بيتي الكبير كامله حكايات زهرة حصري
بيتي الكبير كامله حكايات زهرة حصري
اخت جوزي اتطلقت وجابت بنتها و قعدت عندنا في البيت ، وانا كنت مخنوقه من قعدتها معانا ،فطلبت من بنتها طلب شيطاني علشان اطفشهم من البيت، بس الحكايه قلبت بمصيبه ملهاش اول من اخر؟؟؟؟
أنا طول عمري بشوف إن البيت ده بتاعي، أو بمعنى أصح، كان لازم يكون بتاعي لوحدي من أول يوم دخلته فيه. احنا عايشين في الارياف وجوزي أبوه متوفي وسايبلهم بيت عيله كبير .. دور أرضي واسع وشقه فوق. أنا كانت شقتي في الدور الثاني، شقة حلوة ومتوضبة، بس البيت نفسه كان يخنق. زحمة ودوشة طول الوقت، حماتي الله يرحمها كانت مالية البيت حركة، وأخت جوزي الصغيرة هدى رايحة جاية، تحس إن مفيش خصوصية، ولا عارفة أتحرك براحتي، ولا حاسة إن المكان ده ملكي. كنت دايماً بحس إني ضيفة في بيتهم، أو مجرد واحدة ساكنة فوق وهم أصحاب الملك، وده كان بياكل في قلبي من جوة.
صبرت وقلت العيشة دي مش هتدوم. وبالفعل، الفرج جه بالتدريج؛ هدى أخت جوزي اتجوزت ومشيت راحت بيت جوزها، وبعدها بكام سنة، حماتي اتوفت. وقتها بس حسيت إن الرئة بتاعتي اتنفست أكسجين صافي.. البيت فضي عليا كلياً! من الباب الكبير لحد السطوح، بقيت أناصاحبة البيت فوق وتحت. أستقبل اللي يعجبني، وأقفل الباب في وش اللي ما يعجبنيش، العيال بتجري براحتها في الصالة الواسعة تحت، وأنا نازلة طالعة بآمر وأنهي وكأني
المالك الوحيد للبيت ده كله. سنين وأنا عايشة في الملكوت ده، لحد ما الصدمة جت في يوم من غير انذار
هدى اختلف مع جوزها، والأمور اتطورت بينهُم لحد ما اتطلقت. وفي يوم وليلة، لقيتها داخلة عليا بشنطها وبنتها الصغيرة، وجاية تعيش في بيت أبوها! قعدت لحد ما القضايا تخلص.. رفعوا قضايا نفقة ومؤخر وسكن للبنت، وهتفضل قاعدة معانا لحد ما المحاكم تقضي. أنا ساعتها اتسمرت مكاني. يعني إيه؟ بعد السنين دي كلها والراحة دي، أرجع تاني أتقاسم البيت؟ وترجع الخنقة والكركبة وبنتها تلعب مع عيالي وتعمل دوشة؟ لا، البيت ده بتاعي أنا وجوزي وعيالي، ومش هسمح لحد يشاركنا فيه ولا يرجعني لنقطة الصفر تاني.
بدأت بالأصول الأول، رحت لجوزي الشقة فوق وقعدت أزن في دماغه
إزاي أختك تعيش هنا كده؟ هو مش جوزها المفروض يدبرلها هي والبنت سكن؟ ما يروحوا يقعدوا في أي حقة إيجار براه!
رد عليا بضيق وهو بيتأفأف
ما هي القضايا شغالة يا سميرة، والقاضي لسة محكمش بسكن، هترمى في الشارع يعني؟
قلتله بقلة صبر
طب ما أختك ممرضة وبتقبض وعلى قلبها قد كده، ليه متأجرش شقة قريبة تقعد فيها هي وبنتها لحد ما القضايا دي تخلص وتشوف حالها؟
جوزي بصلي باستغراب وزعق بصوت واطي
تأجر إزاي وبيت أبوها موجود ومفتوح؟ أقولهالها إزاي يعني يا سميرة؟ نامي يا سميرة وبلاش مشاكل بالله عليكِ،
دي أختي ومالهاش غيري دلوقتي.
ساعتها عرفت إن جوزي ده ضعيف ومش هيساعدني في حاجة، ودماغه جزمة مش هيطلع أخته من البيت. خلاص، طالما الراجل مش هيتحرك، يبقى أنا اللي لازم أطفشها بأسلوبي.
تاني يوم على طول، بدأت احاول اخنقها بالكلام. هدى كانت ترجع من شغلها في المستشفى تعبانة، أقعد جنبها وأبدأ أستجوبها بفضول يضايق هو إنتوا اتطلقتوا ليه بالظبط؟ طب ما تحاولي تطري القعدة وتكلميه تعتذريله؟ أهو عشان خاطر البنت وتلموا الدور بدل المرمطة دي.
هدى اتصدمت من كلامي وبصلتي بزعل وقالتلي يا سميرة إحنا اتطلقنا خلاص والموضوع انتهى، أكلمه إزاي تاني؟ سيبيني في حالي الله يخليكِ أنا فييا اللي مكفيني.
ولما لقيت الكلام معاه مفيهوش فايده بقيت كل ما حد يزورنا من القرايب أو الجيران، أعمل نفسي صعبان عليا حالها، وأقول بصوت عالي وشفقة مصطنعة وهي قاعدة والله أنا مش صعبان عليا في الليلة دي كلها غير هدى.. اتطلقت وجات تعيش عند أخوها، والصراحة يعني الواحدة مننا ملهاش إلا بيت جوزها، مهما كان بيت الأخ مش زي بيت الراجل!
هدى كانت أوقات تتجاهل حركاتي وتعديها عشان خاطر أخوها، وعشان متعملش مشاكل في البيت، وده كان بيجنني أكتر! سكوتها وبرودها كان بيحرق دمي، لأن خطتي كانت إنها تتنرفز وتعمل مشكلة كبيرة فتضطر تلم شنطها وتطلع برة البيت.
لما لقيت
الكلام والتلميحات مش جايبين نتيجة وهدى مستحملة، قعدت مع نفسي وقتها الشيطان صورلي فكرة ميتخيلهاش عقل بني آدم أبداً.. فكرة تخليها تكره البيت ده باللي فيه
في يوم، هدى كانت في النبطشية في الشغل، وبنتها الصغيرة في الحضانة. جوزي عدى جاب بنته وبنت أخته معاه بحسن نية وهو راجع من شغله، ورماهم في البيت ودخل. أنا استغليت الفرصة فوراً. جهزت لجوزي الحمام وقلتله يدخل يستحمى عشان يروق، وأول ما سمعت صوت المية شغال، ناديت على بنت هدى .
البنت كانت بتلعب في الصالة، قلتلها بنبرة حنينة بقولك إيه يا شاطرة، روحي الجنينة برة، شايفه العلبة البلاستيك دي؟ عايزاكي تمليهالي مية من البرميل الكبير اللي في الجنينة عشان المية مقطوعة فوق وعايزة أغسل الصحون.
البنت ببراؤة الأطفال هزت رأسها وأخدت العلبة وطلعت على الجنينة. البرميل كان طويل وهي قصيرة، ومش قادرة تطول المية من جوة. طبعاً أنا كنت عارفة ده كويس وشيفاها ومتبعاها.... جابت كرسي خشب صغير وقفت عليه، ونزلت دراعها الصغير قوي عشان تطول المية وتملى العلبة... وفجأة، صرخة هزت أركان البيت كله!!!
الصرخة قطعت قلبي وحسيت وقتها إن في حاجة غلط حصلت مش زي ما خططت أبداً. أنا كل اللي كان في دماغي إن البنت تقع في المية أو تبوظ هدومها، وأخت جوزي تترعب على بنتها وتقول البيت ده مش أمان للبنت،
فتلم حاجتها وتمشي من
غير ما أبان أنا في الصورة! لكن الصرخة ما كانتش صرخة خوف أو وقعة مية عاديّة.. دي كانت صرخة وجع يقطع المصارين!
جريت على الجنينة برعب، وجوزي طلع يطير من الحمام بالفوطة وهو بيتنفض، وخرجنا الإثنين لنفس المشهد اللي يجمد الدم في العروق.
البنت كانت وافعة على الأرض ومحشورة بين البرميل والحيطة، وذراعها الصغير مربوط عليه حنش إيجلي تعبان أسود ضخم من اللي بيهربوا من الغيطان المجاورة وبيلفوا حوالين المية في الحر. البرميل المليان مية كان جواه التعبان، ولما البنت مدّت إيدها تحسبه لعبة أو كانت بتطول المية، هجم عليها ولَفّ على إيدها ونيابه انغرست في لحمها الناعم!
منظر البنت وهي بتنزف ووشها بيهرب منه الدم وبدأ يزرقّ كان يطير العقل. جوزي صرخ بصوت هيستيري، وجاب قطعة خشبة وقعد يضرب في التعبان بكل قوته وهو بيبكي وبيصرخ لحد ما قتله، وفك إيد البنت بالعافية. البنت كانت بتتنفض بين إيديه والسم بدأ يسري في جسمها بسرعة مرعبة، وعينيها بتقلب لورا!
في اللحظة دي، دخلت هدى! كانت راجعة من المستشفى بدري ساعة عشان تغيّر نوبتها، وشافت المنظر ده في وشها جوزي شايل بنتها الغرقانة في دمها، والتعبان مقتول على الأرض، وأنا واقفة متسمرة زي الصنم، ركبي بتخبط في بعضها والجمود أكل لساني.
هدى صرخت صرخة شقت البيت، وجريت خطفت البنت من إيد أخوها. ولأنها ممرضة وعارفة خطر السم، شقت أكمام البنت
بسرعة وربطت ذراعها بإيشاربها بفزع وهي بتصرخ بنتي!! بنتي بتتسمم! لحقونييي يا ناس!
جرينا على المستشفى اللي هدى شغال فيها، أسرع سير في الدنيا. جوزي كان بيسوق زي المجنون، وهدى ورا حاضنة البنت وبتبكي وتدعيلها بلوعة أم حاسة إن روحه بتتسحب منها. وأنا؟ أنا كنت قاعدة جنبه، قلبي هيقف من الرعب، مش خايفة على البنت وبس، أنا خايفة من السر اللي لو اتعرف هينسف حياتي ويدخلني السجن!
أول ما وصلنا المستشفى، هدى صرخت في زمايلها الدكاترة، ودخلوا البنت العناية المركزة فوراً عشان يحقنوها بالمصل. القلق كان بياكل الجدران، وهدى نازلة لطم على وشها وبتقول مين دخلها الجنينة؟ البنت ما بتخرجش الجنينة لوحدها أبداً! مين فتح البرميل؟
جوزي بَصلي، وعينيه كلها شك واستغراب، وقال بصوت متلجلج سميرة.. هي البنت خرجت الجنينة إزاي؟ مش إنتي كنتي معاهم في الصالة؟
أنا لساني اتعقد، والعرَق بدأ ينزل من وشي زي المية، قلت بصوت بيموت أصل.. أصل هي قالتلي عايزة تلعب.. وأنا دخلت المطبخ وثواني وسمعت الصرخة!
هدى سكتت فجأة، وبصتلي بصة عمري ما هنسى شكلها.. بصة فيها ذكاء الممرضة وفاهمة كل التفاصيل. طلعت من جيب بنتها حاجة كانت البنت ماسكاها بقوة في إيدها التانية المقفولة.. كانت العلبة البلاستيك! العلبة اللي أنا إديتها بيدي للبنت!
هدى رفعت العلبة في وشي، وصوتها تحول لنبرة مرعبة من الهدوء العلبة دي بتاعة
المطبخ بتاعك فوق يا سميرة.. البنت كانت طالعة الجنينة تعمل إيه بالعلبة دي؟ ومين أداهالها؟ البنت أصغر من إنها تطول الرف اللي بتحطي فيه البلاستيكات ده!
جوزي اتسّمر مكانه، وبص للعلبة وبعدين بصلي. الشك أكل قلبه، والملامح الطيبة اللي على وش تحولت لشرار سميرة! إنتي بعتي البنت الجنينة؟ إنتي اللي قلتيلها روحي للبرميل؟
أنا ارتبكت، وبدأت ألجلج أنا.. أنا كنت فاكرة المية مقطوعة.. قلت تعبيلي..
ما لحقتش أكمل الكلمة، وهدى هجمت عليا زي اللبؤة الجريحة! ضربتني بصلابة وجذبتني من طرقتي وهي بتصرخ بكل غل الدنيا يا مجرمة! يا مفترية! عايزة تموتي بنتي عشان الشقة؟ عشان البيت؟ إنتي إيه.. شيطان؟!
الممرضين والأمن دخلوا بالعافية يحجزوا بيننا، وجوزي كان واقف مذهول، مش قادر يصدق إن مراته اللي عايش معاها بقاله سنين توصل بيها الخسة والغل لدرجة إنها تبعت طفلة عندها أربع سنين لبرميل مية غريق في جنينة مهجورة عشان تخلص منها أو تطرد أختها!
جوزي قرب مني، وشوشني بصوت مرعب أبرد من الثلج لو البنت دي جرى لها حاجة يا سميرة.. أنا هقبرك مكانها. وإنتي من اللحظة دي.. محرمة عليا زي أمي وأختي، ومش عايز ألمح وشك في البيت ده تاني!
أنا اتطردت من المستشفى زي الكلبة، بقيت ماشية في الشارع مش عارفة أروح فين. أهلي لما عرفوا باللي حصل، أبويا اتمصمص من الخزي ورفض يدخلني البيت، وقالي إحنا ما مربينش مجرمين
ولا ناس بلا ضمير! ارجعي مطرح ما جيتي!
قعدت يومين في بيت واحدة صاحبتي، الدموع ما بتفارقش عيني من الرعب والندم.. الندم اللي جه بعد فوات الأوان. البنت فضلت بين الحياة والموت يومين في العناية، والسم كان مأثر على كليتها، بس ربنا ستر وبدأت تفوق بالتدريج ببركة دعاء أمها.
لكن المصيبة الأكبر كانت لما البنت فاقت.. البنت أول ما شافت أمه، نطقت بجلية وبراءتها القاتلة يا بابا.. طنط سميرة هي اللي قالتلي خدي الكرسي وقفازي المية بالعلبة عشان تغسل المواعين.. وقالتلي ما تقوليلش لحد!
الشهادة دي كانت المسمار الأخير في نعش حياتي كلها. جوزي ما اكتفاش بطلاقي شفهي؛ عملي قضية الإهمال الجسيم وشروع في قتل طفلة، وجاب ببتوع المباحث لحد عندي! هدى ما سابتش حق بنتها، والقضية كبرت ورجال أمن حرزوا العلبة والكرسي، وأنا بقيت متهمة رسمياً في النيابة.
دلوقتي، أنا قاعدة بين أربع حيطان في الحجز، مستنية المحاكمة.. ضيعت بيتي اللي كنت فاكراه ملكي، ضيعت جوزي وعيالي اللي اترعبوا مني وبقوا يخافوا يبصولي، وضيعت سمعتي وشرفي وسط البلد كلها، وبقيت مجرد المفترية اللي نهت على نفسها بإيدها عشان طمع فاضي.
البيت العيلة اللي كنت خايفة أتقاسمه مع أخت جوزي.. بقيت أنا البرانية عنه، وهي قعدت فيه مع بنتها وعيال جوزي بيرعوها ويحبوها.. وأنا ذقت بؤس السجن والقهر، وعرفت
إن اللي بيحفر حفرة لأخوه، بيقع فيها.
. وبيتدفن جواه حياً.


تعليقات
إرسال تعليق