القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت اول ما المأذون خلص اجرأت كاملة انجى الخطيب

 

سكريبت اول ما المأذون خلص اجرأت كاملة انجى الخطيب  



حكايات انجى الخطيب 




اول ما المأذون خلص اجرأت كنت منهارة أبويا ماقالليش كلمة بعد  … ولا حتى سألني أنا كويسة ولا لأ.


أول ما خرجنا من عند المأذون وبعد أقل من خمس دقايق من توقيع ورقة ، مسك إيدي بقوة وبصلي في عيني وقال:


“نادية… لو عايزة تفضلي عايشة من غير ما تخسري كل حاجة، افتحي موبايلك حالًا.”


اتخضيت.


“ليه يا بابا؟”


بص وراه يتأكد إن محدش سامعنا، وبعدين قال بصوت واطي:


“غيّري كل أرقام السر… واقفلي أي حساب كريم عنده صلاحية يدخل عليه. دلوقتي.”


بصيتله وأنا مش فاهمة.


“بس إحنا لسه مطلقين! هو أصلًا ماشي من هنا!”


أبويا سكت ثانيتين، وبعدها قال جملة خلت الدم  من وشي:


“وده بالظبط سبب إنك لازم تعملي كده قبل ما يوصل البيت.”


فضلت باصة له.


أبويا عمره ما كان بيخوفني من غير سبب.


اللواء المتقاعد حسن الدسوقي قضى أكتر من تلاتين سنة في الخدمة، وشاف ملفات فساد وسرقات وتلاعب بملايين الجنيهات.


ولما كان بيبصلي بالنظرة دي…


كنت عارفة إن فيه مصيبة أكبر بكتير من مجرد طلاق.


قعدت على كرسي قدام مبنى المحكمة، وفتحت موبايلي بإيدين بتترعش.


بدأت أغيّر كل أرقام السر.


حساب المرتب.


التوفير.


حساب الطوارئ.


بطاقات المصروفات.


حسابات الشركة.


عضوية النادي.


وآخر حاجة…


البطاقة السودا المرتبطة بالحساب الإداري للشركة.


لسه كنت بقفل آخر حساب، لقيت كريم خارج من المحكمة.


كان لابس بدلته الرسمية، وماشي جنبه سارة منصور…


الست اللي كانت سبب في خراب جوازنا.


كانت مبتسمة كأنها كسبت معركة.


كريم لمحني، وقف، وقرب مني.


بص للموبايل في إيدي وقال بسخرية:


“إيه يا نادية؟ لسه بتحاولي تنقذي اللي باقي منك؟”


سارة ضحكت.


وأضاف كريم:


“بصي للجانب الحلو… على الأقل بعد  مش هتضطري تفضلي شايلة مسؤوليات أكبر منك.”


رفعت عيني له.


كنت موجوعة… بس كلام أبويا كان لسه بيرن في ودني.


فابتسمت بهدوء وقلت:


“كريم… خلي بالك من حاجة.”


 


قرب مني أكتر.


قلت:


“في فرق بين إن حد يكون عنده صلاحية يستخدم حاجة… وإن الحاجة دي تكون ملكه.”


للحظة…


الابتسامة اختفت من على وشه.


وبصلي بطريقة غريبة.


كأنه فهم إن حاجة حصلت.


لكن بدل ما يسأل، لف ومشي.


وأنا ماكنتش أعرف إن بعد ساعات قليلة…



هو وسارة هيطلبوا فاتورة بملايين الجنيهات باستخدام حساباتي.


وماكنتش أعرف إن الموظف اللي هييجي لهم بعد كام دقيقة هيقول جملة واحدة بس…

هتخلّي الاتنين يتجمدوا مكانهم.



الساعة كانت قرب تسعة بالليل.


كريم وسارة كانوا بيحتفلوا  في واحد من أرقى نوادي القوات المسلحة في القاهرة.


حجز جناح كبار الزوار باستخدام عضوية كانت مرتبطة بحسابي.


كان عامل حسابه إن الليلة دي هتبقى بداية حياته الجديدة.

#انجي_الخطيب


طلب أكل ومشروبات فاخرة، فرقة موسيقية، وهدايا لسارة.


وفي النهاية اختار لها عقد ياقوت من المعرض الفاخر الموجود داخل النادي.


كان عايز يثبت لها إنه قادر يديها أي حاجة نفسها فيها.


ولما الحساب وصل…


كان الرقم خرافي.


عشرات الملايين من الجنيهات.


ضحك كريم، وطلع البطاقة السودا.


وقال للموظف بثقة:


“اتفضل… خلّص الحساب.”


الموظف أخد البطاقة ومشي.


بعد كام دقيقة رجع.


لكن المرة دي كان وشه متوتر.


قال:


“آسف يا فندم… العملية مرفوضة.”


كريم ضحك باستهانة.


“مرفوضة إزاي؟ جرّب تاني.”


“اتجربت يا فندم.”


“استخدم الحساب الاحتياطي.”


الموظف سكت.


وبعدين قال:


“الحساب الاحتياطي موقوف هو كمان.”


كريم بدأ يتعصب.


“إنت فاهم بتتكلم مع مين؟!”


الموظف بص في الشاشة، وبعدها رفع عينه وقال:


“أنا فاهم يا فندم… وعشان كده لازم أبلغ حضرتك إن كل الصلاحيات المالية المرتبطة بالسيدة نادية الدسوقي تم إلغاؤها.”


سارة سكتت.


كريم خطف كشف الحساب من إيده.


وقرأ الرقم.


الفاتورة: عشرات الملايين من الجنيهات.


وشه اتغير.


وفي نفس اللحظة…


موبايلي في بيت أبويا بدأ يرن.


مرة.


واتنين.


وتلاتة.


تنبيه بعد تنبيه.


محاولة دخول غير مصرح بها.


محاولة تحويل أموال.


محاولة الوصول إلى حساب الشركة.


أبويا قرب من الموبايل.


قرأ آخر إشعار…


وفجأة وشه اتغير تمامًا.


قال:


“نادية… اقفلي الباب.”


بصيتله بخوف.


“ليه؟”


رد وهو بيقفل اللابتوب:


“لأن كريم ماكانش فلوسك.”


سألته:


“أمال كان عايز إيه؟”


بصلي في عيني وقال:


“كان بيدور على ملف لو خرج من الشركة… ممكن يوقع ناس كبار جدًا.”


سكت.


ثم أضاف:


“والأخطر من كده…”


وقف لحظة.


“إنه كان فاكر إنك مش عارفة إن الملف ده موجود.”


وقتها بس فهمت إن طلاقي من كريم ماكانش نهاية الحكاية…


ده كان أول خيط في سر ممكن يغيّر حياة ناس كتير.

#انجي_الخطيب

قمت تجري على باب الشقة ورجلي ما كانتش شايلااني. صوت التكة بتاعة الترباس وأنا بقفله كانت طالعة مكتومة بس ترعب. لفت لأبويا، كان واقف جنب المكتب، ماسك نظارته الطبية وبيركب فلاشة سودا صغيرة في اللابتوب بتاعه.

“ملف إيه يا بابا؟ ملف مين؟”

أبويا بصلي بهدوء مرعب، من النوع اللي كان بيستخدمه زمان لما يكون الوضع في أعلى درجات الخطر.

“ملف العقود المزدوجة بأسماء شركات أوفشور بره مصر.. كريم كان بيدخلها في المناقصات كأنها شركات أجنبية مستقلة، وبياخد موافقات الاستيراد والتسهيلات الائتمانية باسم شركتك أنتِ.. الفلوس اللي كان بياخدها مش بتاعته ولا حتى بتاعتك يا نادية، دي غسيل أموال لناس تقيلة جدًا هما اللي حطوه في طريقك من الأول.”

الدم جمد في عروقي. “يعني سارة…”

“سارة مش مجرد ست اتجوزها عليكِ.. سارة المحامية اللي بتراجع العقود دي من تحت لتحت لحساب الشبكة دي.”

فجأة الموبايل في إيدي بدأ يهتز بصوت مرعب. اسم “كريم” بينور ويطفي على الشاشة. بصيت لأبويا وإيدي بتترعش.

أبويا هز رأسه بالرفض في الأول، وبعدين قال بثبات: “افتحي السبيكر.. وما تبينيش إنك خايفة.”

فتحت الخط. ما لحقتش أقول ألو.





صوت كريم جه من الناحية التانية زي الفحيح، اختفت الشياكة والبرود اللي كان بيبينهم في المحكمة، وكان صوته مجنون ومنهك: “نادية! أنتِ اتجننتي؟ افتحي الحسابات دي فورًا! أنتِ فاهمة أنتِ بتعملي إيه ولا مش فاهمة؟!”

رديت بسكون غريب عليا، كأن خوف كله اتبخر لحظياً: “بعمل اللي كان مفروض أعمله من زمان يا كريم.”

سمعت في الخلفية صوت سارة بتصرخ بتوتر، وصوت موظف النادي بيكرر بنبرة حازمة إن أمن النادي والشرطة هيتدخلوا لو الفاتورة ما اتدفعتش خلال دقائق.

كريم وطّى صوته، وبقى بيتكلم بنبرة ترجي مخفية تحت تهديد: “نادية.. الفلوس مش مهمة، الكارت والسحب يتحرقوا.. أنا بتكلم عن الملف اللي على السيرفر المشفر.. أنتِ غيرتي باسورد الأكسس بتاعه؟”

ابتسمت بهدوء، وأبويا غمزل عينيه بكل ثقة.

قلتله: “الملف مش على السيرفر أصلًا يا كريم.. الملف اتنزل من ساعة ما وقعت ورقة الطلاق، ودلوقتي بقى في إيد اللواء حسن.”

السكوت اللي حل في المكالمة كان أتقل من الجبل. سمعت صوت أنفاسه العالية والشهقة بتاعة سارة لما فهمت. قفلت السكة في وشه من غير ما أستنى رد.

ما عدتش نص ساعة.. وسمعنا صوت فرملة عربية شديدة تحت العمارة، بعدها صوت خطويتين سريعين على السلم بدل ما يستنوا الأسانسير.

أبويا ما اهتزش. مشي بخطوات واثقة ناحية شباك الصالون، بص من ورا الستارة ورجع للترابيزة، وفتح درج المكتب وطلع جهاز لاسلكي قديم بس شغال، وحطه جنب اللابتوب.

“اتصلي بالعميد أحمد في الرقابة الإدارية يا نادية.. قولي له اللواء حسن بيستدعيك في الأمانة.”

إيدي كانت بتطلب الرقم، وفي نفس اللحظة الباب اتخبط بقوة.. خبط متواصل كأن حد عايز يكسره.

“افتحي يا نادية! افتحي بدل ما أهد الباب دا على دماغكم!”

صوت كريم كان طالع براني، ميعرفش هو بيعمل إيه من كتر الرعب.

أبويا مشي للباب بثبات، فتح العين السحرية، وبعدين حط إيده على المقبض وفتح الباب نص فتحة وهو حاطط إيده التانية في جيب روبه.

كريم كان واقف وشاحب، بدلتهم المتهندمة بقت متنعكشة، وعرقان، وسارة واقفة وراه على السلم مرعوبة بتبص حواليها كأن حد بيلحقها.

أبويا قال بصوت هادي وزي الصخر: “أهلاً يا كريم.. اتفضل، ولا تحب تنزل تنتظر بتوع الرقابة تحت في الشارع؟”

كريم بلع ريقه وصوته اتهز تمامًا: “يا سيادة اللواء.. الموضوع مش زي ما حضرتك فاهم.. نادية مالهاش دعوة، دي لعبة أكبر مننا كلنا، الناس دول مش هيرحموا حد لو الملف ده ما نزلش من على السيستم فوراً!”

أبويا قرب منه خطوة واحدة بس، وخلى كريم يرجع لورا خطوتين غصب عنه من هيبته.

“الناس دول يا كريم… هما نفسهم اللي بلّغوا عنك أول ما الفيزا اترفضت في النادي، وأنا اللي اديتهم الأوامر يرفعوا إيدهم عنك عشان تقع لوحدك أول ما الورق يكتمل.”

سارة صرخت بذهول: “يعني إيه؟! كريم أنت قلتلي إنك مسيطر وإن كل حاجة متأمنة باسمها هي!”

كريم بص لسارة بغل، وبعدين بصلي أنا بنظرة رجاء أخيرة: “نادية.. أرجوكي.. افتكري أي حاجة حلوة كانت بينا.”

قلتله وأنا واقفة ورا أبويا وبصاله في عينيه بكل قوة لأول مرة في حياتي: “اللي كان بينا مات من اللحظة اللي افتكرت فيها إنك أذكى مني.. وإن أبويا كبر وعجز.”

صوت سارينات المباحث والرقابة بدأ يعلى ويهز الشارع تحت العمارة. كريم بص للأسانسير بذهول، وحاول يلف يهرب على السلم، بس نزل من الدور اللي فوقينا اتنين بملابس مدنية، ومسكوه من إيديه وحطوا الكلبشات في إيده وفي إيد سارة في ثواني.

أبويا حط إيده على كتفي، وقرب مني، وقال وهو بيبص لكريم وهو بيتسحب على السلم: “المشكلة مش إنك حاولت تسرق يا كريم.. المشكلة إنك نسيت إن العيلة دي هي اللي كانت بتكتب القواعد اللي أنت حاولت تلعب بيها.”

صوت الكلبشات وهي بتقفل على إيدين كريم وسارة كان هو الصوت الوحيد اللي بيتردد في بيت السلم. سارة كانت بتعيط بانهيار وهي بتحاول تخبي وشها بشنطتها، وكريم كان بيبصلي بنظرة مخلطة بين الذهول والغضب، لحد ما رجال الرقابة الإدارية نزلوا بيهم السلم، وخفت صوت خطواتهم بالتدريج مع صوت السارينات اللي بدأت تبعد عن الشارع.

أبويا قفل الباب بهدوء، ورجع خطوتين لورا، وبصلي.




أنا كنت واثقة في أبويا طول عمري، بس اللحظة دي.. الرعب اللي جوايا بدأ يتحول لذهول. ركبي خارت وقعدت على أقرب كرسي في الصالة، وإيدي بتترعش ومش قادرة أستوعب إن الراجل اللي عشت معاه سنتين كان بيجهزلي سجن طوال حياتي، وكان هيورطني في قضايا تهد المعبد على دماغي.

“كنت هروح في داهية يا بابا.. كنت هتشال قضية غسيل أموال وملايين مالهاش أول من آخر.”

أبويا قرب مني، حط إيده على راسي بهدوء وقال بصوته الدافئ اللي بيرجعلي أمان الدنيا كلها: “طول ما أنا بتنفس يا نادية، مفيش مخلوق على الأرض يقدر يلبّسك غلطة مش بتاعتك. كريم كان فاكر إن سكوتي الفترة اللي فاتت ضعف، وما كانش فاهم إن اللواء حسن الدسوقي عمره ما بيكشف ورقه إلا لما الخصم يقع في الفخ بكامل إرادته.”

الموبايل رن تاني على الترابيزة، بس المرة دي كان اسم العميد أحمد من الرقابة الإدارية. أبويا رد وفتح السبيكر.

“تمام يا سيادة اللواء.. الاتنين استلمناهم، واللابتوب والفلاشات اللي كانت في شنطة كريم اتحفظنا عليها. الملف المزدوج اللي حضرتك بعتهولنا على الإيميل المشفّر قلب الهيئة عندنا.. ده فيه أسماء حيتان كبيرة كنا بنتدور عليهم بقالنا سنتين، وكريم كان مجرد الواجهة الرخيصة بتاعتهم.”


أبويا ابتسم بثقة وقاطعه: “المهم عندي نادية يا أحمد.. وضعها القانوني إيه؟”

العميد أحمد رد فورًا بنبرة حسستني براحة ما حسيتهاش من سنين: “مدام نادية بريئة تمامًا، التوقيعات اللي كانت على العقود اتثبت إنها مزورة إلكترونيًا عن طريق الحساب الإداري اللي كريم كان بيستغله، وسحب الصلاحيات وتغيير الباسوردات في نفس دقيقة الطلاق حسمت الموضوع قانونيًا.. هي بالنسبة لنا شاهدة ومجني عليها.”

قفلت المكالمة وأنا بتنفس لأول مرة من ساعات. حسيت كأن جبل كان كابس على صدري وانزاح في لحظة.

بصيت لأبويا وقلتله بصوت مخنوق: “هو كان فاكرني غبية للدرجة دي يا بابا؟ كان فاكر إن الشياكة والعز اللي عايش فيه هيغطوا على القذارة دي كلها؟”

أبويا قعد قصادي، وبصلي بنفس النظرة الحادة اللي فيها خبرة سنين طويلة: “كريم ما كانش شايفك يا نادية.. كريم كان شايف الفلوس والنفوذ اللي ورا اسم عيلتك. ولما حس إنه أخد اللي عايزه وحاول يرميكي ويورطك، نسي أهم درس في الحياة.. إن اللي يبني بيته على كذب وسرقة، أول هزة هتهد البيت ده فوق دماغه هو.”

مسكت إيد أبويا وبستها. النظرة اللي كانت في عينيه بعد ما المأذون خلص والألم اللي حسيت بيه وقتها، أتحولوا لفخر ودعم حقيقي خلى كل الوجع يختفي.

مع طلعت شمس اليوم الجديد، كان الخبر مالي الصحف والمواقع.. سقوط شبكة تهريب وغسيل أموال بقيادة رجل أعمال صاعد وزوجته المحامية. وأنا واقفة في البلكونة، بشرب القهوة جنب أبويا، حسيت إن الشمس دي مش طالعة على يوم جديد بس.. دي كانت طالعة على بداية حياتي الحقيقية.

عدّى أسبوعين على الليلة دي. الحياة ما وقفتش، بس شكلها اتغيّر تمامًا.


أول مرة أنزل فيها الشركة من غير ما يكون كريم ماشي جنبي أو بيمثّل إنه بيحميني، كانت رهبة مش طبيعية. لما دخلت من باب المبنى الزجاجي الضخم، السكوت حلّ في المكان. الموظفين كانوا بيبصوا لي بنظرات مخلوطة بين الصدمة والاحترام. الكل كان عارف إن “ست الحسن” اللي كانت متسابة في الظل، هي اللي طيّرت كريم منصور وشبكته في ليلة واحدة.

طلعت الدور الأخير، قعدت على كرسي المكتب اللي كان كريم قاعد عليه لسنتين. وقبل ما أفتح أول ملف، الباب اتفتح بدون استئذان.

دخل أشرف، مدير الحسابات اللي كان كريم جايبه مخصوص عشان يمرر الورق القذر تحت أيدينا. كان ماسك شنطة جلد في إيده ووشه أصفر زي الليمونة.

“مدام نادية.. أهلاً بحضرتك.. أنا.. أنا كنت بس بجمع حاجتي الشخصية عشان…”

قاطعته وأنا بفتح اللابتوب بهدوء: “عشان تسافر بره مصر يا أشرف؟ الفيزا والإنتربول شغالين من البارح يا حبيبي. تقارير المراجعة المالية للخمس سنين اللي فاتوا كلها بقت قدام النائب العام دلوقتي.”

الشنطة وقعت من إيده، وشه اتقلب وهو بيبصلي بذهول: “والله يا مدام نادية أنا ما كانش ليا دعوة! كريم هو اللي كان بيكرهني على التوقيعات!”

“كريم كان بيدي نسبتك في حساب في دبي يا أشرف.. افتح الباب هتلاقي رجال الأمن مستنيينك تحت.”

خرج أشرف يجر رجليه، وفي نفس اليوم، جالي استدعاء رسمي من النيابة العامة لاستكمال أوراق القضية ومواجهة كريم للمرة الأخيرة.

لما دخلت غرفة التحقيق، الشباك الزجاجي كان بيفصل بيني وبينه. كريم ما كانش كريم بتاع زمان. البدلة الإيطالي المفصلة اتستبدلت ببدلة السجن الزرقا، دقنه كبرت، وعينيه جاحظة وشاحبة من قلة النوم.

أول ما شافني، قرب من الإزاز بسرعة ومسك السماعة بإيدين بتترعش: “نادية! نادية أرجوكي اسمعيني! سارة هي اللي ورطتني! هي اللي كانت بتوصلني بالناس دول وكانوا بيهددوني بأهلي لو ما نفذتش!”

مسكت السماعة ببرود، وبصيت له في عينيه: “سارة اعترفت عليك بالكامل من أول ساعة يا كريم.. وقالت إنك أنت اللي خططت عشان تتجوزني وتستغل اسم أبويا ورصيد عيلتي في كل بلاويكم.”


سكت، وفضل يبصلي بذل وهو مش مصدق إن دي نادية اللي كانت بتصدق كل كلمة بيقولها.

“سارة باعتك في أول المحطة.. وأنت بعت نفسك لما افتكرت إن القرشين والنفوذ المزيف هيعملوا منك راجل على حسابنا.”

كريم دمعت عينيه بندم حقيقي، وقال بصوت متقطع: “نادية.. أنا خسرت كل حاجة.. مستقبلي، اسمي، حريتي.. سامحيني.”

رديت عليه بنبرة حازمة ومفيهاش نقطة ضعف واحدة: “المسامحة دي بينك وبين ربنا يا كريم.. أما أنا، فحقوقي رجعتلي، وأهم حاجة رجعتلي هي نفسي اللي كنت بضيعها معاك.”

حطيت السماعة مكانها، وقمت وقفت. لفت ضهري ومستنيتش أسمع صراخه أو خبطه على الإزاز.

طلعت من مبنى النيابة، كانت الشمس طالعة صافية، وأبويا واقف جنب العربية بره، ساند على عصايته وبيبتسم لي بفخر.

قربت منه، أخدني في حضنه، وركبت جنبه وسقنا في طريقنا للبيت.. وأنا عارفة إن الصفحة دي اتفلت للأبد، وإن اللي جاي مش مجرد نجاة من مصيبة.. دي بداية حكاية جديدة لست عرفت قيمة نفسها وعرفت يعني إيه يكون وراها ضهر ما بيتكسرش.


حكايات انجى الخطيب 2

 

بعد يومين من الجلسة، دخلت الشركة من جديد، بس المرة دي ما كنتش “مدام نادية” اللي بتيجي زي الضيفة وتسلم الإدارة لكريم.. المرة دي دخلت بصفتي رئيس مجلس الإدارة التنفيذي ومصنع القرار الأول.

الاجتماع الطارئ لمجلس الإدارة كان ميعاده الساعة عشرة الصبح. الترابيزة الطويلة كان قاعد عليها كبار المساهمين والأعضاء، بعضهم كان وشه متوتر، والبعض التاني—خصوصًا الرجالة الكبار اللي كريم كان مقربهم منه—كانوا بيبصوا لي بنظرات فيها استخفاف واستهانة، فاكرين إن الست اللي مرت  دي هتيجي تستسلم وتسلمهم الجمل بما حمل.

سيد النجار، عضو المجلس وأكبر حليف لكريم في الشركة، اتعدل في قعدته وحط القلم على الترابيزة وقال بنبرة فيها عطف مزيف:


“مدام نادية.. طبعًا إحنا مقدرين الظروف النفسية والشخصية الصعبة اللي حضرتك مريتي بيها،  اللي الشركة اتحطت فيها بسبب تصرفات كريم.. وعشان كده بنقترح إن حضرتك ترتاحي خالص الفترة دي، وتفوضي الإدارة التنفيذية للجنة طوارئ إحنا نختارها، وحضرتك تكتفي بالنسبة بتاعتك والأرباح من غير ما تشيلي نفسك فوق طاقتها.”

السكوت حلّ في القاعة، والكل كان مستني ردي، فاكرين إن كلمة “ترتاحي” هتهزني أو إني هصدق إنهم خايفين عليا.

ابتسمت بهدوء شديد، فتحت اللابتوب اللي قدامي على الترابيزة وبصيت لسيد بثبات:

“اقتراحك لطيف جدًا يا أستاذ سيد.. بس للأسف متأخر تسع ساعات كاملين.”

سيد حواجبة اترفت، وباقي الأعضاء اتعدلوا في قعدتهم بفضول.

كملت كلامي بصوت واطي بس كل كلمة فيه طالعة وزينها دهب:

“الساعةواحدة بعد منتصف الليل، وقعت عقد شراكة جديد مع أكبر مجموعة استثمارية سيادية في المنطقة بضمان العقود والنظام المالي الجديد اللي طهرناه.. أما بالنسبة للجنة الطوارئ اللي حضرتك بتطرحها، فالتقرير اللي قدامي دلوقتي من جهات المراجعة الماليّة بيثبت إن شركتك الخاصة كانت الوسيط اللي بيمرر العمولات القذرة لكريم بره مصر.”

سيد وشه اتخطف، والورق اللي في إيده اتنعكش وهو بيحاول يداري ارتباكه: “أنتِ بتتهميني بغير دليل يا مدام؟! أنتِ فاهمة بتتكلمي مع مين؟”


“أنا مش بتهجم عليك يا سيد.. أنا ببلغك إن عضويتك في المجلس ملغاة من الدقيقة دي وفقًا للبند السابع من اللائحة، ورجال الأمن ومعاهم النيابة الإدارية مستنيين حضرتك في الصالون بره عشان تجاوب على الأسئلة اللي هما حابين يسألوها.”

محدش في القاعة اتجرأ ينطق حرف واحد. سيد قام وهو بيترعش، لم أوراقه بسرعة وخرج يجر رجليه  باينة عليه، وباقي الأعضاء بقوا بيبصوا لي بنظرات مختلفة تمامًا.. نظرات فيها هيبة واحترام وقلق من الست اللي كانت فاكرينها الحلقة الاضعف.

بصيت لهم كلهم وقلت بوضوح:

“اللي عايش معنا بشرف وعايز يشتغل بجد.. مكانه فوق راسي وتعب أجداده محفوظ.. أما اللي فاكر إن غياب كريم هيفضّي له الساحة للسرقة أو فرض السيطرة، يفتكر كويس إن الباب اللي خرج منه كريم.. ما زال موارب.


عدّت شهور، والشركة وقفت على حيلها من جديد بفضل الإدارة الصارمة والنظيفة.

في ليلة هادية، كنت واقفة في البلكونة في بيت أبويا. أضواء القاهرة كانت بتلمع من بعيد، والنسيم هادي جداً. أبويا قرب مني وهو شايل كاسين شاي بالنعناع، حط كاس قدامي وسند على السور جنبي.

“فخور بيكي يا نادية.. عملتي في كام شهر اللي ناس تقيلة بقالها سنين مش عارفة تعمله.”

بصيت له وابتسمت من قلبي، وأخدت إيده بستها: “أنا ما عملتش غير إني اتعلمت منك يا بابا.. اتعلمت إن القوة مش إنك ما تتجرحش.. القوة الحقيقية إنك لما تتجرح، تقف على رجليك أشد من الأول، وتخلي اللي افتكر إنه كسرِك.. يندم على اللحظة اللي فكر فيها ييجي عليكي.”





أبويا طبطب على كتفي بحنية، وأنا بصلت للسما وأنا حاسة لأول مرة من سنين براحة بال وأمان حقيقي.. أمان مش جايلك من راجل في حياتك، أمان نابع من روحك أنتِ، ومن ضهر راجل بجد علّمك إزاي تكوني جبل ما يتهزش.

مرّ شهرين كمان، وكان اليوم اللي مصر كلها بتستناه.. أول جلسات محاكمة قضية “غسيل الأموال الكبرى” في محكمة جنايات القاهرة.

المحكمة كانت زحمة بشكل مش طبيعي، صحفيين، كاميرات، ورجال أمن منتشرين في كل شبر.

وقبل ما أدخل بوابة المحكمة بخمس دقايق، وقفت عربية مرسيدس سودا مظللة جنبي تمامًا. الزجاج نزل بالراحة، وظهر منه وش رجل أعمال معروف، واحد من الأرقام الصعبة في السوق اللي اسمهم جه في الملفات المخفية.

شاورلي ببرود وقال: “مدام نادية.. خمس دقايق من وقتك، خيراً ليكي ولأبوكِ.”

أبويا مسك إيدي وقال بصوت هادي: “اسمعي بيقول إيه يا نادية.. فرصة نشوف آخره.”


قربت من العربية، الراجل اتكلم بثقة وهو بيعدل ساعته الألماظ: “أنتِ شاطرة وذكية، ومحدش ينكر إنك كسبتي الجولة الأولى.. بس اللعبة دي أوسع من كريم وسارة بكتير. شهادتك النهارده والورق الأصلي اللي معاكي لو ما اتقدمش.. هتطلعي بـ 100 مليون جنيه كاش، والشركة هتعدي السحاب.. أما لو أصرّيتي تمشي في السكة دي.. فالأيام اللي جاية مش هتعجبك.”

ابتسمت، وبصيت لأبويا اللي كان واقف ورايا زي الجبل.

أبويا قرب ونداه باسمه الحقيقي اللي ما كانش متوقع إن حد يعرفه: “يا أستاذ طارق.. أنت نسيت إن جهاز التسجيل اللي في جيب نادية دلوقتي مرتبط بآلية بث مباشر لغرفة عمليات الرقابة الإدارية؟”



وش الراجل اتقلب أصفر في ثانية، والموبايل اللي في إيده بدأ يرن بنغمة متواصلة.

أبويا كمل بثقة: “العرض بتاعك بقى البند رقم 14 في قضية الرشوة ومحاولة التأثير على السير القضائي.. ودلوقتي انزل بالذوق قبل ما الظباط اللي طالعين عليك دول يكلبشوك قدام الكاميرات.”

الراجل بص حواليه، لقى أربعة من رجال الأمن بيحوطوا العربية. نزل وهو بيحاول يداري وشه من الفلاشات اللي بدأت تلمع في كل مكان.

جوة القاعة، كان المشهد يدرّس.

كريم وسارة كانوا قاعدين جوة قفص الاتهام. كريم وشه دبلان، خس نص وزنه، وعينيه تايهة في الأرض. سارة كانت قاعدة في كورنر القفص، مش بتبص لأي حد ولا حتى لكريم.


لما القاضي ندى اسمي، وقفت قدام المنصة بثبات، وحكيت كل حاجة.. بالتواريخ، والأرقام، والرسائل الصوتية، ودعم أجهزة الدولة للورق اللي كان معايا.

القاضي سأل كريم: “هل لديك أي اعتراض على شهادة المجني عليها؟”

كريم رفع عينه ليّ، عينيه كانت مليانة دموع وندم حقيقي، وهز رأسه بنفي بصوت مكسور: “لا يا سيادة القاضي.. كل كلمة قالتها صح.. أنا اللي طمعت وخنت، وهي ما ظلمتنيش.”

الحكم نزل زي الصاعقة في القاعة:


“حكمت المحكمة حضورياً.. بالسجن المشدد 15 سنة لكل من كريم منصور وسارة النجار، ومصادرة كافة أموالهم وممتلكاتهم لصالح الدولة، وإحالة باقي أوراق الشركاء للنيابة العامة.”

صوت الشاكوش وهو بيكبس على الترابيزة كان الصوت اللي أعلن نهاية كابوس طويل.

سارة انهارت في القفص وصرخت، أما كريم ففضل باصص لي بالنظرة الأخيرة وهو بيتسحب للكلابشات.. كان يبدو كأنه بيودع دنيا كان فاكر إنه سادها، واكتشف في الآخر إنه ولا حاجة، خسر نادية والشركة وحريته في خطوة واحدة.

طلعت من القاعة، الشمس كانت طالعة مالية دراج المحكمة. أبويا كان ماشي جنبي، خطوته هادية، وعينيه فيها فرحة الأب اللي شاف بنته بتخرج من المفرمة أشد وأقوى ومرفوعة الراس.


سندت على دراعه وقلت له وأنا بتنفس الحرية من قلبي: “خلاص يا بابا.. كل حاجة انتهت.”

أبويا بص لي وابتسم ابتسامته الدافية اللي بتسوى الدنيا: “لا يا نادية.. الكابوس هو اللي انتهى.. لكن حياتك أنتِ الحقيقية يلا تبدأ من النهاردة.”

عدّت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة كانت كفيلة إنها تغيّر كل حاجة في حياتي من الجذور.

الشركة ما بقتش مجرد كينونة تجارية كسبانة، دي تحولت لنموذج يضرب بيه المثل في الشفافية والنزاهة في السوق. اسم “مجموعة الدسوقي” بقى يرن في الأوساط الاقتصادية كواحدة من أكبر الشركات اللي قدرت تطهر نفسها وتطير فوق في وقت قياسي.


في قاعة مؤتمرات ضخمة في العاصمة الإدارية، كنت واقفة على خشبة المسرح، المايك في إيدي، وبقدّم المشروع الجديد للشركة أمام مئات المستثمرين والصحفيين. كنت لابسة بدلة رسمية كحلي بسيطة، واثقة في كل خطوة وكل كلمة بتطلع مني.

وفجأة، صحفية شابة رفعت إيدها وسألتني بنبرة فيها إعجاب حقيقي: “مدام نادية.. من سنة تقريبًا اسمك كان مرتبط بأكبر قضية رأي عام، والكل كان متوقع إن الشركة تنهار.. إزاي قدرتِ ترجعي أشد، وما تسيباتيش للظروف فرصة تكسرك؟”

بصيت للقاعة، وعيني راحت تلقائيًا على الصف الأول.. أبويا كان قاعد هناك، ببدلته الأنيقة، ماسك عصايته، ورافع رأسه للسما بابتسامة افتخار تهز الجبال.

ابتسمت للصحفية وقلت في المايك بصوت هادي وواضح: “لأن الوجع


، والضربة يا إما تكسرك يا إما تصنع منك جبل.. أنا اخترت أكون الجبل، مش عشان نادية بس.. عشان فيه ضهر علّمني إن الحق ما بيموتش، وإن اللقمة الحرام صاحبها حتى لو كان فاكر نفسه مالك الدنيا.”

القاعة كلها اتصدمت بالتصفيق الحار، وأبويا غمزل عينيه بكل حب ونشوة انتصار.

بعد ما المؤتمر خلص، وأنا بلم أوراقي في كواليس المسرح، المحامي بتاعي قرب مني بهدوء، ومسك في إيده جواب رسمي.


“مدام نادية.. فيه جواب جاي لحضرتك من إدارة سجن طرة.”

وقفت لحظة، النبض زاد ثانية بس ما كانش فيه خوف.. كان فيه مجرد استغراب. فتحت الجواب ورأيت خط كريم.. خط كان بيترعش ومش مستقر.

كاتب فيه جملتين: “نادية.. أنا عرفت من الأخبار إن شركتك بقت الأولى في السوق.. أنا خسرت كل حاجة ومفاضلش معايا غير السجن والندم.. لو فيه أمل تسامحيني، أو تزوريني مرة واحدة بس قبل ما أموت في المكان ده.. أرجوكي.”

طبقت الورقة بهدوء شديد، واديتها للمحامي.

بصلي المحامي باستفسار: “نرد عليه يا فندم؟ أو نحدد ميعاد زيارة؟”

طلعت برة القاعة، كانت العربية مستنيانا، والشمس بتعكس نورها على مباني العاصمة الحديثة.

أبويا فتحلي باب العربية بنفسه، وركب جنبي.


مسكت إيده وقرّبت منها، بستها بحب، وقلت له: “تفتكر الجاي هيكون إيه يا بابا؟”

أبويا حط إيده على راسي، وبص للشارع المفتوح قدامنا وهو بيبتسم برضا تام: “الجاي يا نادية بتاعك أنتِ.. الشارع مفتوح، والرؤية واضحة، ومفيش حد يقدر يوقف ست عرفت قيمتها، وعرفت إزاي تدوس على الوجع وتبني منه مجدها.”

العربية تحركت بينا، وأنا بتطلع من الشباك للسما، حاسة لأول مرة إني مش بس نجيت من كابوس.. أنا بقيت صاحبة الحكاية.

مرّت تلات سنين على اليوم ده.. تلات سنين ما كانش فيهم مكان للندم أو للرجوع لورا.


في صالون بيتنا الجديد، كانت فيه لوحة زيتية كبيرة متعلقة على الحيطة الرئيسية. لوحة لأبويا، ببدلته العسكرية الميرية القديمة، ونظرة عينيه الحادة اللي فيها هيبة وتدفي في نفس الوقت، كأنه لسه واقف يحرسني ويحميني من الدنيا.

أبويا فارق دنيانا بسلام قبل ست شهور.  وهو مطمن، بعد ما شاف بنته الوحيدة مش بس وقفت على رجلها، دي بقت رئيسة مجلس إدارة واحدة من أكبر المجموعات الاقتصادية في المنطقة، ومؤسسة “مؤسسة الدسوقي لدعم الشفافية والنزاهة”.

يوم وفاته، ما عيطتش بكاء ضعف. عيطت دموع امتنان للراجل اللي علمني إزاي أكون جبل. افتكرت كلمته الأخيرة لي وهو ماسك إيدي في المستشفى: “أنا ماشي يا نادية وأنا مرتاح.. سايب ورايا جبل، مفيش ريح في الدنيا تقدر تهزه.”

النهارده كان يوم خاص جدًا.. يوم افتتاح الفرع الدولي الجديد للشركة.


وقبل ما أخرج من البيت، وقفت قدام المراية. كنت لابسة فستان أبيض أنيق وجاكيت رسمى، لميت شعري، وبصيت في عينيّ كويس. ما شفتش نادية المنكسرة اللي كانت بتترعش قدام المحكمة يوم ، ولا نادية اللي كانت مرعوبة من تهديدات كريم. شفت ست اتعجنت بالوجع، فطلعت منه صلبة وزي الدهب.

موبايل المساعدة بتاعتي رن: “مدام نادية.. العربية مستنية حضرتك تحت، ووفود الصحافة والمستثمرين وصلوا القاعة.”

“جاهزة.. نازلة حالاً.”


وأنا نازلة في الأسانسير، المساعدة أدتني ملف المتابعة وقالت بفرملة تردد: “فندم.. بالصدفة وأنا براجع التقارير، قرأت إن محامي كريم منصور قدم طلب إفراج صحي بعد ما صحته تدهورت في السجن.. والطلب اترفض للمرة التانية.”

وقفت ثانية واحدة، وبصيت لها بابتسامة هادية جدًا.. ابتسامة حد ما بقاش يحس بأي طاقة اتجاه الماضي، لا كره ولا حقد ولا حتى شفقة.

قلت لها بنبرة واثقة وصوت حاسم: “الأخبار دي ما تهمناش يا مي.. كريم وسارة بقوا مجرد أرقام في أرشيف قضية مقفولة من زمان. افتحيلي ملف توسعات السنة الجاية.”

مي ابتسمت بذهول وإعجاب، وقفلت الفولدر فورًا: “تحت أمرك يا فندم.”

خرجت من المبنى، كانت الشمس ساحرة وصافية. ركبت عربيتي، وبصيت للسما من الشباك. حسيت بنسيم خفيف بيلطّف وشي، كأن روح أبويا بتطبطب على كتفي وبتهمسلي: “جدعة يا نادية.. كملي.”


مسكت السلسلة الفضة اللي فيها صورة أبويا، بستها، وابتسمت من قلبي.

المركب مشيت، والموج العالي اللي كان عايز يغرقني، بقى هو نفسه اللي رفعني ووصلني للبر. الحياة مش بتنتهي عند أول خيانة، ولا عند أول جرح.. الحياة الحقيقية بتبدأ لما تقرر إنك ما تكونش الضحية، وتكتب حكايتك بإيدك أنت.. مرفوع الراس، وعينك في عين الدنيا.

تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close