القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

اول حاجة عملها جوزي كامله 




اول حاجة عملها جوزي كامله 


أول حاجة عملها جوزي السابق لما شافني في حفل شركة النخبة للتطوير والاستثمار إنه ضحك بسخرية وتاني حاجة إنه شاور للأمن وقال بمنتهى البرود طلّعوها برّه. هي ما بقتش ليها مكان هنا.اتنين من رجال الأمن قربوا مني قبل حتى ما أوصل لأرضية القاعة واحد مسك دراعي الشمال والتاني مسك دراعي اليمين وفي ثواني ، عشرات المديرين والمستثمرين وضيوف الحفلة كلهم لفوا ناحيتي وبقوا بيتفرجوا عليا تحت نور الثريات الضخمة.


كان شريف منصور واقف جنب صديقته الجديدة نورهان عادل ، لابس البدلة الرسمية اللي أنا بنفسي كنت اخترتهاله في يوم من الأيام وهي واقفة جنبه بفستانها الأحمر اللامع ، رافعة كوباية العصير في إيدها وبتبصلي بنظرة فيها شماتة واضحة ، كأنها مستمتعة بكل ثانية من اللي بيحصل.


بصلي شريف وقال بصوت عالي وهو متعمد إن كل اللي في القاعة يسمعوه


ـ المنظر ده محرج يا مريم كان المفروض تفضلي بعيدة.


قبل ست شهور بس ، شريف أنهى جوازنا برسالة إلكترونية ، في الوقت اللي كنت فيه في الإسكندرية واقفة جنب خالتي وهي في آخر أيامها.


احتفظ بالشقة وبدأ يظهر مع نورهان قدام أصحابنا ومعارفنا قبل حتى ما إجراءات الطلاق تخلص وبعدها فضل يقول لكل اللي يعرفهم إني قضيت سنين عايشة على نجاحه وإن كل اللي وصلتله كان بسببه.


وأنا؟


ماصححتش كلامه.


ماحاولتش أفضحه.


ولا مرة وقفت أقول للناس الحقيقة.


لأن ساعات ، السكوت بيكون أحسن طريقة تخلي الشخص اللي قدامك يصدق إنه كسب ويفضل يتكلم براحة ويكشف بنفسه كل حاجة كان فاكر إنه شاطر في إخفائها.


الحقيقة إن أنا اللي دفعت تكاليف أول شهادة مهنية حصل عليها شريف وأنا اللي قعدت معاه الليالي أراجع العرض اللي بسببُه أخد ترقيته وأنا اللي تنازلت عن ظهوري في مناسبات كتير عشان هو ياخد الأضواء كلها وكنت كل مرة أقول لنفسي إن نجاحه نجاحي وإننا في الآخر واحد.



لكن لما نجح فعلًا ، بدأ يتصرف كأنه عمل كل حاجة لوحده.


ولما لقى نورهان ، بقى شايفني مجرد مرحلة قديمة خلصت.


والنهارده ، نفس الناس اللي صدقوا روايته كانوا واقفين بيتفرجوا على رجال الأمن وهم ماسكين دراعي وبيخرجوني من حفلة شركته كأني واحدة غريبة دخلت المكان من غير دعوة.


بصيت لرجلي الأمن بهدوء وقلت


ـ إنتوا بتنفذوا التعليمات اللي اتقالتلكم وأنا مش هصعّب عليكم شغلكم.


واحد منهم بصلي لحظة كأنه مستغرب من هدوئي.


لكن شريف واضح إن هدوئي ضايقه.


هو كان مستني يشوفني بعيط.


كان مستني أزعق.


كان مستني أقاوم وأعمل مشهد قدام الناس ، عشان يقدر بعد كده يحكي لكل واحد قابله إن طليقته مهووسة بيه ومش قادرة تتقبل إنها خسرت.


لكن أنا ماعملتش أي حاجة من دي.


سيبت رجال الأمن يمشوني ناحية الممر الرخامي وأنا ماشية بهدوء وصوت الموسيقى بدأ يبعد عن وداني وكل خطوة كنت باخدها كانت بتقربني من الباب.


وقبل ما أوصل ، سمعت نورهان بتقول لشريف بصوت منخفض لكنه وصلني


ـ أنا كنت فاكرة إن الدعوات بتتراجع قبل الحفلة.


ضحك شريف وقال بمنتهى الثقة


ـ من النهارده هنتأكد منها أكتر.


لكن قبل ما رجال الأمن يوصلوني للباب ، أبواب القاعة اتفتحت فجأة.


ودخل الأستاذ فاروق الدمنهوري ، رئيس مجلس إدارة الشركة ومعاه تلاتة من أعضاء مجلس الإدارة.


كان عنده 71 سنة ومشيته بطيئة شوية بحكم سنه ، لكن مجرد دخوله كان كفاية يخلي أصوات القاعة كلها تهدى مرة واحدة.


وقف في مكانه وبص للمشهد قدامه.


وبصوت واضح سأل


ـ إيه اللي بيحصل هنا؟


شريف اتعدل في وقفته بسرعة وحاول يبان هادي وطبيعي وقال


ـ موضوع عائلي يا فندم طليقتي الحفلة.


فاروق ما ردش عليه.


عينه نزلت على إيدي رجال الأمن وهما ماسكين دراعي.



وبعدين رفع عينه ناحية شريف.


وفي اللحظة دي ، ملامح وشه اتغيرت.


ماكانش شكل واحد فهم الموقف غلط.


كان شكل واحد عارف بالظبط مين أنا وليه أنا هنا.


قال بصوت حاد خلّى القاعة كلها تسكت


ـ سيبوها فورًا.


رجال الأمن سابوا دراعاتي في نفس اللحظة.


الهمهمة انتشرت في القاعة.


نورهان وقفت مكانها وكوباية العصير لسه مرفوعة نص رفعة وشريف نفسه شحب وشه كأنه لأول مرة يشوف كابوس حقيقي قدامه.


أما أنا ، فعدلت فستاني الأزرق الغامق بهدوء وبصيت ناحية جوزي السابق.


كان فاكر إن ظهوري في الحفلة هو المفاجأة.


وكان فاكر إن رئيس مجلس الإدارة أنقذني عشان يعرفني أو عشان فيه سوء تفاهم.


لكن شريف ماكانش يعرف الحقيقة.


هو ماكانش يعرف أنا رجعت الحفلة دي ليه.


وماكانش يعرف إن المنصب الجديد اللي كنت جاية أعلنه الليلة دي مش هو المفاجأة الحقيقية.


لأن اللي كان في شنطتي وقتها كان أخطر بكتير.


أدلة لو ظهرت قدام مجلس الإدارة ، كانت كفيلة إنها تنهي مستقبله المهني كله قبل ما الساعة تعدي 12 بالليل.


ابتسمتُ ابتسامة خفيفة لم تصل لعينَي، وأنا أتحرك بخطوات ثابته وواثقة فوق السجادة الحمراء الممتدة على طول الممر الرخامي، تاركةً رجال الأمن يبتعدون عني خطوتين إلى الخلف في ارتباك واضح. كان الصمت الذي خيّم على قاعة “النخبة” صمتاً أثقل من أن يتحمله شريف، الذي بدت على وجهه علامات الذهول المتداخل مع الغضب.


مشى الأستاذ فاروق الدمنهوري بخطواته البطيئة والرزينة، وعصاه الأبنوسية تضرب الأرضية الرخامية بصوت منتظم يتراكض صداه في أرجاء القاعة. وقف أمامي مباشرة، وأومأ برأسه في احترام شديد أذهل الحاضرين، قبل أن يلتفت برأسه ببطء نحو شريف الذي كان يحاول جاهداً ترميم ابتسامته المفتعلة.



تندّر شريف بصوت حاول أن يجعله واثقاً وهو يسير خطوتين للإمام، تاركاً نورهان خلفه تتشبث بكأسها المترامي في يدها المرتجفة:


ـ أستاذ فاروق.. بعتذر لسيادتك عن المهزلة دي. مريم للأسف مش قادرة تستوعب إن المكان ده مش مناسب ليها، وأنا وجهت الأمن يتعاملوا برفق عشان ما نقظش جو الحفلة المميز اللي حضرتك شرفتنا فيه.


لم يتحرك جفن في وجه فاروق الدمنهوري. ظل يشاغله بنظرة ثاقبة جعلت عروق رقبة شريف تتيبس، ثم قال الدمنهوري بصوت جهوري هزّ الثريات الكريستالية الضخمة:


ـ المكان مش مناسب ليها؟ أنت عارف أنت بتتكلم عن مين يا شريف؟ ولا غرورك عماك لدرجة إنك ما بقتش شايف مين اللي واقف قدامك؟


تراجع شريف خطوة، وتبادلت نورهان النظرات مع عدد من زوجات المديرين اللاتي كنّ قبل دقائق يتبادلن معها الضكحات والتهاني. تحول همس القاعة إلى موجة متلاطمة من التساؤلات.


أخرجتُ من حقيبتي الجلدية السوداء ملفاً أنيقاً مغلفاً بالشمع الأحمر، واستدرتُ ببطء لأواجه شريف مباشرة. رفعتُ رأسي ونظرتُ في عينيه المثبتتين عليّ بذهول. رأيت فيهما ولأول مرة منذ ستة أشهر، الثقة المطلقة التي كان يتحصن بها.


قاطعتُ الذهول المعلّق في الهواء وقلت بصوت هادئ ومسموع للجميع:


ـ شريف منصور.. مدير قطاع الاستثمار والتطوير العقاري بشركة النخبة. الرجل اللي قعد ست شهور يروج في كل اجتماع وفي كل محفل إنه هو العقل المدبر لصفقة “برج العاصمة”، وإن الشركة من غيره ما كانتش هتعدي أزمتها المالية الأخيرة.


ارتبك شريف وقال بنبرة حادة محاولاً السيطرة:


ـ مريم! اطلعي بره فوراً، اللعب ده مش هيمشي هنا، دي شركة مساهمة ومش مكان لتصفية الحسابات الشخصية!


رد الأستاذ فاروق فوراً بصوت كالرعد:



ـ اسكت يا شريف! ولا كلمة ثانية!


ثم التفت الأستاذ فاروق إليّ وابتسم بنشاز يتناقض تماماً مع قسوته مع شريف، وقال:


ـ اتفضلي يا دكتورة مريم.. القاعة كلها سامعاكي، ومجلس الإدارة جاهز يسمع التقرير اللي جيتي بسببه.


هنا، شهقت نورهان بصوت خفيض، والتفت الجميع نحوها. كلمة “دكتورة مريم” على آذان شريف . هو يعرف أنني حاصلة على الدكتوراة في التحليل المالي الاستثمارية من جامعة لندن، لكنه كان دوماً يقلل من شأنها أمام معارفنا، متعللاً بأني مجرد “باحثة أكاديمية” لا أفهم شيئاً في سوق العمل الحقيقي.


خطوتُ خطوة إضافية نحو المنصة الرئيسية، وفتحتُ الملف بين يديّ. لم أكن بحاجة للنظر في الأوراق؛ فكل رقم وكل فاصلة فيه كانت محفورة في ذاكرتي خلال الساعات الطويل التي قضيتها أعمل خلف الكواليس، بينما كان هو يحتفل بنجاحه .


رفعتُ بصري وقلت وأنا أتنقل بنظراتي بين الحضور:


ـ قبل ست شهور، لما شريف بَعتلي رسالة طلاقي وأنا واقفة في المستشفى جنب خالتي، كان فاكر إن المستندات اللي أخدها من مكتبي في البيت هي التقرير النهائي لتعديل الهيكل المالي لشركة النخبة. كان فاكر إن التقييم الاستثماري اللي قدمه للرئيس التنفيذي ولأعضاء مجلس الإدارة هو مجهوده الشخصي اللي سهر عليه الليالي.


التفتتُ نحو شريف وأضفتُ بنبرة حادة وباردة:


ـ بس شريف نسي حاجة مهمة جداً.. نسي إن الملفات اللي نقلها من الشقة بعد ما استولى عليها، كانت مجرد “مسودات أولية” أنا سيبتهالك عن عمد، عشان كنت عارفة إن طمعك هيخليك تاخدها وتنسبها لنفسك من غير ما تراجع التفاصيل الدقيقة اللي جواها.


بدأت أوراق الملف بين يدي تتحرك، وأخرجتُ منها وثيقة ذات ختم رسمي متألق تحت الأضواء.



تابعْتُ حديثي:


ـ في المسودة دي، كان فيه ثغرة محاسبية في تقييم أراضي مشروع “الربوة”، ثغرة لو اتطبقت على أرض الواقع كانت هتسبب لشركة النخبة خسارة تتجاوز 400 مليون جنيه، وهتعرّض الشركة للمساءلة القانونية بتهمة التلاعب في أصول المساهمين. شريف أخد المسودة، وبصمته عليها، وقدمها لمجلس الإدارة بصفته “صاحب الرؤية العبقرية”.. وهو حتى ما كلفش نفسه يفحص ارقامها!


تغير لون وجه شريف من الشحوب إلى السواد. بدأ العرق يتصبب من جبهته رغم التكييف القوي في القاعة. حاول أن يتكلم، لكن لسانه خانة، فنظر إلى نورهان وكأنه يستغيث بها، لكن نورهان كانت قد تراجعت خطوة إلى الخلف، مبتعدة عنه وكأن مرضاً أعداه المكان.


اقترب أحد أعضاء مجلس الإدارة، وهو الأستاذ عادل الشاذلي، وقال بفضول :


ـ دكتورة مريم.. حضرتك بتقولي كلام جداً، صفقة العاصمة ومشروع الربوة هما العمود الفقري لخطة الشركة للسنة الجديدة!


تطلعتُ إليه بثقة وقلت:


ـ وأنا هنا الليلة مش عشان أرمي مرسلة يا أستاذ عادل. أنا هنا بصفتي الشريك المالي الجديد والمستشار الأول لمجموعة “الدمنهوري القابضة”، اللي استحوذت النهارجة الساعة 4 العصر على 35% من أسهم شركة النخبة للتطوير والاستثمار!


ساد القاعة صمت مطبق. سقطت كاس نورهان من يدها على الأرضية الرخامية، وتتناثر قطرات العصير الأحمر على حافة فستانها اللامع، لكن أحداً لم يلتفت إليها. كل العيون كانت معلقة بي وبشريف الذي انهار جدار كبريائه في ثوانٍ معدودة.


أكملتُ وأنا أستخرج من الحقيبة مستنداً آخر:


ـ مش بس كده.. الملف اللي معايا ده مش بس بيثبت السرقة العلمية والمهنية اللي قام بيها شريف منصور، الملف ده بيحتوي على كشف حسابات سرية، ووساطات غير قانونية قام بيها شريف مع شركة “أورورا” للمقاولات.. الشركة اللي بتملكها عائلة الأنسة نورهان عادل!



صدمة أخرى زلزلت المكان. انطلقت الصرخات الخفيفة والهمهمات الغاضبة بين المستثمرين رجال الأعمال الحاضرين. كانت شركة “أورورا” معروفة بسجلها المالي المشبوه، وكان دخولها كبراس مال في مشاريع النخبة أمراً محظوراً بقرار رئيس مجلس الإدارة نفسه.


شريف، بملامحه ، صرخ فجأة محاولاً عليّ لفظياً:


ـ أنتِ كذابة! دي تمثيلية متفق عليها! أنتِ جاية مني عشان سبتك! عشان ما بقتش عايزك! أنتِ واحدة ومريضة!


لكن قبل أن يكمل جملته، خطى الأستاذ فاروق الدمنهوري خطوة حازمة ونظر إلى رئيس أمن القاعة، وقال بنبرة صارمة لا تقبل النقاش:


ـ الأمن اللي كان ماسك الدكتورة مريم من شوية.. يجي هنا فوراً.


تقدم رجل الأمن بوجل وتردد. اشار فاروق يده نحو شريف ونورهان وقال:


ـ الأستاذ شريف منصور والآنسة نورهان عادل مالهمش أي صفة في القاعة دي من اللحظة دي. يتفضلوا يتفضلوا بره الحفلة فوراً.. ويا ريت تسلموا الشارة المهنية والمفاتيح الخاصة بمكتب شريف لحرس البوابة قبل ما يخرجوا.


دارت الدوائر بنفس السرعة التي لم يتوقعها أحد. نفس رجال الأمن الذين حاولوا إخراجي بصغار قبل دقائق، يقفون الآن بجانب شريف ونورهان.


نظر شريف إليّ بعينين تتوسلان، وتلاقت نظراتنا. لم أجد في نفسي شفقة، ولا شفاء غليل بالمعنى الرخيص، بل وجدتُ راحة النصر الذي جاء بحق وعدل. أردتُ أن أثبت له ولكل من صدق روايته، أن المرأة التي تختار الصمت عندما تُظلم، لا تفعل ذلك ضعفاً ولا قلة حيلة، بل تنظر للزاوية البعيدة.. تنتظر اللحظة التي يكتمل فيها فخ الغرور الذي يحفره الظالم بنفسه.


همستُ بنبرة لم يسمعها سواه وهو يُمشى به بجانبي نحو الخروج:


ـ المنظر ده محرج يا شريف.. كان المفروض تفضل بعيد.


تصلب جسده عندما سمع كلماته ذاتها تُردد في أذنه كصدى . نورهان كانت تبكي بهستيريا وهي تحاول تغطية وجهها عن عدسات المصورين الصحفيين الذين بدأوا يلتقطون الصور بكثافة بعد أن أدركوا حجم والسبق الصحفي الذي يحدث أمامهم.


خرج شريف ونورهان يُجرّان أذيال الخيبة والفضيعة وسط ممر من صمت واستحكام الحضور، بينما التفتُّ أنا نحو مجلس الإدارة والحاضرين، وفتحت أوراق المشروع الحقيقي الذي سيعيد بناء هذه الشركة على أسس صحيحة ونظيفة.


المعركة لم تنتهِ بإخراجهم من القاعة، بل كانت هذه هي الأولى فقط.. فالملف الذي ما زال في شنطتي لم يفتح كاملاً بعد، وما يحويه عن الشيكات المؤجلة والتلاعب البنكي سيتكفل بالباقي أمام النيابة العامة في صباح اليوم التالي.



قاطعتُ الذهول المعلّق في الهواء وقلت بصوت هادئ ومسموع للجميع:


ـ شريف منصور.. مدير قطاع الاستثمار والتطوير العقاري بشركة النخبة. الرجل اللي قعد ست شهور يروج في كل اجتماع وفي كل محفل إنه هو العقل المدبر لصفقة “برج العاصمة”، وإن الشركة من غيره ما كانتش هتعدي أزمتها المالية الأخيرة.


ارتبك شريف وقال بنبرة حادة محاولاً استعادة السيطرة:


ـ مريم! اطلعي بره فوراً، اللعب ده مش هيمشي هنا، دي شركة مساهمة ومش مكان لتصفية الحسابات الشخصية!


رد الأستاذ فاروق فوراً بصوت كالرعد:


ـ اسكت يا شريف! ولا كلمة ثانية!


ثم التفت الأستاذ فاروق إليّ وابتسم بنشاز يتناقض تماماً مع قسوته مع شريف، وقال:


ـ اتفضلي يا دكتورة مريم.. القاعة كلها سامعاكي، ومجلس الإدارة جاهز يسمع التقرير اللي جيتي بسببه.


هنا، شهقت نورهان بصوت خفيض، والتفت الجميع نحوها. كلمة “دكتورة مريم” سقطت على آذان شريف كالصاعقة. هو يعرف أنني حاصلة على الدكتوراة في التحليل المالي والمخاطر الاستثمارية من جامعة لندن، لكنه كان دوماً يقلل من شأنها أمام معارفنا، متعللاً بأني مجرد “باحثة أكاديمية” لا أفهم شيئاً في سوق العمل الحقيقي.


خطوتُ خطوة إضافية نحو المنصة الرئيسية، وفتحتُ الملف بين يديّ. لم أكن بحاجة للنظر في الأوراق؛ فكل رقم وكل فاصلة فيه كانت محفورة في ذاكرتي خلال الساعات الطويل التي قضيتها أعمل خلف الكواليس، بينما كان هو يحتفل بنجاحه المزيف.


رفعتُ بصري وقلت وأنا أتنقل بنظراتي بين الحضور:


ـ قبل ست شهور، لما شريف بَعتلي رسالة طلاقي وأنا واقفة في المستشفى جنب جثمان خالتي، كان فاكر إن المستندات اللي أخدها من مكتبي في البيت هي التقرير النهائي لتعديل الهيكل المالي لشركة النخبة. كان فاكر إن التقييم الاستثماري اللي قدمه للرئيس التنفيذي ولأعضاء مجلس الإدارة هو مجهوده الشخصي اللي سهر عليه الليالي.



التفتتُ نحو شريف وأضفتُ بنبرة حادة وباردة:

ـ بس شريف نسي حاجة مهمة جداً.. نسي إن الملفات اللي نقلها من الشقة بعد ما استولى عليها، كانت مجرد “مسودات أولية” أنا سيبتهالك عن عمد، عشان كنت عارفة إن طمعك هيخليك تاخدها وتنسبها لنفسك من غير ما تراجع التفاصيل الدقيقة اللي جواها.


بدأت أوراق الملف بين يدي تتحرك، وأخرجتُ منها وثيقة ذات ختم رسمي متألق تحت الأضواء.


تابعْتُ حديثي:


ـ في المسودة دي، كان فيه ثغرة محاسبية في تقييم أراضي مشروع “الربوة”، ثغرة لو اتطبقت على أرض الواقع كانت هتسبب لشركة النخبة خسارة تتجاوز 400 مليون جنيه، وهتعرّض الشركة للمساءلة القانونية بتهمة التلاعب في أصول المساهمين. شريف أخد المسودة، وبصمته عليها، وقدمها لمجلس الإدارة بصفته “صاحب الرؤية العبقرية”.. وهو حتى ما كلفش نفسه يفحص ارقامها!


تغير لون وجه شريف من الشحوب إلى السواد. بدأ العرق يتصبب من جبهته رغم التكييف القوي في القاعة. حاول أن يتكلم، لكن لسانه خانة، فنظر إلى نورهان وكأنه يستغيث بها، لكن نورهان كانت قد تراجعت خطوة إلى الخلف، مبتعدة عنه وكأن مرضاً أعداه أصاب المكان.


اقترب أحد أعضاء مجلس الإدارة، وهو الأستاذ عادل الشاذلي، وقال بفضول واضطراب:


ـ دكتورة مريم.. حضرتك بتقولي كلام خطير جداً، صفقة العاصمة ومشروع الربوة هما العمود الفقري لخطة الشركة للسنة الجديدة!


تطلعتُ إليه بثقة وقلت:


ـ وأنا هنا الليلة مش عشان أرمي اتهامات مرسلة يا أستاذ عادل. أنا هنا بصفتي الشريك المالي الجديد والمستشار الأول لمجموعة “الدمنهوري القابضة”، اللي استحوذت النهارجة الساعة 4 العصر على 35% من أسهم شركة النخبة للتطوير والاستثمار!



ساد القاعة صمت مطبق. سقطت كاس نورهان من يدها لينكسر على الأرضية الرخامية، وتتناثر قطرات العصير الأحمر على حافة فستانها اللامع، لكن أحداً لم يلتفت إليها. كل العيون كانت معلقة بي وبشريف الذي انهار جدار كبريائه في ثوانٍ معدودة.


أكملتُ وأنا أستخرج من الحقيبة مستنداً آخر:


ـ مش بس كده.. الملف اللي معايا ده مش بس بيثبت السرقة العلمية والمهنية اللي قام بيها شريف منصور، الملف ده بيحتوي على كشف حسابات سرية، ووساطات غير قانونية قام بيها شريف مع شركة “أورورا” للمقاولات.. الشركة اللي بتملكها عائلة الأنسة نورهان عادل!


صدمة أخرى زلزلت المكان. انطلقت الصرخات الخفيفة والهمهمات الغاضبة بين المستثمرين رجال الأعمال الحاضرين. كانت شركة “أورورا” معروفة بسجلها المالي المشبوه، وكان دخولها كبراس مال في مشاريع النخبة أمراً محظوراً بقرار رئيس مجلس الإدارة نفسه.


شريف، بملامحه المتشنجة، صرخ فجأة محاولاً الهجوم عليّ لفظياً:


ـ أنتِ كذابة! دي تمثيلية متفق عليها! أنتِ جاية تنتقمي مني عشان سبتك! عشان ما بقتش عايزك! أنتِ واحدة حاقدة ومريضة!


لكن قبل أن يكمل جملته، خطى الأستاذ فاروق الدمنهوري خطوة حازمة ونظر إلى رئيس أمن القاعة، وقال بنبرة صارمة لا تقبل النقاش:


ـ الأمن اللي كان ماسك الدكتورة مريم من شوية.. يجي هنا فوراً.


تقدم رجل الأمن بوجل وتردد. اشار فاروق يده نحو شريف ونورهان وقال:


ـ الأستاذ شريف منصور والآنسة نورهان عادل مالهمش أي صفة في القاعة دي من اللحظة دي. يتفضلوا يتفضلوا بره الحفلة فوراً.. ويا ريت تسلموا الشارة المهنية والمفاتيح الخاصة بمكتب شريف لحرس البوابة قبل ما يخرجوا.


دارت الدوائر بنفس السرعة التي لم يتوقعها أحد. نفس رجال الأمن الذين حاولوا إخراجي بصغار قبل دقائق، يقفون الآن بجانب شريف ونورهان.



نظر شريف إليّ بعينين تتوسلان، وتلاقت نظراتنا. لم أجد في نفسي شفقة، ولا شفاء غليل بالمعنى الرخيص، بل وجدتُ راحة النصر الذي جاء بحق وعدل. أردتُ أن أثبت له ولكل من صدق روايته، أن المرأة التي تختار الصمت عندما تُظلم، لا تفعل ذلك ضعفاً ولا قلة حيلة، بل تنظر للزاوية البعيدة.. تنتظر اللحظة التي يكتمل فيها فخ الغرور الذي يحفره الظالم بنفسه.


همستُ بنبرة لم يسمعها سواه وهو يُمشى به بجانبي نحو الخروج:


ـ المنظر ده محرج يا شريف.. كان المفروض تفضل بعيد.


تصلب جسده عندما سمع كلماته ذاتها تُردد في أذنه كصدى صاعق. نورهان كانت تبكي بهستيريا وهي تحاول تغطية وجهها عن عدسات المصورين الصحفيين الذين بدأوا يلتقطون الصور بكثافة بعد أن أدركوا حجم الكارثة والسبق الصحفي الذي يحدث أمامهم.


خرج شريف ونورهان يُجرّان أذيال الخيبة والفضيعة وسط ممر من صمت واستحكام الحضور، بينما التفتُّ أنا نحو مجلس الإدارة والحاضرين، وفتحت أوراق المشروع الحقيقي الذي سيعيد بناء هذه الشركة على أسس صحيحة ونظيفة.


المعركة لم تنتهِ بإخراجهم من القاعة، بل كانت هذه هي الضربة الأولى فقط.. فالملف الذي ما زال في شنطتي لم يفتح كاملاً بعد، وما يحويه عن الشيكات المؤجلة والتلاعب البنكي سيتكفل بالباقي أمام النيابة العامة في صباح اليوم التالي.


خرج شريف ونورهان من القاعة تحت وطأة نظرات الاحتقار وومضات كاميرات الصحفيين التي تسارعت لالتقاط اللحظة الحتمية لسقوط الرجل الذي بنى إمبراطوريته الزجاجية على حساب كرامتي وجهدي. لم تكن هذه سوى البداية؛ فالأحداث التي تلت تلك الليلة كانت أشبه بسيل جارف لم يستطع أي منهما الوقوف في وجهه.


في صباح اليوم التالي، وتحديداً في تمام الساعة التاسعة صباحاً، كنتُ أجلس في مكتب الرئاسة التنفيذية بشركة “النخبة للتطوير والاستثمار”، إلى جوار الأستاذ فاروق الدمنهوري وأعضاء الشؤون القانونية. أجهزة الكمبيوتر الخاصة بشريف كانت قد حُفظت بالكامل تحت التحفظ القضائي، وبدأت أفرز مع الفريق القانوني كل وثيقة وكل معاملة مالية قام بها خلال الستة أشهر الماضية.



كشفت التحقيقات الأولية أن شريف لم يكتفِ بنسب أبحاثي وتطويراتي المالية لنفسه، بل قام بتسريب بيانات مناقصات حيوية لشركة “أورورا” المملوكة لعائلة نورهان، مقابل نسب وأسهم غير مباشرة تم تسجيلها بأسماء وهمية خارج البلاد. كان يظن أن تحويل الأموال عبر حسابات وسيطة سيعصمه من الكشف، لكنه جهل أن التتبع المالي المتقدم كان تخصصي الدقيق الذي قضيتُ سنوات أدرّسه وأمارسه.


بحلول الظهيرة، كانت أخبار التحفظ على أموال شريف منصور ومنعه من السفر قد تصدرت المواقع الإخبارية والصفحات الاقتصادية. الرسالة الإلكترونية التي أنهى بها زواجنا ببرود قبل ستة أشهر، عادت لتطارده؛ ولكن هذه المرة في صورة بلاغات رسمية للنيابة العامة بتهم اختلاس أموال المساهمين والإضرار المباشر بالاقتصاد المؤسسي للشركة.


في مساء اليوم نفسه، وردني اتصال هاتفي من رقم غير مسجل. عندما أجبت، جاءني صوت شريف المكسور، الخالي تماماً من تلك النبرة العالية والمتعالية التي واجهني بها في القاعة. كان صوته يرتجف، يحمل مزيجاً من التوسل والانهيار الشديد.


ـ مريم.. أرجوكي اسمعيني. أنا عارف إني أخطأت في حقك، وعارف إن اللي عملته ما يتردش.. بس بلاش تدمريني بالشكل ده. النيابة طالبت بالتحفظ على الشقة وعلى حساباتي البنكية كلها. نورهان وأهلها سابوني ورفعوا عليا قضايا عشان أورطتهم مع مجلس الإدارة.. مابقاش ليا أي حد ولا أي حاجة!


استمعتُ إلى كلماته بهدوء تام، لم يتحرك في صدري أي انفعال. كان ينصت لشفير الهاوية التي صنعها بيده.


رددتُ عليه بنبرة حازمة وباردة:


ـ شريف.. لما كنت في الإسكندرية واقفة جنب خالتي في آخر أيامها، ولما استغليت غيابي عشان ترمي هدومي وتبعتلي طلاقي في ميل، ما فكرتش لحظة واحدة في كرامتي أو في السنين اللي وقفت فيها ضهر ليك. لما مشيت بين الناس تقول إنك صنعتني وإن وجودي كان مجرد عبء عليك، كنت أنت اللي بتختار طريقك. أنا ما دمرتكش يا شريف.. أنا بس رفعت الستارة وسيبت الناس تشوف حقيقتك من غير المكياج اللي أنا كنت بجمّلك بيه.



حاول أن يقاطعني بصوت خنقته العبرات:


ـ مريم.. عشان خاطر أي ذكرى حلوة كانت بيننا، تنازلي عن المحضر بتاع النيابة المالية، وأنا مستعد أكتبلك تنازل عن كل حاجة، الشقة والمستحقات، وأخرج من البلد خالص!


ابتسمتُ بمرارة وقلت:


ـ الذكريات الحلوة أنت مسحتها لما خليت رجال الأمن يمسكوا إيدي قدام المئات ويحاولوا يرموني بره المكان اللي أنا أصلاً بملكه. الشقة والمستحقات المحكمة هي اللي هترجعها بالقانون، مش بتنازل منك. والورق اللي في النيابة دلوقتي مش ملكي لوحدي.. ده حق المئات من المساهمين اللي أنت كنت هتضيع شقا عمرهم عشان ترضي غرورك.


أغلقتُ الخط دون أن أنتظر منه رداً، وأغلقت الهاتف تماماً.


في اليوم التالي، عُقد اجتماع مجلس الإدارة الطارئ لإعادة هيكلة قطاع الاستثمار. قمتُ بتقديم المخطط الاستراتيجي الجديد لشركة “النخبة”، المخطط الذي صحح كل الأخطاء الكارثية التي تسبب فيها شريف، ووضع الشركة على مسار استثماري آمن ومربح. صفق الجميع في نهاية العرض بحرارة شديدة، ووقف الأستاذ فاروق الدمنهوري ليعلن رسمياً تعييني كرئيس لقطاع الاستثمار والمخاطر، إلى جانب حصتي كشريك أساسي.


وقبل أن أخرج من مقر الشركة في ذلك اليوم، وقفتُ أمام النافذة الزجاجية الضخمة التي تطل على المدينة. رأيت سيارة الشرطة تقف عند المدخل السفلي لنقل شريف إلى جلسة التحقيق الرسمية بعد صدور أمر الضبط والإحضار النهائي.


كانت اللحظة فارقة؛ ليس لأنني شاهدت ظالماً ينال عقابه، بل لأنني أدركت أخيراً أن الصبر على الظلم ليس استسلاماً، وأن استرجاع الحقوق عندما يأتي بالعقل والكرامة يكون أشد قوة وأبقى أثراً. أغلقتُ ملف القضية على مكتبي، واستعددتُ لكتابة الفصل الأخير من هذه الرحلة.. فصل لا مكان فيه للماضي، بل للنجاح الخالص الذي صُنع بإرادتي وحدي.



مرت ستة أشهر على ذلك اليوم الذي انقلبت فيه الموازين داخل قاعة “النخبة”. ستة أشهر كانت كفيلة بأن يعود كل شيء إلى نصابه الطبيعي، وأن تُمحى الآثار التي خلفها الغرور والزيف، ليحل محلها العدل والنجاح الحقيقي.


في القاعة التأديبية لمحكمة الجنايات الاقتصادية، صدر الحكم النهائي بحق شريف منصور بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، مع إلزامه برد جميع الأموال المستولى عليها وغرامة مالية ضخمة تسببت في إفلاسه التام. أما نورهان عادل وعائلتها، فقد واجهوا أحكاماً بإغلاق شركتهم وتجميد أصولهم بعد ثبوت تورطهم في قضايا فساد وتسهيل الاستيلاء على المال العام. لقد تبخرت نورهان من حياة شريف في اللحظة الأولى التي أدركت فيها أنه لم يعد يملك شيئاً، ليدرك هو في محبسه أن الشخص الوحيد الذي أخلص له وسانده بصدق كان هو الشخص نفسه الذي اختار أن يغدر به ويستعين عليه بالأمن.


على الجانب الآخر، كانت شركة “النخبة للتطوير والاستثمار” تشهد مرحلة جديدة تماماً. تحت قيادتي لقطاع الاستثمار والمخاطر، حققت الشركة أرباحاً قياسية غير مسبوقة خلال النصف الأول من العام، ونجحنا في توسيع نطاق مشاريعنا لتصل إلى الأسواق الإقليمية. أصبحت صوري وتقاريري المالية تتصدر غلاف المجلات الاقتصادية المرموقة، لا بصفتي “زوجة رجل ناجح” كما كان يردد شريف، بل بصفتي العقل المدبر والمهندسة الحقيقية لكبرى الصفقات الاستثمارية في المنطقة.


في مساء يوم دافئ، أُقيم حفل سنوي جديد لشركة “النخبة” في القاعة نفسها. كانت الثريات الكريستالية الضخمة تتألق بالنور ذاته، والموسيقى الهادئة تنساب بين الحضور من كبار المستثمرين ورجال الأعمال.


كنت أقف في منتصف القاعة برداء أنيق يحمل ثقة السنين، وحولي عدد من أعضاء مجلس الإدارة ورؤساء الشركات العالمية يتناقشون معي في تفاصيل الاستحواذ الجديد. اقترب مني الأستاذ فاروق الدمنهوري، مبتسماً وهو يرفع كأسه في تحية تقدير:



ـ دكتورة مريم.. لما شفتك من سنة طالعة من الباب ده وهدوءك ثابت، عرفت إن المكان ده مش بس بيكبر بيكي، ده المكان اتخلق عشان يديروا ناس بعقليتك وكرامتك.


ابتسمتُ بامتنان صادق وقلت:


ـ المكان بيكبر بالعدل والعمل الحقيقي يا أستاذ فاروق.. والدرس اللي اتعلمته إن الحق عمره ما بيضيع طالما صاحبه عارف قيمته وما بيتنازلش عنها.


تطلعتُ نحو الممر الرخامي الممتد حتى باب القاعة الرئيسي. تذكرتُ اللحظة التي حاولوا فيها إخراجي بصغار، وكيف تحول ذلك الممر إلى مدرج لصعودي نحو قمة نجاحي. لم أعد أشعر بأي مرارة أو غضب تجاه الماضي؛ فقد انقضت ديونه بالكامل، ولم يعد لشريف أو غيره أي وجود في عالمي.


عدّلتُ وقفتي، واستدرتُ بظهري للباب، لأكمل حديثي مع الحاضرين حول المستقبل.. المستقبل الذي صنعته بفكري، وصبري، وإرادتي الصلبة التي لا تُكسر.


“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



ـ دكتورة مريم.. لما شفتك من سنة طالعة من الباب ده وهدوءك ثابت، عرفت إن المكان ده مش بس بيكبر بيكي، ده المكان اتخلق عشان يديروا ناس بعقليتك وكرامتك.


ابتسمتُ بامتنان صادق وقلت:


ـ المكان بيكبر بالعدل والعمل الحقيقي يا أستاذ فاروق.. والدرس اللي اتعلمته إن الحق عمره ما بيضيع طالما صاحبه عارف قيمته وما بيتنازلش عنها.


تطلعتُ نحو الممر الرخامي الممتد حتى باب القاعة الرئيسي. تذكرتُ اللحظة التي حاولوا فيها إخراجي بصغار، وكيف تحول ذلك الممر إلى مدرج لصعودي نحو قمة نجاحي. لم أعد أشعر بأي مرارة أو غضب تجاه الماضي؛ فقد انقضت ديونه بالكامل، ولم يعد لشريف أو غيره أي وجود في عالمي.


عدّلتُ وقفتي، واستدرتُ بظهري للباب، لأكمل حديثي مع الحاضرين حول المستقبل.. المستقبل الذي صنعته بفكري، وصبري، وإرادتي الصلبة التي لا تُكسر.


“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


تعليقات

التنقل السريع
    close