سكريبت مرات اخويا كاملة حكايات مني السيد
سكريبت مرات اخويا كاملة حكايات مني السيد
وبّخت أمي عشان اشترت كيلو جمبري وقالت إنها “بتفرتك الفلوس”… أبويا ساب المعلقة من إيده وقال: «من بكره كل واحد يشيل شيلته ومسؤول عن بيته». كلنا افتكرناه مجرد متعصب ومش مستحمل، لحد ما تاني يوم الصبح طلّع دوسيه قديم كان شايله بقاله سنين.
أنا اسمي كاريمان، عندي اتنين وتلاتين سنة وعايشة في شبرا.
أهلي، الحاج رجب والحاجة ماجدة، طول عمرهم ناس مدبرة ومبيطلعوش القرش إلا في محله.
وبفضل تدبيرهم ده، قدروا على مدار السنين يشتروا بيتين صغيرين غير شقتنا الكبيرة.
إخواتي الاتنين المتجوزين كانوا لسه عايشين معانا في نفس بيت العيلة.
وأنا كنت قاعدة معاهم مؤقتًا لحد ما أخلص الماجستير بتاعي.
في ليلة من الليالي، أمي قررت تدلعنا ونزلت جابت كيلو جمبري للعشا.
مرات أخويا الكبير ولاء، اللي متجوزة أخويا إسلام، بصت للطبق بلوي بوز وسألت:
— بكام ده يا ماما؟
— بحدود ميتين وخمسين جنيه يا بنتي — أمي ردت بطيبة.
ولاء ضحكت باستهزاء:
— والله بالدخل اللي داخل للبيت ده، نرمي المبلغ ده كله في أكلة واحدة؟ ده اسمه تبذير وقلة مسؤولية الصراحة.
بصيت على طبق أمي، لقيتها ممدتش إيدها وولا حتى داقت جمبرياية واحدة.
رديت عليها:
— دي فلوسها وهي حرة فيها.
ولاء رفعت كتافها وقالت بتناكة:
— بس إحنا عايشين سوا وكلنا في مركب واحدة، والأصول إن المصاريف دي يتعملها حساب ويتشاور فيها الأول.
أبويا حط المعلقة على السفرة بالراحة، وبص حواليه وقال:
— من بكره، كل واحد يستقل بنفسه وكل واحد يمسك قرشه.
الترابيزة كلها سكتت ومحدش نطق.
أبويا كمل:
— إسلام وولاء يشوفوا سكن، وأحمد ولبنى برضه يشوفوا سكن.
ولاء وشها جاب ألوان وسكتت فجأة.
تاني يوم الصبح، جت تحاول تعتذر وتلطف الجو.
أبويا دماغه كانت خلاص اتقفلت ومش راجع في كلمته.
جمعنا كلنا حوالين طبلية الصالة وقال إن إسلام هياخد شقة صغيرة من بتوعنا في الهرم يقعد فيها.
وأحمد هياخد شقة تانية.
وأبويا وأمي هيفضلوا في شقة العيلة هنا.
ولاء أول ما سمعت اعترضت في ساعتها:
— بس الشقة دي أوضتين وصالة بس وصغيرة علينا!
أبويا بصلها بكل برود:
— لو مش عجباكي، أجروا شقة على ذوقكم بالمساحة اللي تريحكم.
خرست ومفتحتش بقها.
أنا قلت الموضوع خلص لحد هنا وبنصفي الليلة.
بس أبويا مد إيده وطلع دوسيه بني قديم كان حاطه جنبه:
— في نقطة تانية كمان لازم نتكلّم فيها.
وراح رامي تلات كشوف حسابات بنكية على الترابيزة.
أخويا الكبير بطل أكل وبصله باستغراب:
— إيه ده يا حاج؟
— دي كشوفات مصاريف البيت ده لآخر أربع سنين.
أبويا كان مسجل كل مليم بالورقة والقلم.
النور.
المية والغاز.
ضرايب العقار والصيانة.
الأكل والشرب.
حتى مصاريف مدارس العيال اللي أبويا وأمي كانوا بيدفعوها من جيبهم لما إخواتي “تزنق معاهم الدنيا”.
ولاء برطمت وقالت:
— هو إنتوا هتحاسبونا على اللي صرفتوه علينا بأثر رجعي؟
أبويا
مرات أخويا ج2
حكايات مني السيد
دخلت الست سنية الصالة ورا ابنها أشرف وهي بتسحب في عبايتها السودة، عينها كانت بتلف في الصالة من السقف للأرض، تتفحص النيش، والسفورة، والستاير، كأنها داخلة مزاد علني مش داخلة بيت ناس فيه أزمة. وقفت في نص الصالة، وحطت إيدها على وسطها وعلّت صوتها بطريقتها اللي متعودة تفرض بيها السيطرة:
— جرى إيه يا حاج رجب؟ من امتى وبنات الناس بتتهان في البيوت وتتحبس وتتقفل عليها البيبان كأنها عملت عملة؟ إحنا سايبين بنتنا عندكم أمانة معززة مكرمة، مش عشان تسمعوها كلمتين ملهومش لازمة وتتصل بيا الصبح بدري تصرخ وتستغيث!
أبويا الحاج رجب مشالش عينه من على أشرف، ولا حتى التفت ناحية سنية بالسرعة اللي هي كانت مستنياها. شاور بإيده على الكنبة الكبيرة اللي قصاده:
— اقعدي يا ست سنية. اقعد يا أشرف. الأصول بتقول إن الضيف لما يدخل بيت يقعد الأول ويسمع، وبعدين يتكلم باللي يرضي ربنا، ده لو كان في نية أصلاً للكلام اللي يرضي ربنا.
أشرف كان باين عليه التوتر رغم محاولته إنه يبان تقيل وواثق من نفسه. عينه كانت متبتة في أخته ولاء، اللي كانت واقفة بعيد ضامة كتافها ومغمضة عينيها، ملامحها بتقول إن كل الحيل اتقفشت ومفيش مجال للتمثيل. أشرف سحب نفس، وقعد على حرف الكنبة وهو بيهز رجله بعصبية، وفتح أول زرارين من قميصه:
— خير يا حاج رجب؟ إيه حكاية المعرض والتوكيلات اللي بترمي بيها كلام دي؟ أنا راجل فتحت مصلحة بعرق جبيني وشقايا، ومسمحش لحد يرمي عليا كلام في الرايحة والجاية!
أخويا إسلام ضحك ضحكة قصيرة، ضحكة كلها مرار وقهر، وقرب من أشرف خطوتين وهو باصصله باحتقار صريح:
— عرق جبينك؟! شقاك إنت برضه يا أشرف؟ إنت من امتى كان عندك عرق ولا شقى يا بتاع القهاوي؟ ده إنت بقالك تلات سنين قاعد على قهوة المعلم فوزي مبتحطش في جيبك تمن كوباية الشاي، تفتح معرض موتوسيكلات منين ومنين جالك راس المال في تلات شهور؟!
سنية اتنفضت من مكانها وشهقت:
— جرى إيه يا إسلام؟! إنت هتعمل على ابني راجل؟! ما تتكلم بأدب مع الراجل اللي فاتحلك بيتك ومستحمل بنته معاك على الحلوة والمرة! ولا إنتوا عشان ربنا موسعها عليكم بالبيتين اللي حيلتكم جايين تدوسوا على الغلابة وتتهموهم بالباطل؟!
أمي الحاجة ماجدة مسكت دراعي جامد، حسيت بصوابعها بترتعش وهي بتضغط عليا، صوتها كان طالع بالعافية ومبحوح من كتر الزعل:
— باطل إيه يا سنية؟ إحنا عمرنا ما دوسنا على حد، ولا عمرنا بصينا للناس بنظرة فوقية. إحنا فاتحين بيتنا لولاء من سنين، عشناها في خيرنا، وسترناها مع ابننا، وعيالها في عنينا… تقوم بنتك تمد إيدها في الضلمة وتسرق شقى راجلي وشقى ابنها عشان تفتح لابنك معرض؟! دي الأصول اللي ربيتي بنتك عليها؟!
سنية بصت لبنتها ولاء بنظرة حادة مفيهاش أي مفاجأة، وكأنها كانت عارفة الحكاية من أولها لآخرها ومش متفاجئة بأي كلمة من اللي بتتقال. ولاء بصت في الأرض وعضت على شفتها، وسنية استجمعت كل بجاحتها وردت ببرود:
وفيها إيه يعني لما الأخت تقف جنب أخوها في زنقة؟! ما هو إسلام وأشرف واحد، والمعرض لما يشتغل خيره كان هيقعد على مين؟ مش على إسلام وولاء وعيالهم؟! هي جر\يمة لما الست تدبر لبيتها ولأخوها قرشين من الفلوس اللي جوزها كده كده مش عارف يتصرف فيها ولا عارف يشغلها؟!
أحمد أخويا متمالكش أعصابه، خبط على التربيزة برجله وزعق:
— تدبر من الفلوس اللي مش عارف يتصرف فيها؟! دي سرقة! ده تزوير في أوراق رسمية! دي داخلة البنك ببطاقة جوزها ومغيرة بيانات الحساب من ورا ضهره! إنتوا فاهمين يعني إيه الكلام ده في القانون؟! دي جناية تودي في داهية وتلبس بنتك وابنك البدلة الزرقا!
أشرف وشه احتقن بالدم، ووقف على حيله ورفع صباعه في وش أحمد:
— وطي صوتك يا أحمد وأنت بتكلم أمي! إحنا مبنتهددش بالقانون، وأعلى ما في خيلكم اركبوه! الفلوس دي كانت سلفة، سلفة بيني وبين أختي وبيني وبين جوزها، ومعايا شهود على كده، والفلوس هترجع أول ما المعرض يقف على حيله، ومحدش ليه مليم واحد عندنا هيضيع!
أبويا الحاج رجب مد إيده بهدوء غريب، ومسك الدوسيه البني، وطلع منه ورقة رابعة مكنش حد شافها قبل كده. حطها قدام أشرف على الترابيزة وداس عليها بصابعه السبابة:
— سلفة؟… طب اقرأ دي كده يا أشرف، وقولي إيه رأيك في السلفة دي؟
أشرف عينه وقعت على الورقة، واتجمد مكانه. الورقة مكنتش كشف حساب بنك… الورقة كانت صورة من عقد إيجار المعرض وسجل تجاري متوثق، ومكتوب فيه بند صريح إن الشريك الممول للمعرض مش أشرف، ولا إسلام… الشريك الممول كان اسم غريب خالص: “مدحت عبد العال”، واحد من أكبر تجار الخردة وقطع الغيار المشبوهة في شبين القناطر.
أبويا بص لـ أشرف وابتسامته وسعت بنبرة مرعبة:
— إنت فاكر نفسك شاطر يا واد؟ فاكر إنك لما تاخد المية وعشرين ألف من حساب إسلام، وتروح تدفعهم عربون لمدحت عبد العال عشان يدخلك شريك في الورشة والمعرض، إن مدحت مش هيبيعك عند أول قرش؟ مدحت جالي هنا الورشة من أسبوع، أول ما عرف إني بسأل ورا الفلوس، وجابلي صورة العقد وصورة الوصلات اللي إنت ماضي عليها باسمك وباسم أختك كضامنة ليك!
ولاء صرخت صرخة مكتومة وحطت إيدها على وشها:
— أشرف! إنت مضيتني على وصلات أمانة لمدحت؟! إنت قلتلي دي أوراق تسجيل في الغرفة التجارية!
الصالة كلها اتقلبت، الحكاية طلعت أوسخ وأعقد بكتير من مجرد سرقة فلوس عائلية. الحكاية كانت شبكة من النصب والطمع، والكل كان بياكل في الكل.
أشرف اتلجم، وبقى بيبلع ريقه وصوته راح، وبص لأمه سنية اللي وشها اتقلب وبقت بتبص لابنها برعب حقيقي:
— وصلات أمانة يا أشرف؟! مضيت أختك على وصلات لمدحت بتاع الخردة؟! ده راجل ملوش أمان ويحبس في قرش صاغ!
إسلام قرب من أشرف لحد ما وشه بقى في وش أشرف، وصوته نزل لدرجة الفحيح:
— ضامنة… يعني لو المعرض فلس، أو مدحت قرر يبلعك، مراتي أنا، أم عيالي، هي اللي هتتسحب على القسم وتترمي في الحجز عشان تسددلك ديونك؟! وإنتي يا هانم… — وبص لولاء وهو بيجز على سنانه — كنتي عامي نفسك الطمع لدرجة إنك تمضي على خراب بيتك وخراب عيالك بإيدك وانتي فاكرة نفسك ناصحة؟!
ولاء وقعت على الأرض ودموعها نزلت بجد المرة دي، دموع الرعب من المصيبة اللي لبستها من وسع:
— والله ما كنت أعرف يا إسلام! أشرف قالي الورق ده روتيني عشان الترخيص! قالي إحنا هنبقى أصحاب المعرض والفلوس هتتضاعف في شهرين! والله العظيم غفلني زي ما غفلتك!
أبويا الحاج رجب قفل الدوسيه البني برنة قوية، ووقف على حيله، وبص للكل:
— خلاص يا سنية… التمثيلية خلصت، وكل ورقة بانت على حقيقتها.
سنية حاولت تتكلم وتلم الموضوع، وصوتها اتغير من الهجوم للاستعطاف المذلول:
— يا حاج رجب… استهدى بالله، إحنا نسايب وبيننا عيال، والموضوع يتحل ودي من غير فضايح ولا محاكم. إحنا هنقعد مع مدحت ده ونلغي العقد والفلوس ترجع…
أبويا قاطعها بنبرة قاطعة متقبلش جدال:
— الفلوس هترجع، غصب عن عين أشرف وعين اللي يتشددله. بس البيت ده ملوش قعاد فيه بعد النهاردة. إسلام هينزل مع مراته وعياله يقعدوا في شقة الهرم، ومفيش مليم واحد هيطلع من جيبي ليهم، ولا لقمة هتدخل بطنهم من هنا لحد ما إسلام يثبت إنه راجل ويقدر يلم بيته وينضف اللي وراه. وأشرف قدامه خمستاشر يوم بس، يجيب فيهم المية وعشرين ألف كاش ويحطهم في إيد إسلام قدام مدحت، وإلا التوكيل اللي معايا من مدحت شخصياً برفع الوصلات هيدخل النيابة تاني يوم الصبح.
أشرف بص لأبويا بعيون مليانة غل وحقد، بس مكنش قادر ينطق بحرف، لأن حبل المشنقة كان ملفوف حوالين رقبته هو وأخته تماماً. شد أمه من إيدها وهو بيجز على سنانه:
— يلا يا أمي… يلا نمشي من هنا.
سنية مشيت معاه وهي بتتلفت على بنتها ولاء اللي كانت لسه قاعدة على الأرض بتعيط، وخرجوا من باب الشقة ورزعوا الباب وراهم رقعة هزت العمارة كلها.
في الصالة، فضل إسلام واقف مكانه، باصص للباب المقفول، وبعدين بص لأبويا وأمي اللي كانوا قاعدين مهدودين من التعب والوجع.
— أدخل لم هدومك يا إسلام — أبويا قالها بصوت هادي بس بارد زي التلج — خد مراتك وعيالك، وانزلوا على الهرم. الشقة مفتوحة، بس البيت ده… متعتّبوش بابه غير لما تكون راجل اتعلمت إزاي تحمي قرشك وعرضك من أقرب الناس ليك.
ولاء قامت وهي بتسحب رجليها بالعافية، ودخلت أوضتها تقفل الشنط وهي بتكتم صوت بكاها، وإسلام مشي وراها بخطوات تقيلة كأنه شايل جبل على كتافه.
أحمد بصلي، وبص لـ لبنى مراته، وكلنا كنا عارفين إن اللي حصل النهاردة مكنش مجرد نهاية خناقة على كشف حساب… ده كان بداية لشرخ كبير اتفتح في العيلة، وبداية لحرب لسه أشرف ومدحت عبد العال هيكون ليهم فيها رد، ولسه الأيام اللي جاية في شقة الهرم مخبية اللي محدش كان يتوقعه.
مرت الخمسة عشر يوماً على بيت شبرا كأنها سنين عجاف، البيت اللي كان دايماً عامر بصوت العيال ودوشة الغدا بقى ساكن سكون مقابر، كأن الحيطان نفسها حزنانة على اللي انكسر. أمي كانت تقعد بعد صلاة العصر في البلكونة تبص على مدخل الشارع، عينها متعلقة بالباب، مستنية طيف إسلام ولا لمحة عياله يوسف ومريم، بس مكنش حد بيعتب الحارة.
أبويا الحاج رجب فضل على موقفه زي الصخرة الصوان، ينزل الورشة الصبح بدري، يرجع على ميعاد الغدا، يقعد يقرا في ورقه وحساباته من غير ما ينطق بحرف زايد، بس أنا وأحمد كنا عارفين إن الصمت ده وراه عاصفة لسه بتتحضر، وإن المهلة اللي ادهالهم كانت زي فتيل قنبلة موقوتة بيتحرق ببطء.
في اليوم الأخير من المهلة، الهوا في القاهرة كان مكتوم ومليان تراب وخنقة. كانت الساعة داخلة على سبعة المغرب لما تليفون البيت الأرضي رن، الرنة قطعت السكون كأنها خنجر. جريت على التليفون ورفعت السماعة، وكان صوت إسلام على الناحية التانية. صوته مكنش بس مكسور، كان مرعوب ومخنوق:
— كاريمان… بابا جنبك؟
— أيوة يا إسلام، في إيه؟ صوتك ماله؟
— قولي لبابا أشرف ومدحت في المعرض في شبين القناطر، والدنيا مقلوبة… أشرف كان بيحاول يهرب البضاعة الصبح، ومدحت قفل عليه المكان برجالته وحابسه جوة، ومستنيين بابا يروح بالورق، وإلا مدحت هيقدم الوصلات للقسم الليلة وولاء هتتسحب مع أشرف في نفس البلاغ.
أبويا كان واقف ورايا من غير ما أحس بيه، مد إيده التقيلة وسحب السماعة من إيدي وحطها على ودنه:
— جهز نفسك يا إسلام، أنا وأحمد نازلين في العربية، نص ساعة ونكون عندك في الهرم ناخدك ونطلع على شبين. ومسمعش حس لولاء، تقعد مكانها متفتحش بقها بكلمة.
أمي قامت وقفت بخضة وجريت على الصالة:
— رايحين فين يا رجب؟! بلاش شبين القناطر بالليل يا راجل، دول بلطجية وتجار خردة وميعرفوش ربنا!
أبويا بصلها بحزم وهدوء يلجم أي اعتراض:
— الحق يا ماجدة مبيتاخدش في الضلمة، ولا بيتساب للبلطجية. إحنا ولاد أصول وننزل على عينك يا تاجر. ادعي بالستر بس واقعدي مع كاريمان.
نزل أبويا وأحمد، وخدوا العربية ونزلوا على شقة الهرم، ومن هناك طاروا على طريق شبين القناطر. الرحلة في الطريق الزراعي كانت ساكتة ومفيهاش صوت غير صوت الموتور وصوت نفس إسلام المكتوم ورا. لما وصلوا المنطقة الصناعية على أطراف شبين، كان المعرض عبارة عن جمالون صاج كبير مقفول بنص باب حديد، وحواليه تلات موتوسيكلات واقفين عليها شباب باين عليهم الفتونة والشر، والأنوار الصافرة عاكسة على الشارع الطيني.
نزل الحاج رجب من العربية بخطوته الثابتة، لابس عبايته وجزمته اللي بتعمل صوت على الأرض، ووراه أحمد وإسلام. الشباب اللي واقفين على الباب أول ما شافوا هيبة الحاج رجب وسنه، وسعوا من غير كلام.
دخلوا جوة المعرض، كان مدحت عبد العال قاعد على كرسي خيزران قديم، في إيده كوباية شاي في خمسينة، وسيجارة مشتعلة في بقه، وقدامه كان أشرف قاعد على الأرض في الركن، قميصه مقطوع من عند الكتف، وشه فيه كدمة زرقا تحت عينه اليمين، وبيترعش زي الفرخة المبلولة. وعلى كرسي تاني، كانت سنية أمه قاعدة حاطة راسها بين إيديها وعمالة تشهق بالدموع.
مدحت رمى السيجارة على الأرض وداس عليها بجزمته، وقام وقف وفتح دراعاته بابتسامة صفرا:
— يا مرحب يا حاج رجب، نورت شبين القناطر كلها! كنت خايف متجيش والواد ده يلبس البدلة الزرقا وتضيع على أختك وأخوها الفرصة الأخيرة.
أبويا مشالش عينه من على أشرف اللي كان ميت من الرعب، وبعدين بص لمدحت وقال بصوت رنان ملا الجمالون:
— أنا مبخلفش ميعادي يا مدحت. الورق اللي بينك وبين الواد ده مصلحته تخلص الليلة، والقرش اللي خرج بالحرام يرجع لأصحابه، وإلا الحسبة هتدخل في سكة تانية خالص.
سنية أول ما شافت الحاج رجب، زحفت على ركبها لحد رجليه ومسكت في طرف عبايته وهي بتصرخ:
— الحقنا يا حاج رجب! مدحت هيحبس أشرف وولاء بنتي! أشرف كان فاكر نفسه بيشغل الفلوس، ومدحت نصب عليه وأخد منه البضاعة وكاتبهم وصلات بميتين وخمسين ألف مش مية وعشرين بس! هيدمروا عيالي يا حاج، استرنا بسترك يا راجل يا طيب!
أحمد بص لأشرف بغل وقال:
— ميتين وخمسين ألف؟! ما هو الطماع مبيقعش إلا في حجر النصاب! كنت فاكر نفسك بتلعب بالبيضة والحجر يا أشرف، وبتاكل في لحم جوز أختك، وأهو لبست في حيطة سد مفيش منها رجوع!
مدحت ضحك بصوت عالي:
— الوصلات أمانة يا حاج رجب، والواد ماضي وهو بكامل قواه العقلية، وأخته ضامنة معاه وورقها في جيبي. يا الفلوس تدفع كاش، يا المعرض باللي فيه يصفى لحسابي والباقي يتسدد في النيابة.
أبويا الحاج رجب مد إيده جوة جيب الجلابية وطلع الدوسيه البني، بس المرة دي مطلعش ورق، طلع شيك بنكي مسحوب باسم مدحت عبد العال، وجنبه محضر رسمي من النيابة بتهمة تزوير سجلات تجارية وممارسة نشاط بدون ترخيص في منطقة زراعية.
أبويا رمى الورق على الطبلية اللي جنب مدحت، وقرب منه خطوة وبص في عينيه من غير ما يتهز:
— ده شيك بالمية وعشرين ألف جنيه بتوع ابني إسلام، مش مليم زيادة، وده أصل المبلغ اللي دخل المعرض هنا من حساب البنك. ومعاك الورقة التانية دي، محضر النيابة اللي متقيد ضدك وضد ورشتك المشبوهة دي، اللي مسجلة باسم واحد مسجون في قض\ية تهريب. تاخد الشيك وتديني وصلات الأمانة بتاعة الواد وأخته، ونقطع الورق كله هنا دلوقتي، يا إما تفتح في الميتين وخمسين، وساعتها النيابة ورجالة المباحث هما اللي هيفتحوا الجمالون ده بكرة الصبح، وإنت عارف رجب السوهاجي كلمته بتمشي إزاي.
مدحت بص للورقة اللي فيها بلاغ النيابة، وشه اتقلب وبهت لونه، وعرف إن الحاج رجب مبيتحركش إلا وهو مأمن نفسه ومحاصر كل زاوية، ومش سايب ثغرة لحد يلوي دراعه بيها. سكت دقيقة كاملة وهو بيبص للشيك وللورقة، وبعدين نفخ في الهوا وطلع دفتر الوصلات من الدرج، ورماهم قدام الحاج رجب:
— عشت وشوفت اللي يكسر عين مدحت في شبين القناطر يا حاج رجب… خد ورقك، ومشوفش وش الواد ده ولا أخته في المحافظة كلها تاني.
إسلام مد إيده وسحب الوصلات بسرعة، وشاف إمضاء ولاء وأشرف، مسكهم وقطعهم حتت صغيرة ورماهم على وش أشرف اللي كان باصص في الأرض مكسور ومذلول.
أبويا لف ضهره ومشي ناحية الباب، وبص لـ سنية وأشرف من فوق كتفه:
— شقى السنين بيحرسه أصحابه يا سنية، واللي يعيش على النصب والطمع يموت مفضوح ومكسور العين. عيالك براهم مني، وبنتك تشوف طريقها بعيد عننا.
رجعوا على الهرم في نص الليل. البيت هناك كان كئيب ومظلم. دخل إسلام شقته، لقى ولاء قاعدة على السجادة حاطة عيالها في حضنها وبتترعش من الخوف مستنية تعرف مصيرها ومصير أخوها. أول ما الباب اتفتح وشافت إسلام دخل ووراه أبوه وأحمد، جرت عليهم ووقعت على ركبها:
— عملتوا إيه يا إسلام؟! أشرف حصله حاجة؟! القض\ية اترفعت؟!
إسلام بصلها ببرود تام، برود كان أقسى من أي ضرب أو شتيمة، طلع بواقي الورق المتقطع ورماه قدامها:
— أخوكي عايش، والحبس انشال من على رقبتك… بس بفلوس وشقى أبويا اللي انتي عيرتيه امبارح بالجمبري وقلتي عليه مبذر. أبويا دفع المية وعشرين ألف من جيبه عشان يستر عرضك وعشان العيال ميعيرهمش حد إن أمهم كانت في الحجز.
ولاء بصت للحاج رجب وهي بتعيط بحرقة حقيقية، عياط الندم اللي جه بعد فوات الأوان


تعليقات
إرسال تعليق