القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

جوّزي جابلي هدية شال، وكنت بلبسه كل يوم. كاملة حكايات زوزو

 

جوّزي جابلي هدية شال، وكنت بلبسه كل يوم. كاملة حكايات زوزو 




حكايات زوزو كامله 

جوّزي جابلي هدية شال، وكنت بلبسه كل يوم. ضاع مني في أتوبيس نقل عام ورجعت أدور عليه. وفي الآخر قابلت ترزيّة شابة (خياطة)، ادتهولي بس قالتلي بنبرة كلها إصرار: “إياكي تلبسيه تاني على رقبتك. وقبل ما تنامي بالليل، حطيه تحت مخدة جوّزك”. وتاني يوم الصبح، اتسمّرت مكاني لما شفت…



في الأول خدت بالي من الشال — وبعدين لاحظت الست اللي ماسكاه في إيدها.



تحت عمود النور جنب المحطة، كانت فيه ست شابة واقفة وماسكة الشال السيليفاني الفاتح ده، اللي جوّزي جابولي من أربع أيام بس في عيد زواجنا السابع.


— لو سمحتي! ده شالي!


وقفت وبصتلي ببطء.


— كنتي بتدوري عليه؟


إحساس بالراحة الفظيعة غمرني.


— أيوة! كنت خلاص فاكرة إني ضيعته للأبد.


— أنا لقيته جنب صندوق الزبالة.


فرحت أوي لدرجة إني دخلت إيدي في محفظتي على طول.


— لو سمحتي، سيبيני أشكرك بأي حاجة.


رجعت لورا خطوة بسرعة.


— مش عايزة فلوسك.


— طب قهوة. هعزمك على الأقل على فنجان قهوة.


— لأ.


نبرة صوتها كان فيها حزم خلاني احتارت وتلخبطت.


مدّيت إيدي عشان آخد الشال، بس الست مسكتني فجأة من معصمي.


— إياكي تلبسيه.


اتسمّرت مكاني.


— ولا تغسليه في البيت عندك.


طلع مني ضحكة ناشفة مش مصدقة.


— خليني أغور. هتقوليلي دلوقتي إنك بتعرفي تقرئي المستقبل من القماش؟


— أنا لا بقرا مستقبل ولا غيره، ردت بحدة.


— امال عرفتي منين؟


بدل ما ترد، قربت مني وقالت بصوت شبه همس:


— هو اللي جاب الشال ده البيت؟ بإيديه؟ وهو اللي كان مصر إنك تلبسيه كل ما تخرجي من الشقة؟


الابتسامة طارت من على وشي.


الأربع أيام اللي فاتوا اتقلبوا قدامي وفجأة ركبوا على بعض بشكل مريب.


الصبح بعد عيد الجواز، اخترت بالطو تاني، وجوّزي وهو واقف عند الباب، رجع الأوضة جاب الشال بنفسك.


“أنتِ كده هتبردي”، قالها وقتها ولفه حوالين رقبتي بنفسه.


وتاني يوم، قلعت الشال على السلم عشان الجو كان حر، وبالليل سألني على طول أنا ليه ما لبستهوش.


كنت فاكرة إنه زعل عادي: هدية عيد جواز، وعايز يشوفني مبسوطة بيها.


دلوقتي، الذكرى دي بقت تترسم في دماغي بشكل تاني خالص.


— إنتِ مين؟ — سألتها.


الست سابت إيدي.


— ترزيّة. أنا اللي عملت الشال ده.


بصيت لها، وبعدين بصيت للقماش.


— جوّزي قال لي إنه اشتراه جاهز.


— لأ. جه لي ومعاه صُورة لشال شبهه وطلب مني أخيّط واحد زيه بالظبط.


مسكت طرف من القماش وعدّت صباعها الكبير على طول الخياطة الداخلية.


— وبعدين طلب مني أسيب هنا جيب سحري صغير.


حست تحت صباعها بحاجة ناشفة وبارزة مكنش باينة قبل كده خالص.


أول فكر جه في بالي إني أشق القماش ده حالاً.


وقفتني.


— مش هنا.


— فيه إيه جوه؟


— جهاز صغير. هو جابه بنفسه. أنا مسألتش ليه. كل اللي اطلب مني إني أعمله بحيث محدش يحس بيه أبدًا وهو على الكتف.


فضلت باصة لها بذهول.


— ووافقتي ليه؟


نزلت عينيها في الأرض.


— لأني فكرت في الأول إن دي حركة عائلية هزار وكدة. لحد ما من كم يوم اتصل وسألني إذا كان ممكن نطلع الجهاز ده من غير ما نبوظ الخياطة.


دلوقتي مكنش عندي أي نية للضحك.


— امال رجعتيلي الشال ليه؟


— لأني شفته جنب الزبالة وعرفت شغلي كويس. وبعدين افتكرت مكالمته.


مدت إيديها تانى بالشال.


— خديه. بس النهاردة.. إياكي تلبسيه.


مردتش أخده في الأول.


— وتحت المخدة ليه؟


بصتلي في عيني مباشرة.


— عشان بكرة تبطلي تحتاري أصدقك ولا لأ.


— أنا مش فاهمة حاجة.


— لو الجهاز ده بتاعه بجد، مش هيقدر يسيب الشال في المكان اللي هتحطيه فيه بالليل. غصب عنه هيدور على اللي أمرني أخبيه جوه.


أخيراً مدّيت إيدي وخدت الشال.


القماش كان ناعم زي أول يوم، من أربع أيام لما جوّزي حطه على كتفي وهو بيضحك.


الفرق الوحيد إني دلوقتي بقيت حاسة بصباعي بالجزء السميك ده في الخياطة.


— إنتِ متأكدة إن جوّزي هو اللي جاب ده؟


الترزيّة مردتش تفكر حتى.


— كان واقف جنبي طول ما أنا بخيط الجهاز جواه. واتأكد مرتين إن مفيش أي حاجة ممكن تتحس من بره.


وفي اللحظة دي، السؤال مابقاش “ليه الست الغريبة دي بتخوفني بشالي؟”


بقى فيه سؤال تاني خالص: ليه الإنسان اللي عشت معاياه سبع سنين، كان مهتم قوي وكل همه إن الهدية دي تفضل على رقبتي كل يوم؟


رجعت البيت والشال في شنطتي تقيل، مش بوزنه، لكن بالسر اللي الخياطة زرعته جواه.


طول الطريق في المترو ثم في التاكسي، كنت بمد إيدي جوه الشنطة، أصابعي تتلمس القماش الناعم النازل من على كتفي، لحد ما توصل للغرزة العريضة على الطرف. هناك، تحت طبقتين من الحرير والبطانة الصوف، كان فيه حافة صلبة، حجر صغير وناشف مش باين بعين المجردة، بس أول ما تحط صباعك وتضغط بشويش، تحس بالزوايا الحادة لشيء معدني أو بلاستيكي صغير جداً.



البيت كان هادي لما فتحت الباب. ريحة أكل كان شريف بدأ يجهزه قبل ما ينزل الشغل لسه معلقة في الصالة. شريف زوج مثالي، أو ده اللي كنت بحكيه لأمي وصحابي على مدار سبع سنين. راجل مبيفوتش مناسبة، بيفتكر تفاصيل التفاصيل، بيحب يهتم بيا بطريقة خلّت كل اللي حواليا يحسدوني عليه. بس دلوقتي، وأنا واقفة في الممر الضيق بين الباب والصالة، ريحة البيت اللي كانت بتديني أمان بقت تخنقني.



سمعت صوت مفاتيحه بتتحرك في الباب بعد ساعة.



دخل وهو ماسك شنطة الشغل، وشابك ابتسامته المعتادة على وشه. أول ما شافني، عينيه مشيت بسرعة خاطفة على جسمي.. على رقبتي بالذات.


“مساء الخير يا حبيبتي،” قال وهو يقرب يبوسني من خدّي. “إيه ده؟ مالك واقفة كده ليه؟ ورجعتي بدري يعني؟”


حاولت أضبط نبرة صوتي، أبتسم الابتسامة الباردة اللي بنمثل بيها لما نكون تعبانين. “تعبت شوية في الشغل فاستأذنت. وبعدين.. ضيعت الشال.”


جمدت حركته لثانية واحدة. ثانية مش هيلاحظها أي حد مش مركز معاه، بس أنا كنت براقبه بحواس مشدودة زي أوتار الكمانجة. حواجب بؤرة عينيه اتسعت حاجة بسيطة، وبعدين رجع لطبيعته بسرعة.


“ضيعتيه؟ إزاي يعني يا ندى؟ ده أنتِ لسه لابساه الصبح!”


“نسيته في الاتوبيس،” كدبت، وأنا بتفرج على رد فعله. “نزلت وجريت وراه بس مشي. زعلت أوي يا شريف.. ده هديتك.”


قرب مني، مسك دراعي بلطف زاد عن حده، ونبرة صوته كان فيها توتر مكتوم بحرفية. “ونزلتِ تفتشي عليه في الموقف؟ ما سألتِش السواقين؟ يا ندى الشال ده غالي أوي، ومش بس فلوس، ده أنا تعبت عقبال ما أجبتهولك! إزاي تسيبي حاجة زي دي تضيع بسهولة كده؟”


“قلت لك نسيته يا شريف! جلّ من لا يسهو!” صرخت فيه بنبرة أطول من العادي عشان أخليه يرجع لورا.


هو اتفاجئ من رد فعلي. أخد نفس عميق، ورفع إيديه كأنه بيهديني. “خلاص يا حبيبتي، فداكي. أهم حاجة أنتِ بخير. بس بجد زعلت.. كنت بحب أشوفه عليكي.”


في اللحظة دي، تأكدت إن كلام الترزية مش مجرد قصة منسوجة. انفعاله مكنش عشان شال حرير، كان عشان الشال ده كان عينه اللي بتشوفني بيها وأنا بعيدة عنه، أو أذنه اللي بتسمع كل كلمة بتقال في غيابه.


عدّى باقي اليوم زي كابوس بطيء. أكلنا مع بعض، اتفرجنا على التلفزيون، وهو كان بيحاول يتعامل بطبيعية، بس كل كم دقيقة، كان عينيه تروح لشنطتي المرمية على الترابيزة في الصالة. شنطة الشغل اللي جواها الشال.


لما جه الليل، ودخل شريف الحمام عشان يغسل وشه ويتجهز للنوم، تسحبت للشنطة. طلعت الشال بالراحة، مشيت بيه على أطراف صوابعي لأوضة النوم. طبقت القماش بحذر، ورحت عند ناحيته هو من السرير. رفعت مخدته الثقيلة، وحطيت الشال في النص بالظبط، تحتيها مباشرة، بحيث لو حط راسه، الجزء البارز المخبى في الخياطة يبقى تحت دماغه أو قريب من رقبتيه.


رجعت سريري ونمت، أو ادعيت النوم.


بعد عشر دقائق، خرج شريف من الحمام. النور كان مطفي، ما عدا أباجورة صغيرة في أخر الأوضة منورة أصفر خافت.


سمعت خطواته الناعمة على السجادة. قعد على طرف السرير، واتنهد. أنا كنت مدية له ظهري، قافلة عيني بس كل حواسي صاحية.


حسيت بيه بيرفع المخدة بتاعته عشان يظبطها زي ما بيعمل كل ليلة.


وفجأة.. الحركة وقفت.


الهدوء اللي ساد الأوضة كان مرعب. مفيش حتى صوت أنفاسه.


فتح المخدة، ولابد إنه شاف الشال.


فضل ساكت يجي دقيقتين كاملين. كنت حاسة بيه بيبص على ظهري، بيحاول يفهم: هل أنا لقيته وجبته؟ ولا أنا كدبت عليه لما قلت إنه ضاع؟ وليه حطيته تحت مخدته هو بالذات؟


سمعت صوت حشرجة قماش ناعم. كان بيمد إيده يمسك الشال.


بطئ شديد، وبدون ما يطلع أي صوت، قام من السرير. خطواته كانت بتنسحب باتجاه باب الأوضة. حركت عينيا تحت جفني بالراحة عشان ألمحه من طرف عيني. كان ماسك الشال بإيد، وإيده التانية نازلة على الخياطة الداخلية.. صباعه الكبير بيمشي على نفس المكان اللي الترزية ورتهولي!


خرج من الأوضة وساب الباب موارب.


أول ما حسيت ببعده، قمت من السرير بصوت واطي جداً. مشيت حافية، من غير ما أطلع أي صوت على الخشب، لحد ما وصلت للباب الموارب وقفت وراه.


شريف كان واقف في الصالة، تحت إضاءة المطبخ القوية.


كان ماسك مقص صغير بتوع الخياطة، وبيفك الخياطة الداخلية للشال بتركيز شديد. إيديه كانت بترجف حاجة بسيطة. بعد ثواني، الخيط اتفك، وطلع قطعة بلاستيكية سوداء مدورة، أصغر من قرص الجنيه، فيها لمبة حمراء صغيرة بتطفى وتنور بصوت ناعم مش مسموع إلا لو قربت عينك منها.


شريف مسك القطعة، وفضل باصلها بجمود. وبعدين رفعه لمستوى وشّه، وقال بصوت واطي جداً، نبرة مش نبرتي ولا نبرته المعتادة، نبرة واحد بيكلم حد تاني خالص عبر الشاشة أو التسجيل:


“أنا أخدت الجهاز.. هي شكت في حاجة. الترتيبات اتغيرت. هكلمك الصبح.”


جسمي كله اتجمد في مكانه. دموعي نزلت من غير ما أعمل صوت.


شريف مكنش بس بيراقبني عشان غيرة مرضية.. شريف كان بيبعت التسجيلات دي لحد تاني!


قبل ما يتحرك، رجعت بسرعة كأنني مشيت في الهوا، ونطيت في السرير، غطيت نفسي وغمضت عيني، وحاولت أظبط أنفاس كأنني نايمة في سابع نومة.


دخل الأوضة بعد دقائق. حسيت بيه يقرب من ناحيتي في السرير. وقف جنبي فترة طويلة، يخيل لي إنه كان بيميل بودنه عشان يتأكد إن نفسي منتظم وإني نايمة بجد. بعدين قعد على السرير، وحط حاجة على الكمودينو جنبه، ونام.


ما غمضليش جفن طول الليل. كل ثانية كانت بتعدي كأنها سنة. عقلي كان بيلف في دوامة: مين اللي بيكلمه؟ وليه بيعمل معايا كده؟ سبع سنين زواج كان كلها تمثيلية؟ هل الحب ده كله كان غطاء لحاجة أكبر وأخطر؟


أول ما الشمس بدأت تطلع وشعاع النور دخل من الشباك، شريف قام بالراحة. اتصرف كأنه بيحاول ما يصحينيش. غير هدومه بسرعة، وأخد شنطته وخرج.


أول ما سمعت صوت تقفيل الباب الخارجي وتكة المفتاح، قمت زي المجنونة.


جريت على الأوضة، بصيت على الكمودينو. الشال كان محطوط هناك، مفروض ومطوي بعناية، بس المكان اللي كانت فيه الخياطة السحرية كان مفتوح، والجهاز مش موجود.


مسكت الشال، وخرجت بيه على الصالة. وقفت وسط الشقة اللي كانت لحد إمبارح بيتي الدافئ، ودلوقتي بقت مسرح لعملية تجسس قذرة.


لازم أعرف الترزية دي مين بجد، وليه قالتلي أحطه تحت مخدته بالذات! هي كانت عارفة إنه هيعمل كده؟ ولا كانت بتختبره هو كمان؟


لبست هدومي بأسرع ما يمكن، أخدت الشال في شنطتي، وخرجت أجرى على المحطة اللي قابلت فيها الست إمبارح.


المكان كان زحمة جداً بصدمة الصبح. الناس رايحة شغلها، العربيات بتفيص، والدنيا هيصة. وقفت جنب عمود النور اللي كانت واقفة تحته إمبارح. دوريت بوشي في كل الاتجاهات، بس مكنش ليها أثر.


مشيت في الشارع الجانبي اللي افتكرت إنها خرجت منه، وسألت أول بياع خضار قابلته: “لو سمحت، تعرف خياطة أو ترزية شابة شغال هنا قُريب؟”


الراجل بصلي باستغراب. “ترزية؟ مفيش حريم شغالين ترزية في الشارع ده يا مدام.. الشارع ده كله ورش ميكانيكا ومحلات سباكة.”


“طب إمبارح بالليل كانت واقفة هنا ست شابة، لابس كاب أو طرحة غامقة..”


الراجل هز رأسه بالرفض. “والله يا أبلة أنا قاعد هنا من العصر للمغرب، وما شفتش حد بالوصف ده. بس لو تقصدي المحل القديم اللي في آخر الزقاق، ده مقفول بقاله سنتين من ساعة ما صاحبته اتوفت.”


رجلي مكنتش شايلاني. مشيت باتجاه الزقاق اللي أشار عليه.


الزقاق كان ضيق وضلمة، وفي آخره كان فيه يافطة صاج مصدية مكتوب عليها بخط إيد باهت: “خياطة وأعمال سحرية لملابس السيدات”.


المحل كان مقفول بقفل مصدي كبيييير، والأزاز بتاعه متغطي بتراب سنين، وورق جرايد قديم مبلول وملزوق من الجوه.


قربت من الأزاز، وحاولت أبص من خرم صغير في ورق الجرنال المقطوع.


الأوضة جوه كانت مليانة مكن خياطة قديم، وقماش متكوم، وعلى ترابيزة الخياطة في النص.. كان فيه مجلة موضة مفتوحة، وجنبها بكرة خيط من نفس لون الشال بتاعي بالظبط.


وفجأة، تليفوني رن في إيدي بصوت عالي خلاني أصرخ من الخضة.


بصيت على الشاشة.


كان رقم غريب.. مش متسجل عندي.


فتحت الخط بـ إيد بترجف، وحطيت التليفون على ودني من غير ما أتكلم.


جالي صوت الترزية نفس الصوت الثابت الحازم اللي سمعته إمبارح:


“أظن دلوقتي صدقتي إن هديتك مكنتش عشان تدفيكي؟”


“أنتِ مين؟” صرخت فيها بالراحة وأنا بفتش بسباطي في الزقاق الفاضي. “أنتِ مين وجبتي رقمي منين؟ والمحل ده مقفول ليه؟”


الست ضحكت ضحكة قصيرة مفيهاش أي فرحة.


“المحل مقفول للناس، بس شغلي أنا مبيقفش. شريف أخد الشريحة صح؟ وكلمهم؟”


“كلم مين؟” شفايفي كانت بتترعش. “هو بيكلم مين يا ست أنتِ؟ قوليلي في إيه بدل ما أروح للبوليس!”


“البوليس؟” ردت ببرود يرعب. “لو رحتي للبوليس يا ندى، شريف مش هو بس اللي هيتقبض عليه.. أنتِ كمان هتترمي في السجن بنفس التهمة. هو ما قالكِش هو شغال إيه بالظبط في الشركة الجديدة اللي مسكها من سنتين؟”


أنفاسي اتجمعت في زوري. شريف مسك من سنتين إدارة المشتريات في شركة استيراد وتصدير أدوية كبيرة. ومن ساعتها وحياتنا اتغيرت، الفلوس كثرت، والسفريات زادت.



“هو.. هو شغال في شركة أدوية..” قلتها بصوت ضعيف.



“الشركة دي غطاء، يا ندى. وجوزك بيبيع معلومات الأبحاث للمنافسين. والشال ده.. الشال ده كان وسيلتهم عشان يضمنوا إنك أنتِ ما تكتشفيش أي حاجة، لأن التسجيلات كانت بتوصلهم أول بأول لكل كلمة بتقوليها في البيت أو بره، عشان يتأكدوا إنك مش حاسة بحاجة أو بتبلغي عن تغييرات فلوسه.”



“وأنتِ.. أنتِ إيه علاقتك بكل ده؟ ليه بتساعديني؟”


الصوت على الناحية التانية سكت لثواني. بعدين سمعت صوت تنهيدة ثقيلة عبر السماعة.


“أنا ما بساعدكيش عشان خايفة عليكِ يا ندى.. أنا بساعدك عشان الشريحة اللي جوزك شالها من الشال إمبارح.. دي الشريحة اللي قتلت أختي من سنتين لما اكتشفت نفس السر.”


قلبي اتخلع من مكانه.


“دلوقتي،” كملت الترزية بصوت أشد حزم. “شريف رايح يقابل الشخص اللي بياخد منه الداتا في كافيه على الكورنيش بعد ساعة. لو عايزة تطلعي من المصيبة دي حية، وعايزة تفهمي السبع سنين دول كانوا إيه.. افتحي الشنطة بتاعتك دلوقتي. هتلاقي جيب جوه الشال أنتِ ما شفتيهوش.”


مسكت الشنطة بإيد بتترعش، طلعت الشال وحطيت صوابعي عند حافة القماش اللي جنب البطانة الثقافية.


فعلاً.. كان فيه جيب تاني أعمق.


طلعت منه فلاشة صغيرة جداً، فضية، بحجم ظافر الصباع.


“الفلاشة دي،” كملت الست على التليفون، “فيها النسخة الأصلية من كل التسجيلات اللي اتسجلتلك في الأربع أيام اللي فاتوا، ومعاها اعترافات شريف اللي كان فاكر إنه بيمسحها. خدت النسخة دي وأنا بخيطله الشال من وراه.”


“عملتي كده إزاي؟”


“ده مش مهم دلوقتي. المهم.. الفلاشة دي هي حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبة جوزك، أو حبل النجاة اللي سينقذك. قدامك ساعة واحدة.. يا إما تروحي للمكان اللي هقولك عليه ونتقابل، يا إما ترجعي بيتك وتعملي نفسك مش فاهمة حاجة.. وتستني اليوم اللي هيبعك فيه أرخص ما باع أختي.”


وقفت في الزقاق الضلمة، والتليفون على ودني، والفلاشة الفضية بتلمع في كفي تحت خيط الشمس الضيف اللي نازل بين العمارات.


القرار دلوقتي بقى في إيدي: هل أواجه الست دي وأعرف الحقيقة كاملة حتى لو هتهد بيتي وحياتي وتدمر سبع سنين من الذكريات؟ ولا أهرب؟


بصيت للشال الحريري اللي في إيدي التانية.. الشال اللي كان ملفوف حوالين رقبتي بكل حب واهتمام.. ولأول مرة حسيت إنه مكنش هدية.. كان حبل ملفوف بحرص.


حكايات زوزو 2


وقفت في قلب الزقاق، الفلاشة الفضية في كفي كأنها قطعة جمر. صوت الترزية في السماعة كان زي دقات الساعة اللي بتعد تنازلي لحياتي اللي كنت عارفاها.


“أنا موافقة،” قلت بصوت مخنوق. “قوليلي أروح فين.”



أملتني الست عنوان قهوة شعبية في منطقة وسط البلد، بعيدة تماماً عن كافيات الكورنيش اللي بيتردد عليها شريف. “هتلاقيني قاعدة في آخر الترابيزة اللي ورا، ما تفتحيش الفلاشة مع حد، وما تفتحيهاش على كمبيوتر متصل بالنت، شريف وأمثاله عندهم برامج بتلقط الإشارة بمجرد ما الجهاز يلمس أي شبكة.”


قفلت الخط، ورميت الشريحة القديمة في بالوعة الصرف اللي في الزقاق، كأنني بقطع آخر خيط بيربطني بالماضي اللي اتضح إنه سراب.


ركبت تاكسي، وطول الطريق كنت ببص من الشباك، عيني بتترصد أي عربية ماشية ورانا. كنت حاسة إن شريف مش مجرد زوج، ده بقى “عدو” محترف بيراقبني، وربما كان عارف إني مش في البيت دلوقتي. وصلت وسط البلد، المنطقة كانت زحمة، ناس كتير بيتحركوا في كل اتجاه، وده أداني إحساس خادع بالأمان.


دخلت القهوة. كانت ريحتها دخان شيشة وشاي تقيل. بصيت في آخر ركن، شفت الست. كانت لابسة نفس الطرحة الغامقة، وباصة في فنجان قهوة. قعدت قدامها بهدوء، وحطيت الفلاشة على الترابيزة.


رفعت عينيها وبصتلي. لأول مرة شفت ملامحها بوضوح؛ وجه نحيل، وعينين حادة فيها نظرة ألم دفين.


“شريف مش بس بيبيع معلومات يا ندى،” بدأت الكلام من غير مقدمات. “شريف جزء من شبكة بتغسل أموال شركات الأدوية الكبرى، وبتحول أبحاث طبية لدول تانية عشان يصنعوا أدوية رخيصة ومغشوشة. الشريحة اللي كانت في الشال مكنتش بس عشان يسمعك، دي كانت بتبعت لوكيشن لحظي، وبتبعت صوت وصورة. هو كان بيستخدمك كـ “ميكروفون متحرك” في أماكن هو مكنش يقدر يدخلها، زي اجتماعات عيلتك، أو حتى مقابلاتك مع صديقاتك اللي شغالين في قطاعات حساسة.”


حسيت بدموعي بتجف من كتر الصدمة. “يعني هو اتجوزني عشان كده؟ عشان أنا مدخل ليه؟”


الست ابتسمت بمرارة. “الحب؟ لا يا ندى. هو اختارك لأن حياتك كانت هادية، مالكيش عيلة بتسأل كتير، وموظفة في بنك بيسمحلك تتحركي في أماكن هو عايز يوصلها. كل خطوة خطيتيها في السبع سنين دول كانت مرسومة.”


مدت إيدها وأخدت الفلاشة. “دلوقتي، عندك حل من اتنين. إما إننا نرفع الفلاشة دي على سيرفر خاص للصحافة، وده معناه إن حياتك السابقة انتهت تماماً، وهتضطري تختفي. أو.. إننا نستخدم الداتا دي عشان نبتزهم وناخد “خروج آمن” ليكِ ولغيرك.”


قاطعتها بصوت حاد: “أنا مش عايزة فلوس ولا ابتزاز. أنا عايزة أوقفه. عايزة كل الناس تعرف هو إيه.”


“حتى لو التمن إنهم يصفوكي؟” سألتني وهي بتبص في عيني.


سكت لحظة. خيال شريف وهو بيضحك وبيلف الشال حوالين رقبتي في عيد الجواز السابع جه في خيالي. حسيت بقرف حقيقي. “هو فعلاً صفاني من زمان.. من يوم ما قرر يبيعني للناس دي.”


خرجت من القهوة، وعقلي بيترسم فيه خطة. الست أدتني ملف فيه عناوين وأسماء ناس في الشركة كانوا بيحاولوا يوقعوا شريف.


رجعت البيت قبل ميعاد شريف بساعة. لقيت الشقة في حالة فوضى. الأدراج مفتوحة، والهدوم مرمية على الأرض. أكيد كان بيدور على حاجة.. أكيد كان بيدور على الفلاشة!


دخلت المطبخ، وطلعت موبايلي وفتحت حساب الكلاود بتاعه – كنت عارفة الباسورد من سنين، وهو عمره ما غيره لأنه كان بيستخف بذكائي – لقيت محادثات مخفية، صور لمستندات، وتسجيلات صوتية ليا وأنا بكلم أمي، وبحكي عن مخاوفي.. كان مسجل كل كلمة!


في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح في الباب. شريف رجع بدري.


دخل الصالة، وبان عليه التوتر لما شافني واقفة في نص المطبخ، الموبايل في إيدي. عيونه اتسعت، ووشّه اتغير لدرجة إني مكنتش قادرة أعرف ملامحه.


“ندى؟ أنتِ كنتِ فين؟” صوته كان فيه نبرة تهديد صريحة. “البيت ده مقلوب، وأنتِ لسه راجعة؟”


بدل ما أخاف، قربت منه ووقفت في وشه. “كنت بشتري شال جديد، يا شريف. بس المرة دي.. اخترت لون يلبق على السجن.”


شريف اتسمر مكانه. ملامحه اللي كانت بتنضح بالخداع بدأت تتشقق. “أنتِ عرفتي إيه؟”


“عرفت كل حاجة،” قلت له بصوت ثابت. “وعرفت إنك كنت بتسجل لكل تحركاتي. بس نسيت حاجة واحدة.. إنك كنت بتسجل لي أنا كمان كل أسرارك وأنت بتكلمهم، وأنا كنت بجمع كل ده.”


شريف هجم عليا، بس أنا كنت محضرة نفسي. رشيت في وشه رذاذ فلفل كنت جايباه من الست، وفي نفس اللحظة، كنت فاتحة “لايف” على صفحة الشركة الرسمية اللي أنا سرقت الباسورد بتاعها من الفلاشة.


البيت بدأ يتدق عليه الباب. كان صوت بوليس، أو يمكن ناس تانية من الشبكة.. مكنتش فارقة.


شريف وقع على الأرض بيصرخ، وأنا واقفة في الصالة، ماسكة الشال القديم اللي كان في إيدي، وبصيت للشباك. الست كانت واقفة تحت في الشارع، بتبصلي وبتشاور لي بإيدها.


عرفت في اللحظة دي، إن دي مش نهاية الرحلة، دي بداية مطاردة تانية خالص.. بس المرة دي، أنا اللي ماسكة الخيوط.


سمعت صوت تكسير الباب الخارجي مع صرخات شريف اللي كانت مالية الصالة. الخطة ماشية بسرعة أعنف مما تخيلت، بس الست الترزية في الشارع تحت كانت إشارتها واضحة: المكان ده ما بقاش أمان خلاص.


مسكت شنطتي، ورميت الشال على شريف وهو بيتعصر على الأرض من أثر رذاذ الفلفل. خرجت من باب المطبخ الخلفي اللي بيطل على سلم الخدم الضيق، نزلت درجات السلم وأنا بسبق نبضات قلبي اللي كانت بتدق في ودني زي الطبول.


أول ما رجلي لمست الشارع الجانبي، لقيت الترزية مستنياني عند عربية نص نقل قديمة، الموتور بتاعها شغال وبينفث دخان رمادي.



“اركبي بسرعة!” قالتها وهي بتفتح لي الباب من جوه.


نطيت جنبها، والعربية تحركت بصرخة كاوتشات وسط الزحمة. بصيت في المراية الجانبية وشفت عربيتين سود زجاجهم فاميه بيدوروا حولين العمارة، ورجال ببدل بيجروا باتجاه السلم اللي لسه نازلة منه.



“دول مين؟ البوليس ولا بتوع الشركة؟” سألتها وأنا بحاول أجمع نفسي.


“البوليس ما بيوصلش بالسرعة دي يا ندى،” ردت الترزية وهي بتغير الغيارات بحرفية. “دول رجال “المهندس”.. الراجل اللي شريف كان بيبعتله التسجيلات. الكافيه اللي كان شريف رايحه إمبارح مكنش عشان يسلم داتا، ده كان عشان يستلم تصفية حسابه، لأنهم أدركوا إن اللعبة انكشفت من لحظة ما الشال ضاع منك.”


“والبث المباشر اللي أنا عملته؟”


الست ضحكت بمرارة وهي بتبص في الطريق. “البث ده وصل لآلاف الناس في أول دقيقتين قبل ما الصفحة تتقفل، وده حماكي من إنهم يقتلوكي في شقتك.. هم دلوقتي عايزين الفلاشة اللي معاكِ، لأن فيها الأسماء الحقيقية للحسابات البنكية اللي بره.”


العربية مشيت بينا في شوارع وأزقة أنا عمري ما شفتها في القاهرة. مباني قديمة، وحواري ديقة، لحد ما وقفت قدام بيت قديم بطابع معماري أجنبي وراه شجر كثيف.


نزلت معاه، ودخلنا شقة في الدور الأرضي. الأوضة كانت عبارة عن غرفة عمليات صغيرة: أجهزة كمبيوتر، شاشات عرض، خرائط متثبتة على الحيطة بالبابيس، وفي النص ترابيزة خياطة كبيرة عليها أقمشة ومعدات تفصيل.


“المكان ده هو المكان اللي أختي كانت شغال فيه قبل ما يوصلولها،” قالت الست وهي بتقعد على الكرسي. “أنا اسمي مريم.. وأختي كانت المهندسة اللي صممت الشريحة دي في الأساس لحماية الضحايا، قبل ما “المهندس” يسرق الفكرة ويحولوها لوسيلة تجسس.”


قعدت على الكرسي وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. سبع سنين مع شريف.. كنت فاكرة إني عايشة قصة حب، وطلع كل شبر في حياتي متراقب، وكل كلمة بتتقال بتترجم لفلوس في حسابات مشبوهة.


“طب شريف إيه موقفه دلوقتي؟” سألتها.


مريم فتحت شاشة كمبيوتر كبيرة، وظهرت عليها تسريبات من كاميرات المراقبة في الشارع بتاع بيتي. شفت شريف ومطلوع بيه من العمارة وهو متكتف من إيديه، بس مش بواسطة البوليس.. الرجال بتوع البدل هم اللي خدوه ورموه في شنطة عربية سوداء.


“شريف دلوقتي كارت محروق بالنسبة لهم،” مريم قالت بصوت بارد. “وهيحاولوا يعصروا منه أي معلومة عشان يعرفوا أنتِ فين ومعاكِ إيه. والوقت المتبقي لينا قليل أوي قبل ما يوصلوا هنا.”


“يوصلوا هنا إزاي؟ المكان ده مستخبي!”


مريم بصت لشنطتي اللي على الترابيزة. “لأن الفلاشة اللي في إيدك.. فيها تايمر سري بيطلق إشارة كل أربع ساعات عشان يتأكد إن الداتا ما بتتسرقش.. وقربت الإشارة تطلع.”


مسكت الفلاشة من الشنطة وبصيت ليها برعب. “يعني أنتِ أديتيني حاجة بتفضح مكاني؟”


“أنا أديتك حاجة هتخليهم ييجوا لحد عندنا.. بالظبط في المكان والوقت اللي إحنا عايزينه،” مريم ابتسمت ابتسامة حادة كلها تحدي. “المرة دي مش إحنا اللي بيهرب.. المرة دي إحنا اللي بننصب الفخ.”


فجأة، الشاشة اللي على الترابيزة طفت، والنور في الشقة كلها اتقطع.


سمعنا صوت خطوات ثقيلة ومحترفة بتتحرك على القش والرمل في الجنينة اللي بره البيت.


مريم رفعت إيدها وراحت عند ترابيزة الخياطة، وطلعت مقص كبير وتجيل، وأشارت لي إني أقف ورا الباب.


“أهم حاجة يا ندى.. لو الباب ده اتفتح، إياكي تبصي في عين اللي هيدخل.”


وقفت ورا الباب، ماسكة الفلاشة بإيد، وحتة خشبة ثقيلة بالإيد التانية، وسامعة صوت أنفاس ناس بتسحب سلاح بره الأوضة.. والرحلة لسه ما انتهتش.


انفاس أربعة رجال بره الباب كانت مسموعة، زي صرير الجلد لما يتحرك في الضلمة. النور مقطوع تماماً، والشباك المفتوح على الجنينة كان بيدخل منه بس ضوء القمر الخافت اللي بيتكسر على زجاج مكن الخياطة القديم.


مريم كانت واقفة زي الصنم جنب الترابيزة، إيدها ماسكة المقصف التقيل، وعينها متثبتة على القفل الحديدي للباب اللي بدأ يتحرك ببطء شديد.


تكة.. وبعدين تكة تانية.


الباب اتفتح بسلسة وبدون أي صوت صرير. أول راجل دخل كان طويل، لابسة كاب غامق ومغطي وشه بماسك أسود، وفي إيده مسدس مزود بكاتم صوت. عينه مشيت بسرعة في الأوضة، يتفحص الأركان، لكن الضلمة كانت خدمانا.


فجأة، مريم ما استنتش. رميت بكارة خيط نحاس ثقيلة كانت محضراها على زجاج الشباك الجانبي. الصوت طلع كأنه حد بينط من الشباك!


الراجل اتلفت بسرعة ناحية الصوت ورفع مسدسه، وفي اللحظة دي بالضبط، مريم هجمت عليه من الجنب بكل قوتها، ضربت بكل ثقلها بالمقص التقيل في كتفه الممسك بالسلاح. الراجل أطلق صرخة مكتومة، والمسدس وقع منه على الأرض ورن بصوت معدني.



أنا مكنتش حاسة برجلي، بس الخوف حركني قبل عقلي. ضربت الراجل التاني اللي كان لسه بيدخل من الباب بالخشبة التقيلة بكل قوتي على وشه. الخشبة اتكسرت، والراجل اترمي لورا ودماغه خبطت في حلق الباب الخشبي ووقع مغمى عليه.


مريم سحبت المسدس من الأرض، وأنا سحبتها من إيدها وجرينا باتجاه الممر الضيق اللي بيودي للمطبخ الخلفي للبيت القديم.


ورانا، سمعنا صوت باقي الرجال بيدخلوا الأوضة ويصرخوا بلغة مش مفهومة، وأصوات طلقات مكتومة بتخرم الحوائط الخشبية حولين مننا.


“على فين؟” صرخت وأنا بنهج، والدموع مالية عيني.


“فوق! للسطوح!” مريم ردت وهي بتزق باب خشبي صغير مستخبي ورا ستارة قديمة.


طلعنا السلم الحلزوني المصدّي بسرعة جنونية. الدرجات كانت بتهتز تحت رجلينا. أول ما وصلنا السطوح، الصدمة كانت مستنيانا.


السماء فوق القاهرة كانت صافية، بس المنظر تحت كان يرعب: كان فيه ثلاث عربيات سوداء قافلة الشارع من الناحيتين، ورجال تانين واقفين تحت بيراقبوا المخارج!


“إحنا محاصرين يا مريم!” قلت وأنا بمسك في سور السطوح الواطي، حاسة إن دي النهاية بجد.


مريم طلعت موبايل صغير جداً من جيبها، غير الموبايل اللي اتكلمت منه، ودست على زارار واحد.


“مش محاصرين ولا حاجة،” قالت بابتسامة غريبة، وهي بتبص لساعتها. “التايمر بتاع الفلاشة اللي في إيدك.. مكنش بيطلق إشارة لرجال المهندس بس.”


“أمال لمين؟”



“للنيابة العامة ولشرطة مكافحة الجرائم الإلكترونية.. الإشارة دي كانت إشارة طوارئ موثقة بتثبت موقع اعتداء حي، ومعاها كل الداتا والجيلالي اللي على الفلاشة أتبعت أوتوماتيك لجهات سيرفرات مشفرة خارج مصر وداخلها.”


وفجأة.. الشارع كله اتملى بأصوات سرينات البوليس الضخمة اللي جاية من كل الاتجاهات!


مقالات ذات صلة


حكايات رومانى مكرم 1

منذ يومين

أحدث أفلام السنيما المصرية 2024

يوليو 3, 2024

ضوء فلاشات حمراء وزرقاء بدأ يعكس على جدران المباني القديمة. العربيات السوداء اللي تحت بدأت تحاول تلف وتطلع تجري، بس لاندكروزر البوليس قفلت عليهم الخناق تماماً. أصوات مكبرات الصوت بدأت تصرخ: “سلموا نفسكم! المكان كله محاصر!”


وقفت أنا ومريم على سور السطوح، بنبص على المعركة اللي بتدور تحت. شفت رجال البوليس بيكتفوا رجال “المهندس” واحد ورا التاني.


مريم بصتلي وحطت إيدها على كتفي. “كده اللعبة بره البيت انتهت يا ندى.. بس شريف والناس الكبار قوي اللي وراه، لسه في إيدهم كروت تانية خالص.”


موبايلي اللي في شنطتي رن.


مسكته.. المرة دي، المتصل مكنش رقم غريب.


كان رقم شريف!


فتحت الخط، وجالي صوته.. مكنش متوتر ولا مكسور زي ما شفته في الشقة. صوته كان هادي بشكل يرعب، وفيه نبرة ثقة تخوف.


“مبروك يا ندى.. لعبتيها صح،” شريف قالها ببرود. “بس افتكري حاجة واحدة.. السبع سنين اللي عشناهم سوا، أنا مش بس سجلت ليكي.. أنا خليتك تدمضي على ورق وأنتِ مش دريانة، ورق بيثبت إنك أنتِ الشريك الفعلي والمؤسس للشركة اللي بيتم غسيل الأموال فيها. لو أنا وقعت.. أنتِ نازلة معايا في نفس الحفرة.”


الخط اتقطع.


بصيت لمريم، والشمس بدأت تطلع وتكشف أول خيوط النور. النوايا اتكشفت، والسر اتعرف، بس المواجهة الحقيقية في ساحة المحاكم والقانون.. يادوبك لسه هتبدأ.


 


حكايات زوزو 3

وقف القشعريرة في جسمي، والتليفون فضلت ماسكاه في إيدي الثقيلة زي الحجر بعد ما شريف قفل السكة. كلامه كان بيتردد في دماغي زي الصدى: “أنا خليتك تمضي على ورق وأنتِ مش دريانة…”


الأيام اللي فاتت كلها مرت قدام عيني زي الشريط السريع؛ السبع سنين اللي كنت فاكرة إنهم مجرد زواج عادي وسعيد. افتكرت الأيام اللي كان بيجيبلي فيها أوراق التكافل الاجتماعي، وعقود شراء شقق أو أراضي وهمية، ويقولي بصوته الناعم ودلاله المعتاد: “امضي هنا يا حبيبتي، أنا بسجل كل حاجة باسمك عشان أؤمن مستقبلك لو جرالي حاجة.” كنت ببتسم، وبمضي من غير ما أقرا حرف واحد.. كنت بثق فيه ثقة أعمى.



مريم كانت واقفة جنبي على سور السطوح، عينيها متابعة حركة عربيات البوليس وهي بتقتاد رجال “المهندس” تحت في الشارع. اتلتفت لي لما لاحظت إني بتراجع لورا ووشي أصفر كأني شفت شبح.


“قالك إيه؟” سألتني بحدة.


“شريف…” بصيت لها والدموع محبوسة في عيني، “شريف مخليني ماضية على عقود وتأسيس الشركات دي من زمان. لو هو اتقبض عليه، النيابة هتشوف إني أنا الراس الكبيرة وهو مجرد مدير تنفيذي!”


مريم ملامحها اتشدت، بس مظهرش عليها الذهول. أخدت نفس عميق وهزت رأسها. “ده الكارت الأخير لأمثال شريف.. يلغّموا طريق هربهم بأقرب الناس ليهم. بس هو نسي حاجة مهمة أوي.”


“نسي إيه؟ أنا خط إيدي وتوقيعي على العقود الرسمية في الشهر العقاري!” صرخت فيها بالراحة وأنا بمسك شعري بقلة حيلة.


“نسي إن العقود المزورة أو اللي بتاخد بالتغرير ليها تاريخ، والشال اللي في إيدك ده كان بيسجل الصوت واللوكيشن من أربع أيام، بس الفلاشة اللي معيا.. دي فيها أرشيف أختي!”


بصيت لها باستغراب: “أرشيف اختك؟”


“أختي قبل ما يتخلصوا منها، كانت حاسة إنهم بيغدروا بيها، فكانت بتسحب داتا من الكمبيوتر الرئيسي بتاع شريف ورؤسائه في العمل. الداتا دي مش بس فيها تسجيلات، فيها صفقات، وإيميلات، وعقود إلكترونية أصلية بتبين منين بدأت الفكرة ومين اللي كان بيكتب العقود دي ومين اللي بيستغل اسمك!”


في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط تقيل وثابت على السلم الحلزوني بتاع السطوح.


مريم مسكت المسدس اللي في إيدها بسرعة، ووقفت قدامي.


“يا ندى! يا مريم! ارفعوا إيديكم واخرجوا بهدوء!” الصوت كان صادر من مكبر صوت صغير، وكان جاد جداً.


أول ما بصينا من فوق السور الداخلي للسطوح، شفنا ضابط بزي مدني ومعه قوة من المباحث العامة واقفين عند الباب. الضابط كان مسك كارنيه وشاله عشان نشوفه.


“أنا المقدم هشام من عمليات مكافحة الجرائم المنظمة،” قال بثبات وهو بيقرب خطوة بخطوة. “المكان محاصر بالكامل، والناس اللي تحت اتقبض عليهم. انزلوا معانا بالراحة ومن غير مشاكل.”


مريم نزلت المسدس ببطء وحطته على الأرض، ورجعت خطوة لورا. “سيادة المقدم.. إحنا اللي بعتنا إشارة الطوارئ والفلاشة.”


المقدم هشام بص للشبكة وللفلاشة اللي كانت في كفي. ملامح وشه كانت جامدة ومفتهاش أي تعاطف. “عارف. والداتا وصلتنا على السيرفر.. بس شريف بنفسه المحامي بتاعه قدم بلاغ رسمي ضدك يا ندى من ساعتين، بيتهمك فيه بسرقة مستندات الشركة والإضرار بأمن المنشأة، وورّانا عقود رسمية بتثبت إنك الملكة الفعلية للكيان التجاري ده.”


حسيت بالدنيا بتلف بيا. اللعبة اتعقدت أكتر مما أتخيل. شريف كان سابقنا بخطوة، وكان مجهز خطة الهروب القانونية بتاعته قبل ما إحنا نتحرك اصلاً.


“أنا مجرد ضحية!” صرخت في الضابط وأنا بمد إيدي بالفلاشة الشفافة، “هو كان بيراقبني بالشال ده! كان حاطط أجهزة تسجيل في هدومي! افتحوا الفلاشة دي وهتشوفوا اعترافاته بنفسه!”


المقدم هشام قرب مني، وأخد الفلاشة بحذر وحطها في كيس بلاستيكي معزول. “كل الكلام ده هيتقال في النيابة. أنتم الاثنين هتنزلوا معايا دلوقتي.. التحقيقات هي اللي هتحدد مين الضحية ومين الجاني.”


نزلنا من السطوح تحت حراسة مشددة. الشارع كان مليان ناس بتتفرج، والضوء الأزرق بتاع سرينات البوليس كان بيضرب في الوشوش. لمحت من بعيد عربية نقل سوداء مقفولة، وفي الممر الجانبي، شفت شريف قاعد جوه العربية وهي متقفلة عليه، كان باصصلي من ورا الزجاج الفاميه المكسور جزئياً.. وكان بيبتسم!


ابتسامة نصر خفية، كأنه بيقولي: “قلتلك.. مش هتطلعي منها لوحدك.”


ركبنا عربية البوليس، ومريم كانت قاعدة جنبي. كبلوا إيدينا بالكلابشات الحديدية. البرودة بتاعة المعدن على معصمي فكرتني بمسكة الترزية لمعصمي تحت عمود النور أول ما قابلتها.. نفس المسكة المجهزة للتنبيه.


طول الطريق للنيابة العامة، مريم كانت ساكتة تماماً، بتبص من الشباك بهدوء مريب.


“أنتِ ليه ساكتة كده يا مريم؟” همست لها بصوت وطي عشان العساكر ما يسمعوش. “إحنا داخلين السجن!”


مريم التفتت لي، وعينيها لمعت ببرود يخوف: “سيبيه يفتكر إنه كسب الجولة دي يا ندى. شريف حط العقود باسمك لأن المافيا دي قانونها واضح: اللي اسمه على الورق، هو اللي بيتحمل النتيجة إذا الفلوس ضاعت.. وشريف ما يعرفش إن الفلوس دي أصلها أتحول لحساب مشفر تاني خالص من نص ساعة بس.”


برقت عيني بصدمة: “تحول فين؟ مين اللي حوله؟”


ابتسمت مريم ابتسامة غامضة وقالت بصوت واطي جداً: “أختي ما ماتتش يا ندى.. أختي هي اللي كانت بتدير السيرفر اللي استلم الفلاشة إمبارح بالليل.. واللعبة الحقيقية يلا هتبدأ جوه قاعة النيابة.”


انفتحت أبواب التخشيبة في الصباح على صرير مفصلات حديدية صدئة. خرجتُ وأنا أجرّ خطواتي الثقيلة، الكلبشات المعدنية تُطوق معصمي مجدداً، بينما مريم تمشي إلى جواري بثبات عجيب، وكأنها لا تُساق إلى قاعة النيابة العامة، بل إلى منصة تتويج.


في الممر الطويل المؤدي لإدارة التحقيقات، كان الصحفيون وعدسات الكاميرات يملؤون المكان. البث المباشر الذي أطلقته من شقة شريف وتحرك البوليس السريع حولا القضية إلى رأي عام هزّ العاصمة؛ قصة التجسس العائلي، وشركات الأدوية المغشوشة، والغسيل المالي المُعقد.


دخلنا القاعة الكبيرة. رئيس النيابة كان يجلس خلف مكتب خشبي عريض، وأمامه جبال من الملفات والأوراق الرسمية. وعلى الناحية الأخرى، كان يجلس شريف، يرتدي بدلة داكنة ولكن ملامحه كانت متعبة، وعيونه محاطة بهالات سوداء. إلى جواره جلس ثلاثة من أكبر محامي الشركات في الدولة، يبتسمون بثقة مطلقة.


“المتهمة الأولى: ندى،” بدأ وكيل النيابة حليق الشارب يقرأ من الملف بصوت حاد. “مؤسسة وصاحبة التوقيع الفعلي على أوراق إنشاء شركة ‘فارما-جروب’ للاستيراد، المتهمة بإدخال شحنات أدوية غير مطابقة للمواصفات، وتسهيل عمليات تهريب أموال بالاشتراك مع أطراف خارجية.”


نظر لي وكيل النيابة بصرامة: “المستندات، والعقود المسجلة بالشهر العقاري، والسجلات التجارية، كلها تحمل توقيعك وبصمتك يا مدام ندى. شريف هنا مجرد مدير تنفيذي يتقاضى راتباً، ومحاموه يقدمون أدلة على أنكِ استغليتِ صفته لحمايتك.”


وقفتُ وساقاي ترتجفان. نظرتُ لشريف، الذي أمال رأسه بحركة خفيفة، وارتسمت على شفتيه ذات الابتسامة الخبيثة التي أراها منذ سبع سنوات. كان يقين النصر يملأ عينيه.


“سعادة وكيل النيابة،” رفعت مريم صوتها بصوت قاطع هزّ أركان القاعة. “قبل أن تتخذوا أي قرار بخصوص العقود، نطلب تفريغ الفلاشة الشفافة رقم (2)، التي تم التحفظ عليها في مسرح الأحداث بحضور المقدم هشام.”


تحدث رئيس محامي شريف بسخرية وهو يعدل نظارته: “حضرة الناظر، الفلاشة المذكورة تحتوي على تسجيلات صوتية شخصية لا قيمة لها قانونياً في مواجهة العقود الرسمية الموثقة باسم المتهمة.”


“الفلاشة لا تحتوي على تسجيلات صوتية فقط،” ردت مريم وهي تنظر لوكيل النيابة بثبات. “الفلاشة تحتوي على مفتاح التشفير الحسابي لسجلات البلوكشين (Blockchain) الخاصة بالشركة منذ إنشائها. وهي أرقام لا يمكن تزويرها أو تعديل تواريخها.”


ساد الصمت القاعة. تطلع وكيل النيابة لمريم باهتمام، ثم أومأ للخبير التكنولوجي التابع للنيابة للبدء في العرض.


على الشاشة الضخمة المعلقة في القاعة، بدأت الأكواد والبيانات تنهمر. ظهرت العقود الإلكترونية المزمنة، وتفاصيل الحسابات البنكية في الخارج. وفجأة، ظهرت قائمة الحوالات المالية التي تم إجراؤها على مدار السبع سنوات الماضية.


“انظر إلى التواريخ، يا سيادة النيابة،” أشارت مريم بإصبعها نحو الشاشة. “كل عقد من العقود الورقية التي تحمل توقيع ندى، تم إنشاؤه إلكترونياً وصياغته وتسجيله على خوادم الشركة قبل توقيعه بأسبوعين كاملين، من حساب مستخدم يحمل اسم ‘شريف_أدمين’. وفي كل مرة، كان يتم إرسال أوامر تحويل الأموال من نفس الحساب الإلكتروني وبصمة الصوت الخاصة بشريف وحده!”


بدأت الابتسامة تتلاشى تدريجياً عن وجه شريف. بدأ يتحرك في كرسيه بقلة صبر، وهمس بكلمات متوترة لمحاميه الذي انكب على أوراقه بذهول.


لكن المطب الحقيقي جاء بعد ثوانٍ.


اضطربت الشاشة لبرهة، وظهرت واجهة برنامج محادثة مشفر. صُوب التكبير على نص المحادثة التي تمت في اليوم الذي ضاع فيه الشال:


> المستخدم (المهندس): “المرأة بدأت تشك.. هل تخلصت من الشريحة؟”


> المستخدم (شريف): “أخذت الشريحة من الشال.. ندى تنام الآن. سأضع العقود النهائية باسمها الليلة وأغادر البلد صباح الغد.”


>


صرخ محامي شريف: “هذه المحادثات مفبركة! يمكن لأي شخص اختراق الحسابات وإنشاء محادثات وهمية!”


في هذه اللحظة، رن هاتف وكيل النيابة المباشر. رفعت النيابة الجلسة لمدة عشر دقائق لتلقي المكالمة. كان التوتر في القاعة قد وصل لقمته. كنت أتنفس بصعوبة، وأصابع مريم مشدودة على يدي، تدعمني بثباتها الخارق.


عندما عاد وكيل النيابة، كانت ملامحه قد تغيرت تماماً. نظر إلى شريف بنظرة مدمرة، ثم نظر إليّ.


“وردنا للتو تقرير عاجل من وحدة الجرائم المالية الدولية بالتعاون مع مكافحة المخدرات،” قال وكيل النيابة بصوت جهوري. “تم تتبع الحساب البنكي الرئيسي المتلقي لجميع أموال الصفقات المشبوهة في سويسرا. الحساب ليس باسم مدام ندى.. الحساب باسم ‘شريف’ والرمز السري المستخدم للوصول إليه تم إدخاله من هاتفه الشخصي قبل ساعة واحدة فقط أثناء وجوده في الحجز!”


شهقت القاعة بأكملها. سقط الملف من يد محامي شريف، وتجمد شريف في مكانه وكأنه تلقى صدمة كهربائية.


“كيف؟” زمجر شريف وهو يقف مجنوناً، “هذا غير ممكن! الحساب مغلق! كيف تم الدخول إليه؟!”


التفتت مريم ونظرت له ببرود قاتل، وهمست بنبرة سمعها كل من في الصف الأول: “لأن الشال لم يكن يحوي جهاز تسجيل فقط يا شريف.. الترزية التي خاطت الشال، زرعت في حوافه خيطاً مغناطيسياً ينقل بصمة إصبعك في كل مرة كنت تلمس فيها الخياطة ببهجة وتتأكد من وجود جهاز التجسس.. تم نسخ بصمتك الرقمية بالكامل واستخدامها لفتح حسابك السري وإرسال أموالك لحساب الضحايا.”


“أنتِ…” صرخ شريف وهجم باتجاهنا، لكن رجال الشرطة اندفعوا نحوه وثبتوه على الأرض بقوة، والكلابشات تُطبق على يديه بإحكام.


أصدر وكيل النيابة أوامره فوراً: “الإفراج الفوري عن المدعوة ندى بضمان محل إقامتها مع إبقائها تحت الحماية، والحبس الاحتياطي للمتهم شريف على ذمة قضية التجسس، والتزوير، وغسيل الأموال، وإلقاء القبض على باقي أطراف الشبكة.”


خرجتُ من قاعة النيابة وأنا أشعر بأن الهوا يُدخل رئتي لأول مرة منذ أسبوع. تم فك الكلابشات عن يدي. التفتُّ لمريم، وأنا أستوعب مدى الدقة والذكاء والتخطيط الذي قامت به هذه المرأة.


“لقد انتهى الأمر يا مريم.. شريف ستقضى بقية حياته خلف السوارس،” قلتُ والدموع تنزل من عيني، لكن هذه المرة كانت دموع الراحة.


نظرت لي مريم، ولأول مرة أرى شفتيها تفتران عن ابتسامة حقيقية، لكن عينها أظهرت ظلاً غامضاً جعل قلبي يقفز مجدداً.


“شريف مجرد بيدق في الرقعة يا ندى،” قالت مريم وهي تخرج شريحة صغيرة جداً من طيات طرحتها الغامقة. “المهندس الكبييير المترأس للشبكة، الذي لم يرَ أحد وجهه من قبل.. وصلته رسالة الآن تثبت أنكِ أنتِ من دمرت إمبراطوريته، وهو الآن في طريقه إلى القاهرة ليكمل ما بدأه بنفسه.”


وقفت في الشارع والشمس بتضرب في وشي لأول مرة من غير خوف، لكن كلمات مريم الأخيرة كانت بتزن في ودني زي جرس خطر مش راضي يسكت.


“المهندس جاي القاهرة…”


مريم بصتلي بثبات، ومدت إيدها للشال اللي كنت لسه ماسكاه في شنطتي، الشال الحرير السيليفاني اللي كان السبب في الكابوس ده كله. أخدته مني بالراحة، وطلعت من جيبها ولاعة صغيرة، وولعت في طرف القماش.


النار مسكت في الحرير بسرعة، والقماش الناعم اكمش وأتحول لرماد أسود طار في الهواء مع الهواء.


“الشال ده هو اللي بدأ اللعبة، ودلوقتي اتحرق،” مريم قالت بصوت هادي كأنه صلاة. “الماضي اتدفن يا ندى. والمهندس مش جاي عشان ينتقم من مجهول.. هو جاي يدور على الفلاشة، وهو فاكر إنها معاكي.”


“وهي مش معايا؟” سألتها بذهول وأنا ببص لإيدها الفاضية.


مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأشارت على مبنى النيابة اللي كنا لسه طالعين منه. “الفلاشة الأصلية مع وكيل النيابة العامة، والمحاضر اتثبتت، والإنتربول الدولي اتخطر رسمياً بقائمة أسماء الشبكة كاملة بما فيهم ‘المهندس’ ورجالته في سويسرا وألمانيا. وصوله القاهرة مش هيكون رحلة انتقام.. ده هيكون دخوله للمصيدة اللي النيابة والأجهزة أعدوها له بناءً على الداتا اللي أختي سابتها.”


في اللحظة دي، خرج المقدم هشام من باب النيابة، وجاي باتجاهنا ووراه عربيتين حراسة.


” مدام ندى، أنسة مريم،” قال المقدم هشام بنبرة فيها احترام شديد عكس الصرامة بتاعة زمان. “أنا صدرت لي أوامر بنقلكم لمكان آمن تحت حماية الدولة. المحاكمة بتاعة شريف هتبدأ الأسبوع الجاي، والشبكة كلها بتتقفل في كل مكان.”


بصيت لمريم، وبعدين بصيت للرماد الأسود اللي كان باقي من الشال على الأرض.


السبع سنين اللي عشتهم في وهم، والخدعة اللي كانت ملفوفة حوالين رقبتي كأنها هدية، انتهوا تماماً. شريف هيدفع ثمن كل لحظة استغفال وكل كلمة كذب قالها، والناس اللي كانت فاكرة إنها فوق القانون بقوا هربانين وبيترصدوا في كل مطار.


ركبت عربية الحراسة جنب مريم. العربية تحركت بينا وسط زحمة القاهرة، والناس ماشية في الشوارع طبيعي، كل واحد وراه قصته وسره.


مسكت إيد مريم وشديت عليها.


“شكراً يا مريم.. إنك صدمتيني بالحقيقة بدل ما تسيبيني عايشة في الكدبة.”


مريم بصتلي من تحت طرحتها الغامقة، وعينيها كانت هادية لأول مرة من ساعة ما قابلتها تحت عمود النور.


“أنا ما عملتش حاجة يا ندى.. أنتِ اللي اخترتِ تفتحي عينيكِ وتواجهي. الخياطة بتقص القماش الديب، بس الإيد اللي بتلبس هي اللي بتحدد هتمشي بيه فين.”


سندت رأسي على زجاج العربية وأنا ببص للشمس اللي طالعة مالية السماء. الكابوس انتهى، الخيط المظلم اتفصك، ولأول مرة من سبع سنين.. حسيت إني بتنفس حرية حقيقية.


 






تعليقات

التنقل السريع
    close