سكريبت حفل تخرج بنتى امانى السيد
سكريبت حفل تخرج بنتى امانى السيد
يوم حفل تخرج بنتى لكى جى كلمت جوزى وبنتى فضلت تتحايل عليه عشان يحضر واتحجج بالسفر وبنتى وقتها دخلت اوضتها تعيط يوم الحفله وصلنا المدرسة وكل طالبه معاها باباها ومامتها واتفاجئت بجوزى جه الحفله وبنتى لسه هتجرى عليه راح موقفها وشال بنت تانيه فى نفس سنها ومشى بيها
بنتى كانت بتبصله بصدمه وهى شيفاه واقف بيكلم التاس وبيعرفهم عليه على انه والد البنت التانيه
بنتي اتسمرت مكانها، إيديها اللي كانت ممدودة عشان تحضنه نزلت ببطء، وعينيها وسعت بذهول طفولي مكسور مش قادر يستوعب اللي بيحصل.
أبوها… اللي فضلنا يومين نترجاه عشان ييجي، اللي قفل السكة وقال إنه مسافر ومش هيرجع قبل أسبوع، واقف قدامها بكامل أناقته، رافع بنت تانية على كتافه، وماشي يضحك بيها وسط الأهالي كأنه أكتر أب فخور ومثالي في الدنيا!
الست اللي معاه كانت واقفة جنبه، لابسة فستان شيك ومبتسمة بكل دلال، وماسكة في إيده التانية علبة هدية كبيرة متغلفة بفيونكة بينك… نفس العلبة اللي بنتي شافت صورتها في الكتالوج وفضلت تعيط عشان يجيبهالها، وقالها بنهرة قاسية: “مش هدفع مبالغ هايفة في لعب عيال، ارضي باللي معاكي!”.
يوسف كان ماشي وسط أولياء الأمور، يسلم بده وبده، ولما مديرة المرحلة وقفت تبارك له، قال بصوت عالي سمعه كل اللي حواليه:
— “الله يبارك فيكي يا فندم.. دي كارما روحي وحبيبة قلبي، وكان مستحيل أفوّت أهم يوم في حياتها حتى لو لغيت كل مواعيدي عشانها!”
الجملة نزلت على ودن بنتي زي الرصاصة.
شدت فستاني بإيد بتترعش، ورفعت وشها ليا والدموع مغرقة خدودها، وسألتني بصوت مخنوق قطع قلبي لمية حتة:
— “ماما… هو بابا نسي اسمي؟ هو مش عارف إني أنا بنته؟ طب ليه شايلها هي ومش عايز يبصلي؟”
في اللحظة دي، يوسف لف وشه بالصدفة، وعينه جت في عيني وفي بنته الواقفة جنبي.. لكنه بصلها ببرود تام وتجاهل كأنه ما يشوفهاش أصلاً، وسابهم واقفين وقرب مني بخطوات سريعة وقال بصوت واطي وحاد:
— “بلاش دراما وهبل النهاردة.. دي بنت يتيمة وغلبانة، وأنا حبيت أفرحها حرام يعني؟!”
وقبل ما ألحق أنطق بكلمة واحدة، رجع بكل برود مسك إيد عشيقته، وضحك مع البنت، ودخلوا قاعة الحفلة قدام عيون الكل اللي كانوا متابعين المشهد بذهول.
فريدة رفعت عياها ليا وقالت بصوت يقطع القلب: “هو مش بيحبني يا ماما؟
دخلنا وراه القاعة، وكأننا بنمشي في كابوس مش بينتهي.
لقيناه على المسرح الصغير جوه القاعة، ماسك المايك وبصوت عالي بيضحك ويعزم كل الحاضرين من أهالي وأولياء أمور: “يا جماعة، الشرف ليكم كلكم، العزومة دي مني على قهوة وكافيه لكل الموجودين احتفالاً بتخرج روحي وقلبي كارما!”. الكل سقف وهلل وراح ناحية البوفيه، وهو نزل وفتح علبة الهدية الضخمة الفخمة قدام الكل، وطلع منها “عروسة الباليه” اللي كانت بنتي فريدة بتحلم بيها، ولبسها بنفسه للبنت التانية، وهي بتتنطط حواليه بفرحة وسعادة عارمة.
في اللحظة دي، اتحولت القاعة كلها حواليهم. الأمهات والآاتسامرات والمدرسين بقوا ملمومين حوالين بنت عشيقته، بيبصلها بانبهار وإعجاب وبتمنوا لها الفرحة، وكأنها هي الملكة وبنت الوحيدة اللي موجودة.
أما فريدة.. فبقت شبه منبوذة في جنب القاعة، واقفة لوحدها بروب التخرج الواسع عليها، باصة للأرض ودموعها نازلة بصمت، والكل بيعدي جنبها من غير ما حتي يبص لها، كأنها نكرة أو شبح ملوش مكان وسط الفرحة دي.د
قربت منها، نزلت لمستواها، وضميتها لحضني جامد وهي بترتجف وبتعيط بوجع وقهر: “يا ماما.. هو ليه الناس كلها بتحتفل بيها هي.. وأنا كأن مفيش حد شايفني؟ هو أنا مش تخرجت زيها؟”
كلماتها كانت خناجر بتغرز في قلبي، بصيتله هو وعشيقته كانهم اسره واحده واقف حاضنها من وسطها وشايل بنتها و الهدايا قدامهم والناس ملمومه حواليهم وانا وبنته بقينا متفرجين والقهره كسره قلبى لكن اللى عملته معاه بعد كده كانت الصدمه
مسحت دموع فريدة بإيدي اللي كانت بترجف من شدة القهر، وقفت على حيلي ونفضت عن كتافي أي أثر للضعف. الوجع اللي كان في عين بنتي حرق آخر ذرة تردد جوايا، وحوّل الحزن لنار باردة مش هتنطفي إلا بردّ اعتبارها قدام نفس الناس اللي اتجاهلوها. مسكت إيد فريدة ومشيت بيها بخطوات واثقة وصوت كعبي بيضرب في الأرض بثبات يلفت الانتباه، متجاهلة تماماً نظرات الشفقة العابرة.
طلعت درجات المسرح الصغير بخفة وحسم. يوسف كان واقف تحت، ساند إيده بتملك على كتف الست التانية، والضحكة مالية وشه وهو بيتلقى التهاني. مريت من جنب المسؤول عن الصوت، ومديت إيدي وسحبت المايكروفون من على الحامل بجرأة خلت مهندس الصوت يتراجع خطوة لورا من هيبة الموقف.
خبطت على المايك بصباعي خبطتين رنّوا في كل ركن من أركان القاعة، فانقطع الضحك، وسكتت الموسيقى الخلفية فجأة، والتفتت كل الرؤوس للمسرح. يوسف رفع راسه مخضوض، وملامحه بهتت لما شافني واقفة وماسكة إيد فريدة تحت الأضواء.
قربت المايك من شفايفي، وبصوت هادي ورزين، لكنه شق صمت القاعة زي حد السيف، اتكلمت:
— “مساء الخير لكل الحاضرين… بعتذر لو قاطعت الاحتفال العظيم اللي بيقيمه الأستاذ يوسف المحترم على شرف البنوتة كارما. حبيت بس أشارك الحاضرين بحقيقة صغيرة تليق باليوم السعيد ده.”
عينه وسعت برعب، وساب الست اللي جنبه وخطى خطوة سريعة ناحية المسرح وهو بيحاول يبتسم بابتسامة مصطنعة وقال بصوت واطي ومبحوح: “انزلي يا مجنونة، بلاش فضايح هنا!”
كملت كلامي ونبرة صوتي بتزيد قوة وثبات، وبصيت في عين كل أم وأب في الصالة:
— “الأستاذ يوسف اللي عازم حضراتكم كلكم وبيدفع بسخاء عشان فرحة ‘كارما’، وبيمثل دور الأب الحنون اللي ضحى بكل مواعيده وسفرياته عشان يحضر… يبقى في الحقيقة جوزي، وأبو البنت اللي واقفة جنبي دي، فريدة. بنته اللي قفل السكة في وشها وهي بتترجاه يحضر تخرجها وقال إنه مسافر ومش فاضي، بنته اللي استخسر فيها اللعبة اللي في إيد كارما وقالها مش هدفع مبالغ هايفة في لعب عيال!”
القاعة كلها شهقت في نفس واحد. الهمهمات اتفرقت في المكان، وبدأت نظرات الانبهار بالراجل الكريم تتحول لنظرات احتقار واشمئزاز بتبص عليه وعلى الست اللي اتسمرت مكانها ووشها اتقلب أصفر من الرعب والفضاحة، وبقت بتحاول تخبي وشها ورا شعرها من عيون الأمهات اللي حاصروها بنظرات نارية.
يوسف اتجمد على أول درجة من درجات المسرح، وشه شاحب وعينيه بتدور في الصالة بعجز تام، مش قادر يدافع عن نفسه ولا ينكر حقيقة البنت اللي نسخة طبق الأصل من ملامحه.
بصيت له من فوق لتحت باحتقار كامل، ونزلت عيني على خاتم الجواز في إيدي، قلعته ببطء ورميته قدام رجليه على المسرح، وصوت سقوطه على الخشب رنّ في سكون المكان:
— “قدام كل الناس اللي حاولت تشتري برستيجك قدامهم بالكدب والتخلي عن ضناك… أنا وبنتك بنعلن إنك برا حياتنا للأبد. فريدة مش محتاجة أب زيك عشان تفرح، وأنا مش محتاجة راجل ملوش أمان في ضهري. يوسف… أنا بطلب الطلاق منك حالاً وقدام كل الحاضرين دول كشهود.”
سيبت المايك يزن على المسرح، ونزلت لمستوى فريدة، وشلتها على كتفي قدام عيون الكل.
الصمت المخيف اللي سيطر على القاعة انكسر فجأة بصوت تسقيف خافت من واحدة من الأمهات، وثواني وكان المسرح بيتهز بتصفيق حاد ومؤازرة من أولياء الأمور والمدرسين اللي وقفوا يعوضوا فريدة عن كل لحظة انكسار، بينما يوسف انكمش مكانه، غرقان في خزي وفضيحة عمره ما هيعرف يغسل عارها. خرجت بفريدة لبرة القاعة وأنا رافعة راسي، وعارفة إن النهاية دي كانت في الحقيقة أول خطوة في حياتنا الحقيقية.
يوسف مالحقش يستوعب الصدمة، عروق رقبته نفرت من الغيظ، وطلع المسرح باندفاع وهو بيشد المايك من إيدي بعنف، وحاول يداري وشه المحروق بابتسامة صفرا مرتعشة وهو بيبص للناس اللي بدأت تتهامس بحدة:
— “يا جماعة متصدقوش الكلام ده! الست دي مريضة نفسياً وغيرانة وبتحاول تبوظ فرحة البنت وتعمل شو رخيص! أنا أصلاً منفصل عنها من شهور ودي طليقتي وبتحقد على حياتي الجديدة، والبنت دي حتى مش…”
قطع كلمته قبل ما يكمل قذارته، لكن نظرته كانت كافية تفضح نيته في التنصل من بنته عشان ينجي نفسه. بصيت له بابتسامة باردة كلها ثقة، ومديت إيدي للمسؤولة عن التنظيم والميس المشرفة على المرحلة اللي كانت واقفة جنب المسرح مصدومة وفاغرة بقها.
قربت منها، وبصوت واضح وهادي سمعه يوسف والصفوف الأولى:
— “مس رانيا… من فضلك اطلعي هنا، وافتحي كشف الحضور وقايمة أسماء دفعة التخرج اللي في إيدك حالا. اقري قدام أولياء الأمور اسم بنتي فريدة كامل من واقع شهادة ميلادها، واقري اسم البنوتة كارما كامل واسم والدها المسجل عندكم.”
المشرفة ارتبكت وبصت للمديرة اللي شاورتلها بحزم إنها تطلع، الجو في القاعة بقى مشحون بطاقة حبست أنفاس الكل، حتى الأطفال سكتوا من هيبة الموقف. مس رانيا طلعت ووقفت جنب المايك بإيد بترتعش، فتحت الكشف المطبوع، ودورت بصباعها بين السطور بينما يوسف عينه بتجحظ برعب حقيقي وعرقه بينزل شلالات على قميصه الفاخر.
قربت الميس الورقة لعينيها وقالت بصوت مسموع في المايك:
— “الطالبة: فريدة يوسف أحمد التهامي… اسم الأب المسجل: يوسف أحمد التهامي.”
القاعة رجعت تتهامس وشهقات الأمهات عليت، لكن الضربة القاضية كانت في السطر اللي بعده لما قلبت الميس الصفحة وقالت:
— “والطالبة: كارما شريف عبد الرحمن… اسم الأب المسجل: شريف عبد الرحمن، والأستاذ يوسف غير مسجل بصفة قرابة للطالبة.”
الكلمات نزلت زي صاعقة كهربية شلت يوسف تماماً. الست اللي معاه صرخت بصوت مخنوق وسحبت بنتها من إيدها وجريت وسط الممرات بتداري وشها والناس بتبعد عنها باشمئزاز وبيبصوا لها باحتقار معلن.
يوسف بقى واقف على خشبة المسرح كأنه عريان تماماً قدام مئات العيون، لسانه عجز عن نطق حرف واحد، والمايك اتزحلق من إيده ورن في الأرض بصوت عالي وجاف لخص حجم سقوطه المروع.
وطيت وشلت فريدة في حضني، رفعتها لفوق وبوست خدها والابتسامة رجعت تنور ملامحها البريئة بعد ما عرفت إن الحق ظهر، وفي اللحظة دي القاعة انفجرت بتسقيف حاد وهتافات تشجيع من المدرسين والأهالي اللي حاصرونا بدعوات ومباركات، وسابوا يوسف منبوذ ورا ضهرنا، غرقان في خزيه وفضيحته اللي عمر ما حد هينساها.
نزلت بفريدة من على درجات المسرح وسط ممر شرفي عفوي عملوه الأهالي والمدرسات، الناس كانت بتمد إيديها تطبطب على كتف بنتي، وواحدة من الأمهات سحبت من شنطتها باقة ورد صغيرة وعلبة شيكولاتة فاخرة ومدتهم لفريدة بابتسامة دافية: “ألف مبروك يا حبيبتي، إنتي أجمل وأشطر بنوتة اتخرجت النهاردة!”.
فريدة عينيها لمعت بفرحة حقيقية، حضنت الورد وضحكت بصوت عالي ملأ القاعة، صوت ضحكتها كان كفيل يمسح أي أثر للخوف أو الانكسار اللي حسّت بيهم من دقايق.
على الجانب التاني، كان يوسف شبه مشلول، نزل من المسرح ورجليه مش شايلاه، الوشوش اللي كانت بتضحك له من شوية بقت بتبص له بقرف ونفور صريح، حتى الراجل اللي كان واقف يشاركه الضحك عند البوفيه لف ضهره ورفض يبص في عينه. لما حاول يقرب مننا ويمسك دراعي بعصبية وهو بيهمس بفحيح مكتوم: “انتي فاكرة نفسك هتعرفي تفلتي باللي عملتيه ده؟ ورحمة أمي لـ…”
قبل ما يكمل جملته، اتدخل اتنين من أولياء الأمور بحزم ووقفوا حيطة سد بيني وبينه، واحد منهم زقه بخفة في صدره وقال له بنبرة صارمة: “الزم حدودك يا أستاذ واحترم المكان، كفاية اللي عملته لحد هنا وما تفرّجش الناس عليك أكتر من كده، اتفضل برا بهدوء بدل ما الأمن يخرّجك!”.
مديرة المدرسة شاورت لحراس الأمن، وفي لحظات كان اتنين من أفراد الأمن محاوطينه من الجنبين، بيقتادوه ناحية البوابة الرئيسية وسط عيون كل الحاضرين اللي تابعت خروجه كأنه منبوذ بيتطرد من مكان مش شبهه. كان ماشي موطي راسه، كتف مهدود، وغروره اتكسر قدام مجتمع كامل كان بيحاول يبني برستيجه المزيف على حساب طفلته.
خرجت بفريدة لساحة المدرسة في الهوا المفتوح، الشمس كانت دافية وكأنها بتطهرنا من كل السواد اللي عشناه جوه. بنتي رفعت راسها وبصتلي، عينيها صافية ومفيهاش دمعة واحدة، وقالتلي ببراءة:
— “ماما.. إحنا خلاص مش زعلانين، صح؟”
نزلت لمستواها، بوست راسها بكل قوتي وابتسمت من قلبي لأول مرة من شهور طويلة:
— “ولا عمرنا هنزعل تاني يا روح ماما.. النهاردة إحنا الاتنين اتخرجنا، مش إنتي لوحدك.”
مسكت إيد فريدة وخرجنا من باب المدرسة، كانت خطوتها خفيفة كأنها اتولدت من جديد، صوت زقزقة ضحكتها مع كل خطوة على الرصيف كان بينزل على روحي زي البلسم. وقفت تاكسي وركبنا، وقبل ما يتحرك طلبت من السواق يعدي على أكبر محل ألعاب في طريقنا.
دخلت المحل وأنا رافعة راسي، شلت فريدة وخليتها تلف بين الرفوف براحتها، مش بتدور على عروسة باليه عادية زي اللي استخسرها فيها أبوها، لأ، اخترنا سوا أكبر بيت عرايس ملون، وفستان أميرات كانت بتحلم بيه. دفعت تمنهم من تعبي وفلوسي الحلال وأنا حاسة برضا عمري ما دوقته قبل كده. الفرحة اللي شفتها في عيون بنتي وهي حاضنة علبتها وبتتنطط وسط المحل كانت تسوى الدنيا وما فيها.
أول ما وصلنا البيت، قفلت الباب بالمفتاح، وحسيت إن الهوا جوه الشقة بقى أنضف. تليفوني مابطلش رن؛ رسايل يوسف كانت نازلة شتيمة وتهديد بالبهدلة في المحاكم، وبعدها بساعة اتقلبت لرجا وتوسل: “أبوس إيدك يا هدى افتحي، الفضيحة خربت بيتي، الست اللي معايا هربت وشغل أبوها لغى كل التعاقدات معايا، متخربيش بيتنا عشان لحظة غضب!”.
بصيت للشاشة بنظرة باردة تماماً، من غير ما ينبض في عروقي أي خوف ولا حتى شماتة. عملت لرقمه حظر بلمسة صباع واحدة، وفتحت كشف المكالمات وطلبت رقم محامي العيلة.
— “مساء الخير يا متر.. عايزة أرفع قضية خلع ونفقة ومؤخر بكرة الصبح، ومعايا فيديو كامل لواقعة الحفلة يثبت الضرر النفسي والإسقاط العلني لبنته، والشهود نص أولياء أمور المدرسة.”
المتر رد بنبرة واثقة: “حقك مضمون يا فندم، والقضية في جيبنا من أول جلسة.”
قفلت السكة، وقعدت على الأرض جنب فريدة اللي كانت غرقانة وسط ألعابها الجديدة وبتغني لحن طفولي سعيد. بصيت للمراية وشفت ست تانية؛ ست خرجت من تحت رماد التهميش والقهر، واكتشفت إن قوتها الحقيقية مكنتش في راجل ملوش ضهر، لكن في كرامة اتولدت من حزن بنتها، وفي حياة جديدة لسه بتبدأ على بياض.
أروقة محكمة الأسرة كانت المحطة الأخيرة في رحلة التحرر دي. القضية ما خدتش شهور طويلة زي المعتاد؛ الفيديو اللي وثّقته كاميرات أولياء الأمور وإدارة المدرسة للمشهد كامل، وشهادة المدرسين ومديرة المدرسة، كانت كفيلة تثبت الضرر النفسي البالغ اللي اتعرضت له أنا وبنتي، وتخلع عنه قناع المثالية المزيّف قدام منصة القضاء.
في جلسة النطق بالحكم، كان يوسف حاضر ومحاميه جنبه وشه في الأرض، عاجز يقدم أي حجة تدفع عنه حقيقة تصرفه ونكرانه لبنته علناً. القاضي نطق بالحكم بالطلاق للضرر، وحكم بإلزامه بكامل مؤخر الصداق، ونفقة العدة والمتعة، بالإضافة لتمكيني من شقة الزوجية كحاضنة، وإلزامه بنفقة شهرية محترمة ومصاريف تعليم فريدة في مدرستها كاملة من غير نقص مليم واحد، مع الحجز على أرصدته في البنك لو امتنع عن السداد.
صوت شاكوش القاضي وهو بيخبط على المنصة كان إعلان رسمي بموت كابوس طويل استنزف روحي لسنين. يوسف حاول يقف في طريقي برة القاعة، وشه كان شاحب، وهالات السواد تحت عيونه بتفضح الانهيار اللي وصل له بعد ما عشيقته سابته واتفضحت قصتها، وخسارته لأهم عملائه اللي سمعوا بالفضيحة ورفضوا يتعاملوا مع شخص باع أصله وتخلى عن دمه بالشكل ده.
قرب مني بصوت مكسور ومبحوح، خالي من أي ذرة غطرسة:
— “خدتي كل حاجة وخربتي بيتي.. مبسوطة باللي وصلتيله؟ هتعيشي بنتك من غير أب؟”
وقفت في وشه، وبصيت له بنفس النظرة الباردة اللي حرقته يوم المسرح، ورديت بنبرة حاسمة خلت الكلمات تقطع أنفاسه:
— “إنت اللي خربت بيتك يوم ما استخسرت في بنتك كلمة حنينة ولعبة وضحكت لغيرها. أنا ما أخدتش غير حقي وحقها بالقانون، وفريدة عمرها ما كانت محتاجة أب بالاسم عشان تكبر.. إنت خسرت كل حاجة لأنك بنيت برستيجك على الرمل، وأنا بنيت حياة بنتي على الكرامة.”
سبته واقف مكانه وسط الممر، مشلول ومحاصر بخيبته، ومشيت بثقة من غير ما التفت ورايا ولا خطوة واحدة. رجعت البيت اللي بقى ملكي أنا وفريدة بس، فتحت الشبابيك للشمس والهوا النقي يدخلوا يطهروا المكان من ريحة الخذلان. ومع كل يوم بيعدي، كانت فريدة بتكبر في حضني بأمان، بتنجح وبتضحك من قلبها، وأنا بدير حياتي وشغلي وأموري بكرامة كاملة، بعد ما أخدت تاري وتار كسر خاطرها على داير مليم، وبقى وجوده في حياتنا مجرد تحويل بنكي بيوصل في أول كل شهر.. ولا أكتر ولا أقل.
الأيام جرت، والشقة اللي كانت شاهدة على التوتر والخنقة اتحولت لواحة دافية مليانة ألوان وحياة. دهنت أوضة فريدة باللون الوردي اللي كانت بتحبه، ومليت الأركان بضحكاتها ورسوماتها اللي بقت بتعلقها على التلاجة بفخر: “ماما وبس”.
فريدة دخلت أولى ابتدائي، ومن أول أسبوع كانت متفوقة ومحبوبة من كل المدرسين. شخصيتها اللي كانت مهددة بالانكسار بقت أقوى وأوضح؛ شافت أمها بتاخد حقها قدام الدنيا، فاتعلمت إن كرامتها خط أحمر مفيش مخلوق يقدر يدوس عليه. في أول حفل تكريم ليها في المدرسة الجديدة، كنت أنا الواقفة في أول صف، بكاميرتي وابتسامتي، وهي واقفة على المسرح بتتسلم شهادة تقدير، عينيها بتدور عليا أنا وحدي، وأول ما اتقابلت نظراتنا، شاورتلي بالشهادة وابتسامتها نورت المكان، وكأنها بتقولي: “إحنا عدينا يا ماما”.
على الجانب التاني، كانت الأخبار بتوصلني من بعيد عن الحال اللي وصل له يوسف؛ سمعته اللي اتلطخت في أوساط معارفه وشغله خنقته، والست اللي حاول يشتري رضاها على حساب بنته كانت أول واحدة تخلت عنه لما لقت الفضايح بتحاصره وحساباته البنكية بتتحجز عليها بحكم المحكمة. بقى عايش على هامش الحياة، وحيد وغرقان في ندم ملوش علاج، وكل محاولاته إنه يرجع يكلم فريدة أو يطلب يقابلها كانت بتقف عند حدود محامي الأسرة، وبأمر قضائي يحكم الرؤية في أضيق الحدود وفي مركز شباب، وبموافقة البنت نفسها اللي كانت بترفض بوعي طفولي ناضج إنها تشوف إنسان رماها عشان يرضي غباءه وغروره.
وفي ليلة، بعد ما فريدة نامت وحضنت عروستها، وقفت في البلكونة أشرب فنجان قهوة في هدوء الليل. بصيت للسما ولقيت جوايا سلام عجيب، سلام عمره ما كان هيتحقق لو فضلت ساكتة أو مستسلمة للخوف من كلام الناس. عرفت ساعتها إن أعظم درس سيبته لبنتي مش بس إني رجعتلها حقها المادي، لأ.. أنا علمتها إن الست لما تختار تحترم نفسها وتدافع عن ضناها، الدنيا كلها بتوسع ليها، وإن وجع البدايات هو اللي بيبني صلابة النهايات.


تعليقات
إرسال تعليق