رواية صياد النـايـا آل حـانَـا الفصل السابع والثلاثون 37بقلم آية العربي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
رواية صياد النـايـا آل حـانَـا الفصل السابع والثلاثون 37بقلم آية العربي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
علمتني التجربة
أن استفتاء قلبي هو الأصدق
وأن عقلي إن نضج لن يأكل القيل والقال
علمتني ألا امتلك سوى عملةٍ صعبة ذي وجهين، الحب والفعل
وأن مفاتيح الأفواة ليست بحوذتي،
ولكنني أعرف جيدًا كيف أغلق أبواب أذناي
علمتني أن شمسي وقمري هما صمتي وحديثي؛
لا يلتقيان ولكنهما يتعاقبان
وأن النجاح المهضوم على مهلٍ أفضل مذاقًا من ارتشاف عُصارته،
التجربة كانت قاسية، وافتقدت للرفاهية،
ولكنها جعلت مني عودًا تأرجحه الرياح ولا ينكسر.
بقلم آية العربي
❈-❈-❈
وقف أمام النيل الجارِ، يشكي له شكواه.
قلبه مأنون، وكيانه مهزوز، وماضيه يمر من أمامه كـ قارب شراعي مثقوب على وشك الغرق، أنه يستغيث بعدما أدرك أن ما فعله لم يكن دهاءً ولم يكن عليه أن يتباهى به.
ألقى بنفسه داخل بؤرة معتز الوحلة، لم يكن عليه أن يفعل، ليته كان قابلها في مكانٍ آخر، ليتها كانت من نصيبه، وكأن الدنيا أهدتها له وعلى حين غرة نزعتها منه بعد أن كاد يصل بها إلى برٍ آمن.
هل يقف هكذا ويشاهد قاربه والمياة تخترقه؟ ولكنه لم يعد يمتلك قرارًا بديلًا، اليوم أُغلقت في وجهه جميع الأبواب، والندم أصبح رفيقه، ولا يمتلك سبل مساعدته.
إن لم تكن ريم، فلا بديلًا لها...
هكذا ختم على قلبه، قبل أن يحاول التقاط أنفاسه المقيدة، ويلتفت يستقل سيارته ويغادر عائدًا إلى القصر ...
❈-❈-❈
وصل أمام منزل عائلة عبدالله، توقف قليلًا قبل أن يترجل، يلتهم الكثير من الهدوء والبرود الذي يحتاجهما ليواجههما.
رؤيتها هنا، ومعه، ومع ولديه، أمرًا شاقًا على قلبه، ولكنه الآن يسير في درب النضج، وعليه أن يتحمل المشقة دون شكوى.
ازدرد ريقه وتنفس، وترجل يغلق سيارته، ويخطو نحو المدخل .
ثوانٍ حتى رآهم يجلسون في الحديقة، صورة رائعة لـ أسرة متكاملة سعيدة، صورة يجب أن توضع في ألبوم عقله ليدرك أنها لن تعود، وصورة أخرى وهي تبتسم قبل أن تلتفت وتراه فتختفي ابتسامتها ويتوارى بريق عيناها منه.
ازدرد ريقه مجددًا بعدما جف سريعًا، وتحرك بخطواتٍ بدت باردة حتى وصل إليهم،وما يحدث في القلوب لا يعلمه سوى الله، فلا هو يعلم أن قلبها يركض بلا هوادة،ولا تعلم أن قلبه يصارع التوقف.
نهض عبدالله مرحبًا به يمد يده له قائلًا :
- ازيك يا مهران .
حدق فيه للحظات، ود فيهم لو تتجمد يده، وكامل جسده، ولا ينفك بعد ذلك أبدا، كره اللحظة الذي اضطر فيها لتبادل السلام معه، ولكنه فعل ونطق بخفوت :
- ازيك .
- اتفضل .
نطقها عبدالله بعدما سحب يده، يشير له على أحد المقاعد، فجلس ينظر أرضًا لبرهة نطق فيها عبدالله موجهًا حديثه لولديه :
- خد ندا يا علي واطلعوا فوق لو سمحتو .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أومأ علي وبالفعل نهضا وغادرا، وظلت نهاد جالسة ولم تنبس ببنت شفة ، بل كادت أن تنهض وهي تنطق :
- عن اذنكو .
رفع نظره يطالعها بنظرة ندمٍ اخترقت ما تبقى من مكنونها وهو يردف :
- استني يا ام حمزة .
تجمدت وسريعًا ما التفتت تنظر إلى عبدالله الذي بادلها ثم لف إلى مهران يتساءل :
- خير يا مهران؟
هذه الرواية من الأعمال الأصلية لموقع رواية وحكاية.
نظر له بحقدٍ وغضب مشروعان،وكلمة (إنت مالك) تتأرجح على لسانه، لم يعد يستطع أن يراه صديقًا أو قريبًا، لذا نطق بنبرة صلدة :
- اللي حجوله ده يخص ولدي، وبعد اكدة نتحدت اني وانت لحالنا .
أومأ عبدالله، وتأهبت جميع حواس نهاد بعد ذكر صغيرها، لذا جلست ونطقت بقلبٍ منفطر مرتعب من حرمانها منه،حيث أن هذا خطها الأحمر :
- مالو ولدي؟
أتى ليصلح بعد الخراب، فلم يكن الإصلاح باهظ الثمن فقط، بل كان شبه مستحيلًا، ليس لأن مدينته مهدمة، بل لأن هناك من استعمرها، وشيدها من جديد،وحرمه من السكن إليها للأبد، لذا قلبه ينبض محترقًا بالغيرة والحسرة وهو يبوح :
- اللي حجوله ده صعب عليا بس هو الصح، حمزة لساته رضيع، والحالة اللي هو فيها دلوك ماهياش من مصلحته، مصلحته دلوك إنه يبجى جارك الفترة دي، وأني واهلي لما نعوز نشوفه في أي وجت نجدر نشوفه، لحد ما يتفطم ويشد عوده، وساعتها نبجى نشوف حل بالتراضي، عشان اكدة تجدري بكرة تيچي تاخديه وتخليه معاكي، أني وانتِ فاهمين زين إن دي برا عوايدنا وإن ولدي ماينفعش يجعد في غير داري، بس بردك اللي يهمني دلوك هو ولدي وحالته النفسية ، عشان اكدة حتخليه جنبك، بس تضمنيلي انك ماتطلعيش برا لوجصر وياه من غير علمي.
حدجه عبدالله بنظرة هادئة ولكنها تحمل الكثير، ولا ينكر أنه شعر بالضيق والغيرة، خاصة وأنه يدرك جيدًا أن قلب نهاد مغلقًا على حبه، وهو الآن لا ينكر شعوره بالانجذاب نحوها.
أما نهاد فصمتت لثوانٍ، تطالعه بغير تصديق، هل هو نفسه مهران؟ هل جاء ليعطيها صغيرها بالفعل؟ هل سيسمح لها بأخذه؟ ولكن ماذا عن عمها؟ وعن صابحة؟ هل سيسمحان؟ هل يتحدث بصدقٍ حقًا أم أن وراء هذه الكلمات خطةٍ ما؟
وهذا ما طرحته بنبرة خافتة حينما تساءلت بشك حيث أصاب ثقتها به سهم الخيبات :
- طب وعمي ومرت عمي حيجبلو أني اخده؟
نطق بنبرة مؤكدة :
- أمر حمزة يخصني اني وانتِ بس، ومع ذلك لا ابوي ولا امي حيرفضوا، الأهم عندينا كلنا مصلحة حمزة .
توغلت إليها فرحة عارمة برغم خوفها من ألا يصدق، ولكنها فرحت وفرحتها جعلتها تشرد وتفكر أنها أخيرًا ستحصل على صغيرها دون أية مشاكل.
التفت عبدالله ينظر لها، فلمح بريق البهجة يضيء ملامحها، لذا تعمد أن يمد يده ويضعها على كتفها كداعم لهذا القرار، وكاد أن يعبر عن ذلك بالكلمات، ولكن ما إن لمست يده كتفها حتى انتفضت تبتعد كرد فعل تلقائي إثر شرودها ولمسته الأولى لها والغير متوقعة.
انتهبت لنفسها ولما يجلس ويحدق ويترقب
التفتت تنظر إلى عبدالله الذي عبست ملامحه، والتفتت تنظر إليه فرأت تجهم تقاسيم وجهه، وعقله يركض في دائرة مفرغة، إن كانت هذه ردة فعلها على لمسة سريعة منه، فهل يعقل أن يكون هذا الزواج قد تم بالفعل؟ هل يمكن أن تكون نهاد إلى الآن ــــــــــــــ ولكنها ألقت عليه السهام الحارقة حينما اعتدلت تنظر إلى عبدالله وتنطق بابتسامة هادئة :
- معلش سرحت، انت عارف أني كان نفسي الموضوع ده يتحل ازاي .
التفتت بعدها سريعًا إلى مهران ونطقت بجدية :
- شكرًا يا ابو حمزة، وأكيد في أي وجت عايزين تشوفوه ماحدش يجدر يمنعه عنكم، وصُح زي ما جولت وچود حمزة جاري طول الوجت حيبجى أفضل ليه،وأني ماحطلعش برا لوجصر،اطمن .
هل شردت حقًا؟ أم توهمه بأن زواجهما طبيعيًا؟ أم هو من يتوهم؟ لا يبدوان زوجان طبيعيان قط، حتى المسافة التي بينهما مبالغًا بها؟
نظر أرضًا ونطق يجيبها بنبرة باردة يخفي بها انكساره :
- مش جلجان، أني واخد القرار الصح .
نطق عبدالله بعد ثوانٍ :
- طب اتفضلي انتِ يا ام حمزة وأنا ومهران حنتكلم، ولو ممكن بعد اذنك تعمللنا اتنين شاي .
- ماعيزش حاچة.
نطقها مهران فأومأ لها عبدالله بألا تفعل، فنهضت تتحرك وتنطق :
- عن اذنكو .
غادرت أمامه.... وتحسر على دخولها منزلًا غير منزله، وتحسر وهو يدرك أن بعد قليل هو من سيرحل وسيبقى عبد الله .
- خير يا مهران عايزني في إيه؟
حدجه بنظرات مسيطرة ونطق يوضح :
- أبوي حكالي سبب چوازك انت ونهاد، بس أني عايز اعرف منك عمي وافج كيف؟ الموضوع ده وراه حاچة ريحتها عفشة، وانت عارفها، عمي حسنين مهواش من النوع اللي يجبل بالچوازة دي لله وللوطن.
هز منكبيه يستنكر ونطق وهو يتكتف بثبات :
- حتى لو زي ما بتقول، يهمك في إيه تعرف؟ اظن إني قادر أحل اموري لوحدي كويس أوي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
يتخيل لو أن عبدالله يقول هذا الحديث قبل شهرين، لكان الآن منقضًا عليه، يلقنه درسًا عنيفًا، ولكن ما مر به جعله يتلفح بالبرود والاستفزاز، لذا نطق:
- صُح، معاك حج، انت واحد غدر بابن عمه اللي استأمنه على أهل بيته، حتعرف تتعامل انت وحسنين زين، وتوب الفضيلة اللي انت لابسه ده حييچي يوم ويتجطع وتظهر على حجيجتك اللي أني شايفها زين، بس بردك أني حفضل ورا الموضوع ده، وخد بالك علشان انت وهو دلوك محطوطين في راسي.
طالعه بنظرة مبهمة،يحاول أن يتفهم موقفه،ولكنه لا ينكر استياءه،لذا أردف باستفزاز مماثل :
- راسك صغيرة يا مهران،يادوب تكفي عمك،انما انا شيلني من دماغك خالص،أنا ماحطتش عيني على أهل بيت حد،احنا اتحطينا في موقف خارچ إرادتنا،بس بعدها عرفت ان ربنا اللي رايد كدة،لإن نهاد تستاهل حد يقدرها بچد،مش مشكلتي لو انت ماعرفش قيمتها.
استطاع أن يشعل فتيل غضبه، فـ وسوس له شيطانه أن ينقض عليه وينهال على فمه هذا باللكمات ،ولكنه تحكم في ذلك الشعور،ونهض يميل نحوه قليلًا وينطق بجمود :
- من حظك الحلو إنك چاي تلعب في الوجت اللي أني بصلح فيه كل حاچة في حياتي ،بس صدجني يا عبدالله،أني لو لعبت وياك حتطلع منها خسران.
عاد عبد الله يبتسم ساخرًا وينطق باستفزاز قاتل :
- هي دي مشكلتك يا مهران، حياة اللي حواليك مش لعبة تلعب بيها وقت ما تحب،ده كان زمان .
أومأ يؤكد ولم يعطِه ما يريده بل نطق ببرود :
- صح،كان زمان يا عبدالله،واني دلوك غير زمان،خليها على الله يا ابن عمي.
التفت يغادر وقلبه يعصف وجسده يحترق في احتباس غضب أصابه وجعله يلتقط هاتفه ما إن عبر واستقل سيارته،يتحدث إلى أحد معارفه الموثوق به،وينطق بنظرة ثاقبة :
- بجولك إيه،اسمعني زين،عايزك تعرفلي عمي حسنين دلوك إيه چديده،أي حاچة تلاحظيها تجولي عليها،خصوصًا لو لجيت اسم عبدالله آل حانا في الموضوع،أني شامم ريحة عفشة وإلا ما تظهر .
أغلق معه ونظر أمامه يتوعد لذلك العم الذي تسبب بكل هذه الفوضى والخراب ،يجب أن ينتقم منه وإلا لن يرتاح قلبه.
حتى لو خسرها بالفعل، ولم يعد هناك ذرة أملٍ في العودة،إلا أنه لن يهدأ حتى ينال حسنين جزاؤه هو وأولاده،أما ذلك العبد لله،فإن كان متورطًا معه في شيء فيجب أن يُعاقب،وإن لم يكن كذلك فيجب أن يتقبل أنها زوجته وانتهى الأمر .
❈-❈-❈
ليت هذا البيت يعود كما كان عليه منذ عامٍ مضى، ليت السعادة ترتضي وتعود تسكن جدرانه، ليت الضحكات تخرج عن صمتها ويُسمع صداها في الأرجاء.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
يجلس في بهو قصره، وحيدًا، شريدًا، بعدما أخذت زوجته حمزة الصغير النائم لتضعه في الفراش.
دلف ابنه جابر يلقي السلام ويخطو باتجاهه وعلى محياه حزمة من الحزن والألم، رد عليه السلام، فاتجه يجلس بجواره بصمتٍ دام لثوانٍ شعر فيهم عبد الوهاب إن ابنه يود قول شيئًا له، وأصابته الحيرة في ردة فعله إن فعل، هل يتحدث إليه أم يظل على تجنبه له؟
نظر جابر إلى والده ونطق بنبرة منكسرة:
- راحت من يدي يابوي، ربي يشهد إني حاولت كتير جوي بس هي جفلت كل الأبواب في وشي، وراحت من يدي، سامحني انت بجى عشان جلبي يرتاح.
هرولت عاطفته تسبق عقابه، فأسرع يقبض عليها قبل أن يقترب منه ويعانقه، وقيدها لبرهة ينطق بنبرة ظاهرها الجمود :
- كيف يعني راحت من يدك؟
جملة والده كانت كافية ليتقدم هو منه ويلقي بجسده داخله، يعانقه ويبكي للمرة الأولى مجهشًا وناطقًا بصوتٍ مختنق:
- سامحني يابوي عشان خاطري، ماتجساش عليا انت كمان، أني عرفت غلطي واخدت العقاب اللي استحجه.
لم يجد مفرًا إلا أن يبادله وإلا لن يرتاح، هو بحاجة لضمهم مجددًا كما لو كانوا صغارًا، لذا لف ذراعه حوله ونطق وهو يحتويه بنبرة تناقضت مع حركاته :
- لا حول ولا قوة إلا بالله، اصلب طولك اكدة وفهمني إيه اللي حُصل؟
بعد ثوانٍ حاول أن يهدأ، واعتدل ينظر أرضًا ويحاول سريعًا أن يتمالك نفسه، رافضًا عودة لحظة الضعف تلك، برغم أنه يدرك أهميتها لعفو والده عنه، لذا نطق بعدما هدأ قليلًا يقص عليه ما حدث :
- خلاص يا بوي، هي دخلت حياتي بخدعة مني ، وطلعت منها بالجسوة، ماريداش لا تسمع ولا تغفر، روحت النهاردة بيتها اتحدت وياها جدام اخوها، لجيت معتز جاعد عندهم، الحكاية اكدة وضحت، واني اخدت الضربة الناهية جدامه، الحكاية انتهت يا حاچ عبد الوهاب.
تألم على حال ابنه وما حدث معه، ويدرك جيدًا شعوره خاصةً أمام ذلك المعتز الذي يبغضه، لذا تنفس مطولًا، ليعاود جابر مسترسلًا وهو ينظر إليه بترقب :
- مسامحني يابوي؟
لكزه في كتفه ينطق بنبرة لينة يهون بها عليه :
- ماتغلطش تاني في حج ولية .
استلهم القليل من الراحة حينما حصل على رضا والده، لذا رفع كفيه في استسلام ونطق منكسرًا :
- ولا عاد ليا دعوة بيهم واصل، لحد اهنة وخلاص جفلت على جلبي بالضبة والمفتاح.
- جلب مين ده اللي يتجفل عليه؟ جلب جابر اللي كيف حبة الرمان؟
نطقها عمار الذي دلف لتوه وسمعه، واتجه يجلس قبالتهما ويتساءل بابتسامة بشوشة حينما وجدهما يتحدثان سويًا :
هذه الرواية من الأعمال الأصلية لموقع رواية وحكاية.
- الحاچ باينه رضا عنك، لتكون الغزالة سامحتك؟
عاد وجهه يعبس من جديد وتنهد بحرارة، فنطق والده عنه :
- راحت لحالها يا ولدي، ربنا يعمله اللي فيه الصالح .
حزن عمار ونظر إلى شقيقه الذي طالعه يوميء له بصمتٍ وحزن، فنطق محوقلًا:
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، معلش يا چابر، خدلك استراحة وحاول معاها تاني .
خرجت صابحة من غرفتها،لمحتهم فاتجهت إليهم وجلست تجاور جابر وتميل عليه مستفهمة حينما لمحت عبوسه :
- مالك يا چابر؟
نطق عبد الوهاب نيابة عنه مجددًا :
- وبعدهالكم عاد؟ هملوه بجى، حنفضل نعيد ونزيد ولا إيه؟
طالعته باستنكار دام للحظات قبل أن تبتهج من عفوه عنه وتنطق بفرحة :
- وه؟ ده الزبدة ساحت ع العسل، يعني اطلع أني منها .
ابتسم جابر عنوةً عنه، بينما نطق عمار بمرح :
- كلها يومين ياما والزبدة ترچع تچمد تاني، ولا إيه يا حاچ؟
حدجه بنظرة محذرة قبل أن ينطق بمغزى :
- طول ما اولادي جد المسؤولية ورافعين الراس وماشيين في عدلهم حديهم عنيا يا عمار.
مال يربت على ساقه وينطق مؤكدًا :
- عارف يا حاچ، ربنا يديك الصحة ويخليك لينا أنت وست الكل .
بعد دقيقة دلف مهران يلقي السلام، فأجابوه فاتجه يجاور عمار ونظر إلى والدته يتساءل :
- حمزة نام ياما؟
أومأت تجيبه بنبرة حنونة :
- ايوة يا حبيبي، لما اجوم اجول للبنات يچهزو الوكل .
- استني ياما، اجعدي عايزكم في حاچة .
نطقها مهران فعادت تجلس وتتساءل بترقب، فالتفت يوزع نظراته بينهم حتى استقر عند والده الذي يريد أن يعلم ماذا فعل مع عبدالله، لذا نطق يستطرد :
- حمزة حيروح يعيش مع امه .
شهقت صابحة تنطق بصياحٍ واستنكار:
- إيه الحديت الماسخ ده يا مهران؟ ولدنا يروح يعيش في دار الغريب كيف؟ حفيدي ماحيبعدتش عني واصل .
صمت عبد الوهاب ينتظر تفسير ابنه، فنطق مهران يوضح :
- حمزة لساته بيرضع ياما، والحالة دي مهياش في صالحه، الاحسن ليه دلوك يبجى مع امه لحد ما يتفطم ووجتها يحلها ربنا .
- كمان؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
صاحت بها صابحة رافضة لهذا القرار، فكيف تتقبل بما يخالف العرف والمنطق لديهم؟ لذا نطق عمار يهدأها :
- استهدي بالله بس ياما لما نفهم.
تابع مهران يوضح مجددًا :
- مفهومة وواضحة يا عمار، ولدي مهواش مرتاح، وبيجوم بليل چعان ويعيط ، محتاچ أمه جاره الفترة دي، ماحاچيش عليه لاجل ما نجطع لسان الناس، هما اكدة ولا اكدة بيتحدتو، وأني مابجاش يهمني حد وماحعملش غير اللي فيه الصالح لولدي.
استنكرت صابحة ولم تتقبل ما يقوله، برغم أنها تعلم أحقية نهاد في الصغير، ولكن عقلها لا يستوعب أن يذهب حفيدها ويعيش ويربى مع رجلٍ آخرٍ غير ابنها وفي بيتٍ غير بيت عائلته، لذا التفتت توكل الأمر إلى زوجها قائلة :
- ماتجول حاچة لولدك يا حاچ؟
نظر عبد الوهاب إلى ابنه ونطق مستفسرًا :
- يعني حمزة حيرجع تاني بعد الفطام؟
أومأ مهران يؤكد مرددًا :
- حيرچع يابوي، مهواش سهل عليا يعني ولدي يعيش مع اللي اسمه عبد الله ده، بس بردك امه ليها حج فيه والصح انه يبجى جارها الفترة دي.
لا يعلم عبد الوهاب هل يسعد ويطمئن لما وصل إليه ابنه من رشد، أم يحزن لابتعاد حفيده عنه، ولكنه تعهد بينه وبين نفسه ألا يجبره على شيء بعد ذلك، لذا نطق بنبرة ثاقبة :
- اعمل اللي تشوفه صح يا مهران، بس كل حاچة يحتاچها مسؤولة منك.
أومأ مؤكدًا فصُدمت صابحة وكادت أن تعترض، إلا أن جابر قبض على كفها ينطق :
- خلاص ياما بيجولك مصلحته، وبعدين صح هو معاه حج، حمزة لساته بيرضع، ومچية نهاد ومرواحها كل يوم مهياش صح بردك.
نظرت لهم فوجدتهم جميعهم مؤيدين لقراره، لذا لم تجد بدًا من الاعتراض، ولكن رضخت على مضض، فكيف ستتحمل بُعد حفيدها الغالي عنها؟
❈-❈-❈
صعد إليها بعد تفكيرٍ دام لأكثر من ساعة بمفرده، ما حدث أمام مهران لم يكن يجب أن يحدث، فقد شعر بسوء موقفه، والآخر يلتقط أي حركةٍ بملقط.
طرق باب غرفتها ووقف ينتظر، فتحت له بعد دقيقتين ترتدي حجابها وتطالعه مستفسرة فنطق :
- ممكن اتكلم معاكي شوية؟
أومأت بفسح له المجال،فدلف ولكنه أغلق الباب خلفه، فتعجبت وتوترت تتساءل :
- في حاچة ولا إيه؟
أشار بيده بأن تهدأ ونطق:
- اطمني يا نهاد، هما كلمتنين حقولهم واطلع .
أومأت واتجهت تجلس واتجه يقابلها ويتطلع عليها لبرهة قبل أن ينطق :
- أنا عارف وفاهم چدًا إن چوازنا كان بالإچبار وفي ظروف صعبة ، وانك ماكنتيش عايزة تتحطي تحت الضغط ده، وأنا بنفسي قولتلك تعتبريني أخوكِ الكبير في أي حاچة تحتاچيها، بس بردو يا نهاد قدام الناس أنا چوزك، ومافيش راچل يحب إن يتقال عليه أي كلمة تانية، فهماني؟
هزت رأسها ونطقت بعد استيعاب:
- لاء.
تعجب يقطب جبينه، هل عليه أن يشرح أكثر؟ ما الغير مفهوم في حديثه؟
أنت تقرأ هذه الرواية من الأعمال الحصرية لموقع رواية وحكاية، وأي مكان آخر هو سرقة للمحتوى وانتهاك حقوق النشر للكاتبة وموقع رواية وحكاية.
ولكنها بالفعل لا تفهم لما يتحدث هكذا؟ ماذا فعلت سوى ردة فعلها على ما حدث بشكلٍ مفاجيءٍ منه أمام مهران؟
ليزفر وينطق مجددًا :
- طيب يا نهاد خليني اچبهالك بشكل تاني، چوازنا ده مصيره إيه؟
هنا توترت كليًا، واستوعبت مغزاه، وتيقنت أن مشاعره نحوها تتخذ منعطفًا آخرًا ، لذا وضحت بنبرة ثاقبة :
- زي ما جولتلك جبل اكدة يا عبدالله، أني دلوك محتاچة اجف على رچلي الأول، وانت دعمتني في قراري ده ووجفت چاري، إيه اللي اتغير دلوك؟
مسح بكفه على ذقنه يحاول أن يهدأ، ثم أومأ يوضح دون مقدمات :
- حصل يا نهاد، وانا عند كلامي، بس بصراحة أنا حابب ادي فرصة للعلاقة دي، واتمنى ان انتِ كمان تديها فرصة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تفشى الإحمرار على ملامحها توترًا ورفضًا لما يقوله، ونظرت له بمقلتين مستنكرتين، عن أي فرصة يتحدث؟ ولماذا الآن؟ وكيف ستفعل؟ إنه يصعب عليها الأمر برمته، لما الآن بعدما بدأ قلبها يطمئن بـ لم شملها بصغيرها؟
نطقت بنبرة مبهمة توضح بها موقفها :
- بس يا عبدالله، أني ماجدرش اوعدك بحاچة ماحعملهاش، أني عارفة إنك وجفت چاري ودعمتني وساعدتني، بس إنت هونت عليا كتير جوي لما جولتلي إنك أخ كبير، خصوصي انك عارف زين اللي اتعرضتله من أهلي، وأني حفضل مديونة ليك دين كبير جوي على وجفتك دي، بس مش بيدي اعمل اكتر من اكدة.
وجدته يطالعها محدقًا بصمتٍ كأنه يعاتبها، لذا شعرت بثقل يجتاح صدرها، وكأن هموم العالم تجمعت عندها الآن، لذا فكرت سريعًا في حلٍ تخشاه وتخشى عواقبه، حلًا سيعيدها لنقطة الصفر مجددًا ولكنها وجدت نفسها مجبرة على طرحه ، فنطقت :
- لو انت شايف إن كلامي تجيل ومامتقبلوش، أني ماجدرش اچبرك تكمل في الچوازة دي.
نطقتها وهي تتمنى ألا يخيب ظنها به، ربما هذه أنانية منها، ولكنها حقًا لا تستطيع أن تسير على النحو الذي يشير إليه، وبالفعل لم يخيب ظنها به، ونطق بنبرة رصينة كما عاهدته :
- لا طبعًا يا نهاد، الچواز ده مش حينتهي، إلا إذا إنتِ كنتِ عايزة ده فعلًا.
نطقها يطالعها بترقب، يخشى أن رؤية مهران يكن لها تأثيرًا عليها، ولكنه وجدها تطالعه وتهز رأسها بلا قائلة بصدق :
- لاء ماعيزاش، وعارفة إني اكدة بظلمك ويايا، بس إنت من الــــــــــ.
قاطعها يمد يديه ويحتوي كفيها بشكلٍ فاجأها مجددًا فاتسعتا حدقتيها وحاولت سحبهما ولكنه شدد عليهما ينطق بنبرة مبهمة :
- عارف اللي حتقوليه، من الأول اتفقنا نكون اخوات، بس مانفعش معايا يا نهاد، لكن اوعدك انا بردو حفضل ادعمك ومش حفرض عليكي أي حاچة انتِ ماعيزاهاش، بس لو سمحتِ راعي مشاعري قدام أي حد، فهماني؟
أسرعت تنزع كفيها من إن انتهى من حديثه، واحتضنتهما تزدرد ريقها وتفركهما بتوترٍ كلي جعله يزفر بحرارة وينهض مبتعدًا عنها خطوة ومستطردًا بهدوء :
- تصبحي على خير يا نهاد .
غادر وتركها تواجه أشباح خوفها تحوم من حولها، فجعلتها في حالة فوضى وتشتت، مفتقدة أساليب البحث عن التصرف السليم، لذا رفعت رأسها عاليًا ودعت:
- يارب، ماعرفاش اعمل إيه دلوك، حلها من عندك يارب .
❈-❈-❈
صباحًا
ذهبت لتحضر صغيرها، ولم يقبل عبدالله أن يتركها، ولم تنسَ حديثه أمس، حتى أنها لم تستطع أن تعيش فرحة خبر صغيرها بسبب ما قاله، ولكنها بعد تفكير قررت أن تحاول تنفيذ رغبته في التعامل كزوجين طبيعيين أمام الناس، لذا لم ترفض ذهابه معها، ولكنها طلبت منه انتظارها خارج القصر، وترجلت تعبر داخله، وقلبها يتمنى أن يمر الأمر بسلام .
تحركت تدلف وتلقي السلام حينما وجدت صابحة تجلس مع عمها وتحمل الصغير وتعانقه باكية.
رؤيتها بهذه الحالة جعلتها تحزن وتشعر بالضيق والتوتر، ولكنها تنفست تتقدم وتقف أمامهما قائلة :
- مهران جال إنـــــــــــ.
أومأ عبد الوهاب يقاطعها قائلًا بهدوء :
- جالنا يابنتي، بس اجعدي عايزك في كلمتين .
جلست تنظر إلى صغيرها الذي يشير إليها لتأخذه، ولكنها ترأف لحالة صابحة لذا تمهلت تزدرد ريقها والتفتت تنظر إلى عمها الذي استرسل يوضح :
- أني عايزك تفهمي زين إني لما جولت حفيدي يجعد إهنة مكانش ظلم ليكي، وبردك مهواش لاجل العادات والعرف، أني عملت اكدة عشان مايتحرجش جلب ولدي على ضناه وهو جاعد مع راچل غيره، صُح كنت زعلان جوي عليكي وعلى حمزة، وكنت خايف ربنا يعاقبني بذنبكو، بس أني أب وماجدرتش اتخطى الحد ده بالذات، ده مهما كان ولده، عشان اكدة لما هو اللي اخد القرار ده اني ارتحت.
تفهمت حديثه جيدًا، وأرادت أن تطمئنهما، لذا نطقت توميء بهدوء :
- واني مجدرة انكو جيتو على نفسكم عشاني ياعمي، واللي مهران عمله ده كان بالنسبالي حاچة مستحيل تحصل، بس عايزة اجولكم إني لا يمكن حخلي حد تاني ياخد مكان مهران عند حمزة مهما كان، هو ابوه وليه وليكو كل الحج فيه، وزي ما هو ماحرمنيش منه أني كمان عمري ما حعمل اكدة، ماتجلجيش يا مرت عمي.
نطقتها وهي تطالعها، فنظرت لها صابحة توميء بصمت، ثم نظرت للصغير تعانقه وتقبله وبكت قبل أن تعاود النظر إليها وتنطق :
- حتجبيه وتچيلي يوم ويوم اشوفه واشبع منه، وأني حجيلك في الأيام التانية بردك، صعب عليا جوي يانهاد، ماجدراش ابعد عنه.
نهضت نهاد على الفور واتجهت إليها تعانقها وتؤكد لها أنها لن تبعده عنها في مشهدٍ مؤثرٍ يحدث أمام أنظار مهران الذي لم يغادر، بل يقف يشاهد من الأعلى دون أن يظهر أمامها .
تنهيدة حارة خرجت من جوف عبد الوهاب الذي نطق لينهي هذا العذاب :
- يالا يابنتي جومي عشان متتأخريش على مصلحتك، شنطة حمزة أهي سته چهزتهاله، خدي بالك منه يا نهاد .
بعد بعد دقيقة تلتقطه منها وتعانقه قبل أن تشكرهما وتسحب حقيبته وتغادر وبداخلها مشاعر متضاربة، وتمنت لو تملك خيارًا يريحهما ولكنها في هذا الأمر مجبرة على الرحيل به.
❈-❈-❈
بعد مرور شهر
وقفت أمامه في المكتب وهو يبتسم مبتهجًا ينطق :
- الحمد لله إننا بدأنا الإجراءات بدري لإن الموضوع طوّل والسفر لازم يبقى في اقرب وقت .
ابتسمت تجيبه بهدوء :
- كنت لازم استنى موافقة نوح زي ماحضرتك عارف .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أومأ يوضح بخبث:
- وأنا تواصلت مع الشركة هناك وبلغتهم بانضمامك ليهم، وطبعًا وصيتهم عليكي چامد، يعني هناك بردك حيبقالك امتيازات عن غيرك .
ازدردت ريقها ولا تعلم سبب اقتحام جابر لعقلها الآن، منذ ما حدث آنذاك وهو توقف عن محاولاته اللحاق بها، كأنه كُسر من وجود معتز حينها، وربما ظن شيئًا آخر، ولكنه شغل تفكيرها، ولا تنكر أن جزءًا منها يفتقد لمحاولاته للتواصل معها، ولكن الجزء المسيطر منها يحثها على المضي قدمًا، فهي لم تفعل سوى الصواب، ولم يكن ممكنًا غفران ما فعله بها، حتى لو كان يسكن قلبها إلى الآن.
نطقت شاكرة :
- متشكرة چدًا، عن اذنك .
التفتت تعود إلى مكتبها، وذلك الجزء اللعين يخبرها ألا تفعل، وألا ترحل،وألا تهرب، ولكنها كالعادة تستمع إلى صوت عقلها، السفر فرصة انتظرتها كثيرًا، ويجب أن تستغلها.
أما هو، فما إن أُغلق الباب، حتى ظهرت ابتسامته المخيفة، يوميء بهدوء غريب ويردد داخله بفحيح :
- لسة بتحبيه، حتى بعد اللي عمله فيكي، إنتِ كمان فضلتيه عليا، ماشي يا ريم،إنتِ اللي اختارتي تشوفي الوش التاني .
❈-❈-❈
ليلًا
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
عاد من عمله باكرًا، مبتهجًا، متحمسًا، ومشتاقًا لها، منذ أربعين يومًا وهو يكبح رغباته واحتياجه ومشاعره المأججة .
عاد ليلتهم حبته الناضجة باشتياق وصل إلى ذروته، وها هو يجلس ممددًا على فراشه، منتظرًا خروجها من الحمام، يشعر أن الخمس دقائق الفائتين كأنهما أربعين يومًا آخرين.
يحبها بالقدر الذي يجعله يشتاق لرؤيتها ما إن يبتعد لتوه عنها، يحب كل شيءٍ بها، وتكمن سعادته في ابتسامتها ولمعان عينيها بالفرحة.
نعم يرغب بالكثير من الأطفال منها، يرغب في نسخٍ عدة تشبهها، يرغب في رؤيتها وهي تغار من ابنتهما المدللة ، وتدلل صغيرهما فيعبس هو ويغار ويطالبها بالتدليل، يرغب في عيش حياة متكاملة معها هي فقط.
خرجت تخترق شروده، فالتفت يطالعها ويوليها كامل اهتمامه ونظراته وإعجابه بها، حيث ارتدت مئزرًا حريريًا شفاف، يختبيء خلفه قميصًا ناعمًا يخجل في الظهور الآن، ينسدل بتناسقٍ مهلك على جسدها الذي يقتنصه بعينيه المتحفزتين.
وجدها تطالعه وتبتسم، وكأنها تتعمد تعذيبه حيث توجد إلى مرآتها تضع عطرها وتجفف خصلاتها أمامه ببراءة خداعة، جعلته لا يحتمل الجلوس والصبر، فأصبح متعطشًا وطالبه جسده أن ينهض في الحال، وبالفعل نهض يخطو نحوها ويقف خلفها معانقًا إياها في مشهدٍ متكررٍ بالنسبة لهما، ولكنه متجددًا في كل مرة، لا تمل من احتضانه لها بل تحب أن تنظر إليه من خلال المرآة وهو يهمس لها بكلمات الغزل، وهو يحب أن يعانقها ويبيت عند ثنايا عنقها مستنشقًا عبقها.
همس بحبٍ فائض :
- وحشتيني .
ابتسمت تعطيه تأثيرها بالميل عليه وإغلاق عينيها استمتاعًا، لذا تضخم قلبه واستيقظت مشاعره كاملة فرفع كفيه يحاوط كتفيها ويسير عليهما بتأنٍ ماكر ، ثم نزل مجددًا يحتوي خصرها حتى وصل إلى رباط المئزر فقرر فكه، وعاد يصعد بكفيه للأعلى بتهمل شديد، حتى عاد لكتفيها يزيح المئزر قليلًا ليكشف عنهما، ثم انحنى يلثم كتفها الأيمن مغمغضًا بشعورٍ ممتع يصدره لها، فتستورده برحابة شديدة تاركة له قمرة التحكم، مغمضة العينين مستمتعة، ليلفها إليه بهدوء ويسدل عنها المئزر بالكامل حتى سقط فأبعدها إنشات يطالعها بانتشاء وعشقٍ وإعجابٍ صارخ، ثم أعادها إلى حضنه يملس على خصلاتها ويميل هامسًا بسيطرة مشاعر كاملة :
- بحبك .
- وأنا كمان.
اصطحبها في رحلته التي غابا عنها، ولكنهما عادا إليها بشغفٍ كبير، وحبٌ لا يقل أبدا، بل يتضخم كلما مر على حياتهما يومًا جديدًا، حزينًا كانا أو سعيدًا.
يتلذذ بطعم المتعة في حضرتها، ويعطيها جُل ما تشتهيه من مشاعر، بالهمس واللمس والروح التي تتوحد الآن .
❈-❈-❈
عاد الملل يقتحم حياتها بعد أن باءت محاولاتها في التودد إلى يونس أو أيوب بالفشل، فهذا البيت يسيطر عليه الالتزام، كلما فكرت كيف تستفز نوارة وتثير حنقها وجدت حائط سدٍ يدعى يونس، هو لا يسمح لأيٍ من كان أن يحزنها ولو بكلمة، وها هي تراها قد اقتربت من شهرها الثامن وما زالت تستحوذ على الدلال والاهتمام المبالغ فيه منه.
ولم يُعرف عنها الاستسلام، توهمهم بأنها أضحت ملتزمة، هادئة، متزنة، ولكنها تبحث عن خطة جديدة، إلى أن توصلت لادعاء السحر، إن كانت والدتها قامت بتحضير أسحارٍ لنوارة، فلماذا لا تدعي هي العكس، وتمثل إصابتها بالسحر، ومن المؤكد أنهم لن يتركوها دون معالجة، وأن يونس سيكون مجبرًا على التعامل،ويصبح هو معالجها كما فعل مع نوارة .
ابتسمت ابتسامة شيطانية وهي ترسم تفاصيل خطتها، وتضع النقاط على الأحرف لتبدأ في تنفيذها في أقرب وقت،فما يهمها الآن هو يونس بعدما أحبطها أيوب بنفوره الدائم منها،وخطبته مساءً من مروة،حيث نجح في الاختبارات التي وضعها له عبد الوهاب،واجتازاها محققًا حلمه في الارتباط بها أخيرًا ..
❈-❈-❈
( ميراث النيل)
هذه الرواية من الأعمال الأصلية لموقع رواية وحكاية.
كان هذا عنوان المشغل الخاص بنهاد، والذي قد بدأ العمل فيه، ونجحت نهاد بمساعدة صديقتها جهاد في استقطاب عددًا من النساء والبنات، ولكن العدد لم يكن كافيًا ليغطي حاجة المشغل.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لذا حاولت ندا مساعدتها، حيث ذهبت إلى تلك السيدة التي قابلتها في السوق آنذاك، وابتاعت منها بعض المشغولات، سردت لها الأمر وطلبت منها أن تأتي للعمل معهن وأن تحضر كل من ترغب، وبالفعل رحبت تلك السيدة حيث أن وجودها في السوق العام أصبح غير مرغوبًا فيه من قبل بعض التجار حولها، لذا اصطحبت جاراتها ومعارفها من السيدات ، خاصةً وأن المقابل مجزي وسيلبي احتياجاتهن، وأن المكان في موقع متميز يؤهل له الزوار الكثر، بالإضافة إلى التنظيم والمراقبة وتوفر الموارد .
جلست نهاد في مكتبها بعدما تركت الصغير مع ندى في الخارج، تقابلها جهاد تبتسم وتتحدث إليها :
- الحمد لله يا نهاد، ربنا كريم، كدة نقدر نطمن إن المشروع اللهم بارك ماشي كويس چدًا ، الستات فرحانين بالشغل قوي وشايفين إن أخيرا حيقدروا يفيدو ويستفادو.
تنفست بارتياح ونطقت بطمأنينة تشق طريقها إليها حديثًا :
- ايوة الحمد لله، أني كنت خايفة چوي من ردة فعل أهالي النچع، بس ربك كريم، واني بردك حفضل شايلة چميلك ده فوج راسي يا چهاد، ماعرفاش من غيرك كنت حعمل إيه.
مدت يدها تربت على كفها ونطقت مستنكرة :
- مالوش لزوم الكلام ده، أنا ماعملتش أي حاچة.
ابتسمت لها، ثم تساءلت بترقب حينما لاحظت تأخر الوقت :
- چهاد هو انتِ كدة متأخرتيش ع الشركة؟ ماعيزاش مهران يجولك كلمتين بسببي.
هزت رأسها بلا ونطقت بعفوية :
- لا بالعكس ده هو اللي طلب مني اچي اقف معاكي ومع البنات اللي هنا التانية لحد ما يتعودو ع الشغل .
أومأت وداخلها يستفسر، ولكنها سمعت صوت ضوضاء وصياح مفاجيء يأتي من الخارج، فأسرعت تنهض هي وجهاد لتريا ما يحدث، وما إن فتحت الباب حتى وجدت ندى تقابلها وتحمل الصغير مردفة بذعر :
- الحقي يا خالتو في ناس كتير برا بيزعقو جامد.
سحبتها داخل الغرفة تردف محذرة :
- خليكي هنا انتِ وحمزة وماتطلعوش برا..
أومأت ندا وتحركت نهاد تغلق الباب وتتقدم مع جهاد تسير في الممر، وقد لاحظت توتر السيدات والنساء من حولها لذا وقفت تهدأهن قائلة :
- خليكو في مكانكم واطمنو، أني حشوف في إيه ومحلولة بإذن الله .
نطقتها وأكملت سيرها مع جهاد حتى وصلت إلى الخارج، فوجدت تجمعٍ من الرجال والسيدات يطالعنها بتهكم واضح لينطق أحدهم بنبرة قاسية حادة :
- نادي على بناتنا وحريمنا اللي چوة ، مالهومش شغل عندك اهنة، بدل ما نطربج المكان ونجيب عاليها وطيها .
صُدمت مما تراه، وازدردت ريقها لتنطق جهاد محذرة :
- عيب الكلام ده يا حاچ، اللي بتعملوه ده مش قانوني، اتكلو على الله من هنا بدل مانبلغ الشرطة.
نطق الراجل بعلو فصاح من خلفه يؤيدونه ويرددون معه :
- اللي عندينا جولناه، الست دي بناتنا وحريمنا ماحيشتغلوش معاها واصل، عاچبكم ولا نطربجها؟
وقفت عاجزة تدور الأرض بها،كلما حاولت أن تسكن في برج الراحة أسقطوها منه على أرض الواقع القاسي، ماذا فعلت ليفعل أهل نجعها بها هذا السوء؟ هل ارتكبت خطيئة؟ هل لوثت شرفها؟ ماذا فعلت؟ وماذا تفعل الآن؟
حاولت أن تتحدث إليهم بمنطقها علهم يهدؤون ويعقلون :
- يا چماعة صلوا ع النبي، المشغل هنا كله حريم وشغالين بما يرضي الله، وبعرج چبيننا، شوفوا إيه الحل اللي يرضيكم غير اللي بتجوله عليه ده، خلونا نحلها بالتفاهم،من امتى العنف بيحل مشاكل؟
نظروا لبعضهم ولم يرحبوا بأي حديثٍ منها بل تحدث الشخص نفسه يوزع نظراته بينهم ويردف :
- باينها مابتفهمش بالذوج، مابجاش اللي دي تدينا محاضرة في الأخلاج، نوريها إحنا بجى أخلاجنا، ولا إيه يا رچالة؟
رفعوا عصيانهم يهللون مؤيدين، وقرروا أن يلقنوها درسًا، فهم ينفرون منها منذ ذلك الچواز، ويتهمونها بالوقيعة بين أبناء العم، ويرونها خرجت عن المألوف بسفرها وطلاقها ورفضها للظلم الواقع عليها، لذا عليهم أن يقتصوا منها الآن، وألا يسمحون لها باللعب بعقول نسائهن.
في تلك الأثناء، يقود مهران سيارته متجهًا إليها ليرى صغيره ويصطحبه معه قليلًا كالعادة ، وها هو يقترب من موقع المكان، ولكنه لاحظ تجمهر عنيف أمام مشغلها، لذا انقبض قلبه وأسرع يوقف سيارته ويترجل منها ويخطو نحوهم حتى استقر بينهم يتساءل بنبرة عالية :
- خير يا رچالة؟
« السابق
جميع الفصول
التالي »
يتبع
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق