بعدها، ضحكة خفيفة… بس بالنسبالي كانت أقسى من ألف كلمة. وقفت ورا الشباك، جسمي ثابت بس دموعي نازلة بهدوء، من غير صوت، من غير نفس. مسحت دموعي، وبصيت للسما، وقلت لنفسي بهدوء، بنبرة وعد: هتشوف يا معتز… هتشوف مين فينا اللي جاهل…..يتبع تاني يوم الصبح، الشمس كانت لسه بتشق طريقها بالعافية وسط غيوم القاهرة.


قمت من النوم قبل ما حد يصحى، غسلت وشي بمية ساقعة عشان أطير بقايا الدموع والتعب اللي طبعوا على ملامحي طول الليل. مسكت طرحتي وربطتها بهدوء، وبصيت لنفسي في المراية.. ملامحي الهادية القمحاوية كانت ثابته، بس عيوني كان فيها نظرة جديدة، نظرة حد قرر إنه مش هيكون الضحية ولا المسكينة في حكاية حد. خرجت من الأوضة بخطوات خفيفة، لقيت مرات عمي “سعاد” قاعدة في الصالة ومسكة مصحفها. أول ما شافتني، ابتسمت بوشها الحنون اللي دايماً بيطمني، وحطت المصحف على الترابيزة.


– صباح الخير يا فرح يا حبيبتي، صحيتي بدري ليه كده؟ ابتسمت باستها وهزيت رأسي: – صباح النور يا بابا سعاد، متعودة أصحى بدري من أيام المنصورة.. أعملك شاي معايا؟ – يعملك الخير يا بنتي.. قعدي بس جنبي شوية. قعدت جنبها، مسكت إيدي بحنان وقالت بنبرة فيها رجاء ورجفة أسف: – متزخليش من معتز يا فرح.. هو دبش في كلامه وطبعه ناشف عشان التعليم والعيشة لوحده في إسكندرية غيرته، بس والله قلبه أبيض، وأنا مش هلاقي أحسن منك أصونها وتصون ابني.


قلبي اتوجع على ست طيبة زيها، بس كرامتي كانت خط أحمر. مسكت إيدها وبصيت في عينها بثبات: – يا بابا سعاد، أنتِ فوق رأسي وأفضالك عليّ مش هنساه العمر كله.. بس الجواز مش بالعافية، ولا بالمحايلة. معتز شايفني مش من مستواه، وأنا مش البنت اللي تدخل بيت راجل وهو شايف إنه متفضل عليها أو بينزل لعالمها. لسه مرات عمي هتتكلم، الباب بتاع أوضة معتز اتفتح وخرج وهو لابس ترينج، شعره منكوش وعيونه ناعسة. أول ما شافنا واقفين وبنتكلم، وقف مكانه ورفع حواجبها بنظرة تكبر كأنه بيحاول يقرا اللي بنقوله.


– صباح الخير يا أمي.. صباح الخير يا.. فرح. رديت بنبرة جافة وهادية تماماً: – صباح النور. قرب من المطبخ وهو بيحاول يظهر عادي، وقال بنبرة فيها استعلاء: – أمي، أنا نازل العصر أقابل زمايلي في الكافيه، وممكن متغداش معاكم.. أصل ورانا مناقشات علمية مش هتخلص بسرعة. مرات عمي بصتله بضيق وما ردتش، أما أنا فابتسمت ابتسامة خفيفة وقمت وقفلت حوارنا. دخلت أوضتي ومسكت شنطتي الخاصة اللي جبتها معايا من المنصورة.. الشنطة اللي محدش في البيت ده يعرف إيه جواها.


فتحت السوستة وطلعت منها أوراق وشهادات متغلفة بعناية، ولاب توب أزرق حديث كنت شرياه بفلوسي الخاصة من ورث أبويا الله يرحمه. قعدت على المكتب وفتحت اللاب توب، وبدأت أراجع الإيميلات اللي جاية لي من إحدى أكبر المؤسسات التعليمية الخاصة في القاهرة. معتز فاكر إني عشان جاية من المنصورة ووالدي كان عنده أرض وبيت في القرية، إني مقضية حياتي ورا “الجاموسة” زي ما قال.. ما يعرفش إن أبويا الله يرحمه كان أستاذ لغة عربية، وغرس فيّ حب العلم من صغري. ما يعرفش إني خريجة كلية ألسن بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وبتكلم لغتين بأجنبية بطلاقة، ومقدمة على تمويل لرسالة الماجستير بتاعتي في القاهرة، وده السبب الحقيقي اللي خلاني أوافق أجي هنا، مش عشان أتجوز الباشمهندس!


مسحت الأوراق بصباعي، وابتسمت بشرارة تحدي: – ماشي يا معتز.. المظاهر هي كل حاجة عندك؟ هوريك المظاهر بتبقى إزاي. على الساعة أربعة العصر، كان معتز واقف في الصالة بيلبس ساعته وبيظبط لياقة قميصه أمام المراية بكل غرور. خرجت أنا من الأوضة.. بس المرة دي ما كنتش فرح بتاعت إمبارح. كنت لابسة فستان أسود أنيق جداً وبسيط، عليه كارديجان باللون الزيتي الهادي، وطرحة ملفوفة بتناسق راقي أظهر جمال بشرتي القمحية وعيوني.



عينيه اتسعت وهو بيبص لتفاصيلي، من الفستان للهدوء والرزانة اللي كنت ماشية بيها. مرات عمي سعاد خرجت من المطبخ، وأول ما شافتني شهقت بابتسامة: – بسم الله ما شاء الله! إيه الحلاوة دي يا فرح؟ طالعة زي القمر يا حبيبتي! على فين العزم؟ ابتسمت لمرات عمي ورسيت نظرتي على معتز اللي كان لسه متنح: – نازلة عندي معينة ومقابلة مهمة يا بابا سعاد، في المركز الثقافي الألماني.. عندي العرض النهائي لمنحة الماجستير. الكلمة نزل علي معتز زي الصاعقة.


حواجبة اتعقدت وبصلي كأنه مش فاهم اللغة اللي بتكلم بيها: – مركز إيه؟ وماجستير إيه؟ أنتِ بتتكلمي جد؟ رديت عليه بكل برود، وأنا بظبط الشنطة على كتفي وببص في ساعتي: – أيوه يا دكتور.. أصل التعليم مش حكر على جامعة إسكندرية ولا قاعات المحاضرات بتاعتك. في ناس بتشتغل على نفسها في السكت من غير ما تعمل هيصة وتتنك على خلق الله. معتز وشه أحمر وظهر عليه الارتباك والذهول، وقبل ما ينطق بأي كلمة، تليفوني رن برنة هادية. رفعت التليفون ورديت بلغة ألمانية سريعة وبطلاقة متقنة جداً: – Guten Tag… Ja, ich bin unterwegs.


Ich bin in 15 Minuten da. Danke. (صباح الخير.. نعم، أنا في الطريق. سأكون هناك خلال 15 دقيقة. شكراً.) قفلت الخط، وبصيت لمعتز اللي كان واقف زي الصنم، لسانه اتعقد ومش عارف يجمع جملة واحدة مفيدة. مرات عمي كانت تبصلي بفخر وذهول في نفس الوقت، ومش فاهمة حاجة بس حاسة إن بنت أخوها كسرت مناخير ابنها المغرور. ابتسمت لمرات عمي وقلت: – باي يا بابا سعاد، مش هتأخر.


وبصيت لمعتز بنص ابتسامة وسألته ببرود: – مش نازل برضه يا معتز؟ ولا خايف تمشي جنب واحدة جاية من ورا الجاموسة؟ سبته واقف في الصالة وشه بيجيب ألوان، وخرجت وقفلـت الباب ورايا بهدوء، وأنا سامعة صوت أنفاسه العالية وصوت مرات عمي وهي بتقول بذهول: – يادي الخيبة عليك يا معتز.. هي دي اللي كنت بتقول عليها جاهلة؟! نزلت السلم بخطوات ثابته وواثقة، ونار الوجع اللي كانت في قلبي بدأت تتحول لابتسامة انتصار.. وبداية الدرس اللي معتز عمره ما هينساه. نزلت من العمارة ورجلي شايلاني بثقة مكنتش أحلم بيها من ساعات. خطواتي على الرصيف كان ليها صوت، صوت واحد بيسترد كرامته حتة حتة.


في التاكسي، كنت ببتسم وأنا بفتكر منظر معتز وهو واقف متنح، لسانه متخشب، ووشه بيجيب ألوان. كان فاكر إن المنصورة يعني جهل، وإن البساطة يعني غباء.. وما كنش يعرف إن تحت السكون ده كله في عقل بيوزن بلد. وصلت المركز الثقافي، المقابلة مرت بسلاسة وشغف. اللجنة كانت انبهرت بالطرح اللي قدمته لرسالتي، باللغة النظيفة، وبالثبات اللي بتكلم بيه. خرجت من هناك بعد ساعتين وأنا ماسكة في إيدي إفادة القبول المبدئي للتمويل.. ورقة صغيرة، بس كانت بالنسبالي رد اعتبار وقلم شديد على وش أي حد فكر يقلل مني.


رجعت البيت على الساعة سبعة بالليل. أول ما حطيت المفتاح في الباب وفتحته، لقيت الهدوء لافف الشقة، بس ريحة التوتر كانت مالية المكان. سعاد مرات عمي كانت قاعد على السفرة، قدامها طبق بسلة ما اتلمسش، وأول ما سمعت صوت الباب قامت وقفت بلهفة. ومعتز كان قاعد في الصالة، فاتح لابتوبه وبيعمل نفسه مشغول، بس عينيه راحت عليّ فوراً أول ما رحت ناحية الصالة. – حمد لله على السلامة يا فرح يا حبيبتي! عملتي إيه يارب تكوني جبرتي خاطري بالأخبار الحلوة؟


سعاد قالتها وهي بتضم إيدي بين إيديها بحنان صادق. ابتسمت لها ورصيت الأوراق على الترابيزة بهدوء، وركزت صوتي عشان يوصل للـ “دكتور” اللي قاعد ورا لابتوبه وبيسمع بتركيز تام: – الحمد لله يا بابا سعاد.. المقابلة كانت ممتازة، وأخذت القبول المبدئي لمنحة الماجستير في الألسن، والتمويل الكامل نزل لي خلاص. مرات عمي زغردت بصوت واطي من الفرحة وضمتني لصدرها: – الف مبروك يا بنتي!


يسعد قلبك زي ما رفعتي رأسي ورأس أباكي الله يرحمه! في اللحظة دي، معتز قفل اللابتوب بتاعه بصوت عالي شوية، وقام وقف. ملامحه كانت متلخبطة بين الصدمة، والإحراج، والتحدي اللي بيحاول يداري بيه كسرة كبريائه. قرب من السفرة، وحط إيده في جيبه وقال بنبرة بيحاول يخليها هادية وساخرة بس كان واضح فيها الارتباك: – ماجستير في الألسن؟ ما شاء الله.. طب وكويس والله، بس غريبة يعني.


. اللي أعرفه إن اللغات محتاجة ممارسة وعيشة في جو معين، مش مجرد شهادة بناخدها من كليات الأقاليم وخلاص. نزلت شنطتي على الكرسي، وبصيت له في عينه مباشرة من غير ما أرمش. الابتسامة الباردة اللي على وشي كانت أشد من أي شتيمة: – كليات الأقاليم اللي بتتكلم عنها دي يا دكتور معتز، هي اللي خرجت قامات وعقول العلم في مصر كله. وبعدين اللغة مش مجرد ممارسة في الكافيهات مع زمايلك.. اللغة دي عقل وفكر وثقافة. وعلى العموم، لو حابب تراجع معايا المراجع التخصصية بال ألماني أو الإنجليزي في أي وقت.


. أنا تحت أمره، يمكن تستفيد حاجة تنفعك في شغلك في إسكندرية. معتز بلم، الكلمة وقفت في زوره. كان واضح إنه متعود على البنات اللي بيكسفوا أو بيعيطوا لما يتهانوا، ما كنش متوقع إن “البنت الجاهلة” تقف قدامه وتديه درس في أدب الحوار وبثقة تهز غروره. سعاد بصت لمعتز بنظرة لوم قاسية وقالت له بحدة: – اتعلم التواضع يا معتز، اتعلم من بنت عمك اللي قعدت ساكتة وما تباهتش بعلمها، ومش زي ناس ماسكين لي شهادة وشغالين تقليل في الخلق! معتز وشه اتغير ونظراته اتكسرت لحظة قدام أمه، وبصلي بغيظ وقال وهو بيلف عشان يمشي: – ماشي يا فرح.. هنشوف الماجستير ده هيوصلك لإيه في الآخر.


سيبته ودخلت أوضتي. قفلت الباب وقعدت على السرير. قلبي كان بيدق بس مش من الخوف، ده كان ندل الانتصار. بس التحدي مخلصش هنا. بعد ساعة، وكتين ما كنت قاعدة على المكتب براجع الجدول الزمني للدراسة، سمعت خبط خفيف على الباب. – ادخل. الباب اتفتح، وما كانتش مرات عمي.. كان معتز. كان غير هدومه، واقف عند عتبة الباب ومتردد يدخل ولا يفضل بره. شكله مكنش المغرور بتاع الصبح، كان فيه لمعة حيرة في عينيه، حيرة واحد اكتشف إن الخريطة اللي كان ماشي بيها غلط تماماً. – ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟ قالها بصوت واطي ومردد. سندت ظهري على الكرسي وربعت إيدي: – اتفضل يا دكتور معتز، خير؟


قرب خطوتين جوه الأوضة، وبص للكتب والأوراق الرصينة المحطوطة على المكتب، وبعدين بصلي وقال بنبرة فيها محاولة لتدارك الموقف: – أنا.. أنا بس كنت عايز أقولك إن اللي حصل الصبح.. أو الكلام اللي قلته على الغدا.. ما كنش قصدي بيه تقليل منك شخصياً. أنتِ عارفة إن الصدمة بس كانت.. قطعت كلامه بكل هدوء ورفعت إيدي: – متبررش يا معتز. أنت ما كنش عندك صدمة ولا حاجة، أنت كل القصة إنك حكمت على الشكليات. شفت بنت جاية من الأرياف، قمحاوية، هادية، مش بتستعرض.. فافترضت فوراً إنها “جاهلة” وتكملة عدد.


معتز بلع ريقه وصوته واطي أكتر: – أنتِ سمعتيني وأنا بكلم صاحبي في البلكونة؟ ابتسمت له ابتسامة وجع سخرية: – أيوه سمعتك. وسمعت كويس أوي وأنت بتقول “جاية من ورا البهايم”. وعشان كده بحب أشكرك.. لأن كلامك ده هو اللي فكرني أنا مين، وهو اللي خلاني أصمم أوريك إن قيمة البني آدم مش في المكان اللي جاي منه ولا في اللبس اللي لابسه، قيمة البني آدم في عقله وكرامته.


وقف معتز مكانه ومش عارف يرد. خطوة التكبر بتاعته تلاشت، والنظرة الساخرة اتمحت تماماً، وحل مكانها شعور خفي بالإعجاب الممزوج بالندم.. بس الإعجاب ده جه متأخر أوي. قمت وقفت وفتحت باب الأوضة أكتر: – عن إذنك بقى يا معتز، عندي تحضيرات لازم أخلصها عشان المنحة. بصلي بجمود لثواني، كأنه بيحاول يستوعب البنت اللي قدامه، وبعدين هز رأسه وخرج من الأوضة من غير ما ينطق بحرف. قفل الباب، ووقفت أنا قدام الشباك.. الليل كان غطى القاهرة، بس جوايا كان في نهار جديد بيطلع. معتز بدأ يشوف فرح الحقيقية، بس اللي ما يعرفوش.. إن فرح دي مش هتكون في يوم من الأيام مجرد رد فعل لغروره، دي يلا تبدأ تكتشف طريقها الحقيقي.


شقه عمتى ٢


مر أسبوع على اليوم ده، الشقة كانت عايشة في حالة هدنة غير معلنة. معتز اتغيرت تحركاته تماماً؛ الغرور الصارخ اللي كان بيتحرك بيه قلّ، واستبدله بنظرات مراقبة هادية. كان طول الوقت بيحاول يخلق أي فرصة كلام، يفتح موضوع في السياسة، في الاقتصاد، أو حتى في الأخبار اليومية، عشان بس يسمع طريقة تحليلي وردودي. وكل ما كنت بتكلم بأسلوب متزن وواعي، كنت بشوف في عينيه خليط غريب من الانبهار والندم اللي بيزيد يوم عن يوم. أما مرات عمي سعاد، فكانت طايرة بيّ في السماء.


كل ما حد يزورنا من الجيران أو القرايب، تتكلم عن “فرح الدكتورة” اللي أخذت المنحة وجايبة الامتيازات، ومعتز قاعد يسمع ووشه للأرض، مش قادر ينطق بكلمة تقليل واحدة زي زمان. في يوم، صحيت على صوت كعب عالي ودوشة في الصالة. خرجت من أوضتي بالراحة، لقيت واحدة لابسة طقم شيك جداً، حاطة ميك أب كامل، ومسكة شنطة ماركة. كانت بتتكلم بنبرة فيها دلع وتكلف واضح. عرفت بعدها إنها “جيهان”، زميلة معتز في الجامعة وإسكندرية، وجاية القاهرة في زيارة عمل ومرت عليه. معتز كان قاعد معاها، بس أول ما الباب بتاعي اتفتح وخرجت، عينيه جمت عليّ فوراً وساب كلام جيهان في النص.


جيهان بصت لي بفضول وتكابر، ونظرت لي من فوق لتحت بابتسامة باهتة: – أهلاً.. مين دي يا معتز؟ الدادة الجديدة ولا قريبتكم اللي من الأرياف؟ سعاد مرات عمي وشها احمر وكانت هتقوم ترد بعنف، بس قبل ما حد يتكلم، معتز قام وقف بسرعة، وشكله كان مرتبك ومضايق جداً من كلام جيهان. بص لها بحدة لمحتها لأول مرة في عينيه وقال بصوت حازم: – دي فرح يا جيهان.. بنت عمي، وباحثة ومترجمة في المركز الثقافي الألماني، ومعاها ماجستير ألسن بدرجة امتياز.


جيهان اتفاجئت، ونظرة التعالي اللي في عيونها اتمحت في ثانية. بصلتي بارتباك وقالت: – أوه.. آسفة، مش قصدي.. أصل الأسلوب والبساطة وكده.. رديت عليها وانا ببتسم ابتسامة هادية وواثقة، ومشيت ناحية المطبخ أعمل قهوتي: – ولا يهمك يا فندم. البساطة دايماً بتلخبط الناس اللي بتعتمد على مظاهرها بس عشان تثبت وجودها. جيهان وشها جاب ألوان، ومعتز حاول يداري ضحكة مكتومة ظهرت على طرف شفايفه، لكن عيونه كانت متعلقة بيّ وأنا بتصرف بكل ثبات ورزانة. بعد ما جيهان مشيت بساعة، كنت قاعدة في البلكونة بالليل، الهواء كان بارد وجميل، ومسكة كتاب باللغة الألمانية بقرأ فيه.


سمعت خطوات خفيفة، ولقيت معتز دخل البلكونة، وشايل في إيده كوبايتين شاي. حط كوباية قدامي على السور الصغير، ووقف جنبي، وعينيه متثبتة على الأفق: – الشاي ده بمرمية.. زي اللي بتحبيه. بصيت للكوباية وبعدين بصيت له ببرود: – شكراً يا معتز، بس تعبت نفسك ليه؟ سكت شوية، وسحب نفس طويل، صوته المرة دي مكنش فيه أي نبرة غرور، كان صوت واحد مكسور بيحاول يعترف بغلطته: – أنا أسف يا فرح. لفيت وشي ليه بذهول خفيف. معتز المغرور، دكتور المستقبل، بيتأسف؟ كمل كلامه بنبرة صادقة وفيها رجفة وجع: – أنا أسف على كل كلمة قلتها.


. أسف إن غروري والشهادة والعيشة بره عموا عيني عن الجوهرة اللي كانت قدامي. أنا كنت غبي يا فرح.. كنت فاكر العلم بالشهادات والمظاهر، لحد ما شفتك وعرفت إن العلم حكمة وأخلاق وثقة. أنا كل يوم بشوفك فيه، بندم على كل لحظة خسرتها وأنا بعيد عنك.. وعلى الكلمة البشعة اللي قلتها عنك في الأول.


كلامه كان طالع من قلبه، ونظرة عينيه كانت مليانة رجاء وإعجاب صريح مفيش فيه زيف. قلبي دق دقة صغيرة، مش عشان بحبه، لكن عشان كرامتي وأخيراً أخذت حقها تالت ومتلت قدام الشخص اللي حاول يكسرها. سكت لحظات، وبعدين بصلته بثبات وقلت بصوت هادي: – اعتذارك مقبول يا معتز.. بس الأسف بيصلح الغلط، لكن مش بيمحي الأثر. أنت ما غلتش فيّ بس، أنت حطيت بيني وبينك سور من أول يوم.


قرب خطوة ونبرته بقى فيها ترجي: – اديني فرصة واحدة أهد السور ده يا فرح.. اديني فرصة أثبتلك إني اتعلمت الدرس، وإني مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني بجد، وتشوفيني من جديد. بصيت له وللكتاب اللي في إيدي، وقبل ما أرد أو أقول أي كلمة، رن تليفوني على الترابيزة.. اسم الدكتور المباشر على رسالتي في ألمانيا ظهر على الشاشة، ومكان مكتوب فيه إفادة القبول النهائي لمنحة السفر لإتمام الدكتوراة في برلين لمدة سنتين.


. سفر يبدأ الشهر الجاي! شاشة التليفون كانت بتنور باسم الدكتور “مولر”، والرسالة التأكيدية بتمويل السفر لبرلين لمدة سنتين نزلت قدام عيني زي طوق نجاة، أو ربما زي السهم الأخير اللي هيحسم كل حاجة. رفعت عيني من الشاشة وبصيت لمعتز. كان واقف مستني ردي بنفس مقطوع، عيونه كانت بتتحرك بلهفة بين ملامحي الهدية وبين كوباية الشاي اللي لسه بخارها بيطلع في هواء البلكونة البارد. كان مستني كلمة واحدة تفتح له باب الأمل.. بس هو ما كنش يعرف إن الأبواب اللي بتتفلت برغبة صاحبها، صعب تتفتح تاني لمجرد إن اللي قفلها ندم. رديت على التليفون بهدوء باللغة الألمانية، أكدت استلامي للمواعيد والتذاكر، وقفلت الخط.


التفتّ له بالكامل، وربعت إيدي وأنا ساندة على سور البلكونة. – الفرصة دي مش ملكي عشان أديها لك يا معتز.. الفرصة دي أنت ضيعتها بإيدك من لحظة ما سمحت لنفسك تحكم عليّ من غير ما تعرفني. معتز وشها أصفر، ونظرة الرجاء اللي في عينيه تحولت لخوف صريح وهو بيشوف الورقة اللي على شاشة موبايلي: – سفر؟ أنتِ هتسافري ألمانيا؟ سنتين؟! – سنتين إتماماً للدكتوراة.. بتمويل كامل وتبادل أكاديمي من المركز. قرب خطوة كمان، ولأول مرة أشوف دكتور معتز المغرور إيده بترجف وهو بيحاول يمسك طرف الكرسي اللي جنبي: – بس أنتِ كسبتي التحدي يا فرح!


أثبتِ إني كنت غلطان، أثبتِ إنك أفضل مني ومن أي حد عرفته في حياتي.. ليه تبعدي دلوقتي؟ أنا مستعد أغير كل حاجة، مستعد أطلب إيدك من مرات عمي النهاردة قبل بكرة، وسفري معايا إسكندرية، ونبدأ صفحة جديدة تماماً.. صفحة أنا فيها الراجل اللي هيقدرك ويعوضك. بتسّمت، بس المرة دي الابتسامة مكنتش ساخرة ولا باردة.. كانت ابتسامة شفقة على تفكيره اللي لسه محبوس في نفس الدائرة: – أنت لسه مش فاهم يا معتز.. للأسف، لسه مش فاهم. أنت فاكر إني عملت كل ده عشان “أثبت لك” أنت بالذات حاجة؟ فاكر إن رحلتي وعفري وتعليمي وسفري كانوا مجرد رد فعل لغرورك؟


سكت لحظة عشان كلامي ينزل عليه زي المطر، وكملت بصوت هادي وثابت: – أنا عملت ده لنفسي.. ولأبويا الله يرحمه اللي رباني على إن الكرامة والعقل هما القيمة الحقيقية للبني آدم. أنت كنت مجرد محطة عابرة فكرتني بإن الوجع ممكن يكون بداية أمل. الجواز مش مكافأة بتحطهالي بعد ما اكتشفت إن “الجاهلة” طلعت متعلمة يا معتز.. الجواز احترام وتبادل وقبول للروح من الأول، مش بعد ما تمتحنها وتجيب فيها امتياز. معتز كان بيسمع وكأن الكلمات بتخترق كل جدار بناه حولين نفسه من سنين.



. الجواز احترام وتبادل وقبول للروح من الأول، مش بعد ما تمتحنها وتجيب فيها امتياز. معتز كان بيسمع وكأن الكلمات بتخترق كل جدار بناه حولين نفسه من سنين. مسح على وشه بإيديه بنفاذ صبر ووجع حقيقي: – يعني مفيش أي أمل؟ كل اللي بيننا انتهى قبل ما يبدأ؟ – اللي بيننا من البداية كان وهم في دماغك يا ابن عمي.. أنت كنت شايفني حمل وتقيل، وأنا دلوقتي طايرة في سما جديدة مش محتاجة فيها إذن من حد عشان أثبت وجودي.


سيبته واقف في البلكونة، الشاي برد، والليل زاد ظلامه، وخرجت للصالة. لقيت مرات عمي “سعاد” قاعدة بتصلي. أول ما خلصت وسلمت، قعدت جنبها على سجادة الصلاة، وحطيت رأسي على رجلها زي زمان. – بابا سعاد.. أنا جالي القبول النهائي للسفر لألمانيا الشهر الجاي. مرات عمي ايدها وقفت على شعري، شهقت شهقة خفيفة، بس سرعان ما حطت إيدها التانية على كتفي ودموعها نزلت، بس كانت دموع فخر مش حزن: – قلبي حاسس يا بنتي.


. من يوم ما دخلتي الشقة دي وعينك فيها بريق مش شبه انكسار حد. ربنا يوفقك يا فرح، أنتِ رفعتي رأسي ورأس أخويا الله يرحمه.. بس يا ترى معتز عارف؟ – عارف يا بابا سعاد.. وعارف كمان إن كل شيء قسمة ونشيب، وأن مكان فرح الحقيقي مش في بيته، ولا تحت رحمة نظرة استعلاء من حد. في اللحظة دي، خرج معتز من البلكونة.. كان شكله طالع من معركة خسارة فيها كل أسلحته. بص لأمه، وبصلي وأنا قاعدة على سجادة الصلاة متمسكة بكرامتي وقراري.


كان بيحاول يستوعب إن البنت اللي كان رافضها وبيهرب منها، بقت هي الحاجة الوحيدة اللي بيتمنى رضاها ومسافة سنتين وجبال من الكبرياء بقت بتفصل بينه وبينها. قرب من أمه، وقعد على ركبه قدامها، وقال بصوت مخنوق وواطي: – أنا ضيعت كل حاجة يا أمي.. ضيعت الجوهر عشان كنت مدور على القشور. سعاد بصت له بنظرة فيها ألم الأم، لكنها هزت رأسها وقالت له بثبات: – الدرس كان قاسي يا معتز.. بس أنت اللي اخترت تدخله بنفسك.


وفرح مش بنت يترمي لها طوق نجاة، فرح هي النجاة نفسها.. وأنت خسرتها بجهلك اللي كنت بتتهمها بيه. الأيام اللي بعد كده كانت عبارة عن عد تنازلي.. ترتيب شنط، تجهيز أوراق السفر، ومعتز يتحول لشبح في البيت، يراقب كل تحركاتي بقلب مكسور ونظرة ندم ما فارقتش عينيه ليلة واحدة، وهو شايف البنت “اللي جاية من ورا الجاموسة” بتحزم أمتعتها عشان تطير لأوروبا، وسايبة وراها درس عمره ما هينساه. جاء يوم السفر. الشمس كانت لسه بتشرق على شوارع القاهرة، والدنيا ساكتة وهادية، بس جوه الشقة كان في حركة دافية ومشاعر متلخبطة. الشنط الكبيرة كانت ملفوفة ومحطوطة عند باب الشقة، وفي إيدي الشنطة الصغيرة اللي فيها أوراقي وتذاكر الطيران لبرلين.


مرات عمي “سعاد” كانت واقفة مسكة كوباية مية وبتقرأ عليها آيات الحفظ والبركة، ودموعها نازلة على خدها بصدق. ضمتني لقوة، كأنها بتودّع حتة من روحها، مسحت على رأسي وقالت بصوت مجروح بس مليان فخر: – ربنا يسعدك يا فرح، ويفتح لك الأبواب المقفولة، ويرجعك لينا بالسلامة وأنتِ جابرة خاطرك ومحققة كل اللي بتحلمي بيه.


. أنتِ بنتي اللي ما ولدتهاش يا فرح، وعمري ما هنسى إنك ملَيتي البيت ده نور وكرامة. بست إيدها ورأسها، ودموعي نزلت بوفاء لست طيبة احتوتني في أصعب أوقاتي: – أنتِ في مقام أمي الله يرحمها يا بابا سعاد.. وفضلك عليّ فوق رأسي، وتليفوني مش هيقطع كلام معاكي أبداً. في اللحظة دي، خرج معتز من أوضته. كان لابس طقم أسود بسيط، ملامحه كانت شاحبة، وتحت عينيه سواد يبين إنه ما ذاقش النوم طول الليل. كان شايل مفاتيح العربية في إيده، وقف قدامي وشفافه بترتعد، والنظرة اللي في عينيه مكنتش نظرة الدكتور المغرور بتاع إسكندرية، كانت نظرة راجل مدرك تماماً حجم الخسارة اللي أكلت قلبه.


قرب خطوتين، وبص للشنط، وبعدين رفع عينيه ليّ وقال بصوت جاف ومخنوع: – أنا اللي هوصلك المطار يا فرح.. لو سمحتِ، ما ترفضيش الطلب ده. ده آخر رجاء ليّ عندك. بصيت لمرات عمي اللي هزت رأسها بالرجاء، فأنزلت رأسي بهدوء وقلت: طول الطريق للمطار، العربية كانت ساكتة. مفيش غير صوت الموتور وصوت الراديو الشغال بوطء شديد. معتز كان ماسك الدريكسيون بإيدين بترجف، وكل شوية يبص عليّ في المراية يعاين ملامحي، كأنه بيحاول يسجل كل تفصيلة في ذاكرته عشان تونس وحدته في الأيام الجاية. وصلنا مطار القاهرة. نزل الشنط وحطهم على العربية الخاصة بالتفتيش، ووقف معايا عند بوابة الدخول الأخيرة، المحطة اللي بعدها مفيش أي مجال للرجوع.


وقف قدامي، ومسح وشه بإيده، وسحب نفس طويل كأنه بيحاول يجمع شتات نفسه: – فرح.. أنا عارف إن كلمة أسف مفيش ليها قيمة دلوقتي، وعارف إن السنتين دول هيغيروا فيكي حاجات كتير.. بس أنا عايزك تعرفي حاجة واحدة بس قبل ما تمشي. سكت لحظة، وعينيه لمعت بدموع حابسه بالعافية: – أنتِ غيَرتيني يا فرح. غيَرتي تفكيري، وعلمتيني يعني إيه بني آدم بجد.


الكلمة اللي قلتها زمان كانت أجهل كلمة خرجت من لساني، وأنا فعلاً اللي كنت الجاهل، الجاهل بجمال روحك وعقلك وكرامتك. أنا هفضل مستنيكي.. هشتغل على نفسي وهتغير، ومستعد أستناكي سنتين، أو العمر كله، عشان بس تديني فرصة أكون الراجل اللي يستاهل يوقف جنبك. بصيت له بعيون هادية، مفيش فيها غضب، ولا انتقام، ولا حتى حقد. النضج اللي وصلت له خلاني أشوف معتز مجرد درس انتهى، وشخص ربنا حسّنه بسبب الوجع اللي سببه لي. ابتسمت له ابتسامة راقية وواثقة، وقلت بصوت ثابت هز أركانه: – ما تستنانجش يا معتز.


. متستناش حد عشان تغير نفسك، اتغير عشان نفسك أنت، وعشان تبقى إنسان أفضل للي جاية في حياتك. أنا مش راجعة عشان أكون فرصة ثانية لحد، أنا طالعة أبدأ حياتي الخاصة بيّ. سامحتك على الكلمة، بس المسافات اللي بيننا بقت أكبر من إنها تتصلح بانتظار. خلي بالك من بابا سعاد.. وشكراً على التوصيلة. مسكت عربية الشنط، ولفيت ظهري بثبات. خطواتي كانت واثقة، كعبي بيخبط على أرض المطار بثقة أنثى استردت حقها وكرامتها وعقلها من غير ما تنزل لمستوى اللي أهانوها.


سمعت صوته من ورايا وهو بينادي بصوت واطي ومكسور: – فرح… ما لفتش. كملت طريقي قدام، عدت بوابات التفتيش، وبصيت من الشباك الزجاجي الكبير للمطار. الطيارة كانت مستنية على الممر، والشمس كانت طلعت بالكامل ومالية المكان بنورها. أنا فرح.. بنت المنصورة. اللي حاولوا يكسروها بكلمة “جاهلة”، فخلت الكلمة دي الوقود اللي طار بيها للقمة. دخلت الطيارة، قعدت في كرسي جنب الشباك، ربطت حزام الأمان، ومسحت دمعة دافية نزلت من عيني.. دمعة وداع للماضي، وابتسامة استقبال لمستقبل مش هيقدر فيه أي حد يقلل من قيمتي تاني أبداً.


.


تعليقات

التنقل السريع
    close