فرح سلفي مني السيد

فرح سلفي مني السيد
فرح سِلْفي الصغير كان بكرة، ويوم الحنة كان البيت مقلوب حرفيًا. أخو جوزي كان دابح عجل، وجايب طباخ مخصوص، وكميات أكل تكفي جيش، ووجبات متجهزة، ومشروبات وحلويات، والبيت كله زغاريد هيصة وناس رايحة وناس جاية. ومن قبل الفجر وإحنا كلنا نازلين نخدم جنب الطباخ. من ساعة ما نزلت وأنا ما قعدتش دقيقة. أقطع، وأغسل، وأرتب، وأشيل، وأدخل وأطلع، وكل شوية حد يناديني:
هاتِ دي يا بنتي.
حطي دي هنا.
ساعدي الطباخ.
وكنت بعمل كل ده وأنا بقول لنفسي:
معلش… دي فرحة أخو جوزي، والفرحة تستاهل.
لحد ما خلصنا تقريبًا، والأكل بدأ يتقدم للمعازيم.
ساعتها افتكرت بناتي اللي فوق.
البنات كانوا من الصبح محرجين ينزلوا وسط الزحمة، وأنا عارفة إنهم جعانين.
روحت جبت صينية، وحطيت فيها عشر وجبات، وكام زجاجة مشروبات، وقلت أطلعهم فوق ونقعد ناكل سوا.
لسه هطلع السلم، لقيت أخت جوزي بتقول:
استني… من فضلك، ما تطلعيش حاجة فوق.
وقفت وبصيتلها باستغراب:
ليه؟
قالت:
ينزلوا ياكلوا تحت.
قولتلها:
البنات محرجة تنزل، وأنا هاكل معاهم فوق.
ردت بمنتهى الحسم:
لا.
قولتلها:
يعني إيه لا؟
بصت للصينية وقالت:
و غيرك يبصلك… مينفعش.
وقفت ثواني مش عارفة أرد.
يعني أنا من الفجر بخدم في فرحة أخوها، ولما حبيت آخد أكل لعيالي بقت المشكلة إني أطلع فوق؟
بصيتلها وقلت:
تمام.
ومديتلها الصينية:
شيلي كده.
خدتها مني.
ابتسمت ابتسامة باردة وقلت:
شكرًا.
وطلعت فوق بإيدي فاضية.
أول ما دخلت، البنات جريوا عليا:
ماما، الأكل فين؟
قولتلهم:
هعملكم حاجة هنا.
دخلت المطبخ، ولقيت مفيش حاجة تقريبًا.
عملتلهم مكرونة، وقعدت آكل معاهم بالعافية.
واللي وجعني أكتر من الجوع إن محدش سأل علينا.
ولا حد خبط على الباب.
ولا حد قال لنا حتى أكلتوا؟
فضلنا كده لحد المغرب.
وفجأة جوزي اتصل:
إنتِ فين؟ مش شايفك تحت.
حكيتله اللي حصل.
أول ما خلصت، صوته اتغير:
إيه؟ هي منعتك تطلعي الأكل؟
وبعدها بدقايق لقيته طالع لنا شايل أكل كتير.
حطه قدامي وقال:
كلي.
قولتله:
خلاص… ماليش نفس.
قال وهو متضايق:
إنتِ ما غلطتيش في حاجة. كلي وبلاش تزعلي نفسك.
بس أنا كنت خلاص، القهر واكل قلبي.
طول الليل وأنا بلف في السرير، مش عارفة أنام. كل ما أفتكر جملتها “وغيرك يبصلك… مينفعش”، أحس إن في حاجة غلط.
حتى الصبح، ماكانش ليا نفس أحط كحل في عيني.
لكن عشان خاطر جوزي، استعوضت ربنا وقلت:
هروح الفرح وخلاص.
لبست أحسن ما عندي، وظبطت بناتي، ونزلت القاعة وأنا رافعة راسي.
بس يا ريتني ما روحت…
مع أول دقيقة لدخول العريس والعروسة على الكوشة، النور طفى، والموسيقى بقت بترج القاعة.
وفجأة…
حركة غير متوقعة لفتت انتباه المكان كله!
ناس بدأت تتجمهر وتستفسر، والكل بيدور على سبب المفاجأة.
وفجأة النور رجع نور في نص الصالة.
وقفت متسمرة مكاني…
الدم نشف في عروقي من هول المنظر.
الأمور انكشفت قدام الكل في الفرح.
المعازيم بقوا يتابعوا اللي بيحصل بدهشة، والعروسة كانت مذهولة، وسِلْفي الصغير أول ما شاف اللي حصل…
وقع من طوله ومغمى عليه.
وأنا واقفة ماسكة إيد بناتي، مش قادرة أتحرك ولا أنطق.
لأن في اللحظة دي، افتكرت يوم الحنة…
وافتكرت أخت جوزي وهي بتمنعني أطلع الأكل فوق.
وساعتها فهمت إن اللي حصل يوم الحنة…
ماكانش مجرد موقف سخيف.
كان وراه سر… وسر كبير جدًا، ظهر قدام عيني في ليلة الفرح.
الفصل الثاني
النور اللي ظهر في نص الصالة كشف عن حضور غير متوقع؛ ست شايلة على إيدها عيل صغير ملفوف في بطانية بيضا، وجنبها أشخاص من أهالي البلد جايين يستفسروا عن الحقيقة بصوت حاسم.
الست كانت بتتكلم بوضوح، وواضح إن فيه موضوع مهم يخص العريس، ورفعت أوراق رسمية قدام الكل: “فين العريس؟ الجوازة دي مبنية على الصح، وده جوزي وابني على سنة الله ورسوله!”
المعازيم استغربوا الموقف في الأول، بس الست قربت من مكان الكوشة ووضحت الأمر، والكل لاحظ الشبه الكبير بين الطفل وسلفي الصغير.
سلفي كان مرمي على الأرض جنب الكوشة بعد ما أغمى عليه، والعروسة وأهلها كانوا في حالة صدمة كبيرة، وأبو العروسة بيسأل باهتمام وعتاب عن حقيقة اللي بيحصل.
أنا كنت واقفة متسمرة، كل عصب في جسمي مشدود، وإيدي بتعصر على إيدين بناتي لدرجة إن البنت الصغيرة دمعت وقالت لي بصوت واطي: “ماما، إيدك بتوجعني… في إيه يا ماما؟ مين دي؟”
نزلت على ركبي بالعافية وضميتهم لصدري، ورفعت عيني أدور على أخت جوزي، صفاء.
عيني جت في عينها بالصدفة. صفاء كانت واقفة ورا عمود من عواميد القاعة، ورا الكوشة بشوية. وشها ماكانش فيه صدمة عادية، كان وش واحدة اتكشفت! عينيها كانت بتتحرك بسرعة بين الست دي وبين العيل، وشفايفها بتترعش من غير ما تنطق ولا كلمة.
وساعتها، فلاش باك سريع ضرب في دماغي زي السكينة.
يوم الحنة… الصبح بدري… لما كنت شايلة الصينية وفيها العشر وجبات وطالعة بيهم السلم لبناتي، ووقفتني صفاء بمنتهى الحسم وقالت: “استني، ما تطلعيش حاجة فوق… ينزلوا ياكلوا تحت.” ولما عاندت معاها، بصت للصينية وقالت لي جملتها اللي حرقت دمي: “وغيرك يبصلك… مينفعش!”
ساعتها أنا افتكرت إنها بتقصد حماتي، أو سلايفي التانيين، أو المعازيم اللي قاعدين في الصالة تحت. افتكرت إنها بتستخسر اللقمة في بناتي أو بتتكبر عليا! لكن في اللحظة دي، وأنا باصة لوشها المرعوب في القاعة، افتكرت حاجة كانت تايهة عني خالص.
أنا لما جيت أنزل من شقتي الصبح يوم الحنة عشان أخدم في المطبخ، شفت باب السطوح موارب، وسمعت صوت عيل صغير بيعيط خفيف. ساعتها ما ركزتش، قولت يمكن ده صوت قطة على السطح، أو عيل من عيال الجيران اللي بيلعبوا. ولما كنت بحط الوجبات في الصينية، صفاء كانت طالعة نازلة من على السطوح ومعاها شنطة بلاستيك سودا كبيرة، وكل ما حد يقرب من بير السلم كانت بتتلفت بتوتر.
صفاء ماكانتش خايفة المعازيم يبصولي وأنا طالعة بالأكل لبناتي… صفاء كانت خايفة أطلع شقتي في الدور التالت، وأشوف اللي كان موجود فوق في أوضة السطوح! الوجبات اللي أنا كنت طالعاها ماكانتش هي المشكلة، المشكلة إن طلوعي السلم في التوقيت ده كان معناه إني هعدي على أوضة الغسيل اللي على السطوح.
الصوت رجع يدوي في القاعة وقطع حبل أفكاري: “متجوزني رسمي وقافل عليا في شقة تانية، ولما عرفت إنك بتعمل فرح وجيتلك يوم الحنة الصبح عشان أطلب حقوق ابني وأفهم الحكاية، أختك اتفقت معاك وطلبت مني أفضل فوق السطوح ووعدتني إن الموضوع هيتحل بعد الفرح!”
الكلمات نزلت زي المطرقة على دماغي. يعني صفاء كانت مخبية مرات أخوها الشرعية وعيلها فوق السطوح طول يوم الحنة! عشان كده لما مسكت الصينية، عينيها راحت لفوق، وكانت بتموت من الرعب إني أطلع أو أسمع صوت حركة. صفاء حرمت بناتي من اللقمة في فرح عمهم، وخلتني أطبخ مكرونة مسلوقة لعيالي، عشان تستر على أخوها وتأمن إن الفرح يعدي والصفقة تتم! أصل عروسة سلفي أبوها مقاول تقيل، والجوازة دي لو باظت، العيلة كلها هتتأثر.
القاعة بقت كلها نقاشات وحيرة وتوتر بين العائلتين، والناس بتتحرك بسرعة عشان تخرج وتفهم اللي بيحصل.
جوزي لمحني وأنا متكومة على بناتي في الزاوية، جه بيجري عليا، بدلة الفرح بتاعته مقطوعة من الكتف وعرقه نازل شلالات، وشه أحمر من الغضب والكسرة: “خدي البنات وامشي! خدي البنات واطلعي على البيت فورًا، متقفيش هنا ثانية واحدة!” بصيت في عينه وقولتله بصوت جامد ماعرفش طلع مني إزاي: “وأختك؟” بصلي بذهول وهو مش مستوعب سؤالي وسط الزحمة دي: “أختي إيه دلوقتي يا ولية؟ اطلعي برة القاعة المكان زحمة والوضع مأساوي!”
شدت بناتي وقومت، جريت وسط الزحام، وبنتي الصغيرة كوتشيها ضاع في السكة، بس ما وقفتش. عيني كانت على الباب، وطلعت للشارع والهوا البارد لطش في وشي، بس النار اللي جوايا كانت كفيلة تحرق بلد.
روحت البيت مشي، المسافة بين القاعة والبيت كانت ربع ساعة، مشيتها في خمس دقائق. طلعت السلم وبناتي بيترعشوا، دخلتهم الشقة وقفلت الباب، وقعدتهم في الصالة: “اقعدوا هنا، محدش يتحرك ولا يفتح الباب لحد.”
ما دخلتش مطبخي، ولا غيرت فستاني المتبهدل. طلعت مفتاح كان جوزي ناسيه على الجزامة، مفتاح السطوح اللي كان مع صفاء دايمًا. رجليا قادتني لوحدها، طلعت السلم بخطوات تقيلة، كل درجة بطلعها كانت بتفكرني بذلي الصبح وأنا شايلة الصينية وبترجاها عشان أطعم عيالي من دبيحة بيت حمايا. وصلت لباب السطوح، كان موارب، وباين إن الست لما مشيت سابت الباب مفتوح.
دخلت أوضة الغسيل. ريحة المكان كانت قديمة. بطانية مفروشة على الأرض، وقزازة مية بلاستيك فاضية، وعليها بقايا عيش ناشف… وجنبها طبق مكرونة متغطي بكيس! قربت من الطبق، وشيلت الكيس ببطء. المكرونة اللي أنا عملتها لبناتي لما نزلت لقيت التلاجة فاضية! صفاء ما اكتفتش بإنها منعتني من أكل الدبيحة، دي طلعت بعد ما دخلت شقتي، خدت حلة المكرونة اللي فضلت مني وطلعتها للمسكينة دي عشان تسكت عيلها!
دموعي نزلت في اللحظة دي، بس ماكانتش دموع حزن، كانت دموع قهر بيتحول لبركان. الست الغلبانة دي وعيلها قضوا الوقت ده هنا وهي مراته في السر على سنة الله ورسوله، وبناتي اتجوعوا عشان المظاهر، وأنا اتهنت واتقالي مينفعش عشان أخت جوزي تدير تصرف غير مناسب لأخوها وتخليه يغش بنت تانية.
سمعت صوت عربيات بتقف تحت البيت وصوت دخول ناس بعنف. نزلت بسرعة لشقتي ووقفت ورا باب الشباك اللي بيبص على الشارع. كانت عربية جوزي، ومعاه سلفي وشه متبهدل والبدلة مليانة تراب، ومعاهم حمايا اللي كان ساند على عكازه وهو زعلان جدًا، راجل كبير بيشوف الأمور بتتأزم قدامه. وراهم على طول، نزلت صفاء من تاكسي لوحدها، بتتلفت حواليها بتوتر، ولابسة عبايتها فوق فستان الفرح.
طلعوا كلهم على شقة حمايا في الدور الأول. خلال دقايق، صوت النقاش العالي كان بيسمع في الشارع. وأبوهم بيصرخ بحسرة: “ضيعتونا! الوضع بقى سيء قدام الناس!” المقاول وأهل العروسة متضايقين جداً وبيضغطوا عشان يفهموا إزاي ده يحصل، وصوت سلفي وهو بيرد برعب وعياط: “كنت هصرف نفسي يا بابا! الجوازة كانت رسمي ومحدش يعرفها غير صفاء، وكنت ناوي أطلقها وأديها حقوقها بس هي مسكت في خناقي وجاتلي يوم الحنة، وصفاء قالتلي سيبيها عليا أهديها وأحطها فوق السطوح لحد ما الفرح يخلص!” وهنا طلع صوت صفاء، صوتها اللي كان من ساعات بيكسر فيا: “وأنا عملت إيه يعني؟ أنا كنت بحاول أحل المشكلة! قعدتها فوق ووعدتها إنك بعد الفرح هتسجل الواد رسمي وتديلها قرشين وشقة باسمها عشان تسكت!”
الكلام كان واضح. صفاء وسلفي الصغير كانوا متفقين على الموضوع ده من أوله، وكانوا بيتعاملوا مع البيت كأنه ملكهم وأسرارهم هي اللي تتحكم في مصير الكل.
الباب عندي خبط. فتحت، لقيت جوزي واقف في وشي. عينيه كانت حمرا من كتر الغيظ والعجز، بصلي وقال: “سامعة المهزلة اللي تحت؟” ما رديتش، بصيتله ببرود وسبت الباب مفتوح ودخلت قعدت. دخل ورايا وقفل الباب وقعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه: “فضيحة… فضيحة هتوصل للجهات المعنية، أهل مراته الأولى جايبين إثباتات وقسيمة الجواز، والمقاول غضبان جداً، وإحنا مش عارفين نعمل إيه.” قولتله بهدوء غريب: “وأختك صفاء عملت إيه في الوعد اللي وعدته لمرات أخوك؟” رفع راسه وبصلي بصدمة: “إنتِ عرفتي منين حكاية مرات أخويا؟” ابتسمت ابتسامة صفرا، نفس الابتسامة اللي ابتسمتها لأخته يوم الحنة: “عرفت لما شفت بقايا الأكل فوق السطوح، ولما فهمت ليه بناتي باتوا جعانين، وليه اتقالي مينفعش تاخدي أكل لعيالك… أصل أختك كانت بتوفر أكل الفرح للناس اللي مخبياهم فوق وأنا مش دريانة!”
جوزي بلع ريقه، ملامحه اتغيرت وبدأ يحس بحجم المصيبة اللي دخلت بيتنا: “أنتي قصدك إن صفاء كانت مخبية الست وابنها فوق السطوح؟ في بيتي أنا؟” “أيوة، في بيتك، فوق شقة مراتك وعيالك، عشان تداري على جوازة أخوك في السر. ودلوقتي أهل العروسة التانية مش هيسيبوا حقهم، ومراته الشرعية معاها ورق رسمي.”
وقبل ما جوزي يلحق ينطق، صوت نقاش تاني رنت في عمارة البيت، بس المرة دي كانت أصوات الناس اللي جاية تطلب بحقوق الست دي من تحت! جرينا أنا وجوزي على الباب وبصينا من بير السلم. كان فيه ناس كثيرة وأهل مراته اللي في السر، وصوت راجل منهم كان بيهدر: “الوضع ده ما ينفعش يسكت عليه! حق أختنا وابنها لازم يرجع بالطرق الرسمية والقرارات القانونية المناسبة!”
صفاء كانت مستخبية ورا أبوها، بس النظرة اللي كانت في عيون الناس كانت بتولع الدنيا، والفضيحة كانت بداية لحساب كبير لكل واحد تسبب في المشكلة دي.
جوزي نزل يجري على السلم، وأنا وقفت على أول الدرج من فوق شقتي، باصة من بين درابزين الحديد، شايفة كل تفصيلة بتتسجل قدام عيني، وكأن الدنيا بتدور عشان تردلي حقي وحق كسرة بناتي تالت ومتلت.
شقة حمايا كانت مفتوحة، وظهر حمايا راجل عجوز مكسور الظهر، عينه مطفية وعكازه بيخبط في البلاط برعشة واضحة. وراه كان سلفي الصغير مستخبي، وصفاء واقفة في الصالة تلطم على خدودها وهي بتصوت بصوتها المشروخ: – يا ناس يا عالم، إحنا بيت محترم! عايزين مننا إيه؟ هو في إيه؟
الناس دخلت وتكلمت بجدية وحزم: – الكلام ده ملهوش مبرر. الموضوع هيتحل بالطرق الرسمية والشرعية، وحق الناس دي مش هيضيع. الباشا الصغير مطلوب، وأنتي مسئولة كمان يا صفاء عبد المجيد عن كل التصرفات دي!
صفاء رجعت لورا خطوتين ورجلها اتخبطت في الترابيزة، وشها غير ملامحه: – أنا؟ أنا اللي أتحبس؟ أنا كنت بصلح ما بينهم! دي هي اللي جات البيت، قولت أهديها وأقعدها تستريح فوق لحد ما نخلص الفرح ونتفاهم!
أخو الست، راجل أسمر وطويل، صوته جهور، طلع قدامها وشاور عليها بصابعه: – تستريح؟ تقفلي على أختي وابنها في مكان حار وترميلها كسرة عيش ومكرونة مسلوقة زي الكلاب عشان تداري على وساخة أخوكي؟ لولا إنها قدرت تفتح الباب وتنزل تطلب حقها، كان حصل اللي ما يتحمد عقباها! أنتي لازم تتحاسبي على اللي عملتيه!
سلفي كان واقف يبكي زي الأطفال، مسك إيد حمايا وقال برعشة: – يا بابا، متخليش الأمور توصل لكده، أنا معرفش حاجة! صفاء هي اللي قالتلي متقلقش، صفاء هي اللي قالتلي البت لو نزلت الفرح هتبوظ الصفقة والمقاول هيلغي المؤخر والشقة! أنا اسمع كلامها بس!
محمود باع أخته في ثانية عشان ينجي نفسه. صفاء بصتله بنظرة مذهولة، الفك بتاعها سقط لتحت، دموعها نشفت فجأة من كتر الصدمة: – أنا يا محمود؟ أنا اللي كنت بفرشلك الأرض ورد وبدور على مصلحتك عشان تتجوز بنت المقاول ويبقى لك شأن وقيمة في وسط الناس؟ أنا اللي نزلت أخدم معاك من الفجر وأشيل الهم وأتحمل قرف البيت كله عشانك، تبيعني وتقول صفاء هي السبب؟
جوزي نزل وقف بينهم وحاول يهدي الدنيا، صوته كان بيرتعش من الحرج والخزي قدام أهل الحتة اللي بدأوا يتجمعوا على السلم ويتفرجوا من الشبابيك: – يا جماعة استهدوا بالله، كل حاجة هتتحل بالود، إحنا ولاد أصول والصلح خير، اقعدوا ونتفاهم في أي حق تطلبوه.
أخو الست بص لجوزي من فوق لتحت باحتقار: – ولاد أصول؟ فين الأصول دي يا بشمهندس؟ الأصول إن أخوك يكتب على أختنا رسمي في السر ويقعدها في شقة متسواش تلاتة جنيه، ولما ربنا يرزقه منها بعيل يرميها وينكر نسبه، ويروح يدور على بنت مقاول عشان قرشين وسخة؟ ولما تيجي تطلب ستر ابنها، أختك تحبسها فوق السطوح وسط الكراكيب؟ الأصول مش في لسانك، الأصول في الجهات الرسمية. يلا يا جماعة، كل واحد هياخد حقه بالعدل!
الموقف كان صعب على صفاء، والكل كان بيبص لها نظرة عتاب شديدة.
صفاء صرخت صرخة مكتومة ووقعت على ركبها في أرض الصالة، وفستان الفرح اللي كانت قالعاه ومرمي على الكنبة كان باين تحت رجليها: – يا بابا! يا أحمد! الحقوني! الناس تقول عليا إيه؟
حمايا ما نطقش ولا كلمة. الراجل كان واقف باصص في الأرض، دموعه نازلة على لحيته البيضا، مسك عكازه وضهره محني للأرض أكتر، كأنه عجز عشرين سنة فوق عمره في ليلة واحدة. شاور بإيده بضعف، إشارة معناها: «اللي غلط يتحاسب، وخلصوني من العار ده».
جوزي حاول يتصرف وهو بيشد قميصه، بس الست، مرات سلفي الشرعية، وقفت على أول السلم وبصت لفوق. عينيها جت في عيني مباشرة، وأنا واقفة قدام شقتي في الدور التالت. شاورت عليا بإيدها المرتعشة، ووجهت كلامها لجوزي والناس: – الست اللي واقفة فوق دي… هي الست الوحيدة الشريفة في البيت ده. الكل سكت، وجوزي رفع عينه ليا باستغراب. الست كملت وصوتها بيتقطع بالدموع: – أنا كنت بموت من العطش والجوع أنا وابني فوق السطوح، والهانم دي كانت قافلة علينا وسايبانا للحر، لحد ما لقيت أختك داخلة عليا بطبق مكرونة بايت، كانت سرقاه من مطبخ مراتك فوق بعد ما منعتها تطعم بناتها! صفاء قالتلي كلي أنتي وابنك واخرسي، ده اللي طلعنا بيه من مرات أخويا اللي كانت فاكرة نفسها هتاكل من دبيحة الفرح! أنا سمعت كل كلمة، وعرفت إن الست دي وبناتها اتظلموا زيي بالظبط عشان يداروا على عمايلكم!
الكلام نزل زي مية النار على وش صفاء، اللي رفعت عينها ليا من تحت ودموعها مغرقة خدودها، عينها كانت مكسورة، ذليلة، مفهاش ذرة من الكبرياء الفارغ اللي وقفت بيه قدامي على السلم يوم الحنة وهي بتقولي: «مينفعش… وغيرك يبصلك».
أنا ما اتكلمتش. فضلت باصة لها من فوق، راسي مرفوعة، وإيدي ساندة على الدرابزين بثبات تام. كنت شايفة الكل حواليهم، والناس في الشارع واقفة تتفرج، والهمس بقى كلام وملاحظات مالية الحتة. الجيران اللي كانوا من يومين بيباركوا وبياكلوا من دبيحة العجل الجاموسي، دلوقتي واقفين يشاوروا عليهم بالشعور بالصدمة.
الساعة كانت داخلة على الفجر، والبيت بقى هادي هدوء غريب، زي ما تكون العاصفة عدت وراحت.
حمايا قفل باب شقته بالمفتاح، ودخل قعد في الضلمة ومرديش يكلم حد. وجوزي طلع السلم خطوة خطوة، رجليه بتسحب وراه بالعافية، كأنه شايل جبال الدنيا فوق كتافه. دخل شقتنا، كانت الصالة هادية، وبناتي ناموا من كتر التعب والخوف على الكنبة الصغيرة، متغطيين بكوبيرتا خفيفة.
جوزي قعد على الكرسي قصادي، حط إيده على وشه وقعد يعيط بكا مكتوم. – بيتنا اتخرب يا أم البنات… اتخرب واتفضحنا في المنطقة كلها. المقاول رفع قضايا ومطالب بتعويضات وشيكات كان محمود ماضي عليها للشقة والعيادة، ومحمود وصفاء وضعهم بقى في أسوأ حال، وأبويا ضغطه عالي ومش قادر ينطق.
قومت من مكاني براحة، دخلت المطبخ وعملتله كوباية شاي سخنة، وحطيتها قدامه على الترابيزة. قعدت قصاده بمنتهى الهدوء، وقولتله بصوت واطي بس حاسم: – الظلم يا أحمد… مفيش بيت بيتبنى على ظلم وينجو. رفع راسه وبصلي بعيون محمرة ومرهقة: – أنتي كنتي عارفة؟ – مكنتش عارفة كل حاجة، بس كنت حاسة إن في حاجة غلط بتترتب تحت رجلينا. أختك صفاء شافتني وأنا طالعة بالصينية لبناتي، وبدل ما تقول دي مرات أخويا وبنات أخويا من لحمنا ودمنا ودايمًا بيخدموا معانا، اعتبرتني غريبة، واستخسرت اللقمة في عيالي، عشان خاطر توفر وتداري وتأمن المصيبة اللي فوق راسي. أختك كانت شايفة نفسها فوق الكل، وربنا نزلها لتحت رجلين الكل في ليلة واحدة.
جوزي نزل راسه ودموعه نزلت على طرف الترابيزة: – أنا مكسوف منك، ومكسوف من بناتي. أنا لما طلعتلك بالأكل يوم الحنة مكنتش حاسس بوجع قلبك، كنت فاكرها خناقة حريم عادية… بس لما شوفت اللي حصل الليلة، وشوفت الست دي وابنها، حسيت إن ربنا عاقبنا بالعدل.
– ربنا مش بيظلم يا أحمد. أخوك استغل فقر بنت الناس وتجوزها في السر، ولما ربنا كرمه وعمل قرشين داس عليها وراح يبيع نفسه لبنت المقاول، وأختك ساعدته على الشر عشان منظرتها وفشخرتها الكدابة وسط العائلات. بناتي اللي باتوا واكلين مكرونة مسلوقة، ربنا عوضهم إنه حماهم من إنهم ياكلوا من لقمة جاية من مال حرام وظلم بين.
مرت الأيام تقيلة كأنها سنين على البيت ده. الجهات المعنية حققت، والموضوع مشي في الطرق القانونية، وصفاء ومحمود واجهوا عواقب تصرفاتهم قدام الكل، وطلعت صفاء من التجربة دي إنسانة منكسرة، شعرها شاب نصه، ووشها دبلان، ومبقتش قادرة ترفع عينها في وش حد من الشارع.
المقاول مسبش حقه، وجاب محامين ورفع قضايا لإلغاء كل العقود والشيكات، وأجبر حمايا إنه يتصرف في اللي وراه واللي قدامه عشان يسدد الالتزامات. سلفي محمود طلق بنت المقاول رسمي قبل ما يلمسها، وبقى ملزم بنفقة ومؤخر وشقة لمراته الأولى وابنه اللي ظهروا في الفرح، ورجع يشتغل في مكان صغير، مكسور الجناح والكرامة، مفيش حد من صحابه ولا قرايبه بيبص في وشه.
أما صفاء، فحبست نفسها جوة شقة أبوها، مخرجتش منها شهور، ومبقاش حد يسمع صوتها.
وفي يوم جمعة، بعد شهرين من المصيبة دي كلها، كنت نازلة السلم أنا وبناتي، لابسين نضيف وخارجين نروح نزور أهلي ونتفسح. كنت معدية من قدام شقة حمايا، ولقيت الباب موارب.
صفاء كانت واقفة في الصالة، شافتني ووقفت مكانها. بصيتلها، لقيتها لابسة جلابية قديمة ووشها باهت، وبترتعش. خرجت خطوة لحد عتبة الباب، وبصتلي بصوت واطي كأنه طالع من بير: – أم البنات… وقفت وبصيتلها من غير غل ومن غير كبر: – نعم يا صفاء؟ عينيها دمعت، وبصت للبنات اللي كانوا ماسكين في إيدي، وقالت بصوت مكسور: – حقك عليا… أنا عارفة إني ظلمتك، واستخسرت اللقمة في عيالك، بس ربنا خدلك حقك مني تالت ومتلت، ده أنا بقيت بتمنى الأيام الحلوة ترجع من كتر القرف اللي شوفته. بصيتلها وقلت بهدوء تام: – أنا مسامحة عشان خاطر حمايا وعشان خاطر بناتي ميعيشوش وسط كراهية، بس ربنا يا صفاء مبيسبش حق حد غلبان. اللقمة اللي كنتي بتمنعيها عن عيالي وقولتيلي عليها “مينفعش عشان غيرك يبصلك”، دارت الأيام والشارع كله بقى يبصلك أنتي وأخوكي نظرة مش هتمحوها طول عمركم. اللي بيزرع شوك مبيحصدش قمح، والبيت اللي يتبني على أسرار وظلم، بيهد على دماغ أصحابه في ليلة الفرح قبل ما يتهنوا بيه.
سيبتها ومشيت، نزلت السلم وبناتي بيضحكوا جنبي وواكلين وشاربين ومبسوطين، والشارع كله نور وهوا نضيف. خرجت للدنيا وأنا رافعة راسي، متأكدة إن حق المظلوم مبيضيعش أبدًا، وإن دبيحة الفرح الكدابة مبقتش غير عبرة لكل واحد فاكر إن الفلوس والمظاهر ممكن تداري على الظلم…
النهاية
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

تعليقات
إرسال تعليق