الابن الاحدب حكايات زهرة حصري
الابن الاحدب حكايات زهرة حصري
ابني اتولد بحدب شديد ووش مميز وكل اللي يشوفه يستعيذ بالله ويرفض يشيله، جوزي قاللي ده لو عاش الناس هتفضل تذله وتقرف منه واقترح اقتراح شيطاني وانا في لحظة ضعف وافقته عليه والمصيبه اللي حصلت وقتها متصورتهاش حتى في كوابيسي!!!
أنا بقالي تلت سنين حافية على دكاترة النسا . تلت سنين من الشكشكة والتحاليل والأدوية اللي هدّت صحتي، والدموع اللي كانت بتنزل كل شهر تلت سنين وأنا حاسة بقلة الحيلة، وكنت بدعي ربنا في كل سجدة: "يا رب ارزقني بحتة عيل يملا عليا حياتي، مش عايزة حاجة من الدنيا غير إني أسمع كلمة ماما".
ولما الشكوك راحت والتأكيد جه، وحللت وطلعت حامل.. الدنيا كلها ما كانتش سايعانا، أنا وجوزي، وأمي وكل قرايبنا. الكل بيغني ويرقص، وأخيراً ربنا استجاب لدعانا والبيت هيتملى ضحك ولعب.
مرت شهور الحمل الأولى زي الفل، لحد ما وصلنا للشهر الخامس. دخلنا للغرفة عند الدكتور عشان السونار العادي اللي بنطمن فيه على صحته ونعرف جنسه. الدكتور فضِّل يحط الجهاز ويمشيه على بطني، وسكت.. سكوته طول أوي. بصيت لجوزي لقيت وجهه أصفر، قولت للدكتور: "خير يا دكتور؟ الولد فيه حاجة؟".
الدكتور شال النظارة وقعد يفرك إيديه
بتوتر، وقالنا جملة نزلت علينا زي الصاعقة: "للأسف الشديد، الجنين فيه تشوهات غريبة.. مش ظاهرة كويس في السونار، بس الأكيد إن شكله مش طبيعي".
جوزي اتصدم وبصلي وقال للدكتور ...طب عالجه اديلها حاجات تضيع التشوهات دي
الدكتور اتنهد وقال....للاسف مش بالبساطه دي...دي تشوهات خلقيه والطفل اتكون خلاص
جوزي وقتها قال فوراً: "خلاص ننزل العيل ده يا دكتور! هنربيه ازاي وهو كده؟"،
بس الدكتور هز رأسه وقال: "برضو صعب دلوقتي ننزله، الحمل متقدم والنزول فيه خطر كبير على حياة الأم".
أنا وقتها قطعت كلامهم كله وصرخت: "لا! مش هنزله حتى لو ينفع! أنا عايزاه.. مشوه، مكسح، أيا كان شكله، ده ابني وحته مني وعايزاه زي ما يكون!".
رجعنا البيت بخيبة أمل ما تتوصفش. جوزي أتعفرت ورفض تماماً إننا نروح نكشف عند أي دكتور تاني، وأنا استسلمت للواقع وقعدت مستنية، مستنية اليوم اللي هولد فيه عشان أشوف قدرنا بيمشي ازاي.
وجت لحظة الولادة.. كانت ولادة صعبة وممتدة، وجع في جسمي ووجع أشد في قلبي. أول ما اتولد، الممرضة دخلت الأوضة وهي شايلاه بإيديها اللي بترتعش، وجهها كان باين عليه التوتر الشديد. قربت مني وحطته في حضني بالراحة ومشيت
بسرعة.
بصيت للولد بدموعي اللي مغرقه وشي.. اتفاجئت بوشه. وش غريب ومميز جداً، مش زي وشوش الأطفال خالص، مكانش فيه البراءة المعتادة ولا الملامح الحلوة اللي بنشوفها وحسيت ببروز غريب عند ضهره تحت الملاية الملفوف بيها. بعّدت الملاية بشويش.. وهنا كانت الصدمة الكبيرة ليا ولجوزي اللي كان واقف جمبي: الولد كان أحدب، عنده حدب كبير جداً وواضح في ضهره بشكل يخوف.
أنا قعدت أبكي بانهيار، وجوزي حضنني وهو ساكت ومذهول. حاولنا نسكت ونتأقلم، قولنا ده ابننا ولازم نتحمل.. بس الناس ما رحمتناش.
كل ما حد يدخل يزورنا أو يشوف الطفل، ينفر منه بطريقة تجرح القلب. محدش رضى يمد إيده يشيله أبداً.
حماتي أول ما دخلت وبصت في وشه، رجعت لورا وشهقت بصوت عالٍ وقالت: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! إيه ده؟ ده مش بشر يا بني! أعوذ بالله، ده إيه المصيبة دي!".
الكلام كان بيقطع في قلبي زي السكاكين. الطفل كان كل ما يعيط، محدش يرضى يقربله، كنت أنا بس اللي بشيله وأحضنه وأديه الرضاعة. حتى أمي.. أمي اللي هي أقرب حد ليا، جت وقالتلي بقلة حيلة وخوف: "يا بنتي اوعي ترضعيه من صدرك! احنا مانعرفش عنده إيه ولا أصله إيه، بلاش ترضعيه!".
كنت بقعد
بالليالي أبكي والولد في حضني، لحد ما في يوم دخل عليا جوزي الأوضة، وبصلي وقال بحزم شديد: "كفاية بكا بقى.. الولد ده مش هيفضل معانا، وده لمصلحته قبل ما تكون مصلحتنا!".
بصيتله بصدمة ومش مصدقة اللي بيتقال، وقولتله وأنا بتلعثم: "قـ قصدك إيه؟ مش هيفضل معانا يعني إيه؟".
رد عليا ببرود: "لو فضل عايش هيتعب وهتتقلب حياته جحيم. فيه حقن تنهي حياته في ثانية.. تخلصه وتخلصنا من العذاب ده كله".
صرخت في وشه بكل قوتي: "أنت تجننت؟! ده ابننا! هنلف بيه على أحسن الدكاترة في مصر وبره مصر، وأكيد فيه له علاج وحل!".
اتنهد حزن وقال: "معتقدش المرض ده له حل خالص.. خلينا نرحمه من بصات الناس وقرفهم منه. بكره يكبر ويفهم إنه منبوذ، ولو راح مدرسته محدش هيكلمه ولا حد هيرضى يلعب معاه. احنا كده بنقتل نفسيته ونموته ألف مرة كل يوم لو فضل عايش.. موته دلوقتي أرحم".
قعدت أبكي بانهيار وأنا بفكر في كلامه.. للأسف، الشيطان دخل عقلنا وفي لحظة ضعف رهيبة حسيت إن كلامه منطقي. أنا شايفه نظرات الناس وقرفهم منه وهو لسه حتة لحمة حمرا، أمال لما يكبر هيعملوا فيه إيه؟ بس في نفس الوقت، ده ابني! قلبي كان بيتخلع ومش هاين عليا إني أوافق. بس سكت.
. وسكوتي كان موافقة.
خرج جوزي من البيت، ورجع بعد ساعة كاملة. كان ماسك في إيده سرنجة وحقنة.. قرب من الولد اللي كان نايم في السرير، شاله بين إيديه وباسه من راسه، وأنا كنت قاعدة جنبه على السرير منهارة ومغشية بدموعي، مش مصدقة إننا بنعمل كده، إننا هنقتل ابننا بإيدينا وهو لسه مكملش أيام في الدنيا!
جوزي مسك الحقنة، وقرب السن من جسم الولد الصغير، وفي اللحظة دي بالذات.. حصلت مصيبة العن! مصيبة أغرب من كل اللي حصل ما خطرتش على بالنا
وفي اللحظة اللي كان جوزي خلاص بيقرب سن الحقنة من جسم الولد الصغير، وعينيا مقفولة ومش قادرة أبص، الباب اتفتح فجأة ودخلت ممرضة ومعاها راجل وست.
أول ما بصلنا الراجل والست دول، اتصدمنا.. الاتنين كان عندهم حدب واكتافهم متنية بنفس الشكل، وكانوا شايلين بين إيديهم طفلة صغيرة ملفوفة في كوفية. الست جرت عليا وهي بتعيط والدموع مغرقة وشها، والراجل كان بيترعش وراها ورافع إيده بلهفة.
الست صرخت بصوت متقطع وهي بتقول: "الحقونا يا جماعة! البنت دي مش بنتنا.. الممرضة غلطت في الحضانة وبدلت العيال! أنا
ولدت في نفس اليوم ونفس الساعة اللي ولدتي فيها، والممرضة جابتلي البنت دي بالغلظ وجابتلكم أنتم ابننا!"
جوزي جمد في مكانه، وإيده اللي فيها الحقنة اتسمرت في الهواء. الممرضة دخلت وراهم وهي بتعيط وبتبوس على إيدينا وتقول: "سامحوني والله العظيم غصب عني، اللخبطة حصلت وقت خروج العيال من الحضانة، واكتشفنا الغلطة لما الأستاذ جه يسأل ويدور!"
الست قربت من الولد اللي في إيد جوزي، وبصتله.. أول ما شافته، وشها اتنور بابتسامة دافية أوي، مفيش أي نظرة قرف، ولا اشمئزاز، ولا غرابة. الست أخدت الولد في حضنها بلهفة أم قعدت تدور عليه، وبثت في وشه وقبلته من خدوده وراسه وهي بتبكي من الفرحة وتقول: "حبيب قلب أمك! يا حبيبي الحمد لله إننا لقيناك.. الحمد لله يا رب!"
الراجل قرب منها وحضن الولد وهو بيضحك ودموعه نازلة، حط إيده على ضهر الولد الصغير وباس راسه وقال: "ده ابننا.. شبهنا وفي حنيتنا، ربنا ما بينساش حد." أخدوا الولد في حضنهم، ونظرات الفرحة والرضا في عينيهم كانت تملى الكون كله، وسلموا علينا ومشوا وهما بيحمدوا ربنا
إن ابنهم رجعلهم، من غير ما يحسوا بلحظة واحدة إن الولد فيه حاجة غلط.
أنا وجوزي كنا واقفين زي الأوثان، مش قادرين نتحرك ولا نطق بكلمة. البنت الصغيرة كانت في حضني، ملفوفة وساكتة. بالراحة خالص، وبإيدين بترتعش، بدأت أفُك الملاية والكوفية الملفوفة بيها عشان أكشف جسمها.
فتشت في جسمها بالكامل.. البنت كانت كاملة، ملامحها هادية، ومفيش في جسمها أي بروز أو تشوه إطلاقاً! البنت كانت شبهي أوي، بس كان فيه حاجة غريبة.. شعرها كان طويل جداً بالنسبة لبيبي لسه مولود، وكان ملفوف ومكلكع ورا ضهرها وتحت رقبتها بطريقة ضاغطة ومجمعة تحت هدومها، وده اللي كان عامل بروز ظاهر خلى الدكتور في السونار اعتقد ان عنده تشوه
أول ما فهمت اللي حصل، نزلت على الأرض في حضن البنت وقعدت أبكي بانهيار ونشيج يقطع القلب. كنت بصرخ وأنا بأحضنها بقوة وأقول: "يا رب أستغفرك وأتوب إليك! احنا ما نستاهلش كرمك ده.. احنا وحوش! كنا هنموت الولد ..طفل برئملهاش أي ذنب! كنا هنقتل نفس بريئة لمجرد إننا خفنا من كلام الناس!"
بصيت لجوزي وقولتله وأنا بدموعي:
"شايف؟ شايف أهله الحقيقيين؟ عاشوا نفس المعاناة والظروف اللي خفنا منها، ومع ذلك كانوا طايرين بيه من الفرحة ومبسوطين بيه، لأن ربنا مبيجيبش حاجة وحشة! احنا اللي قلوبنا كانت عمياء!"
جوزي السرنجة وقعت من إيده على الأرض، ونزل على ركبه جنبي وهو بيعيط بصوت عالي، ودموعه نازلة على خده بغزارة، رفع إيده للسما وقال بصوت مكسور: "معاكي حق.. احنا كنا هنعمل جريمة بشعة.. سامحنا يا رب، سامحنا على ضعفنا وقلة إيماننا."
من اليوم ده، حياتنا اتغيرت تماماً. البنت كبرت في حضننا وسميناها "أمل"، وكانت مالية علينا الدنيا. بس ضميرنا مكانش يرتاح غير لما دورنا على مكان الأسرة التانية. عرفنا طريقهم، وعلمنا إنهم ناس على قد حالهم بس قلوبهم مليانة رضا ودفا.
فضلنا طول العمر بنزورهم بشكل منتظم، بقينا نعتبرهم أهلنا، ونقدم لهم كل المساعدات اللي يقدرنا عليها ربنا، ونتطمن على ابنهم اللي كبر وسط حبهم ورضاهم، عشان يفضل الدرس ده محفور في قلوبنا طول العمر: إن عطاء ربنا كله خير، وأن الرحمة والرضا هما اللي بيعملوا المعجزات مش كلام
الناس.


تعليقات
إرسال تعليق