القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت الورث كاملة حكايات رومانى مكرم 



سكريبت الورث كاملة حكايات رومانى مكرم 


بعد وفاة بابا قسمنا الورث علينا انا واخواتي وكل واحد اخد حقه وكل واحد فينا طلع جزء من حقه وعطيناه لماما جوزي لما عرف اتخانق معايا وقالي ترجعى الفلوس عشان اتصرفتي من دماغك وأنا عامل حسابي علي الفلوس دي عشان اعمل مشروع ومصمم ياخد الفلوس كلها وحتى الى الفلوس الى خدتها ماما مع انى ماما خدت 150الف بس


 



وانا وراثه 2مليون وهو عاوز ياخد كله


البدايه


كان البيت لسه ريحته طالعة بخور وسدر، والناس رايحة جاية تعزي، وأنا قلبي مقسوم نصين على فراق أبويا. الراجل اللي طول عمره شايلنا وما حرمناش من حاجة. خلصت أيام العزا، وقعدنا مع بعض إحنا الإخوات عشان نوزع الورث زي ما ربنا أمر، وكل واحد وياخد نصيبه بشرع الله.


طلع نصيبي من الخير اللي سابه أبويا اتنين مليون جنيه. رقم يزغلل العين، بس بالنسبة لي ما كانش يسوى ظافر من أظافر أبويا الله يرحمه. قعدت مع إخواتي، واتفقنا كلنا إننا مش هننسى أمي، الست دي شالت كتير وطفحت الكوتة عشان تكبرنا. طلعنا كل واحد جزء من نصيبه، وتجمع مبلغ حلو، واديت أمي نصيبها عشان تتأمن وتعيش مستورة وما تحتاجش لحد. طلع نصيبها من المبلغ ده كله 150 ألف جنيه من تحت إيدي، والباقي شلته في بنكي.


رجعت الشقة ومحيط وشي باين عليه التعب، دخلت لقيت مدحت جوزي قاعد في الصالة ومولع سجارة ورا سجارة، والرماد مالي الطقطوقة. أول ما شافني، قام وقف ورزع الكوباية على الترابيزة وقال بصوت طالع من زوره:


* ها يا أختي؟ خلصتوا السبوبة؟ أخدتي كم من المولد ده؟


بصيت له باستغراب من أسلوبه، بس بلعت لساني وقلت له بصوت متقطع:


* الحمد لله يا مدحت، كل واحد أخد حقه بالعدل.. نصيبي طلع اتنين مليون.


أول ما سمع الكلمة، عينيه فتحت على آخرها، ووشه اتغير 180 درجة، والابتسامة اترسمت على وشه فجأة وقال بلهفة:


* اتنين مليون؟! حلو أوي.. هاتي بقى الفلوس دي، أنا عامل حسابي أخش بيها في مشروع عمري، هنشتري حتة أرض ونعمل عليها كافيه واستراحة، والفلوس هتضاعف في سنتين!


سكت لحظة، وريقي جف، وقبل ما أتكلم افتكرت اللي حصل، فقلت بتهيب:


* بس يا مدحت.. الفلوس مش اتنين مليون صافي، أنا طلعت منهم 150 ألف جنيه لأمي، أنا وإخواتي اتفقنا نأمنها و…


ما لحقتش أكمل الجملة، ولقيت الدنيا اتقلبت فوق دماغي. مدحت وشه احمر وعروق رقبته نطت، وزق الكرسي برجله رزه في الحيطة وهو بيصرخ في وشي:


* عملتي إيه يا روح أمك؟! طلعتي الفلوس من دماغك من غير ما ترجعيلي؟! هو أنا كيس جوافة قاعد معاكي في البيت ولا إيه؟ الفلوس دي بتاعتي وأنا اللي أقرر تروح فين وتيجي منين!


وقفت مذهولة من المنظر، أول مرة أشوفه بالغل ده، قلت له وبدأت دموعي تنزل:


* الفلوس دي ورثي من أبويا يا مدحت! وأمي ليها حق علينا، وبعدين الـ 150 ألف دول ولا حاجة من الاتنين مليون، ما طارتش الطيور بأرزاقها يعني!


ربط إيديه في وسطه وقرب مني بجمود وقال بكل جشع:


* ولا مليم ينقص! تروحي بكرة الصبح لأمك تاخدي منها الـ 150 ألف دول ترجعيهم البنك، وتسحبي الاتنين مليون كلهم وتحطيهم في إيدي! الفلوس دي تلزمني كلها عشان المشروع، ومش هسيب جنيه واحد يضيع!


* أنت بتتكلم جد يا مدحت؟! عايزني أروح أطالب أمي بفلوس أديتهالها بإيدي؟ أنت اتجننت ولا جرى لعقلك حاجة؟!


مسكني من ذراعي بقوة وعصر عظمي وهو بيبص في عيني بشر:


* كلمة زيادة وهتترمي بشنطة هدومك بره البيت ده! الفلوس دي هتيجي يعني هتيجي، وأمي دي مش هيجرالها حاجة لو عاشت على معاش أبوكي، إنما أنا مستقبلي مش هيضيع عشان خاطر شهامتك الكدابة!


زقيته بعيد عني وأنا بجري على الأوضة وقفلتا على نفسي بالمفتاح. قعدت على الأرض أعيط بحرقة. معقول ده الراجل اللي اتجوزته وشاركت معاه حياتي؟ الطمع عماه وخلاه يبص لفلوس أبويا وبكاء أمي بدم بارد!


مرت أيام والبيت عبارة عن ساحة حرب سردة. مدحت ما بيكلمنيش غير بالشتيمة والتهديد، وكل يوم يفتح نفس الموال: “جبتي الفلوس؟ كلمتي أمك؟”. وأنا قافلة دماغي ومستحيلة أمد إيدي على حق أمي، بس في نفس الوقت كنت خايفة من نبرة التهديد اللي في صوته، كان بيتكلم بقلب ميت وكأنه بيخطط لحاجة.


في ليلة من الليالي، الساعة كانت دخلت على اتنين بالليل. قمت من السرير عشان أشرب مية، لقيت النور الواطي بتاع الصالة منور، ومدحت مش جنبي على السرير. مشيت على أطراف صوابعي بشويش عشان ما يعملش مشكلة جديدة.


وأنا قربت من الممر، سمعت صوته جادي وواطي، كان واقف في البلكونة وبيكلم حد في التليفون. وقفت ورا الستارة ونفسي مكتوم.


سمعته بيضحك بصوت واطي وبيقول:


* يا بت عيب عليكِ، هو أنا عيل صغير عشان أضحك عليكِ؟ الاتنين مليون خلاص بقوا في الجيب، الحرمة عايشة في دور المظلومة بس أنا ضاغط عليها ومقفل عليها كل السبل، يومين بالكتير وهتكون البصمة على التنازل أو الفلوس في حسابي.


سكت شوية وكأنه بيسمع الطرف التاني، وبعدين كمل بابتسامة صفرا وصوت ملين حنية مزيفة:


#الكاتب_رومانى_مكرم_


* بقولك إيه يا شيماء.. جهزي نفسك بقى، أول ما أحط إيدي على القرشين دول، هاجي لأبوكي رسمي وهنكتب الكتاب فوراً. أنتِ عارفة إنك أنتِ اللي في القلب يا بنت عمي، والجوازة دي كانت غلطة وهصلحها بالفلوس دي.. هنسافر ونعيش في التجمع ونعمل أحلى مشروع باسمنا إحنا الاتنين.


أول ما سمعت اسم “شيماء بنت عمه”، الدنيا دارت بيا، ورجلي ما بقتش شايلاني. سدت بوقي بإيدي عشان ما أصرخش، والدموع نزلت زاي النار على وشي. الراجل اللي كنت فاكراه ظهري وسندي، مش بس طمعان في ورث أبويا.. ده بيخطط وياخد فلوسي عشان يتجوز بيها بنت عمه!


رجعت الأوضة وأنا بتسحب زي الخيال، رجليا ما كانتش شايلاني وصدري بيطلع وينزل بصعوبة وكأن الأكسجين اتسحب من الأوضة كلها. قفلت الباب بالراحة، وحطيت ضهري عليه ونزلت على الأرض بالتدريج لحد ما قعدت. الدموع كانت بتنزل بسخونية تحرق وشي، بس المرادي ما كانش بكاء ضعف ولا قهر.. كان ذهول الصدمة اللي بتصحّي العقل من غففلته.


مدحت.. اللي عشت معاه سنين بحلوها ومرها، اللي استحملت ظروفه في أول جوازنا وقسمت معاه اللقمة، واقف في البلكونة بتخطط يسرق ورث أبويا الراجل الطيب اللي مات وما كملش شهره، عشان يروح يتجوز بيه شيماء بنت عمه؟! شيماء اللي كانت بتدخلي بيتي وتاكل في طبقي وتتمسكن قدامي!


حطيت إيدي على بوقي أكتم صرخة كانت طالعة من نفوخي. الصوت اللي سمعته في التليفون كان يرن في ودني زي الجرس: “البصمة على التنازل.. يومين بالكتير”. الكلمة دي بالذات خلت قشعريرة باردة تسري في جسمي كله. الراجل ده مش بس طمعان، ده بيخطط لمصيبة، بيخطط يخليني أتنازل عن حقي بالضغط أو يمكن بالتزوير والإجبار.


قضيت باقي الليل صاحية، عينيا متسلطة على السقف. كل ذكرياتي معاه كانت بتعدي قدام عينيا زي الشريط، وكتكتفي كل موقف كان يبان فيه بخل وجشع وكنت أعديه وأقول بكره يتعدل، بكره ربنا يرزقه. أثاريه ما كانش منتظر غير الفرصة، وما صدق إن أبويا مات والقرشين نزلوا في حسابي.


أول ما الشمس بدأت تطلع وشعاع النور دخل من أكر الشباك، مسحت دموعي. وقفت قدام مراية التواليت، بصيت لوشي اللي باهت وعينيا المنفخة، وغسلت وشي بمية ساقعة. اتخذت قرار في اللحظة دي.. الست اللي دخلت الأوضة امبارح وهي مكسورة بتعيط، مش هي اللي هتخرج منها النهاردة. مدحت افتكرني حيطة مايلة وهيعرف يلوي دراعي، بس نسى إن الدم اللي بيجري في عروقي هو دم الراجل اللي عمله قيمة وأوى بيته.


خرجت من الأوضة الساعة تمانية الصبح. لقيته قاعد على السفرة بيلبس جزمته يستعد عشان ينزل. أول ما شافني، اترسمت على وشه نفس نظرة الاستعلاء والجشع، وقال بنبرة جافة وهو بيبصلي من فوق لتحت:


* أظن فكرتي كويس وعقلتي؟ الليلة دي تكون الفلوس جاهزة، وتتصلي بأمك ترجع الـ 150 ألف دول، أحسن لك ولها.




بلعت ريقي وبصيت له بثبات غريب، ثبات أنا نفسي ما كنتش عارفة جيباه منين. قلت له بصوت هادي ومستقر:


* حاضر يا مدحت.. اللي أنت عايزه هيكون. أنا فكرت ولقيت إن مالناش غير بعض، ومش هخسر بيتي عشان خاطر كلام فاضي.



عنيه فتحت بذهول، والشيطنة ظهرت في ابتسامة نصر اترسمت على وشه. قام وقف وربت على كتفي بتمثيل ورخص:


* أيوة كده يا بت الأصول! هو ده الكلام العقلاني.. أنا برضه جوزك وسترِك وسندِك، والفلوس دي هتعملنا قيمة وسط الناس. اسحبي المبلغ كله كاش أو تحويل لحسابي، ونقفل الصفحة دي خالص.


* هروح البنك النهاردة أظبط الأمور يا مدحت.. بس سيبني على راحتي عشان أطلع الأوراق وأظبط الحسابات.


نزلت من البيت وقلبي بيلف في قفصي الصدري زي الطير المذبوح. أول ما مشيت في الشارع، مسكت التليفون وإيدي بترتعش. اتصلت بأخويا الكبير “حسام”. حسام هو كبيرنا بعد أبويا، راجل عاقل وكلمته سيف.


* ألو.. أيوة يا حسام، أنت فين؟


* أنا في الورشة يا حبيبتي، خير؟ صوتك ماله؟ أنتِ بتعيطي؟


* حسام.. أنا محتاجاك أنت ومصطفى أخويا ضروري. تعالى لي على الكافيه اللي جنب البنك الأهلي، وما تقولش لأمي أي حاجة.


في خلال نص ساعة، كان حسام ومصطفى قاعدين قدامي. أول ما قعدوا وشافوا وشي الأصفر وعينيا الزايغة، حسام حط إيده على إيدي وقال بقلق:


* في إيه يا بسنت؟ مدحت عمل معاكي حاجة؟ الفلوس فيها مشكلة؟


ما أقدرتش أمسك نفسي، انفجرت في العياط وهزيت رأسي. حكيت لهم كل حاجة بالمليم.. من أول الخناقة والشتيمة ورزع الكراسي، لغاية ما طلب مني أرجع فلوس أمي، ووصولاً للي سمعته بعينيا وودني بالليل وهو بيكلم شيماء بنت عمه وبيخطط يسرق الاتنين مليون ويتجوزها في التجمع.


مصطفى أخويا الصغير كان هيتجنن، قام وقف والدم ضرب في وشه وشتم بأعلى صوته:


* نهار أبوه أسود! ده ابن الكلب فاكرنا ماليناش صاحب؟! أنا رايح له الشقة أطربقها على دماغه ودماغ أهله!


حسام مسكه من هدومه وقعده بالعافية وهو بيجز على سنانه وعيونه بتطلع شرار:


* اقعد يا مصطفى! الشغل العاطفي والدم الحامي ده مش هيجيب حق أختك.. البهيم ده فاكر إنه بيلعب بلؤم، وحق أختنا ويا أهلاً بالمعارك، بس بالقانون والأصول عشان نكسر عينه صح.


بص لي حسام وسألني بصرامة:


* البنك فيه كام بالظبط دلوقتي؟


* فيه المليون و850 ألف بتوعي.. الـ 150 ألف بتوع أمي هي أخدتهم خلاص وحطتهم في حسابها زي ما اتفقنا كلنا.


* حلو أوي.. أنتِ دلوقتي هتخشي البنك، تعملي حساب جديد خالص في بنك تاني، أو تنقلي الفلوس لحساب مغلق برقم سرّي ما حدش يعرفه غيرك، وتعملي حظر على أي تعاملات بالفيزا أو التوكيل.


* ومدحت؟


* مدحت ده حكاية تانية.. اللعبة اللي بيلعبها، هنردها له في صدره.


رجعنا اتفقنا على خطة محكمة. حسام طلب مني أرجع البيت وأمثل إن كل حاجة ماشية تمام، وأقول لمدحت إن البنك أخد الأوراق ومحتاج يومين عشان يفك الوديعة أو يحول المبلغ لحسابه. وفي الأيام دي، حسام ومصطفى حفروا ورا مدحت وشيماء.


اكتشفنا المصيبة الأكبر.. مدحت كان مديون لشركاء قدامى بمبالغ كبيرة، وكان داخل في حوارات ونصباية كبيرة، وعمه (أبو شيماء) كان ضاغط عليه بديونه، وقايل له “تسدد اللي عليك وتتجوز شيماء وتاخد الورشة، يا إما هحبسك بالشيكات”. يعني مدحت ما كانش بس بيخونني، ده كان بيستخدمني كبش فداء يخلص بيه رقبتة من الحبس، ويكافئ نفسه بجوازة جديدة على حساب قهرتي وفلوس أبويا!


مر يومين، وفي اليوم الموعود، رجع مدحت البيت بالليل وهو طاير من الفرحة، جايب معاه أكل جاهز وحلويات، ودخل الأوضة وعلامات النصر على وشه:


* ها يا بسنت؟ البنك كلمك؟ الفلوس نزل لحسابي خلاص؟


كنت قاعد على الكنبة في الصالة، لابسة عبايتي السمرا وباصة له ببرود تام.


* الفلوس مش هتنزل يا مدحت.


وقف مكانو والأكل وقع من إيده على الأرض، ملامحه اتحولت في ثانية من الفرحة للشراسة:


* أنتِ بتقولي إيه يا روح أمك؟! يعني إيه مش هتنزل؟ أنتِ بتستعبطي؟


قمت وقفت بثبات، وبصيت في عينيه مباشرة ورحت قايلة له بالراحة وبكل وضوح:


* الفلوس اتنقلت لحساب تاني خالص، وما فيش مليم واحد هتشم ريحته.. ولا أنت، ولا شيماء بنت عمك اللي رايح توعدها بتجمع وسفر بفلوس أبويا الله يرحمه!


الكلمة نزل علي وشه زي الصاعقة. خطوتين للخلف ووشه اتمسح منه الدم، وبص لي بذهول ورعب:


* أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ جننتِ؟ شيماء مين؟


* شيماء اللي كنت بتكلمها الساعة اتنين بالليل في البلكونة يا مدحت! شيماء اللي بتقولها البصمة على التنازل يومين وتكون في حسابي! فاكرني غبية؟ فاكرني عشان ساكتة وببكي على أبويا هتبقى أهبل وتضحك عليا وتسرقني وترميني؟


مدحت لعثم في الكلام، وشفايفه بقت ترتعش، بس الجشع والرعب من ضياع الملايين خلاه يفقد عقله. جرى عليا وهجم عليا، مسكني من شواربي وزقني في الحيطة وهو بيصرخ بصوت زئير:


* الفلوس دي هتطلع يعني هتطلع! أنتِ هتمضي على التنازل وغصباً عن عين أهلك، يا إما مش هتبرحي الأوضة دي حية النهاردة!


في اللحظة دي بالظبط.. الباب اتركع برجة هزت البيت كله!



الورث 2 حكايات رومانى مكرم


الباب اتخلع من مكانه بصوت يزلزل العمارة، ودخل منه حسام ومصطفى ومعاهم اثنين من قرايبنا الشبان. أول ما مصطفى شاف إيد مدحت المرفوعة عليا وماسكني من زوري، ما استنوش كلمة. مصطفى عليه زي الأسد ، ومسكه من قميصه ورزعه في الأرض ضربة خلت الطقطوقة القزاز تتكسر تحت منه ميت حتة.


 



مدحت صرخ من الوجع وهو بيتمرغ في القزاز، وكان يحاول يقوم، بس حسام حط جزمته على صدره وحبسه في الأرض، وبص له بعيون بتطلع شرار ونبرة صوت أبرد من التلج:


* بقى أنت فاكر إن مالهاش رجالة يا هافأ؟ فاكر إن عشان أبويا مات وهدوم العزا لسه ما جفتش، هتعرف تمد إيدك على أختنا وتسرق حلالها؟


مدحت كان بياخد نفسه بصعوبة تحت جزمة حسام، ووشه جاب ألوان، والدم بدأ ينزل من دراعه من القزاز المكسور. حاول يتكلم ويصنع شجاعة كدابة وهو بيصرخ:


* أنت.. أنت وهو دخلتم بيتي إزاي؟! دي هجمة جحوش! أنا هطلب لكم البوليس وأعمل لكم محضر اقتحام وشروع في قتل!


مصطفى ضحك بصوت عالي مليان سخرية، وطلع تليفونه من جيبه وفتح تسجيل صوتي. الصوت اللي خرج من التليفون خلى جسم مدحت يتيبس مكانو.. كان صوت مدحت نفسه وهو بيكلم شيماء بنت عمه وبيقولها: “اليومين دول هضغط عليها وهاخد البصمة أو التنازل بالذوق أو بالعافية.. والاتنين مليون في الجيب”.


مصطفى وطي عليه وقرب التليفون من ودنه وقال له:


* طلب البوليس يا حلو؟ اطلبهم عشان نسلمهم تسجيل التهديد بالشروع في القتل والتزوير والإكراه، ده غير بقى حوار الشيكات اللي عليك لأبو شيماء اللي محضرهم عشان يحبسك بيهم! إحنا عارفين عنك الكبيرة والصغيرة يا ابن عمي!


مدحت وشه اتمسح منه الدم تماماً، والغرور والجشع اللي كانوا مالين عينيه اتحولوا لرعب حقيقي. أدرك في اللحظة دي إن اللعبة انتهت، وإن غزل الأوهام اللي بني به أحلامه طار في الهواء. بص لي بصة ترجي واستعطاف وهو ماسك إيد حسام:


* بسنت.. قوليلهم يسبوني يا بسنت! أنتِ مراتي وحبيبتي، الشيطان دخل بينا.. أنا كنت بقول كده عشان أضايقك بس، والله العظيم ما كنت هعمل حاجة! أنتِ تصدقي إني أبيعك عشان شيماء؟


قربت منه بخطوات ثابتة، وبصيت له من فوق لتحت بقرف واشمئزاز عمرى ما حسيت بيه قبل كده. كنت شايفاه صغير أوي، قزم مجرد من أي نخوة أو رجولة.


* الشيطان ما دخلش بينا يا مدحت.. أنت الشيطان نفسه. أنت اللي استكترت على أمي 150 ألف جنيه من ورث أبويا عشان تؤمن عيشتها، وأنت اللي كنت عايز تاخد عرق أبويا وفلوسه عشان تروح تستر بيهم نفسك وتتجوز بيهم غيري. الحب بتاعك كان تمثيلية، والجوازة دي كانت أكبر غلطة في حياتي، والنهاردة الشابورة دي هتتمسح.


حسام رفع رجله من على صدره وزقه برجله وهو بيقومه:


* اخلص يا روح أمك.. شنطة هدومك اهي مصطفى جهزهالك، ورقتين أختك يوصلوا بكرة الصبح لمأذون المنطقة، ومعاهم مؤخرها وحقوقها بالمليم. لو فكرت بس توهوت أو تعمل حوار، التسجيل ده مع المحامي وهيتقدم للنيابة بتهمة ابتزاز وإكراه على التنازل.. ده غير إن إخواتك وأهلك كلهم هيعرفوا فضيحتك في البلد.


مدحت قام وهو بيلف حوالين نفسه زي الفراخ المذبوحة، بص للشنطة اللي حسام رماها قدامه، وبعدين بص لي بقلة حيلة. ما لقاش في عيني نقطة ضعف واحدة يمسك منها. مسك شنطته وإيده بترتعش، وخرج من باب الشقة وهو بيطأطئ رأسه في الأرض، ومصطفى ومحمد قرايبنا نزلوا وراه لحد ما أتأكدوا إنه ركب عربية مشي بيها وما بقاش له وجود في الشارع.


أول ما الباب اتقفل، قعدت على أقرب كرسي. صدري كان بيطلع وينزل، بس المرة دي ما كانتش دموع قهر.. كانت دموع راحة. حسام قرب مني ومسك إيدي وباس رأسي:


* حقك رجع يا بسنت، وفلوس أبوكِ في أمان، وما فيش مخلوق على وش الأرض يقدر يمس شعرة منك طول ما إحنا عايشين.


الشهور المتبقية مرت بسرعة بعد الطلاق الرسمي. مدحت حاول يبعت ناس ويتوسط عشان أرجع له لما اكتشف إن أمه وعمه اتخلوا عنه بعد ما عرفوا فضيحته، وإن الشيكات بدأت تلاحقه، بس الباب كان مقفول بالضبة والمفتاح.


أنا وإخواتي كبرنا مشروع صغير باسم أبويا الله يرحمه، والـ 150 ألف جنيه اللي أديناهم لأمي كانوا سبب في إنها تعيش ملكة في بيتها، مرفوعة الرأس، مش محتاجة لحاجة ولا لحد. عرفت إن الفلوس مش بس بتكشف مناادن الناس، دي كمان غربال بينزل منه المزيفين وبيبقى بس اللي أصلهم طيب.


في يوم، كنت قاعدة مع أمي وإخواتي بنشرب الشاي في البلكونة، والتليفون رن برقم غريب مش متسجل عندي. ردت بصوت هادي:


* ألو؟


جالي صوت من الناحية التانية كان يرعش ومتلخبط.. صوت شيماء بنت عمه!


* الحقيني يا بسنت.. مدحت عايز يعمل فيا مصيبة!


صمتُّ للحظات، والكلمات وقفت في حلقي كأنها خناجر. شيماء؟ هي التي كانت بالأمس شريكة في خيالاته عن “التجمع” وعن استباحة مالي؟ صوتها كان يتهدج بالبكاء، نبرة خالية تماماً من الكبرياء الذي كانت تظهره حين كانت تزورني في بيتي.


* شيماء؟ أنتِ بتهزري؟ أنتِ لسه فاكرة إنك ممكن تمثلي عليا؟


* والله يا بسنت ما بتمثل.. مدحت مش طبيعي! دمرني ودمّر حياة أهلي، والدي طرده من الورشة بعد ما عرف الحقيقة، وهو دلوقتي زي الكلب المسعور، بيهددني ويهدد أبويا، وبيقول إنه عارف كل تحركاتكم، وعارف إنك لسه محتفظة بفلوسك، وإنه لو ما أخدهاش هيحرق الدنيا بمن فيها.. أرجوكِ، أنا مش عايزة منه حاجة، أنا بس عايزة أعيش في حالي!


أغلقت الخط دون أن أعدها بشيء، ونظرت حولي في الصالة حيث يجلس حسام ومصطفى يراجعان أوراقاً لمشروعنا الجديد. وضعت الهاتف على الطاولة بيدي التي كانت ترتجف برغم محاولتي إخفاء ذلك.


* في إيه يا بسنت؟ مين اللي كان بيكلمك؟


حكيت لهم ما قالته شيماء. ساد الصمت في الغرفة، وتبادل حسام ومصطفى نظرات حادة. قام حسام من مكانه، ومشى في الصالة بخطوات واسعة وعصبية:


* دي ممكن تكون فخ يا بسنت. شيماء ومدحت كانوا وجهين لعملة واحدة، وممكن يكونوا بيمثلوا مسرحية جديدة عشان يوصلوا لأي تلميح عن مكان فلوسك أو تحركاتك.


* بس يا حسام.. صوتها كان بجد مكسور.


* المكسور ممكن يتصلح ويأذي، يا بسنت. اسمعيني، إحنا مش هنروح لها، بس هنخلي المحامي يكلمها. لو عندها معلومة حقيقية، تقولها للمحامي.


مرت ثلاثة أيام كنت فيها أعيش في حالة من الترقب والحذر. لم يعد بيتنا القديم آمناً في نظري، فكنا قد انتقلنا جميعاً إلى شقة جديدة في منطقة أكثر أمناً، واحتطنا بكافة الإجراءات القانونية. لكن في ليلة ممطرة، وبينما كنت أقف في شرفة الشقة الجديدة، لمحت ظلاً يقف بعيداً تحت ضوء عمود إنارة في الشارع المقابل. لم يكن واضحاً، لكن وقفته كانت مألوفة لي.. وقفة مدحت.


انقبض قلبي، وجريت إلى داخل الشقة، أيقظت حسام الذي كان نائماً. نزل حسام ومصطفى بسرعة إلى الشارع، لكنهم لم يجدوا أحداً، فقط أعقاب سجائر مرمية في نفس المكان. مدحت لا يزال يراقبنا.. هذا لم يكن مجرد تهديد، كان ترصداً.


في صباح اليوم التالي، وصلتني رسالة على هاتفي من رقم مجهول: “أنا عارف إنكِ شوفتيني امبارح. الاتنين مليون اللي كنتِ فاكرة إنكِ حميتيهم هيطلعوا من جيبك غصباً عنك، أنا دلوقتي ماليش حاجة أخسرها، والناس اللي ليا عندهم فلوس مش هيسيبوني غير لما أصفيهم، وأنتِ وأهلك هتدفعوا تمن اللي عملتوه معايا”.


لم أعد قادرة على التحمل، اتصلت بشيماء بنفسي. كان لا بد من مواجهتها، فإذا كان هو يحاول تدميرنا، فسنلعب نحن أيضاً بأوراقه. اتفقنا على اللقاء في مكان عام، وسط زحام لا يمكنه فيه أن يؤذينا. ذهبت مع مصطفى الذي جلس على طاولة قريبة يراقب المكان بعين الصقر.


رأيت شيماء تدخل الكافيه، كانت امرأة أخرى تماماً. وجهها شاحب، عيناها غائرتان، وترتدي ملابس رثة لا تشبه أناقتها المعهودة. جلست أمامي، ووضعت يدها على الطاولة، كانت ترتجف بشدة.


* مدحت مابقاش بني آدم يا بسنت.. هو بقى مدمن، بيقضي وقته في أماكن مشبوهة، وبيتعامل مع ناس تجار مخدرات وسلاح. عرفت منه في لحظة ضعف، إنه باع كل حاجة وراها عشان يسدد ديونه، ولما ما بقاش فيه فلوس، بدأ يخطط لشيء أكبر.. هو مش عايز يسرقك بس، هو عايز ينتقم.


* ينتقم لإيه؟ ده هو اللي سرق عمري وثقتي!


* هو مريض نفسي، بيشوف نفسه ضحية، وبيشوفك أنتِ السبب في كل فشله. هو دلوقتي بيخطط لعملية خطف.. أيوه، خطف. سمعته بيكلم حد، بيقوله “الورثة الجدد” بيتحركوا في أماكن محددة، وإنكِ “الهدف” اللي هيجيب له الملايين اللي محتاجها عشان يهرب بره البلد.


شعرت بالدم يتجمد في عروقي. الخطف؟ لم أكن أتخيل أن يصل به الأمر إلى هذا الحد. لقد تحول من رجل طماع يغلف جشعه بالحب، إلى مجرم يخطط لارتكاب جناية.


* شيماء، إحنا لازم نبلغ البوليس.


* البوليس؟ هو عارف تحركاتهم، هو مراقب كل مكان، ومستني اللحظة اللي يغلطوا فيها. هو مش بس خطر عليكِ، هو خطر على الكل. هو بيفكر إنه لو اختطفك، هيجبر أخواتك يبيعوا كل اللي يملكونه عشان يحرروكِ، وبعدها هيختفي.. للأبد.


فجأة، انقطع حديثنا بصوت زجاج يتحطم في الخارج. قمنا جميعاً مذعورين، كان هناك سيارة سوداء توقفت أمام الكافيه، ونزل منها ثلاثة رجال ضخام الجثة، وجوههم ملثمة، يتجهون مباشرة نحو باب الكافيه.


نظرت شيماء لي برعب:


* هما دول.. دول اللي شغال معاهم!


لم ننتظر لحظة. سحبتني شيماء من يدي وتوجهنا نحو المخرج الخلفي للمطعم، بينما نهض مصطفى من طاولته شاهراً سلاحه الشخصي الذي يحمله بترخيص، وبدأ بالاشتباك مع الرجل الأول الذي دخل. كانت الفوضى تعم المكان، صراخ الناس، كراسي تتطاير، وصوت مصطفى وهو ينادي: “بسنت! اهربي!”.


جرينا في الأزقة الضيقة، قلبي يكاد يخرج من صدري، وأنفاسي متلاحقة. لم أكن أعرف إلى أين أذهب، شيماء كانت تقودني في شوارع لا أعرفها.


* لازم نستخبى في مكان ما يتوقعوش!


* فين يا شيماء؟ البيت مابقاش آمن!


* أعرف مخزن قديم لأبويا.. ما حدش يعرفه غيري، مدحت حتى ما يعرفش مكانه.


دخلنا المخزن، كان مليئاً بالأتربة والظلام، ورائحة الرطوبة تملأ المكان. أغلقنا الباب الحديدي الثقيل، وجلسنا على الأرض، نلهث. لم أكن أصدق أنني، بسنت التي كانت تعيش حياة هادئة، أصبحت الآن مطاردة في ليلة مظلمة بسبب رجل أحببته يوماً.



قالت شيماء وهي تمسح دموعها:


* أنا آسفة يا بسنت.. أنا كنت جزء من الغباء ده.



* مش وقته يا شيماء.. إحنا لازم نعرف إيه اللي بيحصل بره.


أخرجت هاتفها، لكنه كان مغلقاً. نظرت إلي بأسى:


* البطارية خلصت.


سمعت صوتاً في الخارج.. وقع أقدام ثقيلة، وصوت ضحكة خبيثة مألوفة جداً.. ضحكة مدحت.


* عارف إنكم هنا.. ريحة الخوف بتطلع من الحيطان يا بسنت! اطلعي بالذوق، أحسن ما أحرق المخزن باللي فيه!


تجمدت في مكاني. الرعب لم يعد شعوراً، بل أصبح واقعاً نعيشه. نظرت إلى شيماء، ثم إلى الباب الحديدي الذي بدأ يهتز بقوة تحت ضربات أقدامهم. لم يعد هناك مهرب، ولم يعد هناك خيار سوى المواجهة الأخيرة.


رجفت الشباك القديمة للمخزن مع ضربة رجل مدحت، التراب بدأ ينزل من السقف زي المطر، ورائحة الصدأ والرطوبة اختلطت بصرخات الخوف اللي كانت محبوسة في حلقي. شيماء رجعت لورا خطوتين، ضهرها لزق في حيطة الطوب الأحمر وهي بتحط إيديها على بوقها عشان تكتم شهقاتها.


صوت مدحت بره كان متغير، ما بقاش فيه نبرة الخوف ولا التمثيل اللي كان بيمثله في بيتنا.. الصوت المرادي كان فيه هوس مجنون، صوت واحد خلاص حس إنه غرقان وما بقاش باقي على حاجة:


* هاه يا بسنت؟ أظن السكوت ده معناه إنكِ جوة وبتموتي في جلدك من الخوف! فاكرة لما طلعتيني من بيتك مكسور ومفضوح؟ فاكرة لما إخواتك وقفوني في الأرض زي الحرامية؟ الملايين اللي كنتِ فاكرة إنكِ حميتيهم من جيب جوزك، هتطلع دلوقتي بالدم يا بسنت!


صوت ضربة تانية هزت الباب الحديد، وأنا كنت واقفة في نص المخزن، جسمي كله بيرتعش، بس عقلي كان بيلف في ساقية. بصيت حواليا في الظلام الدامس اللي مش منور منه غير خيط ضوء خفيف جاي من فتحة التهوية العالية. المكان كان مليان صناديق خشب قديمة، وبراميل صفيح فاضية، وشوية سلاسل وحديد مصدي من أكل الزمان.


شيماء قربت مني ووشها زي الجثة، همست وصوتها بيرتعش:


* بسنت.. الباب ده مش هيستحمل أكتر من ضربتين كمان.. الناس اللي بره دول ما عندهمش رحمة، دول أوباش ومدحت بايع قضية!


مسكت إيدها بقوة، وبصيت في عينيها بثبات اتخلق من رحم الرعب:


* مش هيمسوا مني شعرة يا شيماء.. مدحت فاكرني نفس الست اللي كانت بتسكت ودموعها على خدها، بس هو نسى إني بنت الراجل اللي كان بيهز الأرض برجليه. انزلي تحت الصناديق دي وما تفتحيش بوقك مهما حصل.


* وأنتِ؟


* أنا هقف له!


الباب اتخلع بفرقعة شديدة ونزل على الأرض برجة طيرت dust كثيف غطى المكان. دخل منه مدحت.. وش شكل تاني خالص. عينيه حمرا زي الدم، وشه شاحب وذقنه خفيفة، ولابس جاكيت جينز مقطوع، وفي إيده يمين مطواة قرن غزال بتلمع تحت الشباك، وجنبه اثنين من البلطجية اللي كانوا معاه في الكافيه، أجسامهم زي الحيطان وفي إيد كل واحد فيهم شومة حديد.


أول ما الرغوة والتراب قلوا، عين مدحت وقعت عليا. وقف في نص الباب، وابتسامة المريض النفسي اترسمت على شفايفه وهو بيمسح العرق من على وشه بضهر إيده:


* يا أهلاً.. العروسة مستنيانا جوة أهو! كتر خيرك يا بسنت، وفرتِ عليا التدوير والجرية في الشوارع.


قفت قدامه بثبات، خطوة واحدة ما رجعتهاش لورا، حطيت إيديا في جيوب عبايتي، وبصيت له ببرود ينقط سم:


* أهلاً يا مدحت.. شايفاك نزلت للحضيض أسرع مما كنت متوقع. بقى مدحت اللي كان عايز يفتح كافيه في التجمع ويقف يعمل معلم، بيمشي مع بلطجية وبيدور في مخازن مهجورة كأنه كلب شوارع؟


وشه أحمر وعينيه طلعت شرار، خطى خطوتين للقدام وهو بيرفع المطواة في وشي وبيصرخ بصوت طالع من زوره:


* اقفلي بوقك يا زبالة! أنتِ اللي عملتي فيا كده! أنتِ وإخواتك اللي حرمتوني من حقي ودمرتوا مستقبلي! لو كنتِ اديتيني الاتنين مليون بالذوق، كنا زماننا عايشين ملكين، بس أنتِ اخترتِ طريق الضرب والإهانة!


* حقك؟ هو أبويا كان خلفك ونسيك يا مدحت؟ الفلوس دي مال أبويا وعرق شقاه، مش عشان واحد صايع ونصاب يروح يستر بيهم ديونه ويسدد شيكاته!


البلطجي اللي واقف جنبه هز الشومة في إيده وقال بصوت خشن:


* اخلص يا مدحت! هتفضل تتكلم مع الحرمة لحد ما إخواتها يجوا؟ هات الفلوس والتوقيع واخلصنا، البوليس مش بعيد!


مدحت بص لي بغل وقرب أكتر، بمسافة شبرين بس بيني وبينه:


* المحامي ظبط التنازل والتحويل.. هتسحبي التليفون اللي في جيبك، وهتفتحي تطبيق البنك، وهتحولي المليون و850 ألف على الحساب ده.. والورقة دي هتتفضى عليها بصمتك بالدم قبل القلم!


* ولو قلت لأ يا مدحت؟


ضحك بصوت عالي، ضحكة خلت القشعريرة تسري في جسمي:


* لو قلتِ لأ.. مش ه تطلعي من هنا حيّة. وإخواتك هيستلموا جثتك من غير ما يعرفوا الفلوس راحت فين، وأنا هعرف أجيب باقي الفلوس من أمك العجوزة بالطريقة اللي تعجبني!


في اللحظة دي بالظبط، سمعنا صوت صفيح بيقع في ضهر المخزن! مدحت التفت بسرعة، والبلطجية رفعوا الشوم. شيماء من كتر الخوف اتقلمت حركتها وهزت الصناديق الخشب.


مدحت بص للصناديق وعينيه اتسعت:


* مين اللي جوة ده؟


وقبل ما يتحرك، أنا استغليت لحظة تشتيته. مسكت عصاية حديد صديدة كانت ملقية جنبي على برميل، ورزعتها بكل قوتي في ركبة مدحت!


صرخة مكتومة هزت المخزن لما مدحت وقع على ركبتيه، والمطواة طارت من إيده على الأرض. البلطجي الأول هجم عليا بالشومة، بس أنا تفاديتها وجريت ناحية الباب، وأنا بصرخ بأعلى صوتي:


* يا حسااااام! يا مصطفىىىى!


وفي نفس اللحظة اللي البلطجي كان هيمسكني فيها من زوري.. ظهرت أنوار كشافات عربيات قوية جداً دخلت من باب المخزن المكسور، وعمت عينين الكل!


صوت سرينات البوليس ضربت في الشارع المهجور بكثافة خلت الحيطان تهتز! ودخلت ثلاث عربيات شرطة ومعاهم عربية حسام ومصطفى اللي نزلوا يجرو زي الضباع!


حسام دخل الأول ومعه حجر رزع بيه البلطجي الأول في وشه وقعه أرضاً، ومصطفى هجم على البلطجي التاني وتفادى الضرب، وثبته في الحيطة وهو بيزق فيه بكل غله. الضباط والعساكر دخلوا في ثواني، السلاح كان متوجه على الكل:


* أثبت مكانك منك له! البوليس!


مدحت كان على الأرض بيمسك ركبته وبيزحف لورا كأنه صرصار مدهوس، عينيه كانت بتدور على أي مخرج بس العساكر حاصروه ورزقوا الحديد في إيديه وهو بيصرخ:


* يا باشا أنا المجني عليه! دول هجموا عليا! دي مراتي وكانت بتسرقني!


الضابط قرب منه وبص له بقرف، وطبطب على ظهر حسام:


* التليفون كان مفتوح خط مباشر معانا يا روح أمك.. التسجيل كله من أول ما هددتها بالقتل والبصمة بالدم لحد ما اتكلمت عن أمها تسجل بالكامل على أجهزة النيابة!


قرب حسام مني ومسكني من كتفي وهو بيلهث، عينيه كانت مليانة دموع رعب وخوف عليا:


* أنتِ كويسة يا بسنت؟ عمل فيكِ حاجة ابن الكلب ده؟


هزيت رأسي وأنا بدمع، بس المرادي كانت دموع الفرج:


* أنا كويسة يا حسام.. كويسة قوي.


شيماء خرجت من تحت الصناديق وهي بتعيط وبتصرخ، العساكر مسكوها بس أنا قربت من الضابط وقلت له:


* دي البنت اللي بلغت وهي اللي ساعدتني أوصل هنا يا فندم.. مالهاش ذنب في ترتيبات مدحت.


الضابط بص لشيماء وبعدين لمدحت اللي كان بيتسحب على الأسفلت والعساكر بياخدوه، وشه كان أسود ومضروب، والكلبشات بتاكل في إيديه. بص لي مدحت المرادي بقلة حيلة ونكسة عمره ما شافها، وقال بصوت مكتوم ومشروخ:


* بسنت.. سامحيني.. أرجوكِ قولي لهم يرحموني!


بصيت له بمنتهى الجمود والأنفة، وقلت له كلمتين بس قبل ما العسكري يزقه جوة البوكس:


* الحق ما بيموتش يا مدحت.. والرشوة والطمع أخرتهم السجن والدنس.


بعد ما المكان هدي والبوليس أخد مدحت والعصابة بتاعته، قعدنا أنا وإخواتي وشيماء في عربية حسام. كانت الساعة قربت على أربعة الفجر، والمطر بدأ ينزل بالراحة يغسل أسفلت الشارع.


حسام التفت ليا من الكرسي القدامي وقال بصوت هادي:


* المحضر اتعمل بالشروع في القتل والإكراه والابتزاز والتزوير.. مدحت مش هيشوف الشمس أقل من عشر سنين يا بسنت. وقضيته مع أبو شيماء والشيكات هتتفتح بكرة، يعني خسر كل حاجة.. الفلوس، والحرية، والاسم.


تنهدت تنهيدة طويلة خرجت من أعماق صدري، حسيت إن جبل كان جاثم على قلبي واتشال. مسكت التليفون وطلبت رقم أمي..


أول ما ردت بصوتها القلقان الدافي:


* بسنت؟ يا حبيبتي أنتِ فين؟ قلقنتوني عليكم من امبارح!


دمعة ناعمة نزلت على خدي، بس المرادي كانت ابتسامة أمل مالية وشي:


* أنا جاية في الطريق يا أمي.. حق أبويا رجع، ورأسك هتفضل مرفوعة طول العمر.


رجعت البيت، والبيت كانت ريحته لسه بخور وسدر.. بس المرة دي ما كانش بخور عزا.. كان بخور النصر والبداية الجديدة. بس الفرحة دي ما كملتش، لأن بعد أسبوع واحد بس من حبس مدحت.. جالي جواب مسجل بعلم الوصول على عنوان الشقة الجديدة.. جواب من المحكمة بطلب غريب جداً هز كياني من جديد!


“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


تعليقات

التنقل السريع
    close