جوزي حول شهر العسل لفسحة لأمه وأخته…
حكايات اسما السيد كامله
جوزي حول شهر العسل لفسحة لأمه وأخته… وقالي أنام على كنبة الفندق، لكنه ماكنش يعرف إن نفس الليلة هحجز تذكرة راجعة لوحدي، وأعرض الشقة اللي كان فاكر إنها بقت ملكه للبيع.
جوزي طلب مني أدور على أوضة إيجار بالساعات…
في شهر العسل.
مش لينا إحنا الاتنين…ليا أنا.
أمه هتنام على السرير الكبير.
وأخته، اللي كانت لسه سايبة شغلها، “محتاجة تغير جو”.
وأنا…العروسة اللي بقالها تلات أيام متجوزة…
المفروض أستحمى في أي مكان، وأقضي الليلة على كنبة في ريسبشن الفندق.في اللحظة دي…
فهمت حاجة عمري ما هنساه…الست مش بتسيب جوزها بسبب خناقة.
بتسيبه لما تشوف مكانتها الحقيقية وسط عيلة جوزها متهانه…اسمي سارة الشاذلي.
قبل فرحي على كريم بتلات شهور، كنت حاجزة رحلة للساحل الشمالي…حلمت بشهر عسل بسيط…
نمشي على البحر…نفطر وإحنا بنتفرج على الموج.
ونتكلم عن حياتنا الجديدة.
تذكرتين.كرسيين جنب بعض.وأوضة مطلة على البحر.
رحلة لشخصين.
لكن…
قبل السفر بيوم، دخل كريم الصالون بابتسامته الهادية.
وقال:
“ماما نفسها تشم هوا البحر… وضهرها تعبان. ودنيا أختي لسه سايبة شغلها وحالتها النفسية تعبانة. إحنا مش هنخسر حاجة لو خدناهم معانا.”
بلعت ريقي…آه…ده شهر عسلي.
لكن قلت لنفسي:”بلاش أبان أنانية من أول الجواز.”
فوافقت.ابتسم.وباسني على راسي.
وقال:
“كنت عارف إنك بنت أصول.”
وده كان أول غلط عملته.
افتكرت إن “بنت أصول” معناها إنه بيقدرني.
لكن الحقيقة…
كانت معناها إني هسكت على أي حاجة.
لما وصلنا الفندق في الساحل…
موظف الاستقبال اعتذر وقال إن حصل خطأ في الحجز.
مافضلش غير جناح عائلي كبير.
سرير كبير.
كنبة صغيرة.
وحمام واحد.
بصيت لكريم…
مستنية إنه يطلب حل.
لكنه بص لأمه.
وبعدين لأخته.
وبعدين بصلي كأن الحل واضح.
وقال بمنتهى البساطة:
“سارة… انزلي شوفي لو فيه أوضة إيجار قريبة. استحمي فيها، ولو مالقيتيش… نامي على كنبة الريسبشن. دي ليلة واحدة.”وقفت مكاني…والشنطة في إيدي.
أما حماتي…
فقعدت على السرير الكبير وهي بتخلع الجزمة.
وقالت:”يا بنتي… إنتوا الشباب تستحملوا.”وفي نفس اللحظة…
طلعت دنيا من الحمام وقالت:
“سارة… وإنتِ نازلة هاتيلي إزازة مية ساقعة.”
دخلت نسمة البحر من البلكونة…ريحة البحر…والإجازة…
والحرية.وفجأة…كل الأصوات اللي جوا دماغي اختفت.
نزلت من غير ما أرد.عديت الريسبشن.
خرجت من الفندق.وأوقفت أول تاكسي.
السواق سألني:”على فين يا مدام؟”قلت:
مشيت خطوات سريعة ناحية الشارع، الهواء البارد طير شعري، والتاكسي كان واقف على أول الشارع نوره ضارب في العتمة. السواق بصل مرايته بستغراب وهما بيشوف شنطتي الكبيرة ووشي اللي مافيهوش نقطة دم.
“على فين يا مدام؟”
رديت وبصوتي ثابت بشكل خضني أنا شخصياً: “على الموقف… أو محطة الأتوبيسات. أي حاجة متحركة للقاهرة فوراً.”
السواق هز رأسه وشغل العداد. طلعت تليفوني، إيدي ماكانتش ب think أو ترتعش، بالعكس… كان في نوع غريب من الهدوء البيصاحب اللحظات اللي العقل فيها بياخد قرار مفيش منه رجوع. فتحت تطبيق حجز الأتوبيسات الخاصة، ولقيت آخر رحلة قيامها بعد نص ساعة. حجزت الكرسي رقم واحد، جنب الشباك.
في نفس الوقت اللي كنت بركب فيه الأتوبيس، التليفون بدأ يرن.
“كريم”.
ما رديتش. سبت التليفون يرن… مرتين، تلاتة، عشرة.
بعدها بعت رسالة: *”سارة انتِ فين؟ نزلتِ تكتشفي المنطقة ولا إيه؟ أمي عايزة تتعشى ودنيا بتقولك ما تنسيش المية.”*
قرأت الرسالة وابتسمت. ابتسامة وجع بس فيها سخرية مش طبيعية. هو مش شايف. مش مستوعب. بالنسبة له، أنا مجرد قطعة ديكور اتركنت على جنب عشان العيلة الكريمة تستجم.
قفلت التليفون خالص. وحطيت رأسي على الشباك. طوال طريق السفر اللي أخد أربع ساعات، كنت بفتكر كل تفصيلة في الكام شهر اللي فاتوا. بفتكر لما كنا بنجهز الشقة.
الشقة دي… قصتها قصة.
أنا وسارة الشاذلي، مش مجرد عروسة ساكتة. أنا مهندسة ديكور، وشغالة في شركة كبيرة، ولما اتخطبنا كريم ماكانش معاه يقدم المقدم الكامل لشقة الملك. الشقة كانت مكتوبة باسمه بالتقسيط، لكن أنا اللي دفعت أكتر من نص ثمنها كـ “مقدم” من تحويشة عمري وشغلي، وكتبنا بيننا ورقة ضد غير رسمية لحد ما القسط يخلص وننقل الملكية مناصفة. الشقة دي كانت حلمي. أنا اللي اخترت سيراميكها، أنا اللي نقيت ألوان الحوائط، وأنا اللي اخترت كل قطعة عفش بذوقي وفلوسي.
كريم كان دايماً يقولي: “إحنا واحد يا سارة… الشقة شقتك، والبيت بيتك.”
لكن في الحقيقة، كريم كان شايف إن فلوسي حق مكتسب، وإن تضحياتي واجب، وإن عيلته هي المالك الفعلي لأي حاجة أعملها.
وصلت القاهرة الساعة أربعة الفجر. الشوارع كانت فاضية وساكتة. أخدت تاكسي وعلى الشقة على طول. فتحت الباب بالفيزا والمفتاح، دخلت الشقة اللي ريحة دهانها الجديد لسه فيها. الشقة اللي ما لحقتش أقعد فيها غير يومين قبل ما نسافر “شهر العسل”.
شغلت الأنوار كلها. قعدت في الصالون اللي كريم قعد فيه قبل السفر بيوم وهو بيقولي “أمي وأختي جايين معانا”.
اللحظة دي كانت لحظة الاسترداد.
أول حاجة عملتها، فتحت اللابتوب بتاعي. اتصلت بزميلي في الشركة، محامي شاطر جداً ومسؤول عن عقارات العيلة، قلت له: “سامح… أنا آسفة إني بكلمك الفجر. لكن الورقة العرفية بتاعة الشقة، والتوكيل اللي مع المأذون، والتحويلات البنكية لشركة التطوير العقاري… عايزة أبدأ في إجراءات بيع نصي، أو رفع دعوى تحفظية وبيع الشقة بالكامل فوراً.”
سامح سكت ثانية وقال: “سارة… انتِ مش في الساحل؟ في شهر العسل؟”
قلت له بصوت هادي جداً: “شهر العسل خلص يا سامح. وأنا عايزة حقي ينزل في المزاد أو للبيع من الصبح. اتصل بأي سمسار ثقة من اللي بنتعامل معاهم.”
الساعة ثمانية الصبح، السمسار كان عندي في الشقة. راجل خبير في المنطقة. طاف بالشقة، شاف التشطيب الفاخر، والإضاءات، والموقع.
قال لي: “يا باشمهندسة، الشقة دي لقطة، ولو اتعرضت بسعر أقل من السوق بحاجة بسيطة عشان السرعة، هتباع في أسبوع.”
قلت له: “أنا مش عايزة أسبوع… أنا عايزة عربون النهارده. هتنزل إعلان حالا، وأنا هسيبلك المفتاح، وحقي المالي يتم تحويله في حسابي البنكي أول ما المشتري يدفع المقدم.”
وقعت على أوراق العرض للبيع، وسلمت السمسار نسخته، وطلعت على بيتنا… بيت أهلي.
أبويا وأمي اتفاجئوا لما شافوني داخلة بالشنط وبوش أصفر.
أمي صرخت: “سارة! خير يا بنتي؟ كريم جراله حاجة؟”
قعدت على الكنبة، وبمنتهى الهدوء حكيت كل حاجة. حكيت عن الأتوبيس، عن الكنبة في ريسبشن الفندق، عن الحمام اللي المفروض أستحمى فيه بره، وعن إزازة المية الساقعة اللي دنيا كانت مستنياني أجيبها.
أبويا، الراجل الطيب اللي عمره ما رفع صوته، وشه احمر من الغضب. وقام وقف: “ابن الكلب! فاكر بنات الناس لعبة؟ استغلك واخد فلوسك وفي الآخر يرميكي على كنبة الريسبشن؟”
أمي كانت بتبكي: “يا بنتي ده لسّه ثالث يوم جواز… الناس هتقول إيه؟”
بصيت لأمي وقلت لها: “الناس مش هيلي هيتداس عليها يا أمي. الناس مش هي اللي هيتقال لها نامي في الريسبشن وأم جوزك بتاخد سريرك. اللي يسكت في أول خطوة، هيفضل مكسور طول العمر.”
في الوقت ده… التليفون بتاعي كان مقفول. فتحته الساعة 12 الضهر.
التليفون ما وقفش رن. عشرات المكالمات الفائتة من كريم، ورسايل من أخته دنيا، وحتى من حماتي.
أول رسالة من كريم كانت غاضبة: *”انتِ فين يا هانم؟ سايبة الفندق ومختفية من بالليل؟ أمي قلقانة ودنيا افتكرت جرالك حاجة! ارجعي فوراً.”*
الرسالة اللي بعدها بساعتين كانت كالتالي: *”سارة انتِ اتجننتِ؟ موظف الريسبشن بيقول إنك أخدتِ شنطتك ومشيتِ؟ انتِ بتصغري بيا قدام أهلي؟”*
والرسالة الأخيرة، اللي بعتها قبل ما أفتح التليفون بدقايق، كانت نبرتها اتغيرت تماماً: *”سارة… البواب بيكلمني وبيقولي إن في سمسار وناس طالعين نازلين من الشقة وفي يافطة ‘للبيع’ اتعلقت على البلكونة! انتِ بتعملي إيه عندك؟”*
ابتسمت. القلم بدأ يترد.
اتصلت بكريم. رد من أول رنة، وصوته كان هيطلع من السماعة من كتر العصبية والصريخ:
“انتِ فين يا سارة؟ إيه الجنان اللي بتعمليه ده؟ أمي لسه صاحية ومصدومة من تصرفاتك! زعلتِ عشان قلتلك نامي ليلة في الريسبشن؟ دي أمي يا هانم! انتِ معندكيش أصل ولا تربية؟ وإيه يافطة البيع اللي على الشقة دي؟”
سبته يصرخ ويهدد لحد ما خيم السكوت عليه لما حس إني مش برد ولا بصرخ زي ما هو متوقع.
قلت له بنبرة هادية جداً، زي نبرة مهندس بيكلم زبون في الشغل:
“خلصت كلامك يا كريم؟”
قال بذهول: “خلصت؟ انتِ بتكلميني كده ليه؟”
قلت له: “أولاً… الشقة اللي انت فاكر إنها بتاعتك، أنا حطيت فيها أكتر من ثلثين ثمنها. وبموجب الورقة العرفية والتحويلات، الشقة اتعرضت للبيع رسمياً، وفي مشتري أخد معاينة الصبح ودفع العربون خلاص. وبكرة الصبح، محامي الشركة هيمشي في إجراءات فسخ العقد ونقل الملكية أو تسييل المبلغ.”
كريم اتصدم، صوته بدأ يترعش: “بيع إيه وعربون إيه؟ انتِ مجنونة؟ الشقة دي باسمي!”
ككملت ببرود: “باسك في العقد، لكن الفلوس فلوسي، والورقة الضد والتحويلات البنكية باسمي يا ابن الأصول. ثانياً… بالنسبة لأمك وأختك اللي محتاجين يغيروا جو على حساب كرامتي… الفندق اللي انتوا فيه، أنا حجزته بفيزتي أنا، ومن حقي أكنسل الحجز في أي لحظة.”
سكت كريم… وقفت أنفاسه.
كملت: “أنا كلمت إدارة الفندق من نص ساعة، ووفقاً لسياسة الإلغاء، ألغيت حجز الجناح العائلي بالكامل، وفلوسي استرديتها على الحساب. يعني قدامكم بالضبط نص ساعة، وموظف الريسبشن هيدخل يطلب من أمك وأختك يلموا شنطهم ويطلعوا بره الجناح… لأن الغرفة خلاص مش مدفوعة.”
كريم صرخ بأعلى صوته: “انتِ بتنتقمي مني؟ بتطردي أمي وأختي في الشارع في الساحل؟ انتِ إيه؟ معندكيش رحمة؟”
رديت عليه بكلمة واحدة، كانت زي السكين:
“الرحمة يا كريم… بتتعطى للبني آدمين. مش للي بيطلب من مراته تنام على كنبة الريسبشن في شهر العسل عشان ينبسط هو وعيلته على قفاها. الشنط اللي بره دي… شنط هدمتك اللي جمعتها من الشقة وهتوصلك على بيت أمك. والمأذون هيتوصل بيك بكرة.”
قفلت السكة في وشها.
وبعد عشر دقايق بالضبط، التليفون رن تاني… بس المرة دي مش كريم. كانت حماتي!
فتحت الخط وسبتها تتكلم. كانت بتتكلم وهي بتلهث وصوتها مليان قهر وذهول:
“سارة؟ يا بنتي انتِ عملتِ إيه؟ الأوفيس بوي بيخبط على الباب وبيقولنا انزلوا حالا الحجز اتلغى! الدنيا حر بره وأنا ضهري وجعني! هو إحنا عملنالك إيه لكل ده؟ عشان ليلة؟”
قلت لها بكل احترامي البارد:
“يا طنط… انتِ مش قلتِ لي البارح ‘يا بنتي انتوا الشباب تستحملوا’؟ أديكي شايفه… أنا استحملت وسافرت القاهرة. ودلوقتي جه دوركم تستحملوا الشارع والشمس… ودنيا أخت كريم، وهي نازلة، ما تنساش تجيبلك إزازة مية ساقعة.”
قفلت الخط. وقفت جنب شباك أوضتي القديمة في بيت أهلي.
السماء كانت صافية، والشمس طالعة. حسيت بحجم التعب والوجع اللي في قلبي، بس في نفس الوقت حسيت بنوع غريب من الحرية. الحرية اللي بتيجي لما ترفضي تكوني الضحية المثالية، ولما تقرري إن كرامتك خط أحمر… محدش يقدر يتخطاه، حتى لو كان الشخص اللي اخترتِ تكملي معاه حياتك.
حكايات اسما السيد 2
قفلت السكة في وش حماتي، وحطيت التليفون على الترابيزة. إيدي كانت بتتعدل وثابتة بشكل يخوف، لكن من جوايا كان فيه بركان بيغلي. وجع الروح أصعب بكتير من وجع الجسد؛ أصل الوجع مش إني سبت الساحل أو بعت الشقة، الوجع إني اكتشفت إني كنت عايشة في وهم كبير اسمه “الجواز والسند”.
النهار عدى ببطء شديد في بيت أهلي. أمي كانت كل شوية تدخل عليا الأوضة، تبصلي وتطبطب على كتفي من غير ما تتكلم. وعين أبويا كانت مليانة غضب وفخر في نفس الوقت؛ غضب من النذالة اللي اتعرضت لها، وفخر إني ما قبلتش الإهانة ووقفت على رجلي.
على الساعة سبعة بالليل، الجرس رن بهستيريا. ضربات متتالية ومتواصلة على الباب كأن الشقة بتتحرق.
أبويا قام فتح الباب، ووقف وسادّ المدخل بكتفه.
كان كريم… وشه أصفر، هدومه متبهدلة، وشعره منكوش كأنه طالع من خناقة، ووراه واقفة أمه بتسند على أخته دنيا. أمه اللي كانت البارح بتخلع جزمتها على السرير الكبير وبتقولي “استحملي”، كانت جاية دلوقتي بتجر رجليها ودنيا ماسكة شنطة إيدها وموطية رأسها في الأرض.
كريم زق الباب وبص لأبويا بصوت مقطوع: “عمي… أنا عايز أكلم سارة. سارة اتجننت! طردتنا في الشارع، وأمي ضهرها اتقطم من قعدة الرصيف مستنية الأتوبيس!”
أبويا بصله بمنتهى القسوة وقال: “وطي صوتك يا كريم. كلمة زيادة ومش هتوصل بيتكم على رجليك. البنت اللي أنت رميتها على كنبة الريسبشن هي بنت الراجل اللي واقف قدامك ده، وأنا ما ربيتش بنتي عشان تخدمك أنت وعيلتك وتنام في الصالونات!”
سمعت الصوت وطلعت من الأوضة. مشيت بخطوات ثابته ووقفت جنب أبويا. بصيت لكريم وبصيت لأمه.
حماتي أول ما شافتني، سابت إيد دنيا وجت ناحيتي وهي بتبكي: “سارة يا بنتي… حقك عليا! أنا ماكنتش أعرف إن كريم هيقولك تنامي في الريسبشن! والله أنا افتكرته أجرلك أوضة ثانية! إحنا اترمينا في الشمس ثلاث ساعات لحد ما لقينا ميكروباص يرجعنا القاهرة… أنا سكرى عليّ في الطريق يا بنتي!”
رديت عليها وأنا عيني في عينها: “طنط… أنتِ كنتِ قاعدة على السرير الكبير، وسمعتيه وهو بيقولي ‘انزلي شوفي أوضة إيجار بالساعات أو نامي على كنبة الريسبشن’. وقلتِ لي بالحرف: ‘الشباب يستحملوا’. لما كانت كرامتي هي اللي بتتداس، كان الموضوع عادي بالنسبة لك. دلوقتي لما دُقتِ نفس الكأس، افتكرتِ المرض والسكر؟”
حماتي اتلجمت وما عرفتش ترد.
كريم اتدخل وصوته مليان غل ومخلوط بالترجي: “سارة بلاش الفضيحة دي! الجيران يتفرجوا علينا على الباب؟ ادخلي جوا نتكلم… والموضوع بتاع الشقة ده لازم يتقفل! السمسار كلمني وقال إن فيه مشتري هيتصل بيا بكرة يخلص في نصك، أنتِ بتهدّي بيتنا بإيديكي؟”
ابتسمت بسخرية: “بيتنا؟ هو كان فيه بيت أصلاً يا كريم؟ البيت اللي يتبنى على استغلال فلوسي وإهانة كرامتي يبقى بيت قش، وأقل هواء يطيره. والشقة أنا مش بعت نصي بس… السمسار جاب مشتري للشقة بالكامل لأن الورقة الضد والتحويلات تحميني، وأنا هرفع دعوى فرز وتجنيب وتسييل للحقوق فوراً بكرة الصبح بواسطة المحامي.”
كريم قرب مني خطوة وصوته بدأ يعلى: “أنتِ فاكرة نفسك إيه؟ فاكرة عشان معاكي قرشين وهندسية ومستقلة هتلوّي دراعي؟ أنا جوزك! وسي السيد في بيتي! ومفيش قرش هيطلعلك من الشقة دي إلا بالقانون، وأعلى ما في خيلك اركبيه!”
في اللحظة دي، دنيا أخته اتكلمت فجأة، وصوتها كان مليان حقد: “يا كريم سيبك منها! دي واحدة ما بتفهمش في الأصول! إحنا غلطانين إننا اعتبرناها واحدة مننا وجينا معاها عشان نفرح بيها! دي جاية تبوظ فرحتنا وتذلنا بفلوسها!”
بصيت لـ دنيا وقلت لها: “تفرحوا بيا؟ أنتِ جاية شهر العسل بتاعي بشنطة هدومك عشان ‘تغيري جو’ بعد ما سِبتِ شغلك، وتطلبي مني إزازة مية ساقعة وأنا مطرودة من الأوضة! أنتِ وأخوكي وأمك فاكرين إن الجواز بالنسبة لي كان صفقة عشان ألاقي راجل يسترني؟ أنا اللي كنت ساتراكم بفلوسي، وأنا اللي بفرملتكم عند حدكم!”
أبويا مسك كريم من ياقة قميصه وزقه بره الباب: “بره! بره بيتي يا نذل! ورقت بنتي هتوصلها مع حقوقها كاملة بالقانون، والقعدة اللي بين الرجال هتبقى في المحاكم!”
كريم كان بيزعق وهو نازل على السلم: “مش هطلق! وهسيبك معلقة كده ولا طايقة سما ولا أرض! والشقة دي مش هتشوفي منها جنيه واحد يا سارة!”
قفلت الباب في وشهم. الصمت رجع للمكان تاني.
أمي مسكت إيدي وهي بترتعش: “يا بنتي… هتعملي إيه في موضوع الطلاق والشقة؟ ده شكله ناعم بس ناشف وممكن يغلبك في المحاكم.”
بصيت لأمي وقلت لها بصلابة عمري ما حسيت بيها قبل كده: “اللي قدرت تاخد قرار وترجع من الساحل في نص الليل لوحدها، تقدر تجيب حقها للقسط الأخير يا أمي. كريم فاكر إن نقطة ضعفي هي كلام الناس أو إني أخاف أكون ‘مطلقة بعد ثلاثة أيام’. بس هو ما يعرفش إن الخوف ده أنا رميته في البحر وأنا ركبة الأتوبيس.”
تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالتمام، كنت قاعدة في مكتب المحامي سامح. الأوراق كلها كانت متستفة قدامي: الشيكات، تحويلات الحساب البنكي باسم شركة العقارات، الورقة العرفية الموقعة منه ومن شهود، وصورة من حجز الفندق اللي اتلغى.
سامح كان بيقرا الأوراق ويهز رأسه بإعجاب: “سارة… موقفه القانوني ضعيف جداً. الورقة الضد مع تحويلات الحساب البنكي باسمك تخليني أقدر أعمل تحفظ تحفظي على الشقة وتجميد لأي تصرف فيها، وده هيجبره يرجعلك كل جنيه دفعتيه بالفوائد، أو يبيع ويقسم. أما بالنسبة للطلاق… فالرسايل اللي بعثهالك وهو بيعترف فيها إنه سابك في الريسبشن وبيطالبك بالتنازل، دي لوحدها إثبات للضرر يسقط حقوقه ويضمنلك حقوقك الشرعية.”
وأنا قاعدة بتكلم مع سامح، التليفون رن.
الرقم كان غريب… فتحت السكة.
كان صوت راجل رزين وراقي: “أهلاً يا باشمهندسة سارة… أنا الأستاذ طارق، المشتري اللي السمسار فرجني على الشقة الصبح. أنا عرفت إن فيه مشكلة بسيطة بينك وبين الطرف الثاني، وأنا كاش وجاهز أدفع ثمن الشقة كاملاً للطرفين فوراً ونخلص الإجراءات في المحكمة بشرط إنك أنتِ اللي تسلميني الشقة.”
ابتسمت وقلت له: “أهلاً بك يا أستاذ طارق… أنا جاهزة، بس فيه محامي هيتواصل مع حضرتك دلوقتي عشان نضمن إن الإجراءات تتم صح، وكريم ياخد نصيبه القانوني الصافي بعد خصم كل الديون اللي عليه ليا.”
قفلت مع المشتري، وبصيت لسامح وقلت له: “ابدأ الإجراءات فوراً يا سامح. رفع دعوى طلاق للضرر، ودعوى تحفظ على الشقة.”
خرجت من مكتب المحامي، والشمس كانت ضاربة في الشارع. حسيت إن كل خطوة بأمشيها هي خطوة ببعد بيها عن السجن اللي كنت هحبس نفسي فيه باسم “بنت الأصول اللي بتعدي”.
لكن… الأحداث ما انتهتش هنا. كريم، لما عرف إن المحامي بدأ في إجراءات التحفظ وإن المشتري جاهز يدفع كاش، أدرك إن كل كروته اتكشفت، وإن اللعبة اللي كان بيلعبها عشان يبتزني مالياً ونفسياً خسرت.
بعد يومين بالضبط، جالي إشعار على التليفون… رسالة جديدة من كريم، بس المرة دي ما كانش فيها صريخ ولا تهديد.
الرسالة كانت: *”سارة… أنا مستعد أطلق بالود، ونبيع الشقة ونقسم المبلغ زي ما المحامي يقول… بس بشرط واحد.”*
قرأت الرسالة وقفت في نص الشارع، وعيني لمعت بدهاء… يا ترى إيه الشرط اللي كريم فاكر إنه يقدر يفرضه عليا في الوقت ده؟
مسكت التليفون وضيّقت عيني وأنا بقرأ رسالته. الشرط! بعد كل اللي عمله، وبعد ما رماني في الشارع وجاب أهله يتضايفوا في شهر عسلي، لسه فاكر إن عنده الورقة الرابحة اللي يساومني بيها؟
فتحت الرسالة وكملت قراءة: *”الشرط إنك تتنازلي عن القض/ية اللي رفعها محاميكي للتحفظ، وتوقعيل إقرار إنك استلمتي مؤخر الصداق ومستحقاتك كاملة، ونحل الموضوع مع المأذون من غير ما ندخل المحاكم ونفضح بعض… وأنا هسيبلك نصيبك في الشقة زي ما التحويلات بتقول من غير منازعة. غير كده، أنا مش هطلق، وهسيب القضايا تطول في المحاكم بالسنين، وأنتِ عارفة محاكم الأسرة والفرز والتجنيب بتاخد وقت قد إيه… شوفي مصلحتك فين يا سارة.”*
ضحكت بصوت واطي في الشارع. الضحكة كانت طالعة من قلبي لأن كريم كشف عن وجهه الحقيقي كاملاً؛ راجل مكار، فاكر إن الوقت والضغط النفسي هيهدوني، وفاكر إن فكرة “واحدة معلقة في المحاكم” هتخليني أترعب وأفرط في حقوقي.
ما رديتش عليه بنقطة واحدة. عملت سكرين شوت للرسالة وبعتها لسامح المحامي على الواتساب، وكتبت تحتها: “سامح، الدليل الجديد وصل. بيكاسر وبيساوم بالطلاق قصاد التنازل عن المؤخر والحقوق.”
سامح رد عليا فوراً بـ voice note وصوته فيه نبرة ارتياح: “ممتاز يا سارة! الرسالة دي في حد ذاتها إثبات جديد على المماطلة والتعسف واستغلال حق الطلاق للمساومة المالية. أنتِ كده بتسهلي عليا القض/ية جداً. سيبيه يتحرق في ناره وما ترديش.”
رجعت البيت، وقعدت مع أبويا وأمي. أبويا لما عرف بالرسالة قال لي بكل حسم: “ولا يفرق معاكي يا سارة. لو القض/ية تقعد عشر سنين، مصاريف المحامي وسكنك وأكلك عليا، وحقك يرجعلك لحد آخر مليم. الراجل ده مفكرك ملهاش ظهر، وأنا هوريه الظهر اللي بجد.”
مرت أسبوعين كاملين… أسبوعين من الحرب الباردة.
كريم كان متخيل إن عدم ردي معناه إني بفكر وبضعف. لكن الحقيقة إني كنت شغالة مع المحامي والسمسار والأستاذ طارق (المشتري) في الصمت. طارق كان متمسك بالشقة جداً لأن موقعها وتطيبها ممتازين، والراجل أظهر حسن نية غير طبيعية؛ وافق يودع ثمن نصي في الحساب البنكي بصفة أمانة عند المحامي، ويستنى إجراءات الفرز أو البيع القضائي للنصف الثاني.
في يوم الحد الصبح، كنت في الشركة شغالة على مشروع ديكور جديد. التليفون رن، وكان الرقم هالمرة مش كريم… كانت “دنيا” أخته!
ترددت ثانية، وبعدين فتحت الخط: “أهلاً يا دنيا.”
صوت دنيا المرة دي ما كانش فيه أي نوع من التكبر أو الغل اللي شفته في بيت أهلي؛ كان صوتها مرعوب وبتبكي: “سارة… أرجوكي الحقينا! ماما محجوزة في المستشفى من البارح، وضغطها عالي جداً وشاكة في جلطة! كريم اتجنن، ومبقاش عارف يتصرف، والشركة اللي شغال فيها عملت معاه تحقيق بسبب الغيابات والقضايا اللي اتعلقت عليه!”
سكت تماماً وما نطقش بكلمة.
دنيا كملت وهي بتتحايل: “سارة… والله إحنا آسفين! أنا عارفة إننا غلطنا في حقك، وأنا اعترفت لكريم إننا كنا أنانيين لما جينا معاكم الساحل، وأمي والله كانت فاكرة إنك موافقة ومش زعلانة! كريم بيضيع يا سارة، والفلوس اللي حاططها في الشقة دي كان واخد جزء منها سلفة من شغله ومهدد بالحبس لو ما سددش القسط اللي عليه الشهر ده! أرجوكي اعفوا واصفحي وتعالي قعدي معاه حليها ودياً!”
غمضت عيني لحظة. الكلام كان صدمة… كريم واخد سلفة من شغله؟ كريم كان بيبني منظرة كدابة على حسابي وحساب فلوسي؟ الراجل اللي كان رايح يعمل فيها سي السيد وكريم العيلة على حساب كرامتي وفلوسي، كان في الأصل مديون ومزنوق وبيغطّي عيبه بفلوسي أنا!
قلت لها بنبرة هادية بس ناشفة زي الخشب: “دنيا… ألف سلامة على طنط، وربنا الشافي. بس الكلام ده كان ينفع قبل ما أخوكي يبعتلي رسالة يساومني فيها بعمري وحقوقي. كريم لما حس إنه قوي، رماني في الريسبشن وحاول يبتزني. ولما حس إن القانون بيلف حوالين رقبته، بعتك تتكلمي نيابة عنه. الحل مش عندي يا دنيا… الحل عند المحامي.”
قفلت الخط، بس قلبي كان بيدق بسرعة. الخبر بتاع المستشفى والسلفة نزل عليا بمزيج من الأسى والشفاء؛ أسى على الحال اللي وصلوا ليه بسبب جشعهم، وشفاء لأن ربنا كان بيكشفلي كل المستور بسرعة غريبة.
بعدها بساعتين، اتصل بي سامح المحامي وقال لي: “سارة… كريم جايلنا المكتب دلوقتي ومعاه محاميه. طالبيين جلسة صلح أو تسوية ودية فورية قبل ما نرفع الدعوى الجنائية بتهمة خيانة الأمانة في المبالغ المسحوبة للشركة.”
قلت لسامح: “أنا جاية حالاً.”
وصلت مكتب المحامي. دخلت الأوضة، ولقيت كريم قاعد.
شكله كان مكسور بجد المرة دي. الهالة اللي كان بيمثلها طارت. أول ما دخلت، قام وقف وبصلي بقلة حيلة.
المحامي بتاعه اتكلم وقال: “يا باشمهندسة سارة… الأستاذ كريم معترف بالخطأ، ومستعد يطلق فوراً عند المأذون، ويسلمك نصيبك من البيع كاملاً زي ما الشيكات بتقول، بشرط إننا نعمل تنازل متقابل عن كافة القضايا وننهي الموضوع في ساعته.”
بصيت لكريم وقعدت قدامه.
قلت له: “التنازل هيحصل يا كريم… بس بشروطي أنا المرة دي. مش بشروطك أنت.”
كريم بلع ريقه وصوته كان واطي جداً: “شروط إيه يا سارة؟”
طلعت ورقة وقلم وحطيتها قدامه على الترابيزة…
قلت له: “أولاً: الشقة تتباع للأستاذ طارق بالكامل النهارده، ومبلغي يتدفع كاش كاملاً مكمل، شامل الفوائد اللي خسرتها من تحويشة عمري. ثانياً: مؤخر الصداق والمتعة ونفقة العدة تاخدهم مني كاش في إيدك قدام المأذون حالاً… وتوقع على إبراء ذمة شامل.”
كريم بصلي بذهول: “يعني هتديني حقوقي وتخلصي فوراً؟”
ابتسمت ابتسامة ذكية وقلت له: “أنا مش عايزة منك جنيه زيادة يا كريم… أنا عايزة اشتري حريتي وكرامتي بكامل فلوسي، وأقطع أي خيط يربطني بيك أو بعيلتك للأبد. الفلوس بتروح وتيجي، بس العمر والكرامة لو راحوا ما بيرجعوش.”
كريم مسك القلم وإيده بتمشي على الورقة عشان يوقع على الاتفاق المبدئي… لكن قبل ما سنه يلمس الورقة، باب المكتب اتفتح فجأة ودخل شخص ماكنتش أتوقع وجوده إطلاقاً في اللحظة دي!
حكايات اسما السيد 3
الباب اتفتح بحدة، والكل اتلفّت ناحية الدخول.
كان الأستاذ طارق… المشتري نفسه!
دخل ومسكه في إيده ملف أوراق أسود، وعلى وشّه علامات غضب وتصميم مش طبيعيين. وراه كان فيه راجل تاني باين عليه الهيبة والجمود، لابس بدلة رسمية وساعة قيمة جداً.
كريم بصلهم بذهول ووقف من على الكرسي: “أستاذ طارق؟ خير فيه إيه؟ مش كنا متفقين نيجي نوقع بكرة بعد ما نخلص الاتفاق؟”
طارق ما بصش لكريم أصلاً… مشي خطوات سريعة ووقف قدام ترابيزة المحامي سامح، وحط الملف الأسود بقوة على المكتب.
طارق بصلي وقال بنبرة مليانة احترام واعتذار: “يا باشمهندسة سارة… أنا آسف جداً إني جيت بدون ميعاد، وبشكر الأستاذ سامح إنه بلغني بوجودكم هنا. بس كان لازم أجي بنفسي قبل ما توقعوا أي ورقة أو تدفعوا أي مليم.”
سامح المحامي ضيّق عينه وقال: “خير يا أستاذ طارق؟ فيه مشكلة في تحويل المبلغ ولا فيه جديد في أوراق الشقة؟”
طارق شاغل نظره لكريم اللي وشه بدأ يتغير وألوانه تتخطف، وبعدين شاور على الراجل اللي داخل معاه وقال: “ده الأستاذ مجدي… المدير المالي والتنفيذي للشركة اللي الأستاذ كريم شغال فيها.”
السكوت خيّم على الأوضة كأن على رؤوسنا الطير. كريم رجليه ما شالتهوش وقعد على الكرسي تاني، إيده بدأت ترتعش بشكل ملحوظ.
الاستاذ مجدي (المدير المالي) اتكلم بصوت هادي بس صلب، صوت راجل فاهم كل قرش في شركته رايح فين وجاي منين: “أهلاً بحضراتكم. أنا جيت مع الأستاذ طارق لأن الأستاذ طارق شريك مساهم في شركتنا، ولما عرف إن الشقة اللي بيشتريها هي شقة كريم، بلغنا بالصدفة… وده اللي خلانا نفتح الملفات المالية الخاصة بكريم في الشركة من الصبح.”
بصيت لكريم وبصيت للمدير المالي، وقلت: “ملفات إيه يا فندم؟ هو كريم كان قايل إن عليه سلفة للشركة وهيدفعها من نصيبه في البيع…”
ضحك الأستاذ مجدي ضحكة سخرية مريرة: “سلفة؟ يا باشمهندسة سارة… الأستاذ كريم مش واخد سلفة بس. كريم كان مسؤول عن خزانة التحصيلات النقدية لبعض المشروعات الصغيرة في الشركة، ومن شهرين دافع جزء من مقدم الشقة دي من اختلاس مباشر من أموال الشركة، وحاطط إقرارات مزورة بإن المبالغ دي مسحوبة كمكافآت وتسهيلات!”
الصدمة كانت زي القنبلة اللي انفجرت في الأوضة!
محامي كريم وقف بسرعة ووشه جايب ألوان: “يا فندم الكلام ده خطير جداً! دي اتهامات جنائية مش مكانها هنا!”
الأستاذ مجدي طلع أوراق من الملف ورماها قدام محامي كريم: “الاتهامات دي مثبتة بتقارير مراجعة الحسابات اللي اتعملت النهارة الفجر بعد ما طارق نبهنا! والأستاذ كريم عارف كويس إن اللجنة الجنائية في الشركة كانت هتتحرك بكرة الصبح لنيابة الأموال العامة، إلا لو المبالغ المختلسة بالكامل اتردت للخزانة قبل الساعة واحدة الضهر بكرة!”
أنا بقيت قاعدة مش مستوعبة حجم القذارة والكدب!
يعني كريم… الراجل اللي كان طالع يعمل فيها بطل وعريس، ومقعد أمه وأخته في الساحل الشمالي، وجاي يتباهى قدامهم ببيت وملك وعز… كل ده كان مبني على اختلاس ووداي وسرقة! كان بياخد فلوسي أنا الشريفة عشان يغطي بيها جزء، وبياخد فلوس الشركة الحرام عشان يكمل بيها المظهر الكداب!
وعشان كده كان مستعجل على البيع! وعشان كده كان بيساومني في الرسايل ويترجاني أتنازل أو نبيع بسرعة! ما كانش فارق معاه طلاق ولا شرع ولا أصول… كل اللي كان فارق معاه إنه يهرب من السجن!
بصيت لكريم، ولقيت وشه عرقان كأنه غرقان في مية، وعينه في الأرض مش قادر يرفعها في عيني.
قلت بصوت واطي بس كل حرف فيه كان طالع بمرارة: “انت… انت طلعت أحقر بكتير من إني كنت متخيلة يا كريم. أنا ماكنتش متجوزة راجل أناني بس… أنا كنت متجوزة حرامي.”
كريم رفع رأسه وبصلي بتوسل مرعب، ومسك إيدي من فوق الترابيزة: “سارة… أرجوكي! والله العظيم كنت هرد الفلوس للشركة أول ما الشقة تتباع! أنا ات زنقت وضغطت على نفسي عشان أعمل مستوى قدام أهلي وما أبانش قليل قدامك! أرجوكي يا سارة… لو البلاغ ده اتعمل أنا هتدمر وأمي تموت فيها!”
زقيت إيده بقوة وقرفت منه: “ما تجيبش سيرة أمك! انت اللي دمرت نفسك بجشعك وعقدة النقص اللي فيك! انت كنت عايز تعيش ملك بفلوس الناس، وعلشان تغطي على وساختك، جيت تتداس عليا وعلى كرامتي وتستقوى عليا في شهر العسل!”
المحامي سامح وقف وشال الأوراق اللي كنا هنوقع عليها، وبص لمحامي كريم وقال: “أستاذ… الاتفاق الودي ده ملغي تماماً. موكلتي مش طرف في أي ج/ريمة جنائية، ومش هيدخل حسابها أي جنيه مشبوه أو عليه شبهة غسيل أموال أو اختلاس.”
طارق المشتري اتكلم ووجه كلامه ليا: “باشمهندسة سارة… أنا راجل أصول، وعارف إن مالك حلال وطاهر من شغلك وعرقك. أنا الشقة دي متمسك بيها بيكِ أنتِ. أنا مستعد اشتري نصك أنتِ المكتوب بالتحويلات البنكية الرسمية، وأدفعلك ثمنه كاش فوراً وفي حسابك. أما النصف المتبقي الخص بكريم… فالشركة هتعمل عليه تحفظ قضائي وفاء للديون والمبالغ المختلسة.”
كريم اتنفض من مكانة: “تتحفظوا على إيه؟ دي شقتي! أنتوا بتبتزوني؟”
الأستاذ مجدي بصله بقسوة: “قدامك حلين يا كريم… يا تتنازل عن نصيبك للشركة وفاءً للمبلغ المختلس والتسوية تتم حديًا ونقفل المحضر، يا تخرج من المكتب ده على النيابة بكرة الصبح وتلبس بدلة الصداقة.”
الأوضة بقت زي الحلبة. كريم واقف مزنوق في الزاوية، لا حيلة ولا قوة، وكل الكدب والتمثيل اللي عاش فيه سنين انهار في لحظة واحدة قدام الحقيقة.
بصيت لسامح وقلت له: “سامح… اكتب عقد بيع نصي للأستاذ طارق حالاً. واكتب وثيقة طلاق للضرر فورية. كريم هيوقع على ورق الطلاق والإبراء الشامل هنا وحالاً، قبل ما يخرج من باب الأوضة دي.”
كريم بصلي بعيون مليانة دموع وكسرة: “سارة… بلاش كده… أرجوكي اديني فرصة…”
رديت عليه بجمود: “الفرصة اديتهالك يوم ما وافقت أجوزك. والفرصة اديتهالك يوم ما بلعت إهانة أمك وأختك في الساحل. دلوقتي… أنت بتدفع ثمن كل لحظة افتكرت فيها إن بنت الأصول هفأة.”
كريم مسك القلم… إيده كانت بترتعش لدرجة إنه مش عارف يكتب اسمه.
وقع على أوراق الطلاق… ووقع على تنازل نصيبه للشركة، وسلم الأوراق للأستاذ مجدي وهو مكسور كلياً.
أنا مسكت القلم ووقعت على بيع نصي للأستاذ طارق، واستلمت شيك مصدق بكامل مستحقاتي وفلوسي وأرباحي.
خرجت من مكتب المحامي. الهواء بره كان حار بس حسيت برئتي بتتنفس أكسجين نقي لأول مرة من شهر. حسيت إن كل هم وشيلته من على كتفي اترمى في الأرض.
رجعت البيت… وحكيت لأبويا وأمي كل اللي حصل. أمي سجدت في الأرض سجدة شكر لله إن ربنا كشفه بدري قبل ما يجيب مني عيل أو يجرني معاه في قضايا ومصايب جنائية.
مرت شهرين…
الحياة بدأت ترجع لطبيعتها. كبرت في شغلي، ومسكت إدارة قسم الديكور بالكامل في الشركة. الشقة اتباعت، والفلوس اللي استرديتها استثمرتها في مشروع خاص بيا للتشطيبات.
وفي يوم من الأيام… وأنا قاعدة في كافيه في التجمع مع صحابتي وبنضحك وبنتكلم عن شغلي الجديد…
تليفوني رن برقم غريب.
فتحت الخط وقالت: “ألو؟”
جاني صوت ست بتعيط وبتبكي بحرقة… صوت عرفته على طول!
كانت حماتي!
صوتها كان مكسور ومذلول جداً: “سارة… الحقيني يا بنتي! كريم محبوس!”
سكت تماماً وعيني اتوسعت بصدمة… محبوس؟ مش هو كان سد المبالغ للشركة وتنازل عن الشقة؟
حماتي كملت وهي بتصرخ من العياط: “كريم اتقبض عليه النهارة الفجر في قضية ثانية يا سارة… وأنا ودنيا مرميين في الشارع مش عارفين نروح فين!”
مسكت التليفون وأنا بسمع صوت حماتي المكسور، البكاء والشهقات كانت طالعة من أعماق قلبها. نفس الست اللي كانت من شهرين بتخلع جزمتها على السرير الكبير بفرعونة وتتفرج عليا وأنا مطرودة، جاية دلوقتي تتوسل وتستنجد بي.
“كريم محبوس يا سارة! اتقبض عليه الفجر… والبوليس كسر باب الشقة اللي كنا قاعدين فيها إيجار ومشينا منها! أنا ودنيا قاعدين بالشنط في الشارع من الصبح ومش معانا جنيه واحد نأجر بيه ولا ندفع للمحامي!”
سألتها بنبرة هادية وخالية تماماً من أي تعاطف: “محبوس في إيه يا طنط؟ مش هو تنازل عن نصيبه في الشقة للشركة والموضوع اتقفل؟”
حماتي صرخت بالبكاء: “أتاري الغبي كان ماضي شيكات بدون رصيد لتاكد عفش ومقاولين عشان يجهز الشقة ويعمل المنظرة الكدابة اللي غرقنا فيها! أصحاب الشيكات رفعوا عليه القضايا وأخدوا أحكام غيابية، والنهارده الفجر اتنفذت الأحكام! دنيا أخته راحت معاه القسم ومحدش راضي يخلينا نشوفه، وهو مفيش في جيبه غير أرقام تليفوناتنا! أرجوكي يا سارة… اعفوا لوجه الله، أقرضينا أي مبلغ نخرج بيه كريم أو نأجر بيه أوضة ناوي فيها!”
غمضت عيني، وحسيت بمزيج عجيب من الشفقة والعدالة. عدالة ربنا اللي ما بتنامش، واللي بتبين للظالم إن المظاهر الكدابة والافتراء على بنات الناس آخره الاستجداء على الرصيف.
قلت لها بصوت صلب زي الصخر: “يا طنط… أنا مش شماتة فيكم، ولا بصلكم بعين الغل. بس ربنا قال في كتابه: ‘وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى’. كريم هو اللي اختار طريق الكدب والنصب والافتراء. هو اللي حب يبان كبير على حساب عرق الناس وكرامتي. والفلوس اللي معايا دي فلوس شقايا وعرقي، مش هرميها في بئر ملوش قاع عشان أنقذ واحد استحل إهانتي ورماني في الريسبشن.”
دنيا أخته خطفت التليفون من أمه، وصوتها كان بيترعش وبتبكي بحرقة: “سارة! أنا دنيا… أنا آسفة! أنا المقامة اللي طلبت منك مية ساقعة وأنتِ مطرودة! والله أنا كنت عيلة وغبية وما فاهمة حاجة! كريم كان بيوهمنا إنه ملك وسيد الناس، ودلوقتي رمينا في الشارع! أرجوكي ساعدينا بس نلاقي مكان ننام فيه الليلة دي، إحنا بجد في الشارع ومحدش من أقاربنا راضي يقبلنا بعد الفضيحة دي!”
بصيت للشارع من بلكونة الكافيه، الهواء كان نقي والشمس مالية المكان.
قلت لـ دنيا: “يا دنيا… أنتِ مش صغيرة، أنتِ متخرجة وكنتِ شغالة وسبتِ شغلك عشان ‘تغيري جو’ على حسابي. دلوقتي ده الوقت اللي تكبري فيه بجد. انزلي تدوري على شغل، وشيلي أمك، واعتمادي على نفسك من غير ما تستني راجل ينصب على الناس عشان يفسحكم. أنا هعمل معاكم حاجة واحدة بس… لوجه الله ولعمر أمك الكبيرة.”
دنيا قالت بلهفة: “إيه يا سارة؟ أرجوكي!”
قلت لها: “أنا هبعتلك دلوقتي على الموبايل رقم ملجأ أو دار رعاية سيدات محترمة وتابعة لجمعية خيرية معروفة، وتقدروا تقضوا فيها كم ليلة لحد ما تتدبروا أمركم. وهحولك على محفظتك الموبايل ألف جنيه مصاريف أكل وشرب ليومين… ده حظكم مني، ومش عشان كريم… ده عشان ربنا ما يكتبش عليا أرد الإساءة بالإساءة المطلقة.”
قفلت الخط من غير ما أسمع أي كلمة ثانية. بعت المبلّغ الصغير ورقم الدار، وعملت للرقمين “بلوك” نهائي ومطلق.
قفلت الصفحة دي تماماً من حياتي.
مرت الأيام والشهور… وبدأت مرحلة جديدة كلياً في حياتي.
الشركة اللي عملتها للتشطيبات والديكور كبرت وبقت واحدة من أكبر الشركات الناشئة في القاهرة. اسم “سارة الشاذلي” بقى يتردد في المعارض والمؤتمرات. اشتريت الشقة اللي كنت بحلم بيها، بس المرة دي كانت ملكي خالص، بكتابة اسمي أنا فقط على العقد، وبفلوسي الحلال الصافية.
أبويا وأمي كانوا جنبي في كل خطوة، وعيونهم مليانة فخر بالبنت اللي ما تكسرتش من أول مطبق في حياتها، بل اتعلمت منه إزاي تطير.
وفي يوم من أيام الربيع، وأنا شغال في المعرض بتاعي على تصاميم مشروع سكني كبير…
دخل المعرض شخص…
كان الأستاذ طارق، المشتري اللي اشترى نص الشقة القديمة ووقف معايا في أزمتي.
طارق دخل وهو ماسك في إيده باقة ورد بيضاء بسيطة، وابتسامة راقية على وشه.
قال لي بكل احترام: “مساء الخير يا باشمهندسة سارة… آسف لو بعطل شغلك، بس كنت حابب أطمن على سير الأعمال في المعرض الجديد.”
رحبت بيه بابتسامة صافية: “أهلاً أستاذ طارق… اتفضل، كل حاجة ماشية ممتاز بفضل الله.”
طارق قعد، وبصلي بنظرة مليانة تقدير وإعجاب، ونظرة ثانية فيها حاجة جديدة… حاجة ما شفتهاش من زمان.
قال بصوت رزين: “سارة… أنا متابع نجاحك من بعيد لبعيد من يوم ما خلصنا موضوع الشقة. وأنا من اليوم ده، وأنا محتفظ باحترام شديد لست وقفت وقفة رجال، ودافعت عن كرامتها بمنتهى الذكاء والعزة… أنا مش جاي النهارده أتكلم في شغل يا سارة.”
رفعت عيني فيه وقلت: “خير يا أستاذ طارق؟”
طارق ابتسم وقال: “أنا جاي أطلب منك فرصة… فرصة نتعرف فيها بجد، بعيداً عن القضايا والمحاكم والشقق. فرصة أثبتلك فيها إن ابن الأصول بجد… بيعرف يقدر بنت الأصول.”
قلبي دق دقة خفيفة، بس المرة دي ما كانش فيه خوف… كان فيه أمل جديد.
بصيت لباقة الورد البيضا اللي في إيد طارق، وبعدين بصيت في عينيه. كان فيه فرق شاسع بين نظرة راجل شايفني “سند مالي” بيستغل طيبتها ومؤخرتها على كنبة، وبين راجل شايفني “كيان وكرامة” وقيمة يستحقها وتحترمه.
ابتسمت هادية وقلت له: “أستاذ طارق… أنا مش قافلة الباب في وش الحياة، بس أنا اتعلمت إن البيت ما بيتبنيش في يوم وليلة، والأصول أفعال مش كلام. لو حضرتك حابب تتقدم، الباب الوحيد اللي بدخل منه الحياة الجديدة هو باب بيتنا… تقعد مع أبويا، والوقت والعيشة هما اللي يثبتوا.”
طارق ابتسامته وسعت وعينيه لمعت بفرحة حقيقية، هز رأسه وقال بكل احترام: “وده اللي أنا عايزه بالضبط يا سارة. أنا مش مستعجل، وأبوكِ يشرفني أقعد معاه في أي وقت تحدديه.”
مرت الأيام والشهور زي المية الصافية اللي بتجري في جرفها الصح.
طارق دخل بيتنا من الباب الكبير. قعد مع أبويا، وما طلبش شروط ولا عمل مناظرة. كان راجل شبعان من خير ربنا، بس الأهم إنه كان شبعان أصل ورجولة. خطوبتنا استمرت سنة كاملة، سنة ما شفتش فيها منه غير كل تقدير، احترام لشغلي، وفخر بنجاحي. كان بيقف في المعارض يتفرج عليا وأنا بشرح التصاميم للعملاء وعينيه مليانة اعتزاز، مش غيرة ولا حب امتلاك.
وفي يوم فرحنا… اللي كان في مكان راقي ومطل على النيل، حجزنا جناحينا الخاصين.
طارق مسك إيدي أول ما دخلنا القاعة، وبصلي وقال أمام كل الناس في المايك: “سارة مش بس مراتي… سارة الدرس اللي اتعلمت منه إن الست القوية العزيزة هي أعظم مكسب ممكن راجل يكسبه في حياته.”
أما كريم…
فعرفت بعد فترة من الأخبار إن القضايا اللي كانت عليه انتهت بسجنه ثلاث سنين في قضايا الشيكات والاختلاس. أمه وأخته عاشوا فترة صعبة جداً بين الجمعيات الخيرية ومساعدات أهل الخير، ولما خرج كريم من السجن، خرج مكسور، عاطل، بسمعة ملوثة ومستقبل ضايع. حاول كذا مرة يبعتلي رسايل اعتذار وتوسل مع معارف مشتركين، بس الرسايل كانت بتنتهي في سلة المهملات من غير ما تتفتح حتى.
في ليلة شهر عسلنا الحقيقي… على شاطئ البحر في إسبانيا، كنا قاعدين أنا وطارق بنفطر قدام الموج، نسيم البحر البارد بيخبط في وشنا، وتذكرتين باسمنا إحنا الاثنين بس… كرسيين جنب بعض، وأوضة مطلة على البحر.
فتحت تليفوني بالصدفة، ولقيت صورة قديمة ليا من ثلاث سنين وأنا راكبة أتوبيس الساحل في نص الليل والدمعة في عيني.
بصيت للصورة وابتسمت. مسحتها نهائياً من التليفون.
التفت لطارق اللي كان ماسك إيدي وبيسألني بحب: “بتفكري في إيه يا سارة؟”
سندت رأسي على كتفه وقلت له بمنتهى الهدوء والس/كينة:
“بفكر في إن الست لما بتحترم نفسها والأصول اللي اتربت عليها، ربنا بيعوضها بأضعاف اللي خسرته… وإن الكنبة اللي كانوا عايزين ينيموني عليها في الريسبشن، كانت هي النقطة اللي رفعتني للسماء.”
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق