القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 اتجوزت البواب كامله حكايات رومانى مكرم 



اتجوزت البواب كامله حكايات رومانى مكرم 

“اتجوزت البواب اللي أهلي كانوا بيستهزقوا بيه عشان معهوش شهادة جامعة… وفي الليلة اللي بعد الفرح، فتح صندوق حديد قديم وقال: “قبل ما نبدأ حياتنا سوا… لازم تعرفي أنا مين بجد.”


أول مرة عرفت فيها حبيبي كريم على أهلي، حكموا عليه من أول دقيقة… قبل حتى ما يقعدوا يتكلموا معاه.



أول ما عرفوا إنه شغال حارس وعامل صيانة لعمارة في مدينة نصر، وإنه ماكملش تعليمه الجامعي، خلاص… في نظرهم بقى شخص ماينفعنيش.


بابا وماما كانوا كل شوية يفكروني إني خريجة جامعة عين شمس، وعندي شغل كويس في شركة كبيرة في القاهرة الجديدة، وإن قدامي فرص أحسن بكتير.


كانوا يقولولي:


“إنتِ تعبتِ في تعليمك عشان في الآخر تتجوزي بواب؟”


الغريب إن كريم عمره ما دخل معاهم في خناقة.


كان دايمًا يبتسم بهدوء، يبص في موبايله، ويقول:


“معلش… في مكالمة لازم أرد عليها.”


ويطلع يقف في البلكونة أو ينزل تحت العمارة، ويسيبهم ياخدوا راحتهم في محاولة يقنعوني أسيبه.


هو كان عارف كويس جدًا هما بيقولوا إيه.


بس كان بيحبني لدرجة إنه عمره ما حب يزود التوتر بيني وبين أهلي.


وده كان من أكتر الحاجات اللي خلتني أحبه.


ولما طلب إيدي للجواز…


أهلي حاولوا بكل الطرق يخلوني أغير رأيي.


بابا بصلي وقال بغضب:


“إنتِ بجد هتضيعي مستقبلك مع واحد عمره كله بين الشيل والحط والمشي ورا طلبات السكان؟”


بصيت له بثقة، وقلت:


“أيوه… وهتجوزه.”


وفعلًا اتجوزنا.


عملنا فرح بسيط في قاعة صغيرة على كورنيش النيل في المعادي، حضره أقرب أهلنا وأصحابنا.


كان بالظبط الفرح اللي كنا بنحلم بيه.


لكن حتى في يوم فرحنا…


كنت شايفة نظرات عدم الرضا في عيون أهلي.


كانوا بيبتسموا قدام الناس، ويباركولنا، لكن أول ما حد يبص الناحية التانية، كنت بحس إنهم مقتنعين إني ارتكبت أكبر غلطة في حياتي.


بعد ما رجعنا شقتنا أول ليلة بعد الفرح…


كريم استأذن بهدوء، وقال:


“ثانية واحدة… هرجع حالًا.”


دخل أوضة التخزين.


وبعد كام دقيقة…


#الكاتب_رومانى_مكرم


خرج شايل صندوق حديد قديم، عليه آثار صدأ، وكأنه متخزن من سنين طويلة.


حطه فوق سفرة المطبخ، وحط إيده على الغطا.


وفجأة…


ملامحه كلها اتغيرت.


الابتسامة الهادية اللي كانت على وشه طول اليوم اختفت.


بصلي مباشرة في عيني، وقال بصوت هادي لكنه مليان جدية:


“قبل ما نبدأ حياتنا سوا… لازم تعرفي أنا مين بجد.”


 


رجع الصندوق الحديدي ومحطوط بيننا على السفرة، وهدوء الشقة كان مرعب. الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صوت الساعة الحائطية وصوت نفسي المتسارع. كريم ما كانش يبدو خالص الشخص اللي عرفته وسكنت جنب هدوءه وابتسامته طوال شهور الخطوبة. نظرة عينيه كانت حادة، وفيها ثقل يخلي أي حد يقف مكانه.


حط إيده على القفل الصدي، ومد إيده التانية في جيبه وطلع مفتاح صغير جدًا، شكله يختلف تمامًا عن الميدالية الكبيرة اللي كان بيشيل فيها مفاتيح العمارة ومدخل الأسانسير والشقق. حط المفتاح في القفل، وسمعت صوت تكّة مكتومة. فتح الغطا بالراحة، وطلعت من الصندوق ريحة ورق قديم وخشب مكتوم.


أنا كنت واقفة مش قادرة أتحرك، عيني متبتة على الصندوق. كريم مد إيده وجاب أول حاجة من على الوش… كان ملف بلاستيك أسود سميك، فتح الملف وطلع منه جوازات سفر. مش جواز واحد، ولا اتنين… كانوا أربعة جوازات سفر بألوان مختلفة، وعليهم أختام لدول أوروبية وآسيوية كثيرة.


مسكت جواز منهم بإيد بتترعش، فتحته ولقيت صورته بالظبط، بس الاسم مكتوب باللغة الإنجليزية: “كريم يوسف”. الاسم كان مختلف عن الاسم الثلاثي اللي كتبناه في قبالة الجواز وفي قبالة المأذون قبل ساعات.


بصيت له وقولت بصوت مبحوح:


* كريم… إيه ده؟ إيه الجوازات دي؟ وليه أسمائك مختلفة؟ أنت مين؟


كريم قعد على الكرسي قصادي، وشاور لي أقعد. أخد نفس طويل، وحط إيده على الجوازات وقال بصوت هادي:


* اللي أهلك كانوا بيشوفوه شغّال في الشارع وشايل أكياس الزبالة وبيغير لمبات السلم، هو في الحقيقة مهندس شبكات وأمن معلومات… أو بمعنى أصح، خبير في حماية النظم الرقمية وإدارة الأزمات في شركات عالمية. الجوازات دي مش تزوير يا ندى، دي جوازات رسمية كنت بتنقل بيها بين دول مختلفة عشان طبيعة حساسية شغلي مع هيئات ومؤسسات أمنية وإلكترونية كبيرة.


عقلي ما كانش قادر يستوعب. افتكرت كلام بابا لما كان بيقولي: “ده ما كملش تعليمه، ده آخره يتكلم في مقاسات اللمبات وسعر السباكة”. افتكرت كل مرة كريم كان بيسيب القعدة ويمشي ويقول “معلش في مكالمة لازم أرد عليها”.


كمل كريم كلامه وهو بيطلع من الصندوق دفتر مذكرات قديم وأوراق رسمية مختومة بختم النسر وأختام شركات أجنبية:


* من خمس سنين، كنت شغال في شركة استشارات أمنية كبيرة في دبي. كنا بنشرف على بنية تحتية لرقميات بنوك وشركات عملاقة. في يوم، اكتشفت ثغرة وتسريب بيانات مهول كان بيتم من جوة الشركة نفسها لحساب شبكة دولية بتستغل البيانات دي في ابتزاز واختراق مؤسسات. لما جيت أبلغ، اكتشفت إن الناس اللي فوقيا في إدارة الشركة هما أصل شبكة الفساد دي.


وقف كريم وجاب كوباية مية وشرب، وبعدين رجع بصلي وقال:


* حاولوا يشتروني بفلوس كثيرة جدًا عشان أسكت… ولما رفضت، الموضوع تحول لتهديد مباشر. اختفيت، وسافرت من دولة لدولة، وفي الآخر قررت أرجع مصر. بس كان لازم أختفي في مكان محدش يتوقعه إطلاقًا. محدش يدور على مهندس أمن معلومات دولي في هيئة حارس عمارة في مدينة نصر. المكان ده كان المخبأ المثالي… الستار اللي يخليني أعيش في أمان وأختفي عن أعين أي حد بيدور عليا، وفي نفس الوقت أتابع قضاياي وشغلي الخفي في الهدوء من ورا شاشة الموبايل اللي أهلك كانوا فاكرين إني بلهو بيه لما بقوم من قدامهم.


كنت بقعد وبقوم من الصناق، حاسة إن الشقة بتدور بيا. قولت له:


* طب والفلوس؟ والشهادة اللي بابا كان دايمًا يعيرك بيها؟ وليه رضيت بكل الإهانات دي؟ ليه سبتهم يمسحوا بيك الأرض ويقولوا عليك كلام يوجع وأنت ساكت وبتبرر؟


كريم ابتسم نفس الابتسامة الهادية، بس المرة دي كان فيها وجع كبير:


* الشهادة الجامعة والمظهر والياقة البيضاء مش هما اللي بيعملوا البني آدم يا ندى. أنا اتعلمت في الحياة إنك لما تكون شايل سر يوزن جبال، التكبر والمنظرة قدام الناس بيبقى مالوش أي قيمة. أهلك كانوا بيقيّموني باللبس والمسمى الوظيفي، وأنا ما كانش يهمني أثبت لهم إني غني أو متعلم… أنا كان يهمني أعيش في أمان، والأهم من ده كله… إني لما لقيتك، لقيت إنسانة حبتني لذاتي. حبتني وأنا حارس عمارة بسيط، ما بصلتليش بنظرة تعالي ولا اهتمت بشكليات المجتمع. حبك ليا وهو فاكرني معيش حاجة، كان هو الاختبار الحقيقي بالنسبة لي.


مد كريم إيده في الصندوق وطلع فلاشة صغيرة بلون فضي، وحطها على السفرة جنب المفتاح وقال:


* الصندوق ده فيه كل أوراق قضيتي، وفيه حسابات بنكية مقفولة بأسماء مختلفة فيها كل ثروتي وشقاي اللي جمعته طوال السنين اللي فاتت. والأنكى من ده، الفلاشة دي عليها الملفات الكاملة اللي هتقدم للنيابة العامة والجهات الأمنية هنا وفي الخارج خلال أيام قليلة عشان أرفع القضية وأنهي الكابوس ده للأبد وأرجع لحياتي الطبيعية وباسمي الحقيقي.


دموعي نزلت من غير ما أحس. ما كانش زعل، كان خليط من الصدمة والذهول والخوف عليه.


* أنت في خطر يا كريم؟ الناس دول ممكن يوصلوا لك هنا؟


مسك إيدي وقال بثقة:


* لا… القضية خلاص في مراحلها الأخيرة، والمحامين بتوعي بيكملوا الإجراءات. أنا كنت معتمد إن محدش هيعرف مكاني، وده اللي خلاني أعيش السنين اللي فاتت في العمارة دي بسلام، لحد ما شفتك، وعرفت إنك الست اللي أقدر أستأمنها على سر حياتي. أنا ما حبيتش أبدأ معاكي بيتنا وأنا مخبي عليكي حاجة واحدة. أنتِ الوحيدة في الدنيا دي كلها اللي تعرف الحقيقة كاملة.


قبل ما أرد عليه وقبل ما أستوعب كلامه، فجأة… النور قطع في الشقة كلها.


الظلام نزل مرة واحدة، وصوت المروحة والتلاجة وقف. الشارع برة كان هادي زياده عن اللزوم، وكأن المنطقة كلها دخلت في سكون غير طبيعي.


كريم اتنفض من مكانه بسرعة غريبة، وسحب الصندوق الحديدي وقفله بالمفتاح في أقل من ثانية. مسك إيدي وبص لي في الضلمة، ونبرة صوته اتغيرت تمامًا من الهدوء للتحفز والحرص:


* ندى… خليكي مكانك وما تتحركيش. ولا تعملي أي صوت.


* في إيه يا كريم؟ النور قطع عادي ممكن يكون تخفيف أحمال…


قالها بصوت واطي جدًا وهو بيمشي باتجاه الشباك اللي بيطل على الشارع الرئيسي:


* لا… مولد المطبخ والعمارة دي بالذات متوصل بخط طوارئ ما بيفصلش. النور اتقطع من كابينة العمارة تحت.


بص كريم من ورا الستارة بالراحة. أنا كنت واقفة وراه وبترعش، مش فاهمة إيه اللي بيحصل.


فجأة، سمعنا صوت خطوات هادية جدًا وموزونة على السلم الخارجي، خطوات مش خطوات جيران طالعين شققهم… كانت خطوات ناس نازلة براحة من الأدوار العليا وبتقرب من باب شقتنا بالذات.


كريم مسك إيدي وسحبني ببطء شديد ناحية الممر المؤدي للأوض الجوانية. حط الصندوق الحديدي تحت كنب الصالون، وطلع من جيبه جهاز صغير شبيه بالموبايل بس فيه شاشة سوداء متصلة بكاميرات خفية كان زارعها في مدخل الشقة والسلم من غير ما حد يعرف.


بص في الشاشة اللي كانت بتنور بنور أزرق خفيف، وشفت وشه بيصفر.


بصيت على الشاشة معاه… لقيت تلاتة رجال لابس أسمر في أسمر، معهم كشافات يد صغيرة، واقفين قدام باب شقتنا بالظبط. واحد منهم كان ماسك أداة معدنية وبيحاول يفتح قفل الباب من غير ما يعمل صوت.


كريم بصلي وفي عينيه نظرة أول مرة أشوفها… نظرة حزم ورعب في نفس الوقت.


قرّب من ودني وقال بهمس شديد:


* هما وصلوا… التليفونات مقتول فيها الشبكة، هما جايبين جهاز تشويش معاهُم. ندى… أدخلي حمام أوضة النوم وقفلي على نفسك بالمفتاح وما تفتحيش لأي حد مهما سمعتي… مهما حصل برة، ما تخرجيش إلا لما أقولك أنا بنفسي “اخرجي يا ندى”.


مسكت في قميصه بانهيار:


* لا يا كريم! مش هسيبك لوحدك! أرجوك تعالى نصرخ أو نطلب المساعدة من البلكونة!


حط إيده على بقي بالراحة عشان يكتد صوتي، وقالي بنبرة قاطعة:


* الشارع فاضي والساعة 3 الفجر، ما فيش وقت. اسمعي الكلام فورًا لو بتحبيني!


دفعني بالراحة ناحية الأوضة، وجري هو ناحية المطبخ. أنا دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح وأنا جسمي كله بيتكتك من الخوف. قعدت على الأرض ورا الباب، حاطة إيدي على بقي عشان أمنع شهقاتي.


وبعد ثواني معدودة… سمعت صوت تكّة الباب الخارجي وهو بيتفتح بهدوء، وبعدها صوت خطوات ثقيلة بتدخل الشقة.


الصوت كان واضح جدًا في الهدوء القاتل. سمعت صوت واحد بيكلم التاني بنبرة أجنبية ومكسرة:


* “فتّشوا المكان بسرعة… الصندوق والفلاشة لازم يتجابوا، وهو لو موجود خلصوا عليه من غير شوشرة.”


سمعت كركبة في الصالون، وصوت كراكيب بتقع، وأنا جوة الأوضة بتمتم بالدعاء ودموعي نازلة مغرقة وشي. افتكرت أهلي، افتكرت كلام بابا وماما، افتكرت الفرح اللي كان من ساعات قليلة وضحكات الناس، وازاي حياتي أتقلبت في لحظة لفيلم أكشن مرعب.


وفجأة… سمعت صوت صراخ واشتباك قوي في الصالون! صوت تكسير خشب، وكوبايات بتقع وتتكسر على الأرض. كريم كان بيشتبك معاهم. صوت ضربات مكتومة وجثث بتقع على الأرض، وبعدها صوت حاجة ثقيلة اتخبطت في الحيطة بقوة.


سكت الصوت تمامًا لمدة دقيقة كاملة… دقيقة كانت أطول من عمري كله.


كنت قاعدة مكان ورا الباب، مش قادرة أتنفس ولا قادرة أعمل أي حركة. كل اللي بفكّر فيه: يا ترى كريم جرى له إيه؟ هل أكل ضربة؟ هل قتلوه؟


وفجأة، سمعت صوت خطوات هادية جداً بتمشي في الممر، وتقرب خطوة خطوة من باب الأوضة اللي أنا مستخبية فيها.


الخطوات وقفت بالظبط ورا الباب…


وبعد لحظات صمت مرعبة… سمعت خبطات خفيفة جداً على الباب، وصوت نَفَس متقطع.


وبعدها جه الصوت من ورا الباب… بس ما كانش صوت كريم!


 

اتجوزت البواب حكايات رومانى2


تجمدت الدماء في عروقي وأنا قاعدة على الأرض ورا باب الأوضة المتقفل. أيدي كانت مكتومة على بقي، وضربات قلبي صبيانية وسريعة لدرجة إنها كانت بركان طالع في زوري. الصوت اللي جه من ورا الباب ما كانش صوت كريم خالص… كان صوت غريب، حاد ومكتوم، بيتكلم بنبرة هادية وبأكسنت مكسرة تحس فيها برودة مش طبيعية:


* “يا مدام… افتحي الباب بالراحة. إحنا مش عايزين نأذيكي. إحنا عايزيين الصندوق والفلاشة بس… لو طلعتيهم بالهدوء، هنمشي وننسى إننا شفناكي، وزوجك العزيز… هيفضل عايش.”



الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. “زوجك هيفضل عايش”؟ يعني كريم ما ماتش؟ ولا ده كارت بيضغطوا بيه عليا عشان أفتح الباب وتسلمهم الحساب؟


كنت أضعف من إني أرد، وأجبن من إني أتحرك. الظلام جوة الأوضة كان كاحل، والصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صفيح نفسي المكتوم وصوت الخبطات الخفيفة المتكررة على الخشب.


وفجأة… الصوت اتقطع.


سكون تام ساد الممر لعدة ثواني، وبعدها سمعت صوت خبطة مكتومة وقوية جدًا، تلاها صوت جثة بياخد نفس بالعافية وبيقع على الأرض بكل ثقله!


عقلي كان خلاص هيطير. سمعت صوت أنين مكتوم، وبعدين صوت حركة سريعة وهادية، وصوت مفتاح بيدور في قفل الأوضة من برة!


انكمشت على نفسي أكتر وجمعت جسمي في الزاوية ورا الباب وأنا بنتحب بصوت واطي:


* “يارب… يارب استرها… يارب احميني…”


الباب اتفتح ببطء، وفي ضوء الفلاش الخفيف اللي كان جاي من الممر، ظهر خيال طويل عريض واقف على عتبة الأوضة. كان ماسك في إيده كشاف صغير، والضوء جه على وشي مباشرة. غمضت عيني بعنف وعيطت بصوت عالي:


* “حرام عليكم! خدو اللي أنتم عايزينه وسيبونا في حالنا!”


* “ندى… اهدي، ده أنا… أنا كريم.”


فتحت عيني بسرعة. الضوء ينزل لتحت، وشفته واقف، هدومه مقطوعة من عند الكتف، ووشه عليه آثار عرق وتراب، وتحت عينه الشمال كانت في كدمة حمرا بدأت تزرق. كان بيتنفس بصعوبة، لكن عينيه كانت بتلمع بالسيطرة والثبات.


جريت عليه ومن غير ما أفكر رميت نفسي في حضنه. كنت بصرخ وببكي بهستيريا، وإيدي بتترعش وهي بتمسك في قميصه الممزق:


* “كريم! أنت كويس؟ عملوا فيك إيه؟ أنا سمعت صوت واحد تاني… افتكرتك…”


ضمّني بقوة، وحط إيده على راسي وهو بيتنفس بتعب:


* “أنا بخير… اهدي يا حبيبتي، اهدي أنا جنبِك. المكان أمان دلوقتي… مؤقتًا.”


بصيت من ورا كتفه على الممر… وشهقت بعنف ورجعت لورا.


كان في اتنين من الرجالة المسلحين ممددين على أرضية الصالون، مربوطين بحبال متينة جدًا وسلاسل كانت موجودة في أوضة التخزين، وفمهم ملفوف بلاستيك لاصق عريض. والتالت كان غايب عن الوعي ومسند على الحيطة جنب باب الأوضة، وهو ده اللي كان بيتكلم معايا من ثواني.


كريم مسك إيدي وسحبني جوة أوضة النوم وقفل الباب، وولّع كشاف الموبايل وحطه على التسريحة:


* “ندى… اسمعيني كويس. الوقت مش في صالحنا خالص. الرجالة دول طليعة… كشافة جايين يتأكدوا من وجودي ويخدوا الحاجة بالهدوء. طالما الاتصال اتقطع بينهم وبين المحرك الأساسي بتاعهم أكتر من عشر دقايق، المجموعات التانية هتوصل… والساعة اللي جاية الشقة دي مش هتبقى أمان بالمرة.”


* “هنعمل إيه يا كريم؟ نكلم الشرطة! نكلم شرطة النجدة فورًا!”


كريم هز رأسه بالرفض وهو بيطلع من الدولاب شنطة سفر صغيرة وبدأ يحط فيها حاجات أساسية بسرعة مذهلة:


* “الشرطة مش هتقدر تساعدنا في الدقايق دي يا ندى. الشبكة متقطعة بالكامل في المحيط، وجهاز التشويش اللي معاهم قافل كل الإشارات. حتى لو نزلنا الشارع، المنطقة مقطوع عنها النور وده معناه إن في مراقبة على المداخل. الخروج من الباب الرئيسي للعمارة انتحار.”


مسكت إيده وأنا حاسة إن عقلي بيتشل:


* “أمال هنخرج إزاي؟ هنط من البلكونة؟ إحنا في الدور الرابع!”


ابتسم كريم ابتسامة صغيرة في وسط كل الرعب ده، ابتسامة من نفس الابتسامة الهادية اللي كنت بشوفها لما أهلي يغلطوا فيه. قرب مني، وطبع بوسة على جبيني وقال:


* “هو أنتِ فاكرة إني اخترت الشقة دي والعمارة دي بالذات عشان أعيش فيها كحارس لمجرد الصدفة؟ العمارة دي أنا دارس كل شبر فيها… وعارف مخرجها الخفي اللي محدش يتوقعه في المنطقة كلها.”


سحب الصندوق الحديدي من تحت الكنبة، وحطه جوة الشنطة الصغيرة، وأخد الفلاشة وجوازات السفر وحطها في حزام قماش عريض ربطه على وسطه تحت القميص. مسك إيدي بثبات وقال:


* “يلا بينا… امشي ورايا بالضبط، وما تلمسيش أي حاجة، وما تطلعيش أي صوت.”


خرجنا من الأوضة، وعدينا من فوق الرجالة المربوطين في الصالون. كنت برتعش وأنا بمر جنبهم، لكن كريم كان بيمشي ببرود أعصاب عجيب. ما مشيش ناحية باب الشقة الرئيسي، ولا ناحية السلم… اتجه مباشرة لآخر الممر، ناحية المطبخ!


في المطبخ، كريم زق التلاجة الكبيرة بقوة. غريبة إن التلاجة اتحركت بسهولة شديدة وكأنها على عجل مخفي. ورا التلاجة، كان في باب خشب قديم صغَيّر، شكله يدي على إنه ضلفة خزانة خزين أو باب عدادات قديم ملغي.


طلع كريم مفتاح تاني من جيبه، وفتح الباب الخشب. ظهر وراه جحر ضيق ومظلم، فيه سلم حديدي متثبت في الحيطة ونازل للأسفل!


بصيت له بذهول:


* “إيه ده يا كريم؟ السلم ده رايح فين؟”


* “ده سلم طوارئ قديم كان معمول في تصميم العمارة من الثمانينات وبيعدي جوة منور العمارة المقفول لحد البدروم التحتاني. البدروم ده بيفتح على ممر ضيق ممتد تحت الأرض وبيخرج على الشارع الخلفي ورا العمارة بـ 100 متر… بعيد تمامًا عن الرقابة اللي على المدخل الرئيسي.”


نزل كريم الأول، ومد إيده ليا:


* “انزلي يا ندى… حطي رجلك على الدرج وبصي فوق، ما تبصيش تحت.”


بدأت أنزل وراه ببطء شديد. الهواء جوة المنور كان بارد وريحة التراب مكتومة، لكن الخوف كان بيدفعني إني أتحرك أسرع. نزلنا حوالي أربع أدوار في الظلام، ونزلنا أخيرًا على أرضية خرسانية. كريم فتح كشاف صغير، ومشينا في ممر ضيق جداً بين أساسات العمارة، لحد ما وصلنا لباب حديد صغير صدئ.


كريم زق الباب بالراحة… وخرجنا منه لشارع جانبي ضيق جداً ومظلم، ورا العمارة. الهواء النقي ضرب في وشي، وحسيت إني بتنفس من جديد.


لكن الراحة دي ما دامتش أكتر من ثواني!


أول ما خطونا خطوتين في الشارع الجانبي، سمعنا صوت صرير كاوتشات عربية ثقيلة بتفرمل بحدة في أول الشارع!


كريم مسك إيدي وعصرها:


* “جري يا ندى! بسرعة!”


بدأنا نجري في الشوارع الجانبية لمدينة نصر. الشوارع كانت فاضية تمامًا، والظلام يخوف. صوت خطانا كان بيرن في الشارع. العربية السوداء اللي فرملت ورافت نورها العالي ضرب في ظهرنا، وبدأت تطاردنا في الممرات الضيقة!


كريم كان عارف كل دخلة وكل زنقة في المنطقة. دخل بي في زنقة ضيقة بين عمارتين تحت الإنشاء، واستخبصنا ورا كوم زلط ومواد بناء ضخمة. مسك إيدي وحطها على صدره عشان أهدي ضربات قلبي اللي كانت مسموعة.


العربية السوداء عدت من الشارع الرئيسي بسرعة، ونورها مسح المنطقة ومشي.


قعدنا ورا الزلط بناخد نفسنا. كنت مهدودة تمامًا، ورجلي مش شايالاني. بصيت لكريم وقلت له بدموع:


* “وبعدين يا كريم؟ هنروح فين؟ شقتنا خلاص راحت، وأهلي… يارب، أهلي ممكن يؤذوهم؟”


كريم بصلي بثبات وقال:


* “أهلك أمان يا ندى. الناس دول يدوروا عليا أنا وعلى الصندوق. أهلك بالنسبة لهم برة اللعبة تمامًا وميعرفوش أي حاجة. بس إحنا دلوقتي لازم نختفي لحد ما الصبح يطلع ونوصل للمكان الوحيد اللي يقدر يحمينا ويقفل الملف ده للأبد.”


* “مكان إيه؟”


* “السفارة… والنيابة الكلية. أنا مجهز الأوراق، بس كان فاضل خطوة واحدة أخيرًا. وبما إنهم وصلوا لي، يبقى الكارت الأخيرزم يترمى فورًا.”


وقف كريم ومد إيده ليا. مشينا ببطء وفي حذر شديد لحد ما وصلنا لشارع رئيسي. كريم طلع تليفون صغير جداً (من التليفونات القديمة اللي مش زكية) من جيبه التاني، وسحب منه شريحة ورماها في الشارع، وحط شريحة جديدة وطلب رقم.


رد الطرف الثاني بعد رنة واحدة. كريم اتكلم بلغة إنجليزية سريعة وبنبرة صارمة جداً:


* “النظام اتقرأ. المجموعات حركت الأرض. أنا معايا الأصول. الشفرة الذهبية جاهزة للتفعيل. تقاطع مكرم عبيد خلال عشر دقايق… جيبوا الحراسة فورًا.”


قفل الخط، وبصلي.


* “مين دول يا كريم؟”


* “دول الفريق التابع للجهة اللي بشتغل معاها رسمياً في التأمين السيبراني. هما كانوا مستنيين إشارتي دي من شهور.”


بعد عشر دقايق، وفي وسط الظلام، جيت عربية مصفحة سوداء كبيرة بدون أرقام رسمية، وقفت قدامنا بالظبط. نزل منها رجلين لابسين بدلات رسمية، وسلّموا على كريم باحترام شديد وقدموا له التحية وكأنه قائد عسكري كبير!


فتحوا الباب، وكريم شاور لي أدخل. قعدت على الكرسي وأنا حاسة إني في حلم مش حقيقة. كريم قعد جنبي ومسك إيدي، والعربية تحركت بسرعة رهيبة.


طول الطريق، ما كانش في حد بتتكلم. كنت بصل لكريم وبفكر في كل كلمة بابا قالها عنه: “ده بواب… ده آخره يشيل أكياس الزبالة… ده ضيع مستقبلك”. يا ترى لو بابا وماما شافوا كريم دلوقتي، وهو قاعد في عربية مصفحة والرجالة دي بتعامله بكل الهيبة والإجلال ده، كان هيبقى موقفهم إيه؟


العربية وقفت بعد حوالي نص ساعة قدام مبنى ضخم جداً عليه حراسة شديدة وأعلام رسمية. نزلنا ودخلنا جوة. المبنى كان مليان إضاءة، وناس رايحة وجاية بملفات وأجهزة كمبيوتر.


دخلنا أوضة اجتماعات كبيرة. قعدت على كرسي جلد فخم، وجابوا لي كوباية مية ومشروب دافئ. كريم ساب الشنطة الصغار على الطاولة الكبيرة، وقعد مع مسؤول كبير كان مستنيه.


فتح كريم الصندوق الحديدي قدام المسؤول، وطلع الفلاشة والأوراق. وبدأوا يتكلموا في تفاصيل تقنية وقانونية غريبة عليا، أسماء شركات، شخصيات دولية، وتحويلات مالية ضخمة بالمليارات.


كنت قاعدة بتفرج وبسمع، وكل ثانية بتعدي كان حجم كريم بيكبر في عيني أكتر واكتر. الراجل ده اتحمل الإهانة، اتحمل نظرات التعالي من كل الناس، اتحمل إنه يعيش في أوضة صغيرة تحت السلم ويخدم السكان ويشيل طلباتهم، كل ده عشان هدف أكبر… عشان يحمي بلده، ويحمي نفسه، ويؤدي مهمة الوطنية والأمنية بمنتهى الصمت والتواضع.


بعد حوالي ساعتين من الكلام والتحقيقات والتوقيعات، المسؤول الكبير وقف، ومسك إيد كريم وهزه بقوة:


* “برافو يا باشمهندس كريم. الملف كده اكتمل 100%. الشبكة كلها بتم القبض عليها في ثلاث دول في نفس التوقيت دلوقتي بناءً على الشفرة اللي فعلتها. أنت أديت واجبك على أكمل وجه، وفترة الاختفاء والأمن الحيوية انتهت رسمياً من الدقيقة دي.”


ابتسم كريم بنفس الابتسامة الهادية، وقال:


* “شكراً يا فندم. أنا كده أقدر أرجع لحياتي الطبيعية؟”


* “أنت من بكرة تقدر تمارس شغلك كرئيس تنفيذي لشركة الأمن الرقمي، وباسمك الحقيقي وورقك الرسمي كله رجع يتفعل.”


خرجنا من المبنى، والشمس كانت بدأت تشرق وتملى السماء بنور برتقالي دافئ. كان يوم جديد تماماً بيفتح عيونه على حياتنا.


وقفنا على الرصيف قدام المبنى. الشارع بدأ يتحرك، وصوت العربيات يرجع. بصلي كريم بابتسامة حقيقية، فيها راحة أول مرة أشوفها في عينيه طوال فترة معرفتي بيه.


* “أسف يا ندى… أسف إن ليلة فرحنا كانت بالرعب ده. بس أوعدك، من النهاردة مش هيكون في استخباء، ولا كذب، ولا حوائط قديمة.”


مسكت إيده بحب وفخر مش قادر أوصفه:


* “أنا فخورة بيك يا كريم… فخورة بيك أكتر من أي وقت فات. أنت ثابت لي إن الرجولة مش بالمظاهر ولا بالمسميات، الرجولة بمواقف الصبر والحماية.”


كريم حط إيده في جيبه، وطلع موبايله الجديد، وبصلي بذكاء:


* “طب إيه رأيك… نكلم بابا وماما دلوقتي ونقولهم إننا عزمنهم على الغدا في مكان؟”


ضحكت من قلبي، ضحكة طالعة من جوة بعد ليلة طويلة من الخوف:


* “تفتكر هيوافقوا ييجوا يتغدوا مع ‘البواب’؟”


كريم غمض عينه وضحك بصوت عالي:


* “لما يشوفوا المطعم والمكان والأسطول اللي هيعدي ياخدهم… هيعرفوا إن البواب ده كان شايل الدنيا كلها على كتفه وهو ساكت!”


ومسكنا إيد بعض، ومشينا في طريقنا للبيت… بداية جديدة لحياة كاملة، مبنية على الحقيقة، والفخر، والحب اللي صمد قدام أكبر الاختبارات.


اتجوزت البواب حكايات رومانى مكرم 3


وقفت أنا وكريم في عرض الشارع والشمس بتفرش نورها الدافئ على المبنى، وكان أول مرة من شهور أحس إنه بيتفس بالتنفس الطبيعي من غير ما يبص وراه أو يتحسب لكل خطوة. لكن الهدوء ده ما دامش غير لحظات…


كريم فتح الموبايل الجديد، وجاله إشعار بعشرات المكالمات المفقودة والرسائل. كان أولها من ماما وبابا. الرسائل كانت تتدرج من الغضب الشديد للرعب: “إنتوا فين؟”، “النور مقطوع في العمارة والشقة فوق مكركبة والباب مفتوح!”، “الشرطة تحت العمارة يا ندى ردّي!”




بص لي كريم بملامح جادة جداً، ونبرته رجعت قوية وواثقة:


* “أهلك راحوا الشقة لما ما ردينامش، وشافوا آثار الاشتباك بتاع إمبارح. الباب المكسور والدربكة خلت الجيران يطلبوا الشرطة… لازم نروح هناك فوراً يا ندى.”


ركبنا عربية ثانية كانت منتظرة بأمر من الجهة الرسمية، وانطلقنا بسرعة ناحية مدينة نصر. طوال الطريق، كنت حاسة بمزيج غريب من الخوف والمواجهة المؤجلة. أهلي اللي طول العمر شايفين كريم “عامل الصيانة اللي ما حيلتوش شهادة”، النهاردة هيشوفوا المشهد الكامل… بس هل الصدمة هتعدي بسهولة؟


أول ما وصلت العربية تحت العمارة، كان المنظر حافلاً: بوكس شرطة، وسيارة مباحث، والجيران واقفين في التجمعات المعتادة يتودودوا ويتهامسوا. أم أحمد ساكنة الدور الثاني، والعميد متقاعد ساكن الدور الثالث… كلهم واقفين ومباشرة عيونهم طارت علينا أول ما العربيات الفخمة وقفت ونزل منها كريم ببدلته الأنيقة اللي غيرها في المبنى الرسمي، ونزلت أنا جنبه.


بابا كان واقف على أول السلم ووشه أصفر ومشدود، وماما واقفة جنبه بتبكي ومسكة منديل. أول ما بابا شافني، جرى عليا وهو بيزعق بصوت مرتزق:


* “إنتِ فين يا ندى؟! إيه اللي حصل في الشقة فوق؟! ومين العالم اللي كانوا ممرغين في الصالون ومربوطين وسابوهم البليس الصبح؟! إنتِ اتجوزتي مجرم ولا إيه؟!”


كريم خطى خطوة واحدة واستقر بيني وبين بابا. ما كانش فيه أي نبرة انكسار أو حرج زي زمان، لكن كان فيه احترام ثابت:


* “هدّي نفسك يا عمي. ندى بخير، وما فيش أي جرم حصل هنا… اللي حصل كان تأمين لموقف أمني كبير وانتهى رسمياً.”


في اللحظة دي، خرج ضابط المباحث برتبة مقدم من مدخل العمارة، أول ما لمح كريم، مشي ناحيته بابتسامة احترام كاملة ومد إيده يسلم عليه بحرارة:


* “باشمهندس كريم! الحمد لله على السلامة. التقرير والتعليمات جتلنا من الرئاسة فوراً. النيابة أخلت السبيل والشبكة كلها اتجابت، ورجالتنا أمنوا الشقة والمنطقة بالكامل.”


بابا وقف مكانه مشدوه، عينيه رايحة جاية بين الضابط وبين كريم اللي كان بيسلمه التصاريح الرسمية.


* “باشمهندس؟ تعليمات من مين يا فندم؟ إنت مش حارس العمارة ده؟!”.. قالها بابا بنبرة مذهولة ومش مصدقة.


الضابط بص لبابا باستغراب وقال:


* “حارس إيه يا حاج؟! الباشمهندس كريم يوسف من أكبر خبراء أمن المعلومات في الشرق الأوسط، وكان في مهمة دقيقة جداً مع أجهزة سيادية لتفكيك أكبر شبكة اختراق وتجسس إلكتروني. وجوده هنا كان غطاء أمني مؤقت ومحسوب بالمليمتر.”


الكلمات نزلت على بابا وماما زي الصاعقة. ماما وقفت أيدها على فمها ونظراتها اتغيرت 180 درجة، وبابا كان يبص للحيطان وكأنه بيحاول يراجع كل كلمة إهانة قالها لكريم في وشه طوال الخمس شهور اللي فاتوا. “ده ما كملش تعليمه”، “ده آخره لمبات السلم”، “ده بيجري ورا طلبات السكان”.


كريم بص لبابا بهدوء شديد وقال:


* “عمي… الشقة فوق محتاجة بعض الصيانة والترتيب بعد أحداث إمبارح. أنا حجزت لكم جناح في فندق قريب ترتاحوا فيه إنت وحاجّة، وعربيتي هتوصلكم. وعزومتنا على الغدا زي ما هي… بس المرة دي في بيتنا الحقيقي في التجمع.”


ماما قربت مني وهي بتترعش ومسكت إيدي:


* “يا بنتي… إنتِ كنتِ عارفة كل ده؟”


بصيت لماما بثقة وابتسمت:


* “أنا اتجوزته وهو في نظركوا بواب، وعرفته على حقيقته لما هو قرر يفتح لي الصندوق. كريم عمره ما كان محتاج شهادة عشان يبان راجل يا ماما.”


طلعنا الشقة مع النيابة والشرطة لمعاينة المكان وتخليص المحاضر الرسمية. كريم كان بيتحرك بثبات وسرعة، ينهي الأوراق، ويتصل بالشركات والمهندسين بتوعه عشان يرجعوا يفتحوا مقراته الرسمية في القاهرة ودبي. وفي وسط المعمعة دي كلها، جه إشعار جديد على تليفونه.


فتح كريم الرسالة، وشفت ملامحه بتتغير فجأة. الابتسامة المرتسمة على وشه اختفت، وعينيه أظلمت بتوتر غريب مشافتهوش حتى لما كنا محاصرين بالليل!


سحبني من إيدي على جنب في الممر الجانبي بعيد عن ضباط الشرطة وبابا:


* “ندى… الموضوع ما انتهيش زي ما افتكرنا.”


قلبي وقع في رجلي:


* “يعني إيه يا كريم؟ مش الضابط قال إنهم قبضوا على الشبكة كلها؟”


طلع كريم الشاشة ووراني رسالة مكتوبة باللغة الإسبانية، وتحتها ترجمة آلية:


“الصندوق اللي فتحته في القاهرة.. مفتاحه الحقيقي مش في مصر. المحرك الأكبر في مدريد لسه بيحرك الأحجار. لو فاكر إنك حميت زوجتك… يبقوا لسه ما عرفتش إحنا مين.”


كريم بصلي ونبرة صوته كانت مرعبة من شدة الجدية:


* “الفلاشة والصندوق اللي تسلموا كان فيهم ثلثين الحقيقة بس. الرأس الكبير في المنظمة لسه برة، والإنتربول ما لحقوش يوصلوا له في إسبانيا… والرسالة دي معناه إنه بدأ يتحرك بنفسه.”


مسكت في دراعه برعب:


* “هنعمل إيه؟ نبلغ الضابط اللي جوة؟”


* “لا… الضابط هنا ينفذ أوامر محلية. الرأس ده معاه اختراقات وعلاقات أعمق بكثير. السفر لمدريد ما بقاش اختيار يا ندى… لازم نسافر فوراً ونقفل الملف ده من هناك بنفسي قبل ما يوصلوا لأي حد من أهلنا هنا.”


قبل ما أرد أو أستوعب إننا هنطير من قلعة لقلعة ومن خطر لخطر أكبر، سمعنا صوت صرخة مكتومة من الصالون!


جرينا أنا وكريم فوراً… ولقينا بابا واقف قدام الشباك المفتوح، ومسك ورقة سوداء متسابة على السفرة جنب مكان الصندوق الحديدي القديم. ورقة كان مكتوب عليها بدم عريض ورسمة غريبة:


“الموعد في مدريد… أو تكون النهاية هنا.”


ساد صمت خادق في الصالون، والورقة السوداء المستقرة على السفرة كانت زي لعنة جديدة نزلت على الرعب اللي كنا فاكرين إننا خلصنا منه. بابا كان واقف جسمه كله بيتكتك، عينيه متسمرة على رسمة الخنجر المطبوعة بالدم والكلمات القليلة المكتوبة باللغة الإسبانية وتحتها ترجمتها بالعربي. ماما كانت سانده على حيطة الممر وشهقاتها مالية المكان.


كريم خطى خطوتين بسرعة، وسحب الورقة من إيد بابا بهدوء ودقة، من غير ما يلمس الحواف. أخرج من جيبه كيس بلاستيك شفاف صغير وحط الورقة جواها. وشه كان خالي من أي تعبير، لكن نظرة عينيه كانت بتقول إننا دخلنا مرحلة جديدة تمامًا… مرحلة الحساب المباشر.


بابا بص لكريم بنبرة اتغيرت فيها كل نبرات التعالي السابقة، وبقت مليانة رجاء وخوف حقيقي:


* “كريم… يا بني، إيه ده؟ هما مين دول؟ وليه بيتكلموا عن إسبانيا؟ وإزاي الورقة دي دخلت الشقة هنا وفي ضباط شرطة واقفين على الباب تحت؟!”


كريم بص لبابا بثبات، ونبرة صوته كانت حاسمة ومطمئنة في نفس الوقت:


* “عمي… ورقة زي دي ما تدخلكوش في حيرة. الشبكة دي أخطبوط، وإلي ساب الورقة دي هنا هو حد من العمال أو الجيران اللي تم تجنيدهم برقم سرّي من غير ما يعرفوا أصل الحكاية. هما عايزين يعملوا حرب نفسية، عايزين يخلونا نتهز ونغلط. أرجوك… خدي طنط واطلعوا على الشقة اللي أمنتكم فيها في التجمع. الحراسة هناك مش هتسيبكم ثانية واحدة، وما حدش هيقدر يلمس شعرة منكم.”


ماما قربت مني وعينيها مغرورقة بالدموع، مسكت إيدي وقالت:


* “يا ندى… يا بنتي أرجوكم بلاش السفر ده! بلاش تروحوا للناس دول بزيكم! بلغوا السلطات وهما يتصرفوا!”


رديت عليها وأنا بضم إيد كريم، حاسة إن الخوف اللي كان جوايا البارح تحول لصلابة غريبة. لما تشوف جوزك بيحارب طواحين هوا عشان يحميك ويحمي بلد كاملة، ما بيبقاش عندك رفاهية الجبن:


* “يا ماما… كريم مش رايح يتفسح ولا رايح يرمي نفسه في الخطر. كريم رايح ينهي الكابوس ده للأبد عشان نعرف نعيش. لو فضلنا مستخبين هنا، هيفضل الخوف ملاحقنا في كل خطوة.”


كريم وجه كلامه للضابط اللي كان واقف مصدوم من تطور الأحداث، واداله التعليمات بسرعة:


* “حضرة المقدم… حراسة مشددة على الشقة دي، ونقل والدي ندى فورًا للتجمع بفرقة تأمين كاملة. أنا هطير لمدريد في خلال ساعات، والملف الأمني المحدث هيكون عند سيادتك في خلال دقائق من الجهات السيادية.”


الضابط هز رأسه واكتفى بتقديم التحية العسكرية لكريم، وبدأ يتحرك فورًا لتنفيذ الأوامر.


بعد ثلاث ساعات بالضبط… كنا قاعدين في صالة كبار الزوار في مطار القاهرة الدولي. كريم كان بيكلم محاميه الدولي وخبراء الأمن بتوعه في مدريد بلغات مختلفة: إسباني، وإنجليزي. كان بيتكلم بنفس الهدوء القاتل اللي عرفته بيه، لكن سرعته في اتخاذ القرارات كانت مذهلة.


أنا كنت قاعدة جنبه، لابسة هدوم سفر بسيطة، وبصلة لجواز سفري اللي كريم طلعلي إياه بتأشيرة دبلوماسية سريعة تم استخراجها في أقل من ساعة.


مسك كريم إيدي وابتسم ابتسامة هادية:


* “خايفة يا ندى؟”


أخذت نفس طويل وقلت له:


* “كنت خايفة وإحنا في الشقة والظلام دامس ومش فاهمة حاجة. لكن دلوقتي… وأنا فاهمة أنا مع مين، الخوف اتغير بقى إصرار. بس قولي يا كريم… مين هو ‘الرأس الكبير’ اللي في مدريد ده؟ وليه الصندوق الحديدي كان فيه المفتاح الأكبر له؟”


كريم سكت لحظات، وبص للشاشة الكبيرة اللي في الصالة، وأخد نفس عميق قبل ما يبدأ يحكي:


* “الرأس ده اسمه ‘دون ألفونسو’… رجل أعمال إسباني مرموق في الظاهر، بيمتلك أكبر شركات أمن رقمي في أوروبا، لكن في الخفاء… هو العقل المدبر لشبكة بتخترق البنوك والمؤسسات السيادية وبتبيع البيانات لمن يدفع أكثر. الصندوق الحديدي اللي كان معايا في مصر، ما كانش فيه بس أوراق وقضايا… الصندوق ده كان فيه ‘الشفرة المظلمة’. شفرة أنا اللي اخترعتها ودمجتها في نظامهم لما كنت شغال معاهم من غير ما يعرفوا. الشفرة دي هي الوحيدة اللي تقدر تقفل كل حسابات ألفونسو وتكشف كل رجاله وأصوله المالية في الملاجئ الضريبية حول العالم.”


سكت كريم بمرارة وكمل:


* “ألفونسو كان فاكر إن اختفائي في مصر كرجل بسيط بيحمي عمارة في مدينة نصر هيدفن الشفرة دي مع الأيام. لكن لما عرف إني اتجوزت وقررت أفتحلِك الصندوق، عرف إن الشفرة خرجت للنور… وهو عارف كويس إن لو الشفرة دي اتفعلت من مدريد بالذات، إمبراطوريته كلها هتنتهك في دقائق.”


وفي اللحظة دي، نادوا على رحلتنا المتجهة لمدريد.


وصلنا مطار “باراخاس” في مدريد مع هبوط الليل. الجو كان بارد، والمطار زحمة، بس أول ما خطونا خارج بوابة الموصول، استقبلتنا سيارتان سوداوتان فخمتان، ونزل منهم أربعة رجال يرتدون أطقم رسمية. استقبلوا كريم بكل إجلال، وتكلم معاهم قادهم بلغة إسبانية طليقة.


ركبنا العربية، وانطلقت بينا في شوارع مدريد المضاءة. المباني الأثرية، الشوارع الواسعة، والأضواء الملونة كانت بتمر من جنبي وكأنها مشهد في فيلم. لكن أنا ما كنتش مع الجمجم والجمال ده، أنا كنت حاسة إننا داخلين عرين الأسد بكرعينا.


العربية ما مشيتش ناحية فندق أو مكان سياحي… اتجهت لضواحي مدريد، ناحية قصر قديم محاط بأسوار عالية وشجر كثيف.


بصيت لكريم باستغراب:


* “إحنا رايحين فين يا كريم؟ ده مش فندق!”


* “ده مقر العمليات الخفي لشبكتنا الأمنية هنا في إسبانيا يا ندى. القصر ده مؤمن بأحدث تقنيات الأمن الرقمي والفيزيائي في العالم. هنا هنجهز الخطوة الأخيرة… الخطوة اللي هتستدرج ألفونسو لفخ ما يقدرش يخرج منه.”


نزلنا من العربية، ودخلنا القصر. المبنى من جوة كان عبارة عن مزيج عجيب بين الطراز المعماري الأندلسي القديم، وأحدث أجهزة التكنولوجيا والمراقبة. شاشات عملاقة على الحيطان بتعرض خرائط حية وتحركات، ومهندسين قاعدين على أجهزة كمبيوتر شغالين في صمت وسرعة.


أول ما كريم دخل، الكل وقف وقدم التحية. جه رجل إسباني كبير في السن، شعره أبيض ولامع، وحضن كريم بحرارة:


* “أهلاً بك يا صديقي… لقد انتظرنا هذه اللحظة طويلاً.”


كريم قعد على الطاولة الرئيسية، وسحب اللابتوب الخاص بيه، وطلع الفلاشة الفضية اللي كانت في الصندوق الحديدي، وحطها في الجهاز.


الشاشات الكبيرة في الأوضة بدأت تنور بأكواد وبيانات حمراء وسريعة. كريم كان بيكتب على الكيبورد بسرعة مذهلة، وأنا واقفة جنبه بتفرج بذهول.


فجأة… شاشة من الشاشات الرئيسية ظهرت عليها صورة رجل في الستينيات من عمره، بملامح حادة، وعينين باردتين كالثلج، ولابس بدلة فاخرة.


كريم شاور على الشاشة وقال بنبرة قاطعة:


* “ده ألفونسو… الشفرة بدأت تسحب الحماية عن حساباته وحسابات رجاله دلوقتي. خلال ساعتين، كل شركاته هتنكشف قدام الشرطة الدولية والادعاء الإسباني.”


لكن… في نفس اللحظة اللي كريم قال فيها الكلام ده، انطلقت صفارات إنذار حمراء في القصر كله!


الأضواء في القصر بدأت ترمش باللون الأحمر، وصوت هشير وتقطيع جه على أجهزة اللاسلكي!


الرجل الإسباني الكبير جرى على الشاشات وصرخ باللغة الإسبانية:


* “كريم! في اختراق خارجي جبار بيحصل للأنظمة الميدانية هنا! في قوة مسلحة أجهزة التتبع بتاعتها كشفت موقع القصر… هما في الطريق لينا دلوقتي، قدامهم أقل من عشر دقائق!”


كريم اتفض من مكانه، وبص للشاشة اللي بتعرض الكاميرات الخارجية للقصر… شفت أربع سيارات رباعية الدفع سوداء متجهة بسرعة جنونية ناحية بوابات القصر الخارجية!


كريم بصلي، وكانت عينيه مليانة قرار مصيري مش راجع فيه. مسك إيدي بقوة وقال للمهندسين:


* “فعلوا خطة الإخلاء للجهة الخلفية فوراً! ندى… الساعات اللي جاية دي هي النهاية. ألفونسو جاي بنفسه ينهي اللعبة… وأنا مش هسيب القصر ده إلا وهو في الأغلال.”


مسكت إيده بانهيار:


* “كريم! إحنا في بلد غريبة! لو اشتبكت معاهم هنا…”


قطع كلامي وهو بيحط إيده على وشه وبيبتسم ابتسامة واثقة مرعبة:


* “أنا مش في بلد غريبة يا ندى… أنا في الميدان اللي أنا خططت له من خمس سنين. جه الوقت اللي يكتشف فيه ألفونسو مين هو ‘كريم يوسف’ بجد!”


انطلقت صفارات الإنذار الحمراء تجأر في أرجاء القصر الأندلسي في ضواحي مدريد، بينما شاشات المراقبة تعكس أضواء السيارات السوداء المصفحة وهي تقتحم البوابات الحديدية الخارجية. المكان تحول في ثوانٍ إلى ساحة حرب من التخطيط والتكتيك المعقد.


كريم ما اهتزش لحظة واحدة. تحرك بصلابة وصرامة، وأمر فريق العمليات بالانتشار في أركان القصر. سحبني من إيدي بثبات ووجهني لغرفة آمنة تحت الأرض مجهزة بشاشات مراقبة وباب فولاذي لا يمكن اختراقه.


بص لي في عيني وقال بنبرة مليانة حب وحسم:


* “ندى… اقفلي الباب ده من جوة، وما تفتحيش إلا لما تسمعي صوتي. الليلة دي الكابوس ده سينتهي للأبد، والإمبراطورية المزيفة دي هتهاوى.”


قبل ما أرد، قفل الباب الفولاذي، ووجدت نفسي في صمت تام، بتابع الأحداث من خلال الشاشات الحية الموصلة بالكاميرات الخارجية والداخلية للقصر.


على الشاشة، شفت رجال “دون ألفونسو” بيقتحموا القاعة الرئيسية للقصر، يتقدمهم ألفونسو بنفسه، حاملاً نظرات الغرور والتكبر، ومقتنعاً إن ثروته ونفوذه وهيمنته السيبرانية قادرة على سحق أي حد يقف قدامه. كان يظن إنه داخل يقبض على “مهندس هارب” يستخبى في الظلال.


لكن كريم كان مجهز له فخًا لم يخطر على باله.


بمجرد ما دخل ألفونسو ورجاله منتصف القاعة الرئيسية، انقطعت الأضواء فجأة، وتفعلت شفرة تعطيل إلكترونية شلت كل الأسلحة الذكية وأجهزة الاتصال التي كانت بحوزة المهاجمين. وفي نفس اللحظة، ظهر كريم من أعلى شرفة القاعة، وحوله رجال الحراسة الرسمية والإنتربول الدولي الذين كانوا ينظرون الإشارة الأخيرة!


ألفونسو بص لكريم بصدمة وذهول، وصوت كريم رن في أرجاء القاعة بلغة إسبانية حازمة، وهو بيعرض على شاشة عملاقة خلفه سقوط كل حسابات ألفونسو البنكية، وصدور أوامر القبض الدولية بحقه وبحق شبكته في ثلاث قارات في وقت واحد.


ألفونسو حاول يتحرك أو يصرخ بأوامر لرجاله، لكن رجال الإنتربول والشرطة الإسبانية كانوا قد حاصروا المكان بالكامل. وفي دقائق معدودة، انهار الرجل الذي كان يظن نفسه فوق القانون، وقُيدت إيديه بالسلاسل الحديدية، وسُحب خارج القصر مهزوماً مكسوراً أمام كاميرات الصحافة والجهات الأمنية.


بعد انتهاء العملية وتأمين المكان بالكامل، اتفتح باب الغرفة الفولاذية، وظهر كريم واقفاً، وعلى وشه ابتسامة الراحة والنصر. رميت نفسي في حضنه وأنا ببكي من الفرحة والذهول… النهاية أخيرًا جتلنا، والكابوس اللي عاش معانا شهور انزاح للابد.


رجعت مصر أنا وكريم بعد أيام قليلة، لكن المرة دي مش كـ “حارس عمارة بسيط” ومجرد “خريجة عين شمس”، بل كزوجين واجهوا أعتى عواصف الحياة وخرجوا منها منتصرين.


في شقتنا الجديدة في التجمع الخامس، عملنا حفل عشاء كبير، حضره بابا وماما وأقرب أصدقائنا. بابا كان قاعد على السفرة، عيونه مليانة خجل وندم وهو بيطالع كريم، اللي كان بيمارس تواضعه المعهود وبيخدم أهلي بنفسه وبيقدم لهم الأكل والشرب بابتسامته الدافئة.


بابا وقف، وحط إيده على كتف كريم، وقدم اعتذار علني قدام الكل بصوت مخنوق بالدموع:


* “يا بني… أنا أسف. أنا حكمت عليك من المظهر، ومن المسمى الوظيفي، ونسيت إن المظاهر خدّاعة، وإن قيمة الراجل الحقيقية مش في شهادة متعلقة على الحيطة ولا في لبس غالي، لكن في معدنه، في صبره، وفي قدرته على حماية بيته وأهله. أنت أثبت لي إني كنت أعمى، وأن ندى اختارت أجدع راجل في الدنيا.”


ابتسم كريم وركب إيد بابا باحترام، وقال كلمته التي أصبحت دستور حياتنا:


* “ولا يهمك يا عمي… أنا عمر زعلي ما دخل قلبي منك. أنا اتعلمت إن قيمة البني آدم بتتقاس بأخلاقه، وبصبره في وقت الشدة، وبحبه الصادق. الوظيفة والمظاهر بتروح وتيجي، لكن المعدن الأصيل هو اللي بيفضل ثابت لما الدنيا كلها تتهز.”


الحكمة من القصة:


* عدم الحكم على الأشخاص بالمظاهر أو المسمى الوظيفي: القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في جوهره، وأخلاقه، ومعدنه عند الشدائد، وليس في اللقب الاجتماعي أو مظاهر الثروة الزائفة.


* الصبر والتواضع قوة وليست ضعفاً: القدرة على كتمان القوة والتصرف بحكمة وتواضع في مواجهة الإهانة هي ذروة الشجاعة والرجولة الحقيقية.


* الحب المبني على جوهر الشخص لا يتزعزع: عندما تحب إنساناً لذاته ومعدنه وليس لموقعه أو ثروته، فإن هذا الحب يستطيع الصمود أمام أكبر أزمات الحياة واختباراتها.



أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close