القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

جوزي دخل عليا العيادة ماسك إيد خطيبته كاملة

 جوزي دخل عليا العيادة ماسك إيد خطيبته



جوزي دخل عليا العيادة ماسك إيد خطيبته

حكايات اسما السيد كامله 


جوزي دخل عليا العيادة ماسك إيد خطيبته السابقة وهي حامل، وبيصرخ قدام الكل: “اكشفي عليها يا دكتورة… لو حصل للبيبي حاجة أنا عمري ما هسامح نفسي.”


وبعدها بدقيقة، لما بصيتله بصدمة، رد بكل برود:


“ما تكبريش الموضوع… وخليه ما يدخلش في حياتنا الشخصية.”


أنا ما اتكلمتش.


فتحت جواب النقل…


مضيت عليه…


وبدأت أجهز أوراق الطلاق.


لكن قبل ما أمشي…


فلاشة صغيرة كشفتلي إن الست الحامل مش هي اللي بتقول إنها عليها…


وإن جوزي كان عارف جزء من الحقيقة من البداية.


الساعة كانت عشرة وربع الصبح.


كنت قاعدة في عيادة النساء والتوليد براجع ملفات المرضى.


وفجأة…


باب العيادة اتفتح.


دخل كريم…


جوزي.


ولابس بدلة الطيران.


والكرافتة الكحلي اللي كنت جايباهاله هدية في عيد جوازنا التالت.


لكن اللي وجعني…


ماكانش دخوله.


كان البنت اللي داخلة معاه…


وماسك إيدها.


ندى.


حبيبته السابقة.


البنت اللي سابته من أربع سنين واتجوزت واحد غيره.


وقفت قدامي وهي حاطة إيدها على بطنها.


واضح إنها حامل.


بصيت على الكمبيوتر.


ندى سامح… 32 سنة… حامل في الأسبوع الحادي عشر… حجز عاجل.


فتحت بيانات الدفع…


واتجمدت.


قيمة الكشف…


12 ألف جنيه.


ومتخصمين من حسابي أنا وكريم.


رفعت عيني وبصيتله.


— إنت اللي حجزتلها المعاد؟


تنهد وقال:


— ندى تعبانة… وكان عندها نزيف.


ومالهاش حد يقف جنبها.


لو سمحتي…


بلاش تعملي مشكلة قدام المريضة.


بصيتله بمنتهى البرود.


— جوه العيادة دي…


أنا مش مراتك.


أنا الدكتورة مريم.


ندى ابتسمت ابتسامة مستفزة.


افتكرت يوم ما سابت كريم.


كان وقتها لسه خارج من حادثة عربية كبيرة.


أنا اللي كنت معاه في المستشفى.


أنا اللي كنت بساعده يمشي تاني.


أنا اللي كنت بصحى بالليل على كوابيسه.


وفضلت جنبه لحد ما رجع طبيعي.


ولما اتقدملي…


افتكرت إنه اختار الست اللي وقفت معاه وقت الشدة.


لكن واضح…


إني كنت غلطانة.


بدأت أعمل السونار.


وكريم بنفسه عدل المخدة تحت راس ندى.


ومسك إيدها وقال:


— ماتخافيش…


أنا معاكي.


الكلمة دي…


قتلتني.


لأن من سنتين…


أنا فقدت حملي.


حمل خارج الرحم.


دخلت عمليات.


ولما فوقت…


لقيت الكرسي اللي جنبي فاضي.


وقتها قالي إنه ماقدرش يسيب شغله.


لكن النهارده…


عرفت إنه يقدر يسيب أي حاجة…


إلا الست اللي هو عايز يقف جنبها.


خلصت السونار.


الحمل كان طبيعي.


طبعت التقرير.


وكتبتلها تحويل لدكتورة تانية.


ندى بصتلي وقالت:


— هو ماينفعش إنتي اللي تتابعي حملي كله؟


كريم هيبقى مطمن أكتر.


قلت بمنتهى الحسم:


— لأ.


كريم خبط الورق على المكتب.


وقال بعصبية:


— كان ممكن تبقي أرحم من كده.


ندى قامت تمشي…


لكن قبل ما تخرج…


لفتت ناحيتي وقالت بابتسامة مصطنعة:


— على فكرة يا مريم…


أنا هرجع لكريم الـ 450 ألف جنيه اللي سلفهالي الأسبوع اللي فات.


الدنيا وقفت.


أربعمية وخمسين ألف.


نفس المبلغ…


اللي كنا محوشينه علشان نبدأ رحلة الحقن المجهري.



وش كريم قلب أبيض.


وقال بسرعة:


— ندى… اسكتي.


لكن بعد فوات الأوان.


أنا لا عيطت…


ولا صرخت.


فتحت الدرج.


طلعت جواب كنت مستنياه من الصبح.


بعثة تخصص لمدة سنتين في القاهرة.


كنت ناوية أرفضها…


علشان ما أبعدش عن جوزي.


مسكت القلم.


ومضيت بالموافقة.


بعدها مباشرة…


قفلت كل الكروت البنكية الإضافية اللي معاه.


وكلمت المحامية سارة.


وقلت لها:


— ابدئي إجراءات الطلاق.


وأنا واقفة عند الشباك…


شفت كريم خارج من العيادة.


وبيحاوط بطن ندى بإيده…


كأنها مراته.


في اللحظة دي…


وصلتلي رسالة من رقم غريب.


“ما تصدقيش موضوع الحمل… ندى مش بتخدع جوزك بس.”


قلبي اتقبض.


لأول مرة…


ماكنتش غيرانة.


كنت خايفة.


لأن كل حاجة كانت مترتبة…


ميعاد الكشف…


الفلوس…


النزيف…


وحتى الطريقة اللي خلتني أعرف الحقيقة.


رفعت عيني…


فلقيت كريم شاف جواب النقل اللي في إيدي.


وفجأة…


جري ناحيتي…


وعينيه مليانة رعب…


رعب عمري ما شفته فيه قبل كده.


وساعتها… بدأت الحكاية الحقيقية…”الحكاية لم تنتهِ بعد…”


📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.


✍️ الكاتبة أسما السيد


@أبرز المعجبين


الفصل الثاني


كريم كان بيجري ناحية باب العيادة بسرعة لدرجة إن الممرضات بصوا عليه باستغراب.


وقف قدامي وهو بيحاول يلتقط نفسه.


بص على الورقة اللي في إيدي.


وبعدين رفع عينيه ليا.


— إنتِ وافقتي؟


طيّت الورقة بهدوء وحطيتها جوه الملف.


— أيوه.


هز راسه بعصبية.


— إنتِ بتهزري صح؟


— لأ.


— يعني هتسافري؟


— دي بعثة شغل… مش رحلة.


قرب خطوة.


— وإحنا؟


ابتسمت ابتسامة باردة.


— هو لسه فيه إحنا؟


سكت.


لأول مرة من وقت ما دخل العيادة…


ما لقى كلام يقوله.


لكن بعد ثواني…


اتعدل في وقفته.


وقال بنبرة حاول يخليها هادية:


— مريم… اللي شوفتيه ليه تفسير.


— وأنا مش عايزة أعرفه.


— لازم تسمعيني.


— زي ما سمعتني وأنا في العمليات لما فقدت ابني؟


اتجمد مكانه.


الكلمة خبطته.


لكنه رجع قال بسرعة:


— الموضوع مختلف.


— فعلًا.


لفيت علشان أمشي.


مسك دراعي.


بصيت لإيده.


من غير ما أتكلم.


سابها فورًا.


لأنه فهم من نظرتي إن لمسته بقت تقيلة عليا.


خرجت من العيادة من غير ما أبص ورايا.



في العربية…


فضلت الرسالة المجهولة قدامي.


“ما تصدقيش موضوع الحمل… ندى مش بتخدع جوزك بس.”


كتبت لصاحب الرقم.


“إنت مين؟”


فضلت الشاشة ساكتة.


دقيقة…


اتنين…


خمسة.


وبعدين وصل رد.


“لو عايزة تعرفي الحقيقة… بصي على الفلاشة اللي في الدرج التالت بمكتب جوزك.”


قلبي دق بسرعة.


كتبت تاني.


“إنت مين؟”


لكن الرسائل بقت عليها علامة إرسال واحدة.


الرقم اختفى.



وصلت البيت.


كان هادي بشكل غريب.


دخلت أوضة المكتب.


مكان كان كريم دايمًا يقفل بابه ويقول:


“شغل.”


وقفت قدام المكتب.


فتحت الدرج الأول.


ورق.


الثاني.


ملفات.


الثالث…


كان مقفول بمفتاح صغير.


ابتسمت بسخرية.


بعد سبع سنين جواز…


لسه فيه أدراج مقفولة.


افتكرت سلسلة المفاتيح الاحتياطية.


كانت لسه مكانها في المطبخ.



رجعت.


جربت أول مفتاح.


ما فتحش.


التاني…


برضه.


أما التالت…


صدر صوت خفيف.


والدرج اتفتح.


كان فيه ظرف أبيض.


وساعة قديمة.


وفلاشة سوداء صغيرة جدًا.


من غير أي علامة.


مسكتها.


وفي اللحظة دي…


سمعت باب الشقة بيتفتح.


كريم رجع.


قفلت الدرج بسرعة.


وحطيت الفلاشة في جيب البالطو.


دخل المكتب وهو بيبصلي باستغراب.


— بتعملي إيه هنا؟


بصيتله بثبات.


— بدور على أوراقي.


اتوتر للحظة.


لكن حاول يبين طبيعي.


— لقيتيها؟


— أيوه.


خرجت من المكتب.


ولاحظت إنه جري يفتح الدرج أول ما خرجت.


فضلت ماشية كأني ماخدتش بالي.


لكن قلبي اتأكد…


إن الفلاشة دي أهم من أي حاجة في البيت.



بالليل…


بعد ما نام.


قعدت في الصالة.


فتحت اللابتوب.


وصلت الفلاشة.


ثواني…


وظهرت ملفات كتير.


صور.


مقاطع فيديو.


ومجلد واحد اسمه:


“في حالة حدوث أي شيء.”


حسيت بقشعريرة.


فتحت المجلد.


أول ملف كان تسجيل كاميرا مراقبة.


التاريخ…


من أسبوعين.


المكان…


جراج مستشفى خاصة.


ظهر كريم.


واقف مستني حد.


بعد دقيقة…


وقفت عربية سودا.


ونزل منها راجل في الخمسينات.


بدلة غالية.


وشكله معروف.


فتح باب العربية الخلفي.


ونزلت ندى.


كانت مش حامل.


بطنها كانت مسطحة تمامًا.


وقفت قدام الراجل.


وسمعته بيقول:


— لازم خلال أسبوعين كل الناس تصدق إن الحمل ده حقيقي.


ندى ردت بثقة.


— متقلقش… الدكتور نفسه هيصدق.


الراجل ضحك.


— وأنا مش فارق معايا الدكتور… أنا فارق معايا كريم.


الفيديو وقف.


اتنفست بصعوبة.


فتحت الملف التاني.


كان تسجيل صوتي.


صوت ندى واضح.


— هو لسه فاكر إن الطفل ممكن يكون ابنه؟


وجالها رد من نفس الراجل.


— أهم حاجة يفضل فاكر كده لحد ما ننهي اللي إحنا عايزينه.


ندى ضحكت.


ضحكة باردة.


— ولو مراته كشفتنا؟


الراجل رد من غير تردد.


— مراته آخر واحدة هتعرف.


قفلت التسجيل.


إيديا كانت بتترعش.


يعني الرسالة كانت صح.


ندى فعلًا بتخدع كريم.


لكن السؤال اللي كان بيمزقني…


ليه الفلاشة دي كانت مخبية في درج كريم؟


وهل هو كان بيحاول يحمي الحقيقة…


ولا بيخبيها؟


في اللحظة دي بالضبط…


وصل إشعار جديد على اللابتوب.


ملف كان متعمله مزامنة تلقائية.


اسم الملف:


“اعتراف كريم – لا يُفتح إلا إذا اختفيت.”


اتجمدت مكاني…


وبدأت أفتح الملف ببطء.


يتبع

الفصل الثالث


فتحت الملف…


لكن قبل ما يشتغل…


طلب كلمة مرور.


قعدت أبص للشاشة.


أربع خانات.


أول رقم جه في بالي…


تاريخ جوازنا.


رفض.


تاريخ ميلاده.


رفض.


تاريخ أول يوم اتقابلنا.


رفض.


قفلت اللابتوب بعصبية.


واضح إنه مش سايب أي حاجة للصدفة.


لكن قبل ما أقوم…


وصل إشعار جديد على الموبايل.


الرقم المجهول.


“دوري في جيب الجاكيت الكحلي.”


بصيت ناحية أوضة النوم.


كريم كان نايم.


دخلت بهدوء.


الجاكيت الكحلي كان معلق على الشماعة.


مديت إيدي في الجيب الداخلي.


طلعت ورقة صغيرة مطوية.


فتحتها.


أربع أرقام.


٢٧١١.


رجعت بسرعة.


كتبت الأرقام.


الملف اتفتح.


ظهر كريم قدام الكاميرا.


وشه كان مرهق.


ودقنه طويلة كأنه ما نامش من أيام.



بص مباشرة للكاميرا وقال:


“لو إنتِ يا مريم اللي بتشوفي الفيديو ده…


فمعنى كده إن كل حاجة خرجت عن السيطرة.”


اتجمدت مكاني.


“أنا عارف إنك هتكرهيني.


وعارف إن اللي عملته مالوش أي تبرير.


لكن قبل ما تحكمي عليا…


اسمعي للنهاية.”


خد نفس طويل.


“ندى رجعت حياتي من حوالي تلات شهور.


مش لأنها بتحبني…


لكن لأنها كانت بتهرب.”


ظهرت صورة على الشاشة.


ندى قاعدة في كافيه.


وشها مليان كدمات خفيفة.


“قالتلي إن جوزها السابق داخل مع ناس بيغسلوا فلوس.


وإنها اكتشفت مستندات ضدهم.


ومن يومها وهي مهددة.”


ظهر فيديو تاني.


راجل ضخم بيزعق في ندى.


وصوته واضح.


“لو الورق ما رجعش…


إنتِ هتدفعي الثمن.”


رجع كريم يظهر.


“أنا ما صدقتهاش في الأول.


لكن بعدها حصل اللي خلاني أتأكد.”


فتح ملف.


كان عبارة عن صور لعربية متكسرة.


ولونها مألوف.


عربيتي.


ظهر تاريخ الصورة.


قبل شهر.


اتسعت عيني.


افتكرت اليوم ده.


افتكرت إني افتكرت مجرد حادثة بسيطة في الجراج.


لكن واضح إنها ما كانتش صدفة.


كريم كمل.


“الفرامل كانت متقطعة عمدًا.


وكان المفروض إنتِ اللي تركبي العربية.”


شهقت من غير ما أحس.


هو كان عارف…


وما قالليش.


“من اليوم ده…


بدأت أمثل إني قريب من ندى.


علشان أعرف هما عايزين إيه.”


حسيت إن كل كلمة بتقلب اللي كنت مصدقاه.


لكن لسه فيه سؤال واحد.


الفلوس.


كريم سبقني بالإجابة.


“الـ٤٥٠ ألف جنيه…


مش سلفة.”


فتح صورة إيصال تحويل.


المبلغ فعلًا خرج من حسابنا.


لكن باسم شركة مش باسم ندى.


“الفلوس كانت فدية.


علشان نجيب نسخة من ملفات كانوا سرقوها.”


ضغط على ملف تاني.


ظهر اسم غريب.


“مشروع أوريون.”


وأكمل:


“أنا ما قدرتش أقولك.


لأن أول شرط قالوه…


إن أول شخص يعرف…


هيكون هدفهم.”


قفلت الفيديو للحظة.


قلبي متلخبط.


هل هو بيكدب؟


ولا دي الحقيقة؟


في اللحظة دي…


سمعت صوت باب الشقة بيتفتح.


بصيت في الساعة.


الواحدة والنص بعد منتصف الليل.


كريم كان نايم من شوية.


قمت بسرعة.


خرجت للصالة.


لقيت باب الشقة مفتوح.


وأوضة النوم فاضية.


رجعت أجري ناحية البلكونة.


شفت كريم تحت العمارة.


واقف مع عربية سودا.


وندى كانت واقفة قدامه.


لكن المرة دي…


ما كانوش لوحدهم.


كان فيه راجلين.


واحد منهم هو نفس الشخص اللي ظهر في الفيديو.


الراجل سلّم كريم ظرف بني كبير.


وبعدين قال بصوت وصل لحد البلكونة:


“باقي الملفات بكرة…


ولو مراتك عرفت أي حاجة…


أنت عارف هيحصل إيه.”


ندى بصت ناحية العمارة فجأة.


كأنها حست إن حد بيراقبهم.


رفعت رأسها.


وعينيها جت في عيني مباشرة.


ابتسمت.


ابتسامة طويلة…


وكأنها كانت مستنية اللحظة دي.


ورفعت موبايلها.


بعد ثانيتين…


موبايلي رن.


نفس الرقم المجهول.


رديت.


لكن اللي اتكلم…


ماكانش ندى.


كان صوت راجل.


قال بهدوء مرعب:


“ما تفتحيش الظرف اللي مع جوزك…


لأن أول ما تعرفي اللي جواه…


هتبقي رقم ثلاثة في قائمة الموت.”


وسكت الخط.


وأنا واقفة في البلكونة…


شفت كريم يرفع عينه لفوق.



ولأول مرة…


كان باصصلي كأنه بيعرف إن كل الأسرار بدأت تقع في إيدي.


الفصل الرابع

فضلت واقفة في البلكونة.

الهوا كان بيلف حواليا.

لكن جسمي كله كان متجمد.

كريم واقف تحت.

رافع عينه ناحيتي.

ولا أنا اتحركت…

ولا هو.

كأن بينا ألف سؤال…

وولا واحد فينا قادر ينطق بإجابة.

بعد ثواني، الراجل اللي كان واقف معاه لاحظ إنه باصص لفوق.

لف بسرعة.

حاولت أستخبى.

لكن كان متأخر.

الراجل شاور بإيده لكريم بعصبية.

سمعته بيقول:

— هي شافتنا؟

كريم رد بسرعة، لكن صوته ماوصلنيش.

الراجل زقه في كتفه بعنف.

وبعدين ركب العربية.

ندى قبل ما تركب…

فضلت باصة ناحيتي.

ورسمت بإصبعها على إزاز العربية كلمة واحدة.

“آسفة.”

العربية اتحركت واختفت.

أما كريم…

ففضل واقف مكانه دقيقة كاملة.

بعدها طلع العمارة جري.

قفلت باب الشقة بالمفتاح.

ولأول مرة من سنين…

حطيت السلسلة الحديد كمان.

بعد أقل من دقيقة…

سمعت خبط عنيف.

— مريم… افتحي.

ما رديتش.

— والله لازم نتكلم.

فضلت ساكتة.

— الناس دي أخطر مما تتخيلي.

ضحكت بسخرية من ورا الباب.

— أخيرًا افتكرت تحذرني؟

— افتحي وأنا هفهمك كل حاجة.

— متأخر.

سكت شوية.

وبعدين قال بصوت واطي:

— هم عرفوا إنك شوفتي الفيديو.

قلبي دق.

لكن ما اتكلمتش.

— وأنا مقدرش أحميكي وإنتِ قافلة الباب.

رديت لأول مرة.

— ومن إمتى وإنت بتحميني؟

ماسمعتش غير صوت نفسه.

وبعدين خطواته وهو بيبعد.

استنيت خمس دقايق.

بصيت من العين السحرية.

الممر فاضي.

لكن على الأرض…

كان فيه الظرف البني.

اللي الراجل اداهوله تحت.

فتحته بحذر.

كان جواه ملف طبي.

باسمي.

اتجمدت.

إزاي ملفي الطبي عندهم؟

فتحت أول صفحة.

كل تاريخي المرضي.

عملية الحمل خارج الرحم.

تقارير التحاليل.

أدوية الخصوبة.

حتى ملاحظات خاصة كنت كاتباها بخط إيدي.

آخر صفحة كانت صورة أشعة.

وتحتها جملة بخط أحمر.

“المريضة غير قادرة على الحمل طبيعيًا بنسبة كبيرة.”

دموعي نزلت لأول مرة.

مش علشان التقرير.

أنا كنت عارفة حالتي.

لكن علشان حد غريب…

بقى معاه أسراري.

وفي آخر الملف…

ورقة صغيرة.

“كل إنسان ليه نقطة ضعف…

ودي نقطة ضعفك.”

في نفس اللحظة…

الموبايل رن.

المحامية سارة.

رديت بسرعة.

— مريم… إنتِ فين؟

— في البيت.

— اقفلي كل الشبابيك.

قلبي وقع.

— ليه؟

— لأن حد دخل المكتب بتاعي من ساعة.

قلت بصدمة:

— إيه؟

— محدش سرق فلوس.

ولا أجهزة.

سرق ملف طلاقك.

سكتت.

كملت سارة.

— والملف الوحيد اللي اتفتح غيره…

كان ملفك الطبي.

بصيت للورق اللي في إيدي.

إيدي بدأت ترتعش.

— إزاي عرفتي؟

— لأنهم سابوا رسالة.

اتنفست بصعوبة.

— مكتوب فيها إيه؟

سارة سكتت ثواني.

وبعدين قالت:

— مكتوب… خلي الدكتورة تبعد عن الحمل… علشان لو حملت هتموت.

قفلت المكالمة وأنا مش فاهمة.

الكلام كله متناقض.

التقرير بيقول إن الحمل صعب.

والرسالة بتقول لو حملت هتموت.

مين دول؟

وعايزين مني إيه؟

فضلت أقلب في الملف.

لحد ما لقيت ظرف صغير مخبي بين الورق.

فتحته.

كان فيه مفتاح.

ومكتوب عليه بقلم أسود.

“الخزنة رقم 17.”

مافيش عنوان.

ولا اسم بنك.

ولا أي حاجة.

بس الرقم.

وفي ضهر الورقة…

كان مكتوب بخط كريم.

“لو المفتاح وصل لمريم…

يبقى أنا فشلت.”

فضلت أبص للجملة.

أول مرة أحس إن الخوف اللي في عينيه النهارده…

ماكانش تمثيل.

لكن السؤال اللي كان بياكلني من جوايا…

هو فشل في إيه؟

وفي نفس الوقت…

كان فيه سؤال أخطر.

مين الشخص اللي كان بيبعتلي الرسائل؟

وليه بيساعدني؟

وليه في نفس الوقت…

بيعرف كل خطوة بعملها؟

قمت من مكاني.

دخلت أوضة المكتب مرة تانية.

المرة دي ما كنتش بدور على أسرار.

كنت بدور على إجابات.

لكن قبل ما أوصل للمكتب…

سمعت صوت تكسير إزاز جاي من الصالة.

لفيت بسرعة.

لقيت طوبة مرمية على الأرض.

وربطة ورق متربطة بيها.

جريت وقفلِت الستارة.

وفكيت الورق.

كان عبارة عن صورة مطبوعة.

الصورة ليا…

وأنا خارجة من المستشفى بعد عملية الحمل.

واضح إنها متصورة من بعيد بعدسة احترافية.

وفي ضهر الصورة…

جملة واحدة.

“إنتِ تحت المراقبة من سنتين… ولسه ما اكتشفتيش ليه.”

يتبع…


حكايات اسما السيد 2


الفصل الخامس


 


فضلت ماسكة الصورة بإيدي.


 


ببص لوشي فيها…


 


وبحاول أفتكر اليوم ده.


 


يوم خرجت من المستشفى بعد العملية.


 


كان يوم أسود.


 


فاكرة إن كريم ساعتها كان واقف بعيد بيتكلم في التليفون.


 


ولما سألته مع مين…


 


قال إنها مكالمة خاصة بالشغل.


 


دلوقتي…


 


بدأت أشك حتى في الذكرى دي.


 


حطيت الصورة على الترابيزة.


 


وبدأت أقلبها تاني.


 


الورق كان سميك بطريقة غريبة.


 


ضغطت عليه بصوابعي.


 


حسيت إن فيه حاجة جواه.


 


جبت مقص صغير.


 


وفتحت طرف الصورة بحذر.


 


وقع منها كارت ذاكرة صغير جدًا.


 


اتسعت عيني.


 


دخلته في اللابتوب.


 


ظهر ملف واحد فقط.


 


عنوانه…


 


“الغرفة 308”.


 


فتحت الفيديو.


 


الصورة كانت مهزوزة كأن اللي بيصور مستخبي.


 


المكان…


 


المستشفى اللي كنت فيها.


 


والتاريخ…


 


نفس يوم العملية.


 


بدأ التسجيل قدام أوضة العمليات.


 


بعد شوية ظهر كريم.


 


كان واقف لوحده.


 


وبعدين جه راجل لابس بدلة رمادي.


 


صافحه.


 


وسلمه ظرف.


 


الراجل قال بصوت واضح:


 


— مبروك… المرحلة الأولى نجحت.


 


كريم رد بعصبية:


 


— أوعى تقربوا منها.


 


الراجل ابتسم.


 


— طول ما إنت ملتزم… محدش هيقرب لها.


 


قرب منه كريم وقال:


 


— اتفقنا إن اللي بينا يخلص بعد آخر ملف.


 


الراجل ضحك.


 


— الاتفاقات بتتغير.


 


الفيديو انتهى فجأة.


 


رجعت أشغله من الأول.


 


مرة…


 


واتنين…


 


وثلاثة.


 


كل مرة كنت أركز في حاجة مختلفة.


 


لحد ما وقفت عند لقطة صغيرة.


 


انعكاس إزاز باب العمليات.


 


كان فيه شخص واقف بعيد.


 


ست.


 


لابسة إسدال أسود.


 


وشها مش واضح.


 


لكن كانت شايلة شنطة جلدية حمراء.


 


الشنطة دي…


 


أنا شفتها قبل كده.


 


لكن فين؟


 


قعدت أفكر.


 


وفجأة افتكرت.


 


ندى.


 


كانت شايلة نفس الشنطة يوم دخلت عيادتي.


 


هل كانت هي؟


 


ولا مجرد شنطة شبهها؟


 


قبل ما ألحق أكمل التفكير…


 


الموبايل رن.


 


رقم المستشفى.


 


رديت.


 


السكرتيرة قالت بصوت متوتر:


 


— يا دكتورة… فيه لجنة من الوزارة مستنياكي بكرة الصبح.


 


استغربت.


 


— لجنة ليه؟


 


— بيقولوا فيه شكوى رسمية ضد حضرتك.


 


قلبي انقبض.


 


— شكوى بإيه؟


 


— بيتهموكي إنك صرفتي أدوية محظورة لمريضة حامل.


 


وقفت مكاني.


 


أنا عمري ما حصل.


 


قلت بسرعة:


 


— اسم المريضة؟


 


سكتت ثواني.


 


وبعدين قالت:


 


— ندى سامح.


 


قفلت المكالمة.


 


وحسيت إن الأرض بتميد بيا.


 


يعني اللعبة بدأت.


 


مش بس بيهددوني.


 


دول كمان بيحاولوا يدمروا مستقبلي.




دخلت أوضة النوم.


 


كريم كان قاعد على طرف السرير.


 


واضح إنه ما نامش.


 


أول ما شافني…


 


قام.


 


— سمعتي؟


 


— عن الشكوى؟


 


هز راسه.


 


— أيوه.


 


بصيتله.


 


— كنت عارف؟


 


خفض عينه.


 


وده كان كفاية.


 


قلت بمرارة:


 


— بقى حتى سمعتي المهنية داخلة في اللعبة؟


 


قال بسرعة:


 


— أقسم بالله أنا ماليش دعوة.


 


ضحكت.


 


— الغريب إن كل حاجة بتحصل حواليك.


 


لكن عمرك ما يبقى ليك دعوة.


 


فضل ساكت.


 


وبعدين طلع من جيبه مفتاح صغير.


 


حطه قدامي.


 


بصيتله.


 


كان شبه المفتاح اللي لقيته في الظرف.


 


قال بهدوء:


 


— عندك مفتاح زيه… صح؟


 


اتجمدت.


 


ما عرفتش هو عرف منين.


 


ابتسم ابتسامة حزينة.


 


— اللي بعتلك الظرف… كان عارف إني هعرف.


 


— مين هو؟


 


— معرفش اسمه الحقيقي.


 


لكن أعرف لقبه.


 


اتنفست ببطء.


 


— إيه هو؟


 


رفع عينه فيا وقال:


 


— الشاهد.


 


الكلمة وقعت تقيلة.


 


— شاهد على إيه؟


 


— على كل حاجة بدأت من سنتين.


 


سكت شوية.


 


وبعدين قال:


 


— لو لقيتي الخزنة رقم 17 قبلهم…


 


كل حاجة هتتغير.


 


لكن لو هم وصلولها الأول…


 


مش هيبقى فيه طلاق…


 


ولا بعثة…


 


ولا حتى حياة نرجع نعيشها.


 


وفي اللحظة دي…


 


وصلت رسالة جديدة على موبايل كريم.


 


كان ناسيه على الترابيزة.


 


الشاشة نورت قدامي.


 


من غير ما ألمسه.


 


الرسالة كانت قصيرة جدًا.


 


“الخزنة هتتفتح بكرة الساعة 11 صباحًا… والدكتورة لازم تكون موجودة.”


 


رفعت عيني ناحية كريم.


 


كان لونه اتغير تمامًا.


 


همس بصوت مخنوق:


 


— سبقونا…


الفصل السادس


 


ليلة كاملة…


 


ولا واحد فينا غمض عينه.


 


كل واحد قاعد في ركن من البيت.


 


بينا مترات قليلة…


 


لكن المسافة اللي اتبنت بينا خلال الشهور اللي فاتت كانت أكبر بكتير.


 


فضلت أبص للمفتاحين اللي قدامي.


 


الاتنين شبه بعض.


 


نفس الحجم.


 


نفس اللون.


 


ونفس الرقم المحفور عليهم.


 


17.


 


رفعت عيني ناحية كريم.


 


— الخزنة دي فين؟


 


سكت.


 


— جاوب.


 


مسح وشه بإيده وقال:


 


— في بنك خاص.


 


— وإيه اللي فيها؟


 


— الحقيقة.


 


ضحكت بسخرية.


 


— الحقيقة دي شكلها كبيرة أوي.


 


— أكبر مما تتخيلي.


 


فضلت باصة له.


 


لأول مرة…


 


كان شكله منهار فعلًا.


 


مش الراجل الواثق اللي طول عمره بيخبي مشاعره.


 


لكن واحد مرعوب.


 


قال بهدوء:


 


— لو كنت عرفت إنهم هيقربوا منك…


 


كنت حكيتلك من زمان.


 


رديت بحدة:


 


— لا…


 


إنت ما حكتليش لأنك ما وثقتش فيا.


 


خفض راسه.


 


وما أنكرش.


 


ودي كانت أول مرة من سنين يعترف بغلطه من غير ما يدافع عن نفسه.


 



 


الساعة سبعة الصبح.


 


الموبايل رن.


 


المستشفى.


 


الدكتور أشرف.


 


مدير القسم.


 


— مريم… اللجنة وصلت.


 


— جاية.


 


— فيه حاجة غريبة.


 


— إيه؟


 


— الست اللي مقدمة الشكوى…


 


اختفت.


 


وقبل ما توصل اللجنة بنص ساعة…


 


بعتت تنازل رسمي.


 


اتجمدت.


 


— ندى؟


 


— أيوه.


 


قفلت المكالمة وأنا مش فاهمة.


 


ليه تبلغ؟


 


وبعدين تتراجع؟


 


كريم سمع المكالمة.


 


وقال:


 


— معناها إنهم غيروا الخطة.


 



 


خرجنا.


 


أول مرة من شهور نركب العربية سوا.


 


لكن ولا كلمة اتقالت.


 


كنت ببص من الشباك.


 


وكل شوية أحس إن فيه عربية ماشية ورانا.


 


مرة سودة.


 


مرة فضي.


 


كل ما نلف شارع…


 


تلف ورانا.


 


قلت بهدوء:


 


— العربية اللي ورانا.


 


بص في المراية.


 


وشه اتغير.


 


— عارفها.


 


— مين؟


 


— ما تبصيش وراكي.


 


لكن الفضول غلبني.


 


لفيت بسرعة.


 


ولقيت الراجل اللي شفته في الفيديو.


 


قاعد جنب السواق.


 


ولما شافني…


 


ابتسم.


 


ابتسامة باردة.


 


كأنه بيقول…


 


أنا لسه هنا.


 


ضغط كريم البنزين.


 


العربية سرعت.


 


لكن العربية التانية سرعت هي كمان.


 


بدأت مطاردة وسط الشوارع.


 


قلبي كان هيقف.


 


وفجأة…


 


دخل كريم شارع جانبي ضيق.


 


العربية اللي ورانا كملت على طول.


 


اختفت.


 


وقف العربية.


 


وسند راسه على الدركسيون.


 


— كانوا هيعرفوا مكان البنك.


 


بصيتله.


 


— يبقى إحنا رايحين البنك فعلًا؟


 


هز راسه.


 



 


بعد ساعة…


 


وقفنا قدام مبنى قديم.


 


مافيهوش أي لافتة.


 


دخلنا.


 


راجل كبير في السن كان مستنينا.


 


بص لكريم.


 


وبعدين بصلي.


 


وقال:


 


— اتأخرتوا.


 


رد كريم:


 


— الطريق كان صعب.


 


الراجل طلع دفتر قديم.


 


قلب صفحاته.


 


وقال:


 


— الخزنة باسم شخص واحد بس.


 


بصيت لكريم.


 


استغربت.


 


قلت:


 


— باسم مين؟


 


الراجل رفع عينه.


 


— باسم الدكتورة مريم.


 


شهقت.


 


أنا؟


 


عمري ما دخلت المكان ده.


 


الراجل كمل.


 


— الخزنة اتفتحت أول مرة من سنتين.


 


واتقفلت بنفس اليوم.


 


وصاحبة التوقيع كانت حضرتك.


 


بصيت للورقة.


 


كان فيها توقيع فعلاً.


 


نفس توقيعي.


 


لكن…


 


أنا مستحيل مضيت هنا.


 


قلت بانفعال:


 


— ده مزور.


 


الراجل هز راسه.


 


— لا.


 


بصمة الإصبع كمان موجودة.


 


اتجمدت.


 


إزاي؟


 


مين قدر ياخد بصمتي؟


 


وليه؟


 


فتح الراجل باب حديد كبير.



 


ومشينا في ممر طويل.


 


لحد ما وقف قدام خزنة مكتوب عليها.


 


17.


 


مديت إيدي بالمفتاح.


 


لكن الراجل وقفني.


 


— لازم المفتاحين مع بعض.


 


بصيت ناحية كريم.


 


طلع مفتاحه.


 


الاتنين دخلوا في نفس الوقت.


 


لفيناهم.


 


صدر صوت ميكانيكي.


 


والباب بدأ يفتح ببطء.


 


قلبي كان بيدق بعنف.


 


كنت متخيلة ألاقي فلوس.


 


أو مستندات.


 


لكن أول حاجة شفتها…


 


كانت صورة سونار.


 


باسم…


 


مريم كريم.


 


وتحتها مكتوب.


 


“الأسبوع التاسع.”


 


وقفت مصدومة.


 


أنا…


 


عمري ما وصلت للأسبوع التاسع.


 


أنا فقدت الحمل في الأسبوع السابع.


 


إيدي بدأت ترتعش.


 


طلعت التقرير اللي تحت الصورة.


 


الدكتور كاتب بوضوح.


 


“الجنين بحالة ممتازة.”


 


رفعت عيني ناحية كريم.


 


كان باصص للصورة…


 


وعينه مليانة دموع.


 


همست:


 


— التقرير ده مزور؟


 


قال بصوت مكسور:


 


— لا.


 


— أومال إيه؟


 


غمض عينه.


 


ولأول مرة من يوم عرفته…


 


لقيته بيبكي.


 


وقال:


 


— لأنك ما فقدتيش الحمل زي ما إنتِ فاكرة…


 


إنتِ اتخدرتي…


 


وصحيتي على كذبة عشتِ بيها سنتين.


 


الكلمات نزلت عليا كأنها صاعقة.


 


حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.


 


صرخت فيه:


 


— يعني إيه؟


 


رد وهو بيبصلي بعجز:


 


— ابننا…


 


ما ماتش.


 


ابننا…


 


اتاخد منك.


 


وفي اللحظة دي…


 


سمعنا صوت تصفيق جاي من آخر الممر.


 


لفينا بسرعة.


 


لقينا الراجل اللي كان بيطاردنا واقف.


 


وخلفه ندى.


 


ووراهم أربعة رجالة.


 


ابتسم الراجل وقال بهدوء مرعب:


 


— أخيرًا…


 


وصلتوا للحقيقة اللي كنتوا بتدوروا عليها.


يتبع


الفصل السابع


 


الصمت اللي ملأ الممر كان أثقل من أي صوت.


 


الراجل فضل يصفق بخطوات بطيئة وهو بيقرب.


 


ندى كانت ماشية وراه.


 


لكن المرة دي…


 


وشها ماكانش فيه أي ابتسامة.


 


كان باين عليها إرهاق وخوف.


 


وقفت قدامنا على بعد كام خطوة.


 


وبصتلي مباشرة.


 


وقالت بصوت منخفض:


 


— أنا عارفة إنك بتكرهيني.


 


لكن لو كنت مكانك…


 


كنت كرهت نفسي أكتر.


 


صرخت فيها:


 


— فين ابني؟


 


ندى نزلت عينيها للأرض.


 


ما ردتش.


 


الراجل سبقها.


 


— الأسئلة هنا أنا اللي بسألها.


 


بص لكريم.


 


— قلتلك من سنتين…


 


إن الفضول هيضيعك.


 


كريم وقف قدامي كأنه بيحميني.


 


— سيبها برة الموضوع.


 


الراجل ضحك.


 


— برة الموضوع؟


 


هي أصل الموضوع كله.


 


طلع مسد\س صغير من تحت الجاكيت.


 


المكان اتجمد.


 


موظف البنك رفع إيده بخوف.


 


أما أنا…


 


فكل تركيزي كان على كلمة واحدة.




ابني.


 


كررت السؤال وأنا ببص لندى.


 


— ابني عايش؟


 


ندى رفعت وشها.


 


دموعها نزلت لأول مرة.


 


وهزت رأسها بالإيجاب.


 


ركبتي ماقدرتش تشيلني.


 


وقعت على الأرض.


 


دموعي نزلت من غير صوت.


 


سنتين…


 


سنتين كاملة وأنا عايشة على يقين إن ابني مات.


 


وسنتين وهو موجود في مكان ما.


 


بصيت لكريم.


 


كان واقف مكسور.


 


كأنه مستني اللحظة دي من زمان.


 


قلت بصوت متقطع:


 


— كنت… عارف؟


 


هز رأسه ببطء.


 


— عرفت بعد العملية بأسبوع.


 


الوجع اللي جوايا تحول لغضب.


 


قمت بسرعة.


 


وضربته بالقلم بكل قوتي.


 


الصوت دوى في الممر.


 


ولا هو حاول يمنعني.


 


ولا حتى دافع عن نفسه.


 


قلت وأنا بصرخ:


 


— خليتني أزور قبر فاضي!


 


خليتني أعيش كل يوم وأنا مقتنعة إن ضنايا مات!


 


خليتني ألوم نفسي!


 


خليتني أموت كل ليلة!


 


رد بصوت مخنوق:


 


— لو كنت قلتلك…


 


كانوا هيقتلوه.


 


الراجل ابتسم.


 


— أخيرًا… قولتلها الحقيقة.


 


ندى فجأة لفت ناحيته.


 


وقالت بعصبية:


 


— كفاية!


 


إحنا اتفقنا إنها تعرف إنه عايش.


 


مش أكتر.


 


الراجل بصلها بحدة.


 


— إنتي ناسية نفسك.


 


ردت لأول مرة بثبات.


 


— لأ.


 


أنا افتكرت نفسي.


 


أنا تعبت.


 


سنتين وأنا بنفذ أوامر.


 


وسنتين وأنا شايفة أم بتتبهدل كل يوم.


 


أنا خلاص مش هكمل.


 


الراجل قرب منها.


 


ورفع إيده كأنه هيضربها.


 


لكن كريم جرى بسرعة.


 


ودفعه بعيد.


 


في ثواني…


 


المكان اتحول لفوضى.


 


واحد من الرجالة مسك كريم.


 


والتاني حاول يقفل باب الممر.


 


أما ندى…


 


فاستغلت اللحظة.


 


وجرت ناحيتي.


 


وحطت في إيدي ورقة مطوية.


 


وهمست بسرعة:


 


— متفتحيهاش غير لما تطلعي من هنا.


 


وبعدين زقتها في جيب البالطو.


 


الراجل لمح الحركة.


 


صرخ:


 


— امسكوها!


 


في اللحظة دي…


 


انطفأت كل الأنوار.


 


الممر غرق في الظلام.


 


وصوت إنذار البنك بدأ يزعق.


 


حد خبط في حد.


 


وصوت جري في كل اتجاه.


 


حد مسك إيدي.


 


افتكرته كريم.


 


لكن الصوت اللي همس في ودني كان غريب.


 


— متتكلميش…


 


وتعالي ورايا.


 


كنت ماشية في الضلمة.


 


مش شايفة أي حاجة.


 


بس الشخص كان حافظ المكان.


 


فتح باب جانبي.


 


ونزلنا سلم حديد.


 


ولما خرجنا…


 


لقينا نفسنا في جراج تحت الأرض.


 


واقف فيه عربية إسعاف قديمة.


 


فتح الباب الخلفي.


 


وقال بسرعة:


 


— اركبي.


 


قلت بخوف:


 


— إنت مين؟


 


خلع الكاب اللي على راسه.


 


ولأول مرة شفت وشه بوضوح.


 


اتصدمت.


 


لأنه كان نفس الشخص…



اللي بعتلي أول رسالة مجهولة.


 


ونفس الشخص…


 


اللي كريم قال إن اسمه “الشاهد”.


 


بصلي وقال:


 


— معندناش وقت.


 


لو عايزة توصلي لابنك…


 


لازم تثقي فيا دلوقتي.


 


وفي نفس اللحظة…


 


طلع صوت إطلاق نار من جوه البنك.


 


ورنة موبايل كريم دوّت في الجراج.


 


لكن اللي ظهر على الشاشة…


 


ماكانش اسم شخص.


 


كان اسم واحد بس…


 


“المرحلة الثانية.”


الفصل التاسع


 


فضلت واقفة مكاني.


 


الفلاشة في إيدي.


 


وكل اللي حواليا بيبصوا عليها… مش عليا.


 


في اللحظة دي فهمت.


 


أنا ما بقيتش الهدف…


 


الفلاشة هي الهدف.


 


صرخ الراجل المسلح:


 


— هاتوها… محدش يضرب الدكتورة.


 


الكلمة دي لفتت انتباهي.


 


ليه؟


 


لو هما مجرمين…


 


ليه حريصين إني أفضل عايشة؟


 


كريم شدني من إيدي فجأة.


 


— اجري يا مريم!


 


جريت معاه من غير تفكير.


 


الرصاص كان بيضرب في عواميد الجراج.


 


وصوت العربيات بيرن في المكان المقفول.


 


وصلنا لباب معدني في آخر الجراج.


 


كريم ضربه بكتفه.


 


ما اتفتحش.


 


ضربه مرة تانية.


 


الباب انكسر.


 


دخلنا ممر ضيق كله مواسير قديمة.


 


كنت بنهج.


 


وهو بينهج.


 


لكن ولا واحد فينا وقف.


 


بعد دقايق…


 


وصلنا لباب بيطلع على شارع جانبي.


 


خرجنا.


 


والدنيا كانت زحمة.


 


أول ما وسط الناس…


 


كريم وقف.


 


وسند على عربية مركونة.


 


كان الدم بينزل من كتفه.


 


بصيت له لأول مرة كويس.


 


الرصاصة كانت خدشته.


 


لكن الإصابة مش بسيطة.


 


قلت بسرعة:


 


— لازم مستشفى.


 


هز رأسه بعنف.


 


— لأ.


 


— هتنزف.


 


— المستشفى أول مكان هيدوروا فيه.


 


سكت شوية.


 


وبعدين مد إيده ناحيتي.


 


— الفلاشة.


 


رجعت خطوة لورا.


 


افتكرت آخر كلام قاله الشاهد.


 


“أوعي تفتحيها قدام كريم.”


 


قلت بهدوء:


 


— مش هديهالك.


 


بصلي بحزن.


 


— لسه مش واثقة فيا.


 


رديت من غير تردد.


 


— بعد كل اللي حصل؟


 


مستحيل.


 


ابتسم ابتسامة وجع.


 


— عندك حق.


 


قعد على الرصيف.


 


وأغمض عينه للحظة.


 


كنت أول مرة أشوفه ضعيف بالشكل ده.


 


وفجأة…


 


قال جملة خلتني أتجمد.


 


— أنا ما خنتكيش مع ندى.


 


بصيتله.


 


— يعني إيه؟


 


— الحمل اللي شوفتيه…


 


ماكانش من اللي في دماغك.


 


— أومال إيه؟


 


فتح عينه.


 


— ندى كانت مخطوبة لواحد اسمه ياسر.


 


اشتغل مع شركة استثمارات كبيرة.


 


الشركة دي كانت مجرد واجهة.


 


الحقيقة…


 


كانت شبكة بتتاجر في الأطفال حديثي الولادة.


 


قلبي دق بعنف.


 


كمل:


 


— ندى اكتشفت بالصدفة إنهم بيزوروا شهادات وفاة أطفال…


 


ويسلموهم لعائلات تانية بأسماء جديدة.


 


ولما حاولت تبلغ…


 


قتلوه.


 


— تقصد خطيبها؟


 


هز رأسه.


 


— قدامها.


 


سكت شوية.


 


وأكمل:


 


— وبعدها قالولها…


 


يا تشتغلي معانا…


 


يا تموتي.


 


فضلت ساكتة.


 


كل كلمة كانت بتغير الصورة.


 


لكن لسه فيه فراغات.


 


قلت:


 


— وابني؟


 


غمض عينه.


 


— لما عرفوا إنك هتولدي…


 


قرروا ياخدوه.


 


صرخت:


 


— إزاي؟


 


أنا كنت في مستشفى محترمة.


 


قال بمرارة:


 


— لأن المستشفى نفسها كان فيها ناس منهم.


 


الكلمات نزلت عليا كأنها كابوس.


 


افتكرت كل الوجوه.


 


الممرضات.


 


الأطباء.


 


الموظفين.


 


كلهم بقوا محل شك.


 


مد إيده في جيبه.


 


طلع صورة قديمة.


 


ناولها لي.


 


بصيت فيها.


 


كانت صورة جماعية.


 


طاقم طبي كامل واقف قدام حضانات الأطفال.


 


وفي آخر الصف…


 


وقفت ممرضة.


 


وشها مألوف.


 


فضلت أبص لها.


 


وفجأة افتكرت.


 


دي…


 


دي كانت الممرضة اللي قالتلي بعد ما فوقت:


 


“البقاء لله.”


 


نزلت الصورة من إيدي.


 


قلت بصوت مرتعش:


 


— مستحيل…


 


رد كريم:


 


— اسمها هناء.


 


واختفت بعد أسبوع من عمليتك.


 


ولا حد عرف راحت فين.


 


وفي نفس اللحظة…


 


رنيت رسالة جديدة على موبايلي.


 


الرقم المجهول رجع تاني.


 


لكن المرة دي…


 


كان مجرد صورة.


 


فتحتها.


 


شهقت.


 


الصورة لطفل صغير.


 


عمره حوالي سنتين.


 


واقف في جنينة.


 


وبيضحك.


 


وفي رقبته سلسلة فضة صغيرة.


 


اتسعت عيني.


 


السلسلة دي…


 


أنا اللي اشتريتها.


 


قبل العملية بشهر.


 


وكان محفور عليها حرف واحد.


 


“م”.


 


آخر الرسالة كان مكتوب:


 


“لو عايزة تشوفيه حي…


 


تعالي لوحدك.


 


ولو بلغتي كريم…


 


هتكون دي آخر صورة تشوفيها ليه.”


الفصل العاشر


فضلت باصة للصورة.


إيدي كانت بتترعش.


كبرت الصورة أكتر من مرة.


يمكن أكون متوهمة.


يمكن السلسلة شبهها.


لكن لا.


كان فيها نفس الخدش الصغير اللي حصل وأنا بلفها هدية.


افتكرت اليوم ده.


كنت ماشية أنا وكريم في محل فضة.


وقلتله:


— عايزة حاجة تفضل مع ابننا طول عمره.


اختارت سلسلة صغيرة جدًا.


ونقشت عليها حرف “م”.


وقلت له:


— حتى لو اتوه مننا يوم… هنعرفه بيها.


الكلمة دي رجعت تدوي في وداني.


“حتى لو اتوه…”


اتوه فعلًا.


لكن مش يوم.


سنتين.


قفلت الموبايل بسرعة.


كريم كان لسه قاعد على الرصيف.


وشه شاحب.


واضح إنه فقد دم كتير.


قلت لنفسي:


لو الرسالة حقيقية…


يبقى لازم أتحرك.


ولو فخ…


يبقى أنا رايحة برجلي للموت.


لكن لو بلغته…


يمكن يضيع آخر أثر لابني.


بصيت لكريم.


كان مغمض عينه.


أخدت قرار.


مش هقوله.


قلت بهدوء:


— هجيب إسعاف.


فتح عينه بسرعة.



— لأ.


— إنت محتاج علاج.


— وأنا محتاج أعرف الفلاشة فين.


لمست جيب البالطو.


لسه موجودة.


قلت:


— في مكان آمن.


ابتسم ابتسامة باهتة.


— أول مرة تكذبي عليا.


لفيت وسبته.


وأول ما دخلت أول شارع جانبي…


ركبت تاكسي.


قلت للسواق العنوان المكتوب في الرسالة.


كان مخزن قديم في أطراف المدينة.


طول الطريق…


قلبي كان بيدق بعنف.


كل عربية تعدي جنبي…


كنت أتخيل إنها جاية تخطفني.


بعد حوالي أربعين دقيقة…


وقف التاكسي.


المكان كان مهجور.


مصنع قديم.


أبوابه حديد مصدي.


وشبابيكه مكسورة.


دفعت الحساب.


ونزلت.


أول ما قربت…


وصلت رسالة جديدة.


“ادخلي لوحدك.


ولو معاكي حد…


ارجعي.”


بصيت حوالي.


ماكانش فيه حد.


دخلت.


كل خطوة كانت عاملة صدى.


المكان ريحته تراب ورطوبة.


وفجأة…


سمعت صوت طفل بيضحك.


وقفت مكاني.


الضحكة كانت قصيرة.


لكن كفاية تخلي قلبي يقف.


جريت ناحية الصوت.


فتحت باب خشب قديم.


لقيت أوضة صغيرة.


فيها ألعاب أطفال.


عربية بلاستيك.


كرة.


ودبدوب.


لكن مافيهاش حد.


على الترابيزة كان فيه جهاز تابلت.


أول ما قربت…


الشاشة نورت لوحدها.


ظهر فيديو مباشر.


طفل صغير.


قاعد بيرسم.


وشه مش باين كامل.


لكن السلسلة في رقبته واضحة.


ونفس حرف “م”.


دموعي نزلت من غير ما أحس.


مديت إيدي للشاشة.


— حبيبي…


في اللحظة دي…


ظهر راجل قعد قدام الكاميرا.


وشه متغطي.


وقال بهدوء:


— أخيرًا وصلتي.


صرخت فيه:


— ابني فين؟


— بخير.


— عايزة أشوفه.


— هتشوفيه.


لكن الأول…


تنفذي اللي هقولك عليه.


صرخت:


— مستعدة أعمل أي حاجة.


سكت ثواني.


وبعدين قال:


— أي حاجة؟


— أي حاجة.


ابتسم.


— ممتاز.


فتح ملف على الشاشة.


كان عقد نقل ملكية.


باسم كريم.


وشركة كبيرة.


قال:


— عايزاه يمضي على العقد ده.


قلت باستغراب:


— إيه علاقة ابني بالعقد؟


رد بهدوء:


— كل حاجة.


— ولو رفض؟


ابتسم.


— يبقى الطفل هيفضل باسم العيلة اللي ربيته.


وأنتِ…


هتفضلي مجرد أم في شهادة وفاة.


الكلمات خلت نفسي يتقطع.


قلت:


— مستحيل.


قال:


— عندك تمانٍ وأربعين ساعة.


بعدها…


هنقفل الملف للأبد.


الشاشة اسودت.


وفضل صوت الطفل آخر حاجة سمعاها.


كان بينادي بكلمة واحدة…


“ماما…”


وقعت على ركبتي.


أول مرة أسمع صوته.


وأول مرة أعرف إنه لسه بينطق أول كلمة في حياته…


من غير ما يعرف شكلي.


لكن وأنا بحاول أقوم…


سمعت صوت باب المصنع بيتقفل من بره.


لفيت بسرعة.


كل المخارج اتقفلت.


وفي آخر الممر…


بدأت خطوات حد تقرب ببطء.


ولما ظهر صاحبه…


اتسعت عيني من الصدمة.


لأن الشخص اللي كان داخل…


ماكانش كريم…


ولا ندى…


كان الدكتور اللي أجرالي عملية الولادة بنفسه.


واللي أنا حضرت جنازته من سنة كاملة.


يتبع


حكايات اسما السيد 3

الفصل الحادي عشر


 


وقفت مكاني.


 


مش قادرة أصدق اللي شايفاه.


 


الدكتور سامح.


 


بنفس المعطف الأبيض.


 


ونفس النظارة المعدنية.


 


حتى طريقته في المشي…


 


هي هي.


 


لكن ده مستحيل.


 


أنا حضرت عزاه.


 


وشفت صورته متعلقة في المستشفى.


 


واتقال إنه مات في حادثة عربية وهو راجع من مؤتمر طبي.


 


اتراجعت خطوة.


 


وقلت بصوت مرتعش:


 


— إنت… إنت حي؟


 


ابتسم بهدوء.


 


— أهو قدامك.


 


— لكن… إزاي؟


 


— لأن اللي مات…


 


ماكانش أنا.


 


اتجمدت.


 


— يعني إيه؟


 


قرب مني وهو بيرفع إيده بهدوء.


 


— اقعدي يا دكتورة.


 


عندنا كلام كتير.


 


فضلت واقفة.


 


— أنا مش هقعد.


 


أنا عايزة ابني.


 


هز رأسه.


 


— وأنا كمان عايز أوصلك ليه.


 


لكن لو استعجلتي…


 


هتموتي قبل ما تشوفيه.


 


سكت لحظة.


 


ثم فتح باب مكتب صغير جوه المصنع.


 


دخل.


 


وبعدين شاورلي.


 


بعد تردد…


 


دخلت.


 


المكتب كان غريب.


 


أجهزة كمبيوتر.


 


ملفات.


 


خرائط.


 


وصور أطفال كتير معلقة على الحيطة.


 


كل صورة تحتها رقم.


 


مش اسم.


 


رقم.


 


قربت من واحدة.


 


ولد صغير.


 


رقم 18.


 


بنت رضيعة.


 


رقم 24.


 


ولد توأم.


 


رقم 31.


 


قلبي اتقبض.


 


بصيت للدكتور.


 


— دول مين؟


 


قال بهدوء:


 


— أطفال اتولدوا…


 


واختفوا رسميًا.


 


رجعت أبص للصور.


 


عددهم كان كبير.


 


كبير بشكل يخوف.


 


قلت بصوت مخنوق:


 


— يعني الشبكة أكبر من اللي كريم حكاه؟


 


ابتسم.


 


— كريم يعرف أقل من عشرة في المية.


 


— والشاهد؟


 


— كان يعرف نص الحقيقة.


 


— وإنت؟


 


بصلي مباشرة.


 


— أنا الوحيد اللي يعرفها كلها.


 


سكت شوية.


 


وبعدين طلع ملف سميك من درج المكتب.


 


حطه قدامي.


 


على الغلاف مكتوب.


 


“المشروع 47.”


 


فتحت أول صفحة.


 


لقيت تقارير طبية.


 


تحاليل.


 


وأسماء مستشفيات.


 


كلها مختومة بختم رسمي.


 


لكن اللي شدني…


 


عمود بعنوان.


 


“الأمهات المناسبات.”


 


بدأت أقلب الصفحات بسرعة.


 


وفجأة…


 


لقيت اسمي.


 


الدكتورة مريم.


 


العمر.


 


31 سنة.


 


فصيلة الدم.


 


التاريخ المرضي.


 


وتحتهم جملة.


 


“مرشحة مثالية.”


 


شهقت.


 


— مرشحة لإيه؟


 


رد بهدوء.


 


— علشان تكوني أم.


 


بصيتله بعدم فهم.


 


— أنا فعلًا أم.


 


قال بحزن.


 


— لا…


 


إنتِ كنتِ تجربة.


 


حسيت إن جسمي كله تلج.


 


صرخت فيه.


 


— بتقول إيه؟


 


فتح صفحة تانية.


 


كانت فيها موافقة مكتوبة.


 


بتوقيعي.


 


على الاشتراك في دراسة طبية.


 


بصيت للتوقيع. 


نفس توقيعي.


 


لكن عمري ما شفت الورقة دي.


 


قلت بانفعال.


 


— مزور.


 


قال.


 


— بصي على البصمة.


 


كانت بصمتي فعلًا.


 


افتكرت.


 


من تلات سنين.


 


المستشفى كانت عاملة حملة تبرع بالدم.


 


وقعنا على أوراق كتير بسرعة.


 


من غير ما نقراها.


 


همس الدكتور.


 


— الورق اتبدل بعد التوقيع.


 


وساعتها…


 


بدأ كل شيء.


 


فضلت باصة للورقة.


 


ومخي بيربط الأحداث.


 


كل تحليل.


 


كل كشف.


 


كل زيارة.


 


كان حد بيراقبني.


 


قال الدكتور.


 


— لما عرفوا إن الحمل نجح…


 


اتاخد القرار.


 


قلت وأنا ببكي.


 


— قرار إيه؟


 


رد.


 


— الطفل لازم يختفي.


 


لأنه مش مجرد طفل.


 


سكت.


 


وكمل بصوت أخفض.


 


— هو أول طفل نجح يحمل الصفة اللي كانوا بيدوروا عليها.


 


صرخت.


 


— صفة إيه؟


 


لكن قبل ما يجاوب…


 


باب المكتب اتفتح بعنف.


 


دخل كريم.


 


وشه كله تراب.


 


وهدومه ممزقة.


 


واضح إنه فضل يدور عليا لحد ما وصل.


 


أول ما شاف الدكتور…


 


وقف مكانه.


 


ولونه اتغير.


 


قال بصوت مليان صدمة.


 


— مستحيل…


 


إنت!


 


ابتسم الدكتور.


 


— بقالنا سنتين ما اتقابلناش يا كابتن كريم.


 


كريم قرب منه بخطوات بطيئة.


 


وقال:


 


— أنا دفنتك بإيدي.


 


الدكتور رد وهو بيبتسم ابتسامة غامضة.


 


— أوقات…


 


لازم العالم يصدق إنك ميت…


 


علشان تقدر تكمل شغلك.


 


وقبل ما كريم ينطق…


 


سمعنا صوت صفارات سيارات الشرطة تحاصر المصنع من كل اتجاه.


 


الدكتور بص من الشباك…


 


ثم ابتسم لأول مرة بثقة كاملة.


 


وقال:


 


— للأسف…


 


الشرطة مش جاية تنقذكم…


 


الشرطة جاية تاخدكم.


الفصل الثاني عشر


فضلت أبص للدكتور سامح.


وبعدين بصيت من الشباك.


العربيات فعلًا كانت بتملأ المكان.


صفارات الشرطة قربت.


وأصوات الأبواب وهي بتتفتح كانت واضحة.


تنفست الصعداء.


قلت بسرعة:


— الحمد لله.


لكن الدكتور سامح ضحك.


ضحكة هادية.


كأن اللي بيحصل قدامه متوقعه من زمان.


قال:


— واضح إنك لسه فاكرة إن الدنيا أبيض وأسود.


بصيتله بعدم فهم.


— يعني إيه؟


رد وهو بيقفل الملف قدامه.


— يعني مش كل حد لابس بدلة شرطة… يبقى جاي يحميكي.


وقبل ما أستوعب كلامه…


سمعنا صوت خبط عنيف على باب المصنع.


صوت راجل صرخ:


— افتحوا… شرطة!


كريم قرب من الشباك.


بص دقيقة.


وشه اتغير.


رجع بسرعة وقفل الستارة.


همس:


— دول مش القوة اللي كنت مستنيها.


قلت بتوتر:


— عرفت منين؟


رد:


— العربيات من بره شرطة.


لكن اللي لابسهم…


مش كلهم ضباط.


الدكتور سامح ابتسم.


— أخيرًا بدأت تفهم.


بعد ثواني…


الباب الخارجي اتكسر.


وصوت خطوات كتير بدأ يقرب.


الدكتور سامح فتح درج المكتب.


طلع منه حقيبة جلد صغيرة.



رماها ناحية كريم.


— خدها.


كريم مسكها باستغراب.


— دي إيه؟


— الحاجة اللي بيدوروا عليها من سنتين.


قلت بسرعة:


— والفلاشة؟


بصلي الدكتور.


— الفلاشة فيها جزء من الحقيقة.


لكن الحقيبة…


فيها الحقيقة كلها.


قلبي اتقبض.


كل شوية يظهر دليل جديد.


وكل دليل يفتح عشر أسئلة.


وفجأة…


اتفتح باب المكتب بعنف.


دخل تلات رجالة.


لابسين سترات الشرطة.


لكن أول ما دخلوا…


واحد منهم خلع الكاب.


عرفته فورًا.


كان الراجل اللي قابل كريم تحت العمارة.


ابتسم وقال:


— خلص وقت الهروب.


رفع س\لاحه.


وأشار ناحية كريم.


— الحقيبة.


كريم ضمها لصدره.


— مستحيل.


الراجل ضحك.


— لسه فاكر إنك بطل؟


وفجأة…


من غير أي مقدمات…


الدكتور سامح وقف بينهم.


فتح دراعيه.


وقال:


— سيبوهم يمشوا.


الراجل بصله باستغراب.


— إنت نسيت الاتفاق؟


رد الدكتور بهدوء:


— الاتفاق انتهى.


الرجل رفع الس\لاح في وشه.


— يبقى انتهت حياتك.


صوت طلقة دوّى في المكتب.


صرخت.


غمضت عيني تلقائيًا.


ولما فتحتهم…


لقيت الدكتور سامح واقع على الأرض.


والدم بينتشر تحت جسمه.


لكن قبل ما يقع بالكامل…


بصلي.


وأشار بإيده ناحية المكتبة الخشب اللي وراه.


وهمس آخر كلمة:


— الدور…


استغربت.


دور؟


إيه يقصد؟


في اللحظة دي…


كريم شدني بعنف.


— يلا!


جرينا ناحية المكتبة.


بدأ يحركها بكل قوته.


اتحركت فعلًا.


وكان وراها باب حديد صغير.


فتحناه.


طلع سلم نازل لتحت.


دخلنا بسرعة.


وقفل كريم الباب من جوه.


سمعنا الرجالة بيكسروا المكتب فوق.


لكن ماوصلوش لينا.


نزلنا السلم.


كان طويل.


وضلمة.


لحد ما وصلنا لنفق قديم.


واضح إنه معمول من سنين.


على الحيطان كانت فيه لمبات صفراء خافتة.


وكل عشر خطوات تقريبًا…


كان فيه كاميرا مراقبة.


قلت وأنا ببص حوالي:


— مين اللي عامل المكان ده؟


رد كريم وهو بيجري:


— المكان أقدم من الشبكة نفسها.


فضلنا نجري حوالي خمس دقايق.


لحد ما وصلنا لباب إلكتروني.


فتح كريم الحقيبة بسرعة.


أول مرة أشوف اللي جواها.


ماكانش فلوس.


ولا دهب.


كان فيها ملفات زرقا.


وجهاز هارد كبير.


ودفتر قديم.


وفوق الكل…


صورة لطفل.


عمره حوالي سنتين.


ابتسمت من غير وعي.


قلبي قال إنه ابني.


لكن لما قلبت الصورة…


اتجمدت.


مكتوب وراها:


“الطفل رقم 47.”


مش اسم.


ولا تاريخ ميلاد.


مجرد رقم.


ورقم المشروع اللي شفته قبل كده كان…


المشروع 47.


رفعت عيني ناحية كريم.


لقيته بيبص للصورة بنفس الصدمة.


قلت بصوت مرتعش:


— هو… ليه مكتوب عليه رقم؟


كريم بلع ريقه.


وقبل ما يرد…


النفق كله اهتز بعنف.


وانطفت كل الأنوار.


ثم اشتغل صوت آلي جاي من السماعات المخفية في السقف.


صوت ست.


هادئ جدًا.


قال:


“تم تفعيل بروتوكول الإخلاء…


جميع الملفات ستُدمَّر خلال ثلاثين دقيقة.”


وبدأ عدّاد أحمر يضيء فوق الباب…


29:59… 29:58… 29:57…


الفصل الثالث عشر


صوت العدّاد فضل يتكرر في المكان.


29:56… 29:55…


بصيت ناحية كريم.


— يعني إيه الملفات هتتدمر؟


فتح الحقيبة بسرعة وهو بيتنفس بصعوبة.



— يعني كل دليل على اللي حصل هيختفي.


قلت بارتباك:


— طب ناخد الحقيبة ونخرج.


هز رأسه بعنف.


— مش هينفع.


— ليه؟


طلع الهارد الكبير من الحقيبة.


كان متوصل بقفل معدني.


قال:


— الهارد ده مربوط بالنظام كله.


لو خرجناه غلط…


هيتمسح تلقائي.


حاولت أستوعب.


كل حاجة كانت معقدة أكتر من اللي قبلها.


وفجأة…


النفق كله نور.


لكن الإضاءة كانت حمرا.


والصوت الآلي رجع يتكلم.


“تبقى تسع وعشرون دقيقة.”


“يرجى من العاملين إخلاء المنشأة.”


قلت باستغراب:


— المنشأة؟


إحنا في نفق!


رد كريم وهو بيبص حواليه:


— لأ…


إحنا تحتها.


فضلت ماشية وراه.


كل ما نتقدم…


أكتشف إن المكان أكبر.


غرف زجاجية.


معامل.


أجهزة طبية.


حضانات أطفال فاضية.


وكأن المكان كان مستشفى كاملة تحت الأرض.


وقفت فجأة.


قدام حضانة.


كان لسه عليها بطاقة.


اقتربت منها.


وقريت المكتوب.


47


حسيت برجلي بتضعف.


مديت إيدي ولمست الإزاز.


التراب كان متراكم.


يعني الحضانة دي بقالها فترة طويلة متستخدمتش.


همست:


— كان هنا؟


كريم سكت.


وده كان كفاية.


دموعي نزلت من غير صوت.


ابني…


قضى أول أيام عمره هنا.


بعيد عن حضني.


وبعيد عن أي اسم.


مجرد رقم.


شدني كريم من إيدي.


— لازم نمشي.


لكن قبل ما أتحرك…


لمحت دفتر صغير تحت الحضانة.


انحنيت أخدته.


كان مكتوب عليه.


سجل المتابعة اليومية.


فتحته.


أول صفحة.


“اليوم الأول.”


“الطفل 47… العلامات الحيوية مستقرة.”


قلبت الصفحة.


“اليوم السابع.”


“الطفل بدأ يستجيب للأصوات.”


بعدها.


“اليوم الخامس عشر.”


“الطفل يبتسم عند سماع صوت السيدة رقم M.”


وقفت.


رجعت أقرا السطر تاني.


قلت بسرعة:


— مين السيدة M؟


كريم أخد الدفتر.


قراه.


وشه اتغير.


همس:


— مستحيل…


— إيه؟


وراني صفحة بعدها.


كان فيها توقيع.


M. Samah


اتجمدت.


— سامح؟


— لأ.


الدكتورة مها سامح.


بصيتله.


— مين دي؟


قال:


— أخت الدكتور سامح.


طبيبة أطفال.


اختفت من سنتين.


افتكرت.


كنت سمعت الاسم في المستشفى زمان.


كانوا بيقولوا إنها سافرت.


لكن واضح…


إنها ما سافرتش.


هي كانت هنا.


وسط المكان ده.


قلبت آخر صفحة.


كان فيها ملاحظة مختلفة عن كل اللي قبلها.


“الطفل 47 تعلّق بالسيدة M بصورة غير طبيعية.”


“يُنصح بنقله قبل إتمام عامه الأول.”


تجمدت.


يعني…


ابني عاش مع واحدة تانية.


وناداها…


ماما.


وجع غريب عصر قلبي.


ماقدرتش أتكلم.


في اللحظة دي…


سمعنا صوت باب بيتفتح بعيد.


وكلام ناس.


فيه حد نزل النفق.


كريم قفل الدفتر بسرعة.


وطفى الكشاف.


بقينا واقفين في الضلمة.


الخطوات كانت بتقرب.


وصوت راجل قال:


— دوروا كويس.


الحقيبة لازم ترجع قبل انتهاء العد التنازلي.


رد عليه صوت تاني:


— ولو لقيناهم؟


قال بمنتهى البرود:


— الراجل اقتلوه…


أما الدكتورة…


لا.


هي لسه ليها دور.


مسكت دراع كريم بقوة.


همست:


— هما عايزيني ليه؟


رد بصوت منخفض جدًا:


— لأن الحقيقة اللي لسه محدش قالهالك…


إن اختفاء ابننا…


ماكانش الهدف الأساسي.


بلع ريقه.


وأكمل وهو باصص في عيني:


— الهدف الحقيقي…


كان إنتِ.



الفصل الرابع عشر


فضلت باصة لكريم.


الكلمة الأخيرة كانت بتلف في دماغي.


“الهدف الحقيقي… كان إنتِ.”


همست وأنا مش قادرة أستوعب.


— أنا؟


هز رأسه.


— من أول يوم.


— ليه؟


بص حواليه يتأكد إن محدش قريب.


وبعدين قرب مني.


— فاكرة أول مرة اتقابلنا؟


استغربت السؤال.


— في مؤتمر النساء والتوليد.


— قبلها بأسبوع.


سكت.


— أنا كنت جاي المستشفى مخصوص علشان أقابلك.


حسيت إن قلبي وقع.


— يعني إيه؟


— يعني لقاؤنا… ماكانش صدفة.


رجعت خطوة لورا.


— إنت بتهزر؟


— والله كنت أتمنى يكون هزار.


حط الحقيبة على الأرض.


وقعد قدامي.


كأنه تعب من الهروب.


وتعب أكتر من الكذب.


قال بهدوء:


— وقتها كنت طيار جديد.


وبشتغل ساعات زيادة علشان أسدد ديون أبويا.


وفي يوم…


اتعرض عليا شغل.


مجرد نقل طرود.


من غير أسئلة.


ومن غير تفتيش.


قلتله بسرعة:


— كنت بتهرب حاجة؟


هز رأسه.


— ماكنتش أعرف.


افتكرت إنها أوراق أو أجهزة.


لحد ما في مرة…


واحدة من الشحنات اتفتحت قدامي.


وساعتها…


عرفت إن الموضوع أكبر بكتير.


قلت بخوف:


— كان فيها إيه؟


غمض عينه.


— ملفات أطفال.


شهادات ميلاد.


تحليل DNA.


وصور.


سكت لحظة.


وكمل.


— أول اسم شدني…


كان اسمك.


حسيت إن الدنيا لفت بيا.


— اسمي أنا؟


— أيوه.


طلع ورقة قديمة من الحقيبة.


ناولها لي.


كانت صورة لملف إلكتروني مطبوع.


أعلى الصفحة مكتوب.


“المرشحة M-14.”


وتحتها صورتي.


لكن الصورة ماكانتش حديثة.


دي كانت صورة التخرج.


من كلية الطب.


ومكتوب تحتها.


“التخصص المقترح: نساء وتوليد.”


وقريت السطر اللي بعده.


“احتمال النجاح: 98.6%.”


رفعت عيني بسرعة.


— نجاح في إيه؟


قال كريم:


— محدش كان فاهم.


ولا حتى الناس اللي شغالة معاهم.


كل واحد كان شايف جزء.


لكن الصورة الكاملة…


كانت عند شخص واحد.


— مين؟


قبل ما يرد…


سمعنا صوت حركة في آخر الممر.


اتخبينا بسرعة ورا الأجهزة.


عدى اتنين لابسين ملابس طبية.


واحد منهم قال:


— لازم ننقل الملفات قبل ما النظام يقفل.


رد التاني:


— والدكتورة؟


— المدير قال إنها لازم تفضل عايشة.


ولو ماتت…


المشروع كله هيقع.


استنيت لحد ما بعدوا.


وبعدين خرجت.


بصيت ناحية كريم.


— المشروع بيرجعلي أنا كل مرة.


هو إيه المشروع ده؟


اتنهد.


— معرفش كله.


لكن أعرف البداية.


قرب مني.


وقال بصوت منخفض:


— والدك.


شهقت.


— بابا؟


— كان أستاذ وراثة.


قلت بسرعة:


— بابا كان مدرس كيمياء في الثانوية.


هز رأسه.


— ده اللي إنتِ تعرفيه.


ضحكت بعصبية.


— إنت وصلت إنك هتغيرلي تاريخ أبويا؟


مد إيده للحقيبة.


طلع صورة قديمة جدًا.


بالأبيض والأسود.


فيها خمسة أشخاص لابسين بالطوهات معمل.


وفي النص…


واقف أبويا.


أصغر بكتير.


لكن هو.


مستحيل أغلط فيه.


على ضهر الصورة مكتوب بخط اليد.


“فريق مشروع الحياة – 1998.”


وقفت أبص للصورة.


إيديا كانت بتترعش.


أبويا عمره ما قال إنه اشتغل في أي مركز أبحاث.


ولا حتى سافر.


كان دايمًا يقول إنه عاش حياته كلها بين المدرسة والبيت.


قلت وأنا حاسة إن أنفاسي بتضيق:


— الصورة دي مزورة.

رد كريم بهدوء:


— أتمنى.


قلبت الصورة.


كان في أسفلها توقيع.


مش توقيع أبويا.


توقيع شخص تاني.


اسم واحد.


الدكتور فؤاد السيوفي.


أول ما قريت الاسم…


افتكرت.


الدكتور سامح قبل ما يموت بدقائق…


كان بيتمتم بنفس الاسم.


لكن وقتها ماخدتش بالي.


وقبل ما ألحق أسأل كريم…


النفق كله اهتز مرة تانية.


والصوت الآلي رجع يعلن:


“يتبقى عشرون دقيقة.”


وفي نفس اللحظة…


نور شاشة كبيرة كانت مطفية في آخر القاعة.


اشتغلت لوحدها.


وظهر عليها رجل مسن.


شعره أبيض.


لابس بدلة رمادي.


ابتسم وهو بيبص مباشرة ناحية الكاميرا.


وقال بهدوء:


— مساء الخير يا دكتورة مريم…


استنيت اللحظة دي من أكتر من ثلاثين سنة.


الفصل الخامس عشر


اتجمدت مكاني.


الرجل العجوز على الشاشة كان بيتكلم وكأنه شايفني فعلًا.


ابتسامته ماكانتش ابتسامة شخص انتصر…


كانت ابتسامة واحد مستني اللحظة دي من عمر.


بصيت ناحية كريم.


وشه اصفر.


همس:


— الدكتور فؤاد…


قلت بسرعة:


— إنت تعرفه؟


رد من غير ما يرفع عينه عن الشاشة:


— أعرف اسمه…


لكن أول مرة أشوف وشه.


الرجل على الشاشة بدأ يتكلم بهدوء شديد.


— لو الفيديو ده شغال…


يبقى معناه إن كل الخطط فشلت.


وفشلت بالطريقة الوحيدة اللي كنت خايف منها.


إن مريم توصل بنفسها للحقيقة.


وقف لحظة.


وشرب رشفة مية.


وكمل.


— يمكن دلوقتي تكرهيني.


وده حقك.


لكن قبل ما تحكمي…


اسمعي للنهاية.


أنا ماكنتش مركزة معاه.


كنت مركزة في حاجة تانية.


ورا ضهره.


في الصورة.


كان فيه رف خشب.


وعليه برواز صغير.


كبرت الشاشة بإيدي.


وقلبي وقف.


البرواز كان فيه صورة قديمة.


أنا.


وأنا عندي يمكن خمس أو ست سنين.


لابسة فستان أبيض.


وبضحك.


قلت بصوت متقطع:


— الصورة دي…


كانت عندنا في البيت.


إزاي وصلت عنده؟


كريم بص للشاشة.


واتصدم هو كمان.


الدكتور فؤاد كمل كلامه كأنه سامعنا.


— مريم…


إنتِ طول عمرك فاكرة إن حياتك بدأت يوم اتولدتي.


لكن الحقيقة…


إن حياتك بدأت قبلها بسنين.


اتسعت عيني.


— يعني إيه؟


طبعًا الفيديو ماكانش هيجاوب.


لكن كل كلمة كانت بتفتح ألف سؤال.


قال:


— والدك كان من أعز أصدقائي.


اشتغلنا سوا أكتر من عشر سنين.


وكان عندنا حلم.


نقدر ننقذ أطفال كتير من أمراض وراثية قاتلة.


في البداية…


كل حاجة كانت قانونية.


أبحاث.


تحاليل.


تجارب معملية.


لكن مع الوقت…


دخل ناس معاهم فلوس.


ونفوذ.


وماكانوش مهتمين بعلاج حد.


كانوا عايزين يتحكموا.


يتحكموا في كل حاجة.


في الأمراض.


وفي العلاج.


وفي البشر نفسهم.


بصيت لكريم.


لقيته مركز في كل كلمة.


أما أنا…


فكل اللي كان في دماغي…


بابا.


بابا عمره ما كان بيحب يتكلم عن شبابه.


كل ما أسأله…


كان يغير الموضوع.


كأن فيه حاجة بيهرب منها.


الدكتور فؤاد فتح ملف قدامه.


وقال:


— أول واحد انسحب من المشروع…


كان والدك.


لأنه اكتشف إن الأبحاث اتسرقت.


واتحولت لحاجة تانية خالص.


ولما حاول يبلغ…


اختفى ثلاثة من زمايلنا.


سكت.


وبعدين قال الجملة اللي خلت قلبي يقف.


— وبعدها…



قرروا إن أفضل طريقة لإسكاته…


هي مراقبة أغلى حاجة عنده.


ابنته.


أنا.


أنا كنت المقصودة.


من وأنا طفلة.


قال وهو بيقلب ورقة قدامه:


— أول تقرير عن مريم اتكتب وهي عندها سبع سنين.


أول تحليل دم اتاخد منها من غير ما تعرف.


وأول ملف باسمها اتفتح وهي عندها اتناشر سنة.


كل مرحلة في حياتها كانت بتتسجل.


تفوقها.


دخولها كلية الطب.


تخصصها.


جوازها.


حتى حملها.


ماكانش فيه أي حاجة صدفة.


حسيت إن نفسي بيضيق.


سنين كاملة…


وأنا فاكرة إني باختار حياتي.


طلع إن حد تاني كان بيراقب كل اختيار.


وفجأة…


انقطعت الصورة.


الشاشة اسودت.


ورجع العد التنازلي يشتغل.


18:41… 18:40…


في نفس اللحظة…


جهاز صغير داخل الحقيبة بدأ يرن.


كريم فتحه بسرعة.


كان جهاز اتصال قديم.


طلع منه صوت ضعيف ومتقطع.


— …لو… حد… سامعني…


أنا…


ندى…


بصيت لكريم.


وشغل الصوت على أعلى درجة.


ندى كانت بتنهج.


وصوتها مليان خوف.


— سامعني يا كريم؟


لو معاك مريم…


اسمعوا كويس.


أنا هربت.


بس مش هقدر أهرب كتير.


فيه حاجة لازم تعرفوها قبل ما يوصلوا ليا.


سكتت ثواني.


وسمعنا صوت باب بيتكسر في الخلفية.


وبعدين قالت بسرعة وهي بتعيط:


— الطفل 47 مش موجود في المكان اللي إنتوا فاكرينه…


هو اتنقل من ست شهور…


بأمر مباشر من…


وفجأة…


الصوت اتقطع.


وسمعنا طلقة نار.


وبعدها…


صمت كامل.


أنا وكريم فضلنا نبص لبعض.


ولا واحد فينا قدر ينطق.


لكن بعد ثوانٍ…


الجهاز رجع اشتغل لوحده.


وطلع صوت مختلف.


صوت راجل.


هادئ جدًا.


قال جملة واحدة فقط:


— لو عايزين الطفل…


تعالوا لمكان بداية كل شيء…


المستشفى اللي اتولد فيه.


يتبع

الفصل السادس عشر


 


أنا وكريم بصينا لبعض.


 


أول مرة من ساعات…


 


ولا واحد فينا كان عنده رد.


 


المستشفى.


 


المكان اللي كنت فاكرة إنه شهد أسوأ يوم في حياتي.


 


يمكن يكون هو نفسه المكان اللي مخبي الحقيقة كلها.


 


لكن قبل ما نتحرك…


 


رجع صوت العداد يرن في المكان.


 


17:58… 17:57…


 


كريم قفل جهاز الاتصال بسرعة.


 


وقال:


 


— لو خرجنا دلوقتي من غير الملفات… هنبدأ من الصفر.


 


قلت وأنا ماسكة الصورة بتاعة ابني:


 


— ولو ضيعنا الوقت هنا… ممكن نضيع آخر فرصة نشوفه.


 


كان قرار مستحيل.


 


إما الحقيقة…


 


أو ابني.


 


وفجأة…


 


افتكرت حاجة.


 


فتحت الحقيبة بسرعة.


 


كلنا كنا مركزين على الملفات والهارد.


 


لكن كان فيه ظرف صغير في الجنب.


 


مكتوب عليه بخط الدكتور سامح.


 


“يُفتح داخل المستشفى فقط.”


 


شهقت.


 


— يعني هو كان عارف.


 


كريم أخد الظرف.


 


لفه بين إيده.


 


كان تقيل بشكل غريب.


 


قال:


 


— فيه حاجة جواه.


 


مزق طرفه بحذر.


 


وقع منه مفتاح إلكتروني صغير.


 


ومعاه كارت بلاستيك.


 


مكتوب عليه:


 


B2 – ARCHIVE


 


بصيت باستغراب.



 


— أرشيف إيه؟


 


رد كريم وهو بيحاول يفتكر.


 


— تحت المستشفى فيه بدروم قديم.


 


كانوا قافلينه من سنين.


 


كل الموظفين كانوا فاكرين إنه مخزن.


 


الدكتور سامح مرة لمحلي وقال…


 


“فيه أماكن في المستشفى محدش يعرف إنها لسه موجودة.”


 


اتنهد.


 


— يمكن كان يقصد المكان ده.


 


الصوت الآلي قاطعنا.


 


“يتبقى سبعة عشر دقيقة.”


 


وفي اللحظة دي…


 


نور الطوارئ انطفى ثانية واحدة.


 


ولما رجع…


 


لقينا حد واقف في آخر الممر.


 


ست.


 


لابسة بالطو أبيض.


 


وشعرها مربوط.


 


وشها كان مرهق.


 


لكن أول ما شفته…


 


افتكرت الاسم اللي قريناه في الدفتر.


 


الدكتورة مها.


 


أخت الدكتور سامح.


 


بصتلنا بعين مليانة خوف.


 


ورفعت صباعها على بؤها.


 


إشارة إنها عايزة مننا نسكت.


 


جريت ناحيتها.


 


قلت بسرعة:


 


— إنتِ الدكتورة مها؟


 


هزت رأسها.


 


— مفيش وقت.


 


بصت للحقيبة.


 


— أخدتوا السجل؟


 


قلت:


 


— أيوه.


 


— والهارد؟


 


— معانا.


 


اتنفست براحة كأن حمل كبير اتشال من عليها.


 


وقالت:


 


— يبقى لسه فيه أمل.


 


كريم قرب منها.


 


— ابني فين؟


 


سكتت.


 


غمضت عينها ثواني.


 


ولما فتحتهم…


 


كان واضح إنها بتحارب دموعها.


 


قالت:


 


— هو عايش.


 


الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تخليني أبكي.


 


لكنها كملت بسرعة.


 


— بس لو رحتوا المستشفى من الباب الرئيسي…


 


مش هتوصلوله.


 


قلت:


 


— ليه؟


 


— لأن من ساعة ما خرجت من هنا…


 


وصلهم خبر إنكم هتعرفوا مكانه.


 


دلوقتي المستشفى كلها متراقبة.


 


كل كاميرا.


 


كل ممر.


 


كل أوضة.


 


حتى الأمن…


 


مش كله تبع المستشفى.


 


كريم سألها:


 


— ندخل إزاي؟


 


طلعت ورقة قديمة من جيبها.


 


كانت خريطة.


 


خريطة للمستشفى.


 


لكن مختلفة عن اللي أعرفها.


 


فيها ممرات تحت الأرض.


 


وغرف مش موجودة في أي تصميم رسمي.


 


وأشارت على نقطة بعيدة.


 


— هنا.


 


نفق الصيانة القديم.


 


بيقود مباشرة لبدروم B2.


 


قلت وأنا ببص للخريطة:


 


— وإيه اللي في B2؟


 


ردت بصوت منخفض جدًا:


 


— الأرشيف الحقيقي.


 


كل طفل اتولد.


 


كل اسم اتغير.


 


كل شهادة وفاة مزورة.


 


كل عيلة اتسرق منها طفل.


 


كل حاجة هناك.


 


كريم سألها:


 


— وابننا؟


 


هنا لأول مرة…


 


مها بصتلي مباشرة.


 


وقالت:


 


— لو لقيتوا الملف رقم 47…


 


هتعرفوا هو فين دلوقتي.


 


لكن أوعوا تعملوا غلطة واحدة.


 


قلت:


 


— إيه هي؟


 


اتنفست ببطء.


 


وبعدين همست:


 


— مهما حصل…


 


ما تفتحوش الملف جوه المستشفى.


 



أنا وكريم بصينا لبعض في نفس اللحظة.


 


قلت باستغراب:


 


— ليه؟


 


قبل ما تجاوب…


 


دوّى انفجار عنيف في آخر النفق.


 


الأرض اهتزت تحت رجلينا.


 


والأتربة بدأت تنزل من السقف.


 


لفت مها بسرعة.


 


وشها شحب.


 


وقالت وهي بتجري:


 


— سبقونا…


 


عرفوا إننا هنا.


 


الفصل السابع عشر


الانفجار هز النفق كله.


الأتربة نزلت من السقف.


ولحظة واحدة كانت كفاية علشان الأنوار تطفي وترجع تشتغل تاني.


مها صرخت:


— اجـروا!


مسكت الخريطة بإيدي.


وكريم شال الحقيبة.


وجرينا وراها.


النفق كان طويل ومتشعب.


كل شوية ممر جديد.


وأبواب حديد مقفولة من الجانبين.


وأصوات ناس بتقرب من ورا.


سمعت حد بيصرخ:


— متخلوهمش يخرجوا!


الرصاص ضرب في المواسير.


وصوت المية انفجر من السقف.


النفق بدأ يتملي مية بسرعة.


كريم مسك إيدي بقوة.


— خليكي جنبي.


مها وقفت قدام باب حديد قديم.


طلعت من جيبها مفتاح نحاس صغير.


فتحته بسرعة.


دخلنا.


وقفلت الباب ورانا.


في اللحظة اللي اتقفل فيها…


سمعنا رجالة بيخبطوا عليه من الناحية التانية.


سندت ضهري على الحيطة وأنا بنهج.


قلت لمها:


— هما مين؟


ردت وهي بتحاول تسترد نفسها:


— اللي فضل من الشبكة.


— يعني الشرطة؟


هزت رأسها.


— بعضهم.


— والمستشفى؟


— بعضهم برضه.


كل مؤسسة فيها ناس شرفاء…


وفيها ناس اتباعت.


المكان اللي دخلناه كان عبارة عن غرفة صغيرة.


فيها مولد كهرباء قديم.


وشاشات مراقبة.


وخرائط للمستشفى.


واضح إنها كانت غرفة تحكم.


مها شغلت شاشة.


ظهر عليها بث مباشر من كاميرات المستشفى.


بصيت للشاشة.


الدور الأرضي مليان أمن.


الاستقبال مليان ناس.


لكن الغريب…


إن المرضى العاديين بيتعاملوا طبيعي جدًا.


ولا حد حاسس إن تحت رجليه فيه عالم تاني.


قالت مها:


— دي ميزة المكان.


كل اللي فوق عايش حياته.


واللي تحت…


حرب بقالها سنين.


بصيت للشاشات.


وفجأة…


عرفت وش.


الممرضة هناء.


نفس اللي كنت فاكرة إنها اختفت.


كانت ماشية في ممر الأطفال.


لابسة زي التمريض.


وكأنها شغالة عادي.


قلت بسرعة:


— دي هناء!


مها قربت من الشاشة.


وشها اتغير.


— مستحيل…


— إيه؟


— آخر معلومة عندي إنها ماتت.


قلت بحدة:


— أهي قدامنا.


مها سكتت ثواني.


وبعدين همست:


— يبقى اللي مات…


كان حد تاني.


فتحت كاميرا تانية.


هناء دخلت أوضة.


رقمها…


بعد دقيقة…


خرجت وهي ماسكة إيد طفل صغير.


كان ضهره للكاميرا.


لكن أول ما لف وشه…


قلبي وقف.


نفس العينين.


نفس الابتسامة اللي شوفتها في الصورة.


ونفس السلسلة الفضة.


صرخت من غير ما أحس:


— ابني!


دموعي نزلت.


مديت إيدي ناحية الشاشة كأني هلمسه.


الطفل كان بيضحك.


وماسك لعبة صغيرة.


قلت وأنا ببكي:


— هو…


هو كويس.


مها ضغطت زرار.


كبرت الصورة.


وقالت:


— استني.


فيه حاجة.


وقفت الفيديو.


كبرت السلسلة اللي في رقبته.


ماكانش محفور عليها حرف “م” بس.


كان محفور وراها تاريخ.


27 / 11.


افتكرت التاريخ فورًا.


ده تاريخ عيد جوازي.



التاريخ اللي أنا وكريم اخترناه علشان ننقش السلسلة.


بقيتش قادرة أشك ثانية.


ده ابني.


لكن بعد ثواني…


دخل راجل الأوضة.


أول ما شفته…


شهقت.


كان الدكتور اللي وقع شهادة وفاة ابني.


بنفسه.


كان المفروض على المعاش من سنة.


لكنه واقف قدام الطفل.


وبيبتسم له.


مسح على شعره.


وقال:


— يلا يا يوسف.


اتجمدت.


بصيت لكريم.


— يوسف؟


إحنا عمرنا ما سميناه يوسف.


كريم كان باصص للشاشة وعينيه مليانة دموع.


قال بصوت مخنوق:


— غيروا حتى اسمه.


في اللحظة دي…


الطفل رفع راسه.


وبص ناحية الكاميرا مباشرة.


كأنه حس إن حد بيراقبه.


وبعدين…


ابتسم.


ورفع اللعبة اللي في إيده.


كانت لعبة طيارة صغيرة.


نفس الطيارة البلاستيك اللي كريم اشتراها قبل ما أولد بشهر.


وكان مخبيها في أوضة الطفل.


قلت وأنا حاسة إن قلبي هينفجر:


— مستحيل…


إزاي اللعبة دي معاه؟


مها بصتلي بحزن.


وقالت:


— لأن حد منكم…


كان بيوصل له هدايا طول السنتين اللي فاتوا.


لفيت ناحية كريم ببطء.


هو ما اتكلمش.


لكن نظرة واحدة في عينيه…


كانت كفاية أعرف منها…


إن فيه سر أخطر بكتير…


لسه ما اتقالش.


 


الفصل الثامن عشر


قال بصوت مكسور:


— أنا كنت بشوفه.


الكلمة نزلت عليا كأنها طلقة.


بصيتله بعدم استيعاب.


— إيه؟


— كنت بشوف ابننا.


اتجمدت.


فضلت باصة له يمكن يقول إنه بيهزر.


لكنه كمل وهو بيبكي.


— أول مرة شوفته كان عنده حوالي ست شهور.


وقتها كانوا بعتولي صورته.


وقالولي لو نفذت كل اللي يطلبوه…


هيسمحولي أشوفه خمس دقايق كل كام شهر.


صرخت فيه:


— وإنت وافقت؟!


قفل عينيه.


— وافقت…


لأنهم هددوني بيه.


وبيكي.


قالولي لو بلغت الشرطة…


هيختفي للأبد.


ولو قلتلك الحقيقة…


هيقتلوه قدامي.


كل مرة كنت بروحله…


كانوا يفتشوني.


وياخدوا الموبايل.


ويسمحولي أقعد معاه عشر دقايق بس.


كان فاكرني…


عمو كريم.


مش أبوه.


الجملة الأخيرة كسرتني.


قعدت على الأرض.


أنا كنت ببكي على طفل فاكرة إنه مات.


وهو كان بيعيش…


لكن من غير أم.


ومن غير أب.


وفجأة…


افتكرت اللعبة.


الطيارة.


بصيت لكريم.


— اللعبة اللي كانت معاه…


إنت اللي وديتهاله؟


هز رأسه.


— وكل عيد ميلاد…


كنت بسيبله هدية.


من غير ما يعرف مين جابهاله.


قلت بمرارة:


— وأنا؟


عمرك فكرت وأنا قاعدة في البيت بموت كل ليلة؟


رد وهو منهار:


— كنت بموت معاكي.


بس ماكانش ينفع أخسركوا أنتم الاتنين.


سكتت.


مش علشان سامحته.


لكن علشان لأول مرة…


شفت حجم السجن اللي كان عايش فيه.


في اللحظة دي…


مها قطعت الصمت.


— لو فضلنا نتكلم…


هنخسر كل حاجة.


بصت للعداد.


كان باقي أقل من ستاشر دقيقة.


فتحت خريطة المستشفى.


وشاورت على أوضة صغيرة في البدروم.


— هنا.


أرشيف الأطفال.


لكن فيه مكان أهم.


بصتلها.


— فين؟


أشارت لغرفة جنب الأرشيف مباشرة.


مكتوب عليها.


غرفة الملفات الحية.


استغربت.


— ملفات حية؟


قالت:


— كل طفل بيتاخد…


بيبقى له ملف ورقي.


لكن كمان…


بيبقى فيه ملف إلكتروني بيتحدث كل شهر.


يعني…


آخر مكان الطفل موجود فيه.



والاسم الجديد.


والمدرسة.


وكل تفاصيل حياته.


قلبي دق بعنف.


يعني…


لو وصلنا للملف.


هنوصل له.


قال كريم بسرعة:


— يبقى نسيب كل حاجة ونجيب الملف.


مها هزت رأسها.


— لا.


الملف لوحده مش هيكفي.


قلت باستغراب:


— ليه؟


قالت:


— لأن الطفل مسجل باسم عيلة تانية رسميًا.


ولو أخدتيه من غير دليل…


إنتِ اللي هتتبقي خاطفة أطفال.


سكتنا.


كانت دي أول مرة أفكر في النقطة دي.


لو لقيته…


هيقولي إيه؟


أنا مين بالنسبة له؟


أمه؟


ولا ست غريبة؟


وفجأة…


نور شاشة المراقبة قدامنا.


ظهرت أوضة أطفال.


فيها خمس سراير.


وفي آخر سرير…


كان يوسف.


قاعد بيرسم.


دخلت عليه ست في الأربعينات.


ابتسمتله.


وبوسته من راسه.


وقالها وهو بيحضنها:


— ماما…


قلبي اتقطع.


فضلت أبص للمشهد وأنا عاجزة.


الست دي…


هي اللي ربته.


هي اللي كان بيجري عليها لما يخاف.


هي اللي حفظ صوتها.


مش أنا.


دموعي نزلت بصمت.


قلت وأنا باصة للشاشة:


— هو بيحبها…


مها حطت إيدها على كتفي.


— لأنها بالنسبة له أمه.


لكن الحقيقة…


إن قلب الطفل أكبر من اللي إحنا متخيلينه.


لما يعرف الحقيقة…


هيكون محتاجكم أنتم الاتنين.


بس…


مش بالطريقة اللي إنتِ متخيلاها.


قبل ما أسألها تقصد إيه…


دوى صوت إنذار مختلف.


مش إنذار العد التنازلي.


إنذار دخول.


وشاشة المراقبة اتحولت تلقائيًا لباب المستشفى الرئيسي.


نزل منه راجل في الستينات.


أنيق جدًا.


لابس بدلة سوداء.


وكل أفراد الأمن وقفوا أول ما شافوه.


واحد منهم فتحله الباب وهو بيقول باحترام:


— أهلًا يا فندم.


مها أول ما شافته…


وشها فقد لونه.


همست بخوف:


— خلصت…


قلت بسرعة:


— مين ده؟


ردت وهي بترجع خطوة لورا:


— ده رئيس الشبكة الحقيقي…


والراجل الوحيد…


اللي محدش شاف وشه من عشرين سنة.


ورفع الرجل رأسه فجأة…


وبص مباشرة في كاميرا المراقبة.


ثم ابتسم ابتسامة هادئة…


وقال وكأنه عارف إننا بنتفرج عليه:


— أهلًا بيكي يا مريم…


اتأخرتِ عليا كتير.


الفصل التاسع عشر


اتجمدت مكاني.


الرجل كان واقف قدام باب المستشفى.


ولا بص حواليه.


ولا حتى سلم على حد.


من أول ما نزل من العربية…


كان باصص في الكاميرا.


كأنه عارف إننا بنتفرج عليه.


مها اتراجعت لورا خطوة.


إيديها بدأت ترتعش.


ولأول مرة من ساعة شوفتها…


حسيت إنها فقدت السيطرة.


همست:


— لازم نمشي… حالًا.


بصيت لها.


— مين ده؟


ردت بصعوبة:


— اسمه كمال الرفاعي.


الاسم كان غريب عليا.


لكن واضح إنه مش غريب عليهم.


كريم بلع ريقه وقال:


— الراجل ده كنت فاكره مجرد ممول.


مها هزت رأسها.


— كلنا افتكرنا كده.


لحد ما الدكتور سامح اكتشف الحقيقة.


قلت بسرعة:


— إيه الحقيقة؟


ردت وهي بتبص للشاشة:


— الدكتور فؤاد هو اللي أسس المشروع علميًا.


لكن بعد سنين…


كمال اشترى كل حاجة.


المعامل…


المستشفيات…


الملفات…


والبشر.


ومن يومها…


بقى هو صاحب القرار.


بصيت للشاشة.


كمال كان ماشي في الممر.


وكل واحد يقابله ينزل رأسه.


مش احترام.


خوف.


دخل المصعد.


ضغط زر البدروم.



مها شهقت.


— جاي هنا.


العداد كان بيعد.


14:12


كريم قفل الحقيبة.


وقال:


— لازم نتحرك.


طلعنا من غرفة المراقبة.


وجرينا في الممر.


كل شوية نعدي باب عليه أرقام.


B7…


B6…


B5…


لحد ما وقفنا قدام باب إلكتروني.


فوقه لافتة صغيرة.


B2 – ARCHIVE


طلعت الكارت اللي لقيناه.


حطيته على جهاز الدخول.


الجهاز نور أخضر.


والباب اتفتح ببطء.


أول ما دخلت…


وقفت مكاني.


الأرشيف ماكانش مجرد دولاب ملفات.


كان قاعة كاملة.


صفوف طويلة من الأدراج المعدنية.


كل درج عليه سنة.


1989…


1994…


2001…


2017…


وفي آخر القاعة…


خزنة إلكترونية ضخمة.


فوقها شاشة مكتوب عليها.


PROJECT 47


مها جريت عليها.


بدأت تكتب أرقام بسرعة.


قلت:


— عرفتي الرقم منين؟


ردت وهي شغالة:


— الدكتور سامح حفظهولي قبل ما يموت.


الجهاز عمل صوت.


ورفض.


قالت بقلق:


— غيروه.


في نفس اللحظة…


سمعنا صوت المصعد.


حد وصل للبدروم.


كلنا بصينا لبعض.


الخطوات كانت بتقرب.


بهدوء.


من غير استعجال.


كأن صاحبها واثق إنه هيلاقينا.


وفجأة…


اتفتح باب الأرشيف.


دخل كمال الرفاعي.


لوحده.


من غير حرس.


وقف على الباب.


وبص ناحيتي مباشرة.


وقال بابتسامة هادئة:


— أخيرًا قابلتك يا مريم.


أنا معرفش ليه…


لكن كنت متأكد إنك هتوصلي لحد هنا.


ما رديتش.


قال وهو بيقرب خطوة:


— متخافيش.


أنا مش جاي أقتلك.


أنا جاي أرجعلك ابنك.


شهقت.


كريم وقف قدامي فورًا.


— ولا كلمة من كلامه.


كمال ضحك.


— لسه فاكر إنها هتصدقك؟


ثم مد إيده بملف بني.


وحطه على أول ترابيزة.


— ده ملف الطفل 47.


كل حاجة عنه.


اسمه الحقيقي.


واسمه الحالي.


وعنوانه.


وكل خطوة عاشها.


مديت إيدي ناحية الملف.


لكن كريم مسكني.


— لأ.


كمال ابتسم.


— كويس…


لسه عندك حد بينصحك.


ثم فتح الملف بنفسه.


وأخرج منه صورة حديثة.


ولد جميل…


لابس زي مدرسة.


واقف بين راجل وست.


وبيضحك.


لكن اللي شدني…


مش الصورة.


اللي شدني…


إن الست كانت حضناه بنفس الطريقة اللي أي أم بتحضن ابنها.


قال كمال بهدوء:


— اسمه دلوقتي يوسف.


عنده ثلاث سنين.


وبيفتكر إن الست دي أمه.


ولو خدتيه دلوقتي…


هتكسري حياته.


حسيت دموعي بتنزل.


كان بيقول الحقيقة.


حتى لو كان مجرم.


الطفل مالوش ذنب.


كمال كمل:


— وأنا مستعد أرجعهولك.


لكن عندي شرط واحد.


قلت بصوت مرتعش:


— إيه هو؟


بص في عيني مباشرة.


وقال:


— افتحي الحقيبة…


وسلميلي الهارد.


وساعتها…


هخرج من حياتكم للأبد.


ساد الصمت.


بصيت لكريم.


بصيت لمها.


وبصيت لصورة ابني.


وفي اللحظة دي…


فهمت إن القرار اللي هاخده…


مش هيغير حياتي أنا وبس.


هيغير حياة طفل…


اتربى ثلاث سنين على حقيقة مختلفة.


وأي اختيار غلط…


هيدفع تمنه هو.


 


الفصل العشرون


فضلت باصة لصورة يوسف.


كل الأصوات حواليا اختفت.


لا عداد.


ولا إنذار.


ولا حتى وجود كمال.


كل اللي كنت شايفاه…


وش طفل بيضحك.


طفل مايعرفنيش.


يمكن لو وقفت قدامه دلوقتي…


هيستخبى ورا الست اللي ربته.


يمكن يبكي لو حاولت أشيله.


الفكرة كانت بتقتلني.


قال كمال بهدوء:


— شوفتي؟


أنا عمري ما أذيته.


كبر في بيت نظيف.


دخل أحسن حضانة.


وأحسن مدارس.


وعمره ما حس إنه محروم.


رفعت عيني وبصيتله.


وقلت لأول مرة بثبات:


— لكنك سرقته.


اختفت ابتسامته لثانية.


ثم رجعت تاني.


— أنقذته.


صرخت فيه:


— أنقذته من أمه؟


قال بهدوء غريب:


— أنقذته من الحقيقة.


اتجه ناحيتي ببطء.


— لو خرج يوسف النهارده وعرف إن كل حياته كذبة…


مين هيدفع التمن؟


إنتِ؟


ولا الطفل؟


سكت.


لأنه كان عارف إن السؤال صعب.


ثم بص للحقيبة.


— الهارد يا دكتورة.


وانتهى كل شيء.


في اللحظة دي…


مها فتحت الدرج الأخير في الأرشيف.


صرخت:


— لقيته!


كلنا لفينا ناحيتها.


طلعت ملف أسود كبير.


وعليه شريط أحمر.


مكتوب بخط واضح:


النسخة الأصلية


كمال اتغير وشه لأول مرة.


صرخ:


— ابعدي عنه!


لكن مها كانت أسرع.


رمت الملف ناحية كريم.


كريم التقطه.


وجري بيه.


الرصاص دوى في القاعة.


إحدى الطلقات أصابت الرفوف المعدنية.


مئات الملفات وقعت على الأرض.


أوراق.


شهادات ميلاد.


تقارير.


صور أطفال.


كل حاجة اتبعثرت.


وأنا…


وقفت في نص القاعة.


ببص على الورق.


وفجأة…


وقعت عيني على صورة صغيرة.


ولد عمره حوالي أربع سنين.


تحته اسم.


“آدم.”


جنبها صورة بنت.


“ليان.”


بعدها طفل تالت.


وبعدين رابع.


كلهم ليهم نفس الملاحظة.


تغيير الهوية مكتمل.


رفعت رأسي بصدمة.


دي ماكانتوش حالة واحدة.


دي عشرات.


يمكن مئات.


كمال لمح نظرتي.


وقال بهدوء:


— افتحي أي درج.


هتلاقي ألف قصة شبه قصتك.


قلت بذهول:


— إنت مجنون.


هز رأسه.


— لأ.


أنا راجل صنع عائلات.


صرخت:


— إنت دمرت عائلات!


وفي اللحظة دي…


دوى صوت انفجار تاني.


لكن المرة دي…


كان أقرب.


السقف بدأ ينهار.


مها صرخت:


— نظام التدمير بدأ!


كريم فتح الملف الأسود بسرعة.


جواه فلاشة زرقا.


ودفتر صغير.


ومظروف مكتوب عليه:


“يفتح بمعرفة النيابة العامة فقط.”


ابتسم لأول مرة من بداية الهروب.


وقال:


— خلصت.


بصيتله باستغراب.


قال وهو بيرفع الفلاشة:


— دي مش مجرد ملفات.


دي تحويلات بنكية.


وتسجيلات.


وأسماء كل اللي شاركوا.


من أول الممرض…


لحد أكبر مسؤول.


كمال جرى ناحيته.


لكن قبل ما يوصل…


مها شدت ذراع كمال بكل قوتها.


وقالت وهي بتصرخ:


— اجري يا كريم!


التفت كريم ناحيتي.


مد إيده.


— مريم!


بصيت مرة أخيرة ناحية كمال.


كان بيحاول يفلت من مها.


والسقف بينهار فوق الجميع.


مديت إيدي لكريم.


ومسكتها.


وجرينا.


خلفنا…


كانت القاعة كلها بتنهار.


وأمامنا…


كان ممر طويل يؤدي إلى باب الخروج.


ولأول مرة…


بعد سنتين من الخوف…


حسيت إن النهاية بقت قريبة.


لكن في آخر الممر…


وقف قدامنا أربعة رجال مسلحين.


وفي منتصفهم…


كانت الست التي ربّت يوسف.


وهي تحتضنه بقوة.


والطفل كان يبكي…


ولا يفهم لماذا الجميع يصرخ من حوله.


في اللحظة دي…


عرفت أن أصعب مواجهة في حياتي…


لن تكون مع كمال.


بل مع طفل…


لا يعرف أنني أمه.


الفصل الأخير


يوسف كان مستخبي في حضن الست اللي ربته.


بيبكي.


وكل ما حد يقرب منه…


يزود تمسكه بيها.


وقفت مكاني.



دموعي نزلت من غير ما أحس.


كنت مستنية اللحظة دي من سنتين.


لكن أول ما شوفته قدامي…


ماقدرتش أتحرك.


كمال ابتسم وهو شايف ترددي.


وقال بهدوء:


— قولتلك…


إنتِ مش هتعرفي تاخديه.


ده خلاص بقى ابنها.


بصيت ليوسف.


كان مرعوب.


ولو جريت عليه في اللحظة دي…


كل اللي هيفتكره بعد كده…


إن ست غريبة حاولت تخطفه.


أخدت نفسًا طويلًا.


وبصيت للست.


كانت هي كمان بتعيط.


وقالت بصوت مرتعش:


— والله… أنا ما سرقتوش.


أنا استلمته وهو عنده شهور.


قالولي إن أمه ماتت.


وربيته كأنه ابني.


عمري ما أذيته.


ولا يوم.


قربت منها بهدوء.


ولأول مرة…


ماكانش عندي غضب ناحيتها.


كان عندي وجع.


بس.


قلت بصوت هادي:


— أنا عارفة.


رفعت رأسها تبصلي.


كملت:


— وإنتِ كمان ضحية.


الست انهارت في البكاء.


حضنت يوسف أكتر.


وقالت:


— لو أخدتيه…


أنا هموت.


بصيت ليوسف.


وبعدين بصيت ليها.


وقلت الجملة اللي حتى أنا ماكنتش متوقعة أقولها.


— مش هاخده النهارده.


كل اللي حواليا اتصدم.


حتى كريم.


كمال نفسه وقف يبصلي باستغراب.


قلت وأنا باصة ليوسف:


— الطفل مش ورقة.


ومش دليل.


ومش غنيمة.


هو إنسان.


ولو خدته دلوقتي…


هكسر قلبه.


وهقلب حياته جحيم.


أنا هسترده…


بالقانون.


وبالوقت.


وبالحب.


مش بالقوة.


في اللحظة دي…


دوّى صوت عربيات كتير من بره.


لكن المرة دي…


كانت قوات الأمن الحقيقية.


وصلت بعد ما كريم بعت نسخة من الفلاشة والملفات عبر نظام الطوارئ قبل انهيار الأرشيف.


خلال دقائق…


المكان كله اتحاصر.


كمال حاول يهرب.


لكن قبل ما يوصل للباب…


وقف قدامه الشاهد.


كان مصاب…


لكن لسه حي.


ابتسم لكمال وقال:


— المرة دي…


خلصت.


حاول كمال يرفع س\لاحه.


لكن الضباط سبقوه.


واتقبض عليه.


وبدأت حملة قبض واسعة.


كل اسم كان موجود في الفلاشة…


اتقبض عليه خلال أيام.


أطباء.


موظفون.


وسطاء.


ورجال أعمال.


أما الدكتورة هناء…


فكانت أول واحدة اعترفت بكل حاجة.


واعترفت بمكان كل طفل.


واحدًا واحدًا…


بدأ الأطفال يرجعوا لأهاليهم الحقيقيين.


لكن الرجوع…


ماكانش سهل.


بعض الأطفال كانوا كبار.


وبقوا متعلقين بالعائلات اللي ربتهم.


والمحاكم شكلت لجانًا نفسية واجتماعية علشان كل طفل يرجع بالطريقة اللي تحميه.


أما يوسف…


فالقاضي رفض نقله فورًا.


وقرر برنامج انتقال تدريجي.


في البداية…


كنت بشوفه ساعة كل أسبوع.


كان بيقعد بعيد.


ويبصلي باستغراب.


ويناديني:


“طنط.”


وكانت الكلمة بتوجعني…


لكنني كنت بابتسم.


بعد شهرين…


بقى يوافق يمسك إيدي.


بعد أربعة شهور…


رسم رسمة فيها بيتين.


ولما سألته:


— البيت ده بتاع مين؟


قال:


— ده بيت ماما.


وأشار للست اللي ربته.


ثم رسم بيتًا ثانيًا.


وقال وهو بيبتسم بخجل:


— وده… بيت الدكتورة مريم.


ابتسمت.


لأنه لأول مرة…


قال اسمي من غير خوف.


ومرت الشهور.


وبدأنا نحكي له الحقيقة تدريجيًا.


من غير كذب.


ومن غير كراهية.


علمناه إن الإنسان ممكن يكون عنده قلب يتسع لأكثر من شخص.


وإن الست اللي ربته أمته بحبها.



وأنا أمه اللي ولدته وربنا رجعهولي.


وفي يوم…


بعد سنة كاملة…


كنا قاعدين في الحديقة.


يوسف كان بيلعب بطيارة صغيرة.


نفس الطيارة اللي اشتراهاله كريم قبل ولادته.


وقع.


جري ناحيتي.


حضن رجلي.


وقال بعفوية:


— ماما…


اتجمدت.


بصيت له.


قلت وأنا دموعي نازلة:


— نعم يا حبيبي؟


ابتسم.


وقال:


— هتلعبي معايا؟


ركعت على ركبتي.


حضنته بكل قوتي.


وبكيت.


مش بكاء وجع.


لكن بكاء أم…


رجعلها ابنها.


أما كريم…


فحُكم عليه بالسجن مع إيقاف التنفيذ بعد أن ثبت أنه أخفى معلومات تحت التهديد، لكنه كان سببًا رئيسيًا في كشف الشبكة وإنقاذ الأطفال، مع خضوعه للمساءلة القانونية.


وبعد سنوات…


وقفنا أنا وهو في أول افتتاح لمركز مجاني لدعم الأطفال المفقودين والعائدين إلى أسرهم.


وعلى مدخل المركز…


علّقنا لوحة صغيرة كتبنا عليها:


“قد تُسرق السنوات… لكن الحقيقة، مهما تأخرت، تجد طريقها دائمًا.”


تمت. حكايات الكاتبه اسما السيد




تعليقات

التنقل السريع