القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

جدتي اللي عندها ٩٠ سنة جت تزورني حكايات زهرة الربيع

 جدتي اللي عندها ٩٠ سنة جت تزورني حكايات زهرة الربيع



جدتي اللي عندها ٩٠ سنة جت تزورني حكايات زهرة الربيع


جدتي عندها 90 سنه جات تزورني في بيت جوزي لاول مره بس لما وقفت على باب الشقه اتنفضت مكانها وحلفت ما تخطي عتبتنا ، الكل قال الست كبرت و خرفت متزعلوش منها ، بس قبل ما تمشي شدتني وهمست بجمله طيرت عقلي حرفيا!!


البيت كان متزوق وكل حاجة بتلمع، ما انا عروسه جديده مبقاليش اسبوع

بس اليوم ده مكانش عادي..في اليوم ده اخيرا اهلي هيزوروني وكنت واقفة مستنياهم بابا وماما و تيته غاليه. تيته غاليه دي مش مجرد ست كبيرة وخلاص، دي بركة العيلة، الناس بتاعة زمان اللي روحهم خفيفة وشايفين الدنيا بصفاء نؤمن بيه من غير ما نفهمه

كانت غريبه جدا مش بتعلم الغيب حاشا لله بس كانت تبص في وش البني آدم وتقولك ده فيه كذا وكذا، وتطلع صح. تقدروا تقولوا بتقرا الملامح

كانت ست فيها لله مبتفوتش فرض ولما كنا صغيرين وكنت اقوم مفزوعه بالليل، تقرأ عليا بس الفاتحة ومعوذتين، كنت اهدى ونام في ساعتها.

لما جه معتز جوزي عشان يتقدم لي، أول واحدة جريت أخد رأيها كانت هي. فاكرة يومها كأنه النهاردة، قعدت جنبها ومسكت إيدها وقلت لها: “إيه رأيك يا تيته في معتز؟” سكتت شوية، وسرحت بعيد بعينها اللي غطاها الضباب بتاع السن، وقالت بنبرة هادية وبطيئة: “كويس يا بنتي.. بس مخبي في قلبه كتير.” الكلمة ورنت في ودني، بس الفرحه خلتني أعدي الجمله دي وما أقفش عندها كتير.

ومرت الأيام، واتجوزنا، وتيته عشان صحتها والتسعين سنة اللي شايلاهم على ظهرها، ماقدرتش تحضر لا الفرح ولا تجهيز الشقة. فكان اتفقنا إن بابا وماما يجيبوها لحد عندي، تشوف بيتي وتفرح بيا.

أول ما الأسانسير فتح ووصلوا قدام باب الشقة، كنت واقفة فاتحة دراعاتي وبضحك، وبقولها: “نورتي بيتي يا تيته!”.. بس قبل ما رجليها تلمس العتبة، حسيت بجسمها كله اتفض فجأة! اتنطرت لورا كأن حد زقها بعيد، وحلفت يمين قاطع: “والله ما أنا داخلة! والله ما أحط رجلي جوه العتبة دي أبدا!”

في اللحظة دي انا اتجمدت مكاني وجوزي وأهله اللي كانوا واقفين يستقبلوا اتغيرت وشوشهم، والإحراج أكل الوشوش. بابا اتكسف جدا ومسك إيدها بيحاول يهدّيها: “جرى إيه يا أما؟ متفضحيناش قدام الناس! الشقة شقة بنتك هندخل ونبركلها ونمشي.” بس هي كانت ناشفة زي الشجرة العتيقة، وقالت بإصرار: “هاتولي كرسي هنا.”

فعلاً جيبت لها كرسي وقعدت عليه بره قدام باب الشقة المفتوح. جوزي انسحب لجوه وهو متضايق وبيحاول يداري غضبه، وبابا قعد يعتذر ويقولهم: “معلش يا جماعة، الست كبرت وعدت التسعين والمخ خلاص مش مجمع، كبرت وخرفت متزعلوش منها.” الكلمة وجعتني، بس ما كنتش قادرة أتكلم.

القعدة جوه كانت تقيلة ومخنوقة. بابا وماما مقعدوش كتير، الموقف كان مالي الجو توتر، وبعد أقل من نص ساعة استأذنوا عشان يروحوا. خرجوا بره الشقه عشان يأخدوا تيته من على الكرسي ويمشوا. وقفت جنبها وأنا حزينة وعيني مليانة دموع، وبمد إيدي أساعدها تقوم.

في اللحظة دي، مسكت في إيدي.. مسكة قوية أوي! قوة مش بتاعة ست عندها تسعين سنة أبداً، كأنها بتستغيث أو بتحذرني شدّتني ليها وأنا تلقائياً وطيت بدماغي عشان أسمعها، وحطت بؤها قريّب جداً من ودني وهمست لي بنبرة هادية بس مرعبة، نبرة خالية تماماً من أي خرف أو قلة عقل، وقالت لي كلام طيّر عقلي من مكانه، كلام مش قادر استوعبه او استوعب إزاي هي عرفت حاجة زي دي!!!!!

زهرة_الربيع


قالتلي بصوت زي الفحيح، نبرة ثقيلة ومفهاش نقطة خرف واحدة، نبرة ست حية وواعية أكتر مننا كلنا: “يا هند.. الشقة دي مش بتاعتك أنتِ ومعتز بس.. الشقة دي فيها حد مستخبي جوة! أول ما الباب اتفتح ورجلي قربت من العتبة، شفت خيال ست بتجري واستخبت في الأوضة المقفولة اللي في آخر الممر.. والريحة اللي طالعة دي مش ريحة بخور معتز، دي ريحة برفان حريمي مش بتاعك.. برفان رخيص متداري بشوية معطر.. جوزك مخبي في بيتك سر هيضيعك، اطلعي معايا دلوقتي وما تبيتيش هنا ليلة واحدة!”

الكلمات نزلت عليا زي مية نار، سقعت جسمي كله، الريق جف في الزور، وحسيت إن الأرض بتتزلزل وتتسحب من تحت رجلي. جيت أرد، أقولها أي حاجة، لساني اتعقد ومطلعتش كلمة.. بصيت في عينيها اللي كانت سرحانة من شوية، شفت فيهم ثبات ووعي يرعب، مفيش أي أثر لسن التسعين ولا للزهايمر اللي بابا كان بيتحامى فيه قدام الناس عشان يداري الإحراج.

بابا نده بنفاذ صبر وهو نازل أول درجتين: “يلا يا أمي، السلم تقيل عليكي.. انزلي معانا عشان ألحق أروحك.”

تيته ما شالتش عينها من عليا، سابت إيدي ببطء شديد، وقالت بصوت واطي وناشف: “اللي قلتلك عليه من شهور أهو.. قلتلك مخبي في قلبه كتير.. القرار قرارك يا بنت قلبي.”

قامت وقفت، أخدت عكازها ومشت مع بابا وماما ببطء، وأنا واقفة علامة استفهام كبيرة بين السماء والأرض. الباب كان مفتوح، الشقة ورايا ساكنة تماماً، وهدوء الممر بقى مرعب بشكل ما يتحملوش بشر.

تلفّت ببطء شديد وبصيت لعمق الشقة.. الممر كان نصه ضلمة، ومعتز كان واقف في آخره، مربع إيديه وساند بضهره على الحيطة. ما كانش بيضحك، وما كانش متضايق زي ما كان يبان قدام بابا.. كان واقف بيطلع فيا بنظرة جافة، باردة، خالية من أي مشاعر.

عينيا اتجهت تلقائياً لأخر الممر.. الأوضة الصغيرة اللي اتسكنت مقفولة من يوم ما دخلنا الشقة بحجة إنها مليانة كراكيب ومفتاحها ضايع.. شفت مقبض الباب بتاعها بيتحرك ببطء شديد.. ينزل لتحت.. ويرجع يطلع تاني، كأن في حد جوة ماسك المقبض وخايف يفتحه.

نبرة صوت معتز الهادية اللي كنت بحبها اتغيرت تماماً، بقيت جافة ومخيفة وهو بيمشي ناحيتي ببطء ويقول: “مشوا خلاص؟.. خطوة ممتازة.. تعالى بقى يا هند اقفلي الباب بالمفتاح.. عشان في حاجات كتير أوي محتاجين نتكلم فيها.”

صوت تكة المقبض وهي بتتحرك في الضلمة أكلت السكون اللي في المكان. رجلي اتسمرت في الأرض، ومسكت في مقبض الباب الخارجي بضوافري من كتر الرعب، كنت عاوزة أصرخ أو أجري ورا تيته، بس الخوف كان كاتم على أنفاسي وشال حركتي.

معتز قرب مني بخطوات ثقيلة ومحسوبة، مد إيده ببرود تام من غير ما يرف له جفن، وقفل الباب الخارجي ورايا ولف المفتاح تكتين.. الصوت ده دخل في قلبي زي الخنجر.

بص لي ونظرة عينيه كانت اتغيرت تماماً.. الملامح الهادية والضحكة اللي خطفتني اتخرعت وحل محلها وش صلب وبارد كأنه بلاستيك. قال بنبرة واطية ومستفزة: “تيته غالية دي طلعت أذكى من العيلة كلها.. مش كده؟”

قلبي كان بيدق في زوري، وريقي ناشف زي الحطب. قلت بصوت بيترعش ومخنوق: “معتز.. مين اللي جوة؟ أنت معاك مفتاح الأوضة؟ مش قلت المفتاح ضايع من زمان والمغلاق باظ؟”

حط إيده في جيبه ببطء، وطلع ميدالية مفاتيح نحاس، فيها مفتاح قديم. قرب من الأوضة المقفولة اللي في آخر الممر، وحط المفتاح في الكوالين. صفيحة الباب خبطت خبطة خفيفة، ولما لف المفتاح، الصوت كان واضح ومسموع في الهدوء المرعب ده.

الباب اتفتح ببطء.. والريحة طلعت! نفس الريحة اللي تيته قالت عليها.. برفان حريمي نفاذ ورخيص، متغطي بريحة سجاير وبخور مكتوم.

من جوة الضلمة، خرجت ست.. في أواخر التلاتينات، وشها شاحب جداً وعينيها منفوخة من العياط، شعرها متنعكش ولابسة عباية سمرا، ماسكة في إيدها شنطة هدوم صغيرة. كان في عينها مزيج مرعب من الخوف والحقد.

بصيت لمعتز وبعدين بصيت لي وقالت بنبرة مكسورة بس طالع منها غل سنين: “أنا آسفة يا عروسة.. بس التمثيلة دي كان لازم تخلص هنا. أنا مش هفضل مستخبية زي الحرامية عشان بيه يكمل لعبته!”

الدنيا دارت بيا، مسكت في الحيطة عشان ما أقعش، الشقة كلها بقت تلف بيا. معتز بص للست بغضب مكتوم وقالها بصوت كأنه فحيح أفعى: “أنا مش قلتلك ما تنطقيش ولا تتحركيش لحد ما يغوروا؟!”

ردت عليه بصوت أعلى وهي بتبكي بانهيار: “أنا مراته يا هند! مراته بقالي أربع سنين على ورق عرفي.. الشقة دي كانت شقتنا، وقبل الفرح بـ أسبوع نقلني في الأوضة دي بحجة إن أهلك هيجوا يفتشوا ويرتبوا الشقة، ووعدني إنه هيديني فلوسي ويطلقني بعد ما يخلص مصلحته مع باباكي وياخد التمويل والشراكة اللي كان بيحلم بيها!”

الكلام كان بينزل عليا زي الصدمات الكهربائية. كل كلمة كانت بتهدم الصورة المزيفة اللي عشت فيها. معتز اللي كان بيظهر أطيب بني آدم في الدنيا، الشخص اللي جيت أخد رأي تيته فيه.. طلع نصاب متجوز عليا ومخبيني في بيته كواجهة، ومخبي مراته التانية في الأوضة المقفولة.

معتز حاول يقرب مني وإيده المرتعشة ممدودة: “هند.. اسمعيني بس.. هي بتتبلى عليا، دي واحدة مجنونة وكانت بتأجر الأوضة دي زمان و…”

قبل ما يلمسني، صرخت فيه بعلو صوتي صرخة هزت أركان الشقة: “إياك تلمسني!”

في اللحظة دي، صدى صوت تيته رجع في ودني يصرخ زي الجرس: “اطلعي معايا دلوقتي وما تبيتيش هنا ليلة واحدة!”

الخوف في ثانية تحول لغضب كاسح ووعي مفاجئ. ما استنيتش أسمع منه ولا كلمة تانية ولا أدي له فرصة يستوعب. سحبت شنطة إيدي اللي كانت مرمية على الجزمة عند الباب، وبسرعة البرق لفيت المفتاح وفتحت الباب الخارجي بكل قوتي، وخرجت ألتفت ورايا وجريت على السلم ونزلت أطير درجاته وأنا بصرخ بأعلى صوتي وبنده على بابا قبل ما عربيتهم تتحرك من تحت العمارة.

نزلت السلم طيران، رجليا مكانتش بتلمس الدرج من كتر الهلع، كنت حاسة إن الرئة بتاعتي هتتفجر والنفس مقطوع، بس الرعب كان بيزقني عشان ألحق شريان حياتي الوحيد قبل ما يضيع. أول ما وصلت لمدخل العمارة، شفت نور عربية بابا وهو بيتحرك ببطء في الشارع.

صرخت بصوت جاب آخر الشارع، صوت مطلعش من حنجرتي قبل كده: “باباااا! اقف يا بابا.. الحقني يا بابا!”

العربية وقفت فجأة بصوت صريخ كوتشات. باب السواق اتفتح وبابا خرج منه يجري، وشة أصفر ومخضوض، وماما نزلت وراه بتصرخ من الرعب. ارتميت في حضن بابا وأنا بنهت وبترعش، بجسم متلج ودموع مغرقة وشي، مش قادرة أطلع جملة مفيدة على بعضها من هول الصدمة: “معتز يا بابا.. الأوضة المقفولة.. مراته جوة! اتجوز عليا وعاملني ستار عشان مصلحته معاك!”

في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات معتز وهو نازل يجري على السلم، وشه أحمر زي الدم، وبيحاول يداري الكارثة لما شاف بابا وماما. وقّف خطوته قبل ما يخرج من باب المدخل، قدم رجل ورجع رجل، وقال بنبرة مرتبكة ومقطوعة: “يا عمي استهدى بالله بس.. هند أعصابها تعبانة ومش فاهمة حاجة.. دي واحدة نصابة كانت و…”

قبل ما يكمل كلامه، بابا اللي كان من نص ساعة مكسوف وموطي راسه قدامه، تحول لأسد جريح. زقني ورا ضهره وبخطوة واحدة كان قدام معتز، وأداه قلم على وشه هز أركان المدخل، وسحبه من ياقة قميصه وهو بيصرخ فيه: “يا واطي! يا خاين! دي الأمانة اللي سلمتهالك؟ تخدعنا وتجيب مراتك تستخبى في الأوضة عشان تاخد التمويل والشراكة؟!”

معتز اتسمر مكانه ومقدرش يرفع عينه، خصوصاً لما الجيران بدأوا يفتحوا الشبابيك والبيبان على الصوت العالي، والست التانية خرجت من باب العمارة وهي بتعيط وتصرخ وتطالب بفلوسها وحقها قدام الكل، لتبان الحقيقة كاملة وبشعاراتها العريضة قدام الشارع كله.

ماما مسكتني وأنا ركبي بتخبط في بعضها وفتحت باب العربية الخلفي وقعدتني، وفي اللحظة دي عينيا جت على الكرسي القداماني..

تيته غالية كانت قاعدة، لفت راسها ببطء شديد، وبصتلي بعيونها الصافية. مفيش في وشها نقطة تفاجؤ واحدة، لكن كان في عينيها حنان وراحة ونظرة حماية قاطعة. مسكت إيدي المرتعشة بإيدها الدافية، وقالتلي بصوتها الهادي اللي يرجع الروح: “قلتلك يا بنت قلبي.. البركة في العين اللي بتشوف، مش في السن اللي بيعدي. اركبي يا هند.. بيتك مش هنا، بيتك في أحضان اللي يصونك.”

بابا دخل العربية وهو بينهج من الغضب، دور الموتور وطلع بينا بسرعة، وساب معتز واقف في نص الشارع مهزوم ومفضوع قدام نفسه وقدام الشارع كله.

بصيت من شباك العربية لآخر مرة على الشقة اللي كنت فاكراها بداية حياتي، وحمدت ربنا على البركة الكبيرة اللي متدارية في نور ست تسعينية.. ست شافتنا بقلبها، وأنقذتني من فخ كان هيقضي على حياتي كلها.

صوت الموتور كان عالي وبابا ماسك الدريكسيون بإيدين بترتعش من كثرة الغضب، عيونه في مراية العربية بتراقب الشارع وكأنه بيهرب بينا من كابوس. ماما حاضناني وبتبكي بانهيار وهي بتقول بصوت مجروح: “الحمد لله يا بنتي.. الحمد لله إن ربنا كشفه على حقيقته قبل ما يربطك بيه أكتر من كده! يا حبيبتي يا هند.. ده كان هيضيعك!”

بابا طلع تليفونه بيد واحدة وهو سايق، وداس على رقم المحامي بتاعه، وأول ما التليفون اتفتح قال بنبرة حاسمة كالسيف: “يا متر.. تلغيلي كل الأوراق والعقود والشراكة اللي بيني وبين الواطي اللي اسمه معتز.. وترفعلي قضايا طلاق للضرر وخيانة أمانة فوراً! مش عاوز أخليه يطول قرش واحد، وهخليه يلف حوالين نفسه في المحاكم لحد ما يعرف يعني إيه يلعب ببنات الناس!”




أول ما وصلنا بيت أهلي، المكان اللي حسيت فيه بالأمان لأول مرة من أسبوع كامل، تليفوني ما بطلش يرن. معتز كان بيبعت رسايل زي المجنون.. بيتحايل، بيبكي، وبيحلف إن الست دي كانت بتبتزه وإن الموضوع مش زي ما أنا فهمت، بس الكذب كان بقى مكشوف ورخيص. مسكت التليفون ببرود تام، وعملت له بلوك من كل حتة، وقفلت الخط نهائياً.

في الصالة، قعدت على الأرض تحت رجلين تيته غالية. كانت قاعدة بصلابتها الهادية، ماسكة سبحتها وبتسبح ببطء. حطيت راسي على ركبتها، وإيدها العجوزة المليانة تجاعيد مشت على شعري بالحنان كله.


قلت لها بصوت مخنوق بالدموع: “كنتِ عارفة كل ده يا تيته؟ إزاي شفتي اللي محدش فينا قدر يشوفه؟”

ابتسمت ابتسامة خفيفة مليانة بحكمة تسعين سنة، وقالتلي بصوت دافي: “القلب النضيف يا هند بيحس بالوساخة قبل ما العين تشوفها.. الواد ده من أول يوم دخل فيه بيتنا وعينه كانت على القرش مش على صاحب البيت، كان بيبص للنعمة بطمع. والست اللي كانت مستخبية في الأوضة، ريحة ظلمها كانت طالعة تغطي على بخوره الزايف.. اللي يبيع الأمانة يا بنتي، ربنا بيفضحه عند أول عتبة.”

ومرت الأيام بسرعة، وبابا ما سابش معتز.. جابلي حقي بالقانون حبة بحبة، الشراكة اتلغت فوراً، والمحامي أخدلي كل حقوقي وطردناه من حياتنا تماماً. معتز خسر كل حاجة: فلوسه، سمعته، والتمويل اللي كان حاطط أمله عليه، وحتى مراته التانية سابته ورقعت فيه قضايا.

أنا اتعلمت الدرس الأكبر في حياتي.. إن المظاهر بتخدع والشكل بيمثل، بس الأرواح الصافية اللي زي تيته هي النور اللي بينورلنا الضلمة لما الدنيا تتلخبط.. ومن اليوم ده، بقيت قبل ما أخطو أي خطوة في حياتي، أروح أعد قدام تيته غالية، وأسمع لقلبها اللي عمره ما كدب.

تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close