رواية بعد ولادتى كاملة حصريه بقلم رومانى مكرم
رواية بعد ولادتى كاملة حصريه بقلم رومانى مكرم
انا ولدت من اربع ايام واسبوع المولود بعد ثلاث ايام حماتى قالت اخت جوزك نازله من السعوديه علشان اسبوع ابنك وبكرا لازم تروحى تنضفى شقتها دى مقفوله بقالها سنتين كلها تراب ومينفعش تنزل تنضفها هى وانتى موجوده!!!!
أربع أيام بس عدوا على ولادتي، أربع أيام حاسة فيهم إن جسمي كله مهدود، عضمة عضمة بتئن، والبيبي جنب مني حتة لحمة حمرا، يادوب بيتنفس بالراحة ونبضه زي العصفور.
دخلت حماتي الأوضة، ما خبطتش، دخلتها المعتادة اللي بتخليني أتنفض من مكاني حتى وانا مش قادرة أتحرك. وقفت عند طقطوقة ، حطت إيدها في وسطها وبصتلي بصة كلها أوامر:
ـ أخت جوزك نازلة من السعودية بعد بكرة علشان أسبوع ابنك، وبكرة الصبح لازم تروحي تنضفي شقتها.. الشقة مقفولة بقالها سنتين وكلها تراب ومينفعش تنزل من السفر تلاقيها كده، ومينفعش هي تنضفها وأنتي موجودة وموجودة زي القضاء والقدر كده.
بصيت لها وأنا مش مصدقة، أيدي راحت للمكان الشق في بطني من أثر الولادة، والوجع شادد عليا:
ـ بتقولي إيه يا حماتي؟ أنا لسه والدة وتعبانة ومفتوحة، ومعايا بيبي لسه حتة لحمة حمرا.. وبعدين الواد هسيبه لمين وأنا أصلًا مش قادرة أقف على حيلي؟
ردت ببرود وهي بتبص للطفل بتشفّي:
ـ أنا هاجي معاكي، هقعد بيه في الصالة وأنتي ادخلي اشتغلي وروقي، مش هسيبك لوحدك يعني.
مسكت دموعي بالعافية، وحاولت ألاقي حل يرضيها ويحمي جسمي اللي بيصرخ من الوجع:
ـ طيب يا حماتي، أنا هجيبلك رقم واحدة نظيفة أوي شغالة تيجى تنضف، وأنتي تقعدي تشرفي عليها.. وسلفتي مش هيفرق معاها أجر الشغالة اليومين دول، كده كده ربنا كرمها وموسع عليها وزوجها ربنا فاتحها عليه هناك.
وشها اتغير، وعينيها اتملت غضب ورشرشت كلام زي :
ـ أنتي بتبصي في رزق بنتى وفلوسها؟! أنتي هتحسديها كمان؟ مش كفاية نازلة من السعودية مخصوص علشان خاطرك وخاطر ابنك؟ اللي حتى أهلك مقدروش ييجوا من الصعيد لغاية مصر علشان ولادتك؟ خايفين على قرشين المصاريف وجايين يوفروهم على قفانا؟
كلامها نزل عليا زي السكين، أهلي الغلابة اللي ما حيلتهمش اللقمة وكانوا بيبكوا في التليفون إنهم مش عارفين ييجوا بسبب تذكرة القطار. بلعت غصتي وقلتلها بقلب مكسور:
ـ يا حماتي الله أعلم بظروفهم.. وما تصغريش أهلي، وأنا لو قادرة والله هروح من غير كلام، بس بجد تعبانة والجرح بيشد عليا.
قربت مني وبصت في عيني وقالت بلهجة مفيهاش أمل للمناقشة:
ـ إحنا هنروح الصبح بدري، وعلى العشاء تكوني خلصتي.. هو يوم واحد بس مش هتتكسر رقبتك فيه يعني! الشغل ما بيموتش.
خرجت وسابت الباب مفتوح، والورق بتاع الشباك بيخبط مع الهوا. قضيت الليل بطوله بدموعي، الجرح بيوجعني من كتر العياط والضغط، والطفل يصرخ كل شوية عايز يرضع وأنا حاسة إن حيل أتهد.
الصبح بدري، والشمس يادوبك بتشق السماء، سمعت حركة بره الأوضة. باب الشقة اتفتح، وصوت خطوات تقيلة.. كان جوزي راجع من شغله الليل، ووالدته واقفة في الصالة بتستناه.
فتحت باب الأوضة بالراحة ووقفت أتسند على الحيطة. حماتي بصتلي وقالت بصوت عالي وهي بتبص لبنها:
ـ أهي الهانم صحيت أهي! نازلة دلع ومسكنة من البارح.. بتموت نفسها علشان ما تخدمش أختك اللي جاية من السفر! أهلك في الصعيد ما كلفوش خاطرهم ييجوا يباركوا علشان خايفين على الفلوس، وهي هنا مستكسرة تعمل خدمة لبيت أختك المفتوح!
جوزي بصلي بقلة حيلة، وعينيه دبلانة من التعب، بس ما نطقش بكلمة تدافع عني، بل بصلي باستسلام وقال:
ـ خلاص بقى يا شيماء.. قومي مع أمي واخلصوا، مش عايزين مشاكل أول النهار.
حماتي كملت بتعيرة ونبرة تشفي وهي بتميل عليا:
ـ ناس ما بتجيش غير بالعين الحمرا.. ناس معندهاش أصل، جاية من الفقر وبتبص في نعمة غيرها!
الكلمات قطعت آخر عرق صبر جوايا. بصيت لجوزي لقيت عينه في الأرض، وبصيت لحماتي لقيت النصر طالع من عينيها. ما ردتش ولا كلمة. لفيت ضهري ودخلت الأوضة.
الساعة كانت يادوبك خمسة ونصف الصبح، الصوت بره هدي لما دخلوا المطبخ يعملوا شاي. ببطء شديد، دموعي نازلة بس من غير صوت، قطعت ملاءة صغيرة لفيت بيها البيبي كويس، وربطته على صدري بحنية.. مسكت شنطة صغيرة فيها كيس لبن وشهادة ميلاده وشوية غيارات.
#الكاتب_رومانى_مكرم_
مشيت على أطراف صوابعي، كل خطوة كانت بسكينة في بطني، بس الإهانة كانت أكبر من وجع الجرح. اتسحبت بالرضيع بالراحة، فتحت كالون الباب من غير ما يطلع صوت، وخرجت للسلم..وفجاء
خرجت من العمارة والشارع لسه بيستقبل أول خيوط الشمس، البرد كان بيلدع وشي بس ما حسيتش بيه، الوجع اللي جوه بطني واللي جوه قلبي كان مخدّر كل حواسي. لفيت الملاية على البيبي أكتر وأنا حاضناه بقدام جسمي عشان أحميه من هواء الصبح، ومسكت الشنطة بأيدي التانية بالعافية. كل خطوة كانت بتخليني أحس كأن جرح القيصرية بيتفتح من جديد، بس صورته وهو واصل لقمة الاستسلام أمام أمه، وصوتها وهي بتعيرني بفقر أهلي، كانوا زايقيني لقدام زي السوط.
مشيت لحد أول الشارع الرئيسي، الدموع مغشية عينيا ومش شايفة قدامي. وقفت توكتوك بالعافية، الراجل أول ما شاف منظري وأنا بسند على باب التوكتوك ودموعي نازلة كتم حسرته وقال لي: “خير يا أختي؟ على فين على الصبح كده؟”. قلت له بصوت مخنوق مش طالع: “وديني موقف الأتوبيسات أو محطة القطر.. أي حاجة رايحة الصعيد.. رايحة للبلد.”
الراجل ما سألش تاني، شغل التوكتوك ومشي بالراحة عشان حاسس باهتزازات الشارع اللي كانت بتخليني أصرخ مكتوم وأنا ضاغطة على بطني. وصلنا محطة القطر، قطعت تذكرة بالفلوس القليلة اللي كانت معايا في جيب الروب. قعدت على بنش خشب في المحطة، ضامة ابني لصدري، العيل كان بيئن بصوت واطي ونبضه خفيف، كان حاسس بالرعب اللي أنا فيه.
في الوقت ده، في الشقة فوق، كان جوزي وأمه بيشربوا الشاي. أمه قامت بجمود وقالت له: “قوم نزلها يلا عشان المحلات بتفتح ونلحق نشتري شوية منظفات ونطلع على أختك.”
جوزي قام بخطوات ثقيلة، خبط على باب الأوضة.. ما حدش رد. فتح الباب وهو بيقول: “يلا يا شيماء اخلصي عشان أمي ما تزعلش..”
الأوضة كانت فاضية. دولاب مفتوح، ودواليب الهدوم متنعكشة، ومهد البيبي فاضي. عينيه وقعت على التسريحة، ما لقاش حظاظة الذهب الصغنونة ولا شهادة ميلاد الولد.
طلع يجري في الصالة وهو بيزعق: “شيماء مش جوه! شيماء أخدت الولد ومشت!”
حماتي وقفت بثقة وقالت ببرود: “تلاقيها استخبت عند جارتكم اللي تحت ولا نزلت تقعد على السلم تعمل شوية دراما عشان تصعب عليك! أنزل هات من شعرها من تحت، دي بتلوي دراعنا!”
نزل يجري على السلم، سأل البواب، البواب هز رأسه وقال له: “دي نزلت من يجي نص ساعة يا أستاذ، كانت ماشية بالعافية وماسكة الولد في حضنها وراكبة توكتوك، كانت بتبكي بكى يقطع القلب.”
هنا بس، جوزي حس بالثلج بينزل على صدره. تلفونه رن، كانت أمه بتتصل من فوق بقمة الجبروت: “لقيتها فين يا واد؟”
رد عليها بصوت بيترعش لأول مرة: “شيماء سابت البيت ومشت بالولد يا أمي.. مشت وهي لسه جرحها مفتوح!”
حماتي ما اتهزتش، ردت بحدة: “طب غور هاتها من بيت أهلها! أصلها مش هتروح في مكان تاني، فاكرة نفسها هتضغط علينا عشان ما ننضفش شقة أختك؟ والله لو ما رجعت ورجليها فوق رقبتها لأكون مجوزاك غيرها!”
في الوقت ده، القطر كان بيتحرك بيا. الصوت بتاع العجل وهو بيخبط في القضبان كان زي دقات قلبي. الوجع شد عليا جداً، وبدأت أحس بسخونية بتطلع في جسمي وجرحي بدأ ينزف دم خفيف علّم في هدومي. ست كبيرة كانت قاعدة جنبي في القطر، بصلتي بنظرة شفق وركزت في وشي الأصفر وشفت الهدوم المبلولة دم.
مسكت إيدي بسرعة وقالت بفزع: “يا بوي يا بتي! أنتِ مالك؟ أنتِ والدة قريب؟ جرحك ينزف يا بنيتي!”
ما قدرتش أرد، عيني زغللت، والدموع نزلت صامتة، مش قادرة حتى أقولها أنا هاربة من الظلم. الست طلعت شال من شنطتها ولفته حوالين بطني عشان يضغط على الجرح، وأخدت البيبي من حضني بالراحة وقعدت تهز فيه وتدعي على اللي كان السبب.
وصلت المحطة في الصعيد بعد ساعات كانت أطول من السنين. القطر وقف، والست كثر خيرها شالت معايا الشنطة وسندتني لحد ما نزلت. أهلي ما كانوا يملكونش تذكرة قطر ييجوا بيها مصر، بس لما طلعت من باب المحطة وطلبت من حد يكلمهم، أبويا أخد حمار جاره وجالي يجري على المحطة، ووراه أمي طالعة حافية من القلق.
أول ما أمي شافتني على باب المحطة، سني دمي سايح ووشي زي الورقة البيضاء ومكبوسة في شال غريب، صرخت صرخة هزت المحطة: “يا مري يا بتي! عملوا فيكي إيه يا شيماء؟!”
وقعت في حضنها، والجرح بينزف، وأبويا مسكني وهو بيبكي من قلة الحيلة والدموع نازلة في سبالته: “حقك علينا يا بتي.. حقك على فقرنا اللي خلاكي تنضامي عند ناس ما يرحموش!”
أخدوني على البيت، الشقة البسيطة اللي بالطين والحصيرة. جابوا الداية بسرعة، الداية أول ما شافت الجرح صرخت وقالت: “دي خياطتها مفككة من الحركة والضغط! دي لو كانت قعدت ساعة كمان كانت جابت ميكروب وماتت!”
عملت لي كمدات وطهرت الجرح وربطت بطني، وأمي قعدت جنب مني تمسح على رأسي وتعيط وهي بتبص للبيبي الصغير اللي كان يادوب بيمص صباعه من الجوع.
في نفس اليوم بالليل، الباب اندعك خبط شديد.
أبويا قام فتح الباب وهو شال عصايته في إيده، كان جوزي واقف على الباب، وشة أسود من الطريق ومبهدل، ووراه أخته اللي نازلة من السعودية وجوزها!
جوزي دخل باندفاع وهو بيقول: “شيماء فين؟! إزاي تمشي وتفضحينا كدا؟ أختي نزلت من السفر ولقيت البيت مقلوب وأمي بتعيط!”
أبويا وقف زي الجبل، رفع عصايته في وشه ووقف في نص الصالة، وبص له بنظرة عمره ما شافها منه، بصة راجل صايم صابر بس الكرامة عنده خط أحمر.
أبويا قال له بصوت يرعب: “اخس عليك يا قليل الأصل! جاي تدور على فضيحتك؟ بتي راجعة لي با مفتوح عشان أُمك العاصية تخدمها وشقتها مقفولة بقالها سنتين؟!”
أخت جوزي اتدخلت بغرور وقالت: “جرى إيه يا راجل يا كبارة؟ إحنا جايين ناخد مرات أخويا وابننا، وهي كبرت الموضوع وعملت شو شوية عشان شوية تراب! ما إحنا كلنا بنخدم وبنعمل!”
هنا، أنا جمعت كل قوتي اللي باقية في جسمي، وتسندت على حيطة الأوضة وطلعت لهم. مسكت بطني بأيد، وبالأيد التانية شايلة ابني، وبصيت في عين جوزي وعين أخته وقُلت بصوت ثابت هز الأوضة كلها:
“التراب اللي بتتكلمي عنه يا ست هانم، كان هيتكتم في صدر ابنك وابني! والخدمة اللي أُمك عايزاها مني وأنا جرحي ينزف، دي مش خدمة.. دي استعباد! وأنت…” (وبصيت لجوزي) “.. أنت اللي بعتني برخيص عشان ترضي أُمك، وسبت كرامتي ودمي ينزل قدام عينك وقلت لي قومي عشان مش عايزين مشاكل!”
جوزي اتوتر وبص لأخته ولأبويا وقال: “يا شيماء تعالي معايا الدكتورة هنا وهاتي الولد ونرجع نصلح كل حاجة..”
أبويا قرب منه، وحط إيده على صدر جوزي وزقه بره الباب بقوة وقال له:
“مالكش حريم عندنا يا ابن فلان! بتي مش هترجع معاك إلا على جثتي، والولد ده ولدنا ونبتنا.. ولو راجل قرب من عتبة البيت دي تاني!”
بعد ولادتى ٢
خرج زوجي من أصل البلد ورأسه في الأرض بعد ما أبوي طرده ورمى كلامه في وشه زي الرصاص، بس الشر ما انتهى عند العتبة. مر أسبوع على وجودي في بيت أبوي، بدأ يلم بدعوات أمي والكمادات اللي كانت بتعملها لي، والوليد بدأ يصحصح ولونه يورد. وفي الوقت اللي كنت بلملم فيه صحتي، كان الشغال في القاهرة بيغلي.
حماتي ما سكتتش، كبرياءها اتجرح لما عرفت إن أبوي طرد ابنها وعلم عليه قدام أخته وجوزها. وقفت في نص صالتهم وزعقت في ابنها: “بقى حتة فلاحين ما حيلتهمش اللقمة ويحرموك من ابنك؟! والله ما هسيبها تهنأ بيه، ولازم نربيهم ونعرفهم حجمهم!”
أخت جوزي، اللي كانت جاية من السعودية ومقضية إجازتها في غضب، زادت النار حطب وقالت: “ادفعوا فلوس للمحامين يا أخويا، هات أكبر محامي في القاهرة يرفع قضية رؤية وحضانة، وناخد الولد منها بالنواميس والقانون.. خلهم يعرفوا إن الله حق!”
بالفعل، بعد أقل من شهر، وصل لأبوي جواب على يد محضر. المحكمة بتطالبني بالحضور في قضية ضم حضانة المستعجلة ورؤية، ومرفوق معاها بلاغ كاذب بيتهموني فيه بإهمال الطفل والهروب بيه وتعريض حياته للخطر، وإنني غير أهلة لحضانته لأني مريضة نفسياً وسبت بيت الزوجية بدون إذن!
أبوي مسك الجواب وإيده بتميل، أمه كانت بتبكي وتقول: “يا مري.. حيلتنا إيه للمحامين والمحاكم يا حاج؟ إحنا ناس على باب الله، وهما معاهم القرش والفلوس اللي جابوها من الخليج!”
بس أبوي بص لي وبص للوليد اللي كان ساكت في حضني، وقال بصلابة أهل الصعيد: “الباطل لو معاه مال الدنيا، الحق معاه رب العباد. هبيع حتة الأرض الصغيرة اللي حيلتي، وأجيب لك محامي ابن حلال يقف في وشهم.”
بعنا اللي حيلتنا بالرخيص عشان نسدد أتعاب المحامي في القاهرة، وبدأت جلسات المحكمة. كان جوزي بيحضر مع محاميه الكبير اللي لابس بدلة غالية، وحماتي قاعدة في أواخر القاعة حاطة رجل على رجل وبتبص لي بنصر وتشفّي، وكأنها ضامنة الحكم في جيبها.
المحامي بتاعهم بدأ يتكلم بثقة وفرض عضلات قدام القاضي: “سيادة القاضي، موكلي أب حرقت قلبه زوجته، أخذت رضيعاً لم يتجاوز عمره أياماً، وهربت به في منتصف الليل إلى أقصى الصعيد، معرضة حياة الرضيع للخطر الداهم، وذلك بسبب خلافات زوجية بسيطة! ونطالب بضم الحضانة للأب لعدم أمانة الأم، أو إثبات حالة الإهمال الشديد.”
القاضي بص للأوراق ورجع بص لمحامينا، وقال: “دفاع المدعى عليها يتفضل.”
محامينا قام بثبات، وطلع ملف أوراق أبيض من شنطته وقال بصوت هادي ومتمكن:
“سيادة القاضي، العدل لا يكتمل إلا بالحقائق، وليس بالادعاءات المرسلة. موكلتي لم تهرب دلعاً ولا إهمالاً، بل هربت بطفلها نفاذاً بجلدها وحياتها من موت محقق!”
المحامي قدم للمحكمة التقرير الطبي الصادر من المستشفى الحكومي وتقارير الداية والوحدة الصحية في الصعيد، الموثقة بتاريخ وصولي بعد حادثة الهروب بساعات:
“سيادة القاضي، هذا تقرير طبي يثبت أن الأم وصلت إلى بلدتها بعد الولادة بأربعة أيام فقط، وهي تعاني من هبوط حاد في الدورة الدموية، وانفتاح جزئي في جرح العملية القيصرية، وتلوث جراحي كاد يؤدي بحياتها! وذلك بسبب إرغامها على القيام بأعمال منزلية شاقة وتكليفها بتنظيف مغلقة منذ سنتين فور ولادتها!”
حماتي وشها اتغير في القاعة وقعدت تململ في مكانها، محاميهم حاول يقاطع بس القاضي أشار له بالسكوت وقال لمحامينا: “كمل يا أستاذ.”
محامينا طلع كارت ثاني، وهو شهادة البواب بتاع العمارة في القاهرة، اللي أخدنا أقواله في المحضر الرسمي وشهادة التوكتوك:
“سيادة القاضي، البواب شهد أن الزوجة خرجت في الخامسة والنصف صباحاً وهي تبكي وتنزف وتترنح، ولم يخرج الزوج لنجدتها أو البحث عنها إلا بعد ساعات! فأين هي أمانة الأب الذي يرى زوجته تنزف بعد قيصرية وأمه تؤنبها، فيقف مكتوف الأيدي؟”
ثم أضاف المحامي ضربة القاضية، لما طلع شهادة التقرير الطبي الخاص بالطفل، اللي أثبت إن وزن الطفل ونموه في حيازة الأم الآن ممتاز، وإنه يتلقى الرضاعة الطبيعية كاملة، وإن إبعاده عن أمه في هذا السن يهدد حياته بالخطر وفقاً للقانون الذي يجعل حضانة الصغير في هذا السن حشواً حصرياً للأم ما لم يثبت مانع صحي أو أخلاقي، وهو ما عجز المدعي عن إثباته.
القاضي حط الأوراق على المكتب، وبص للجوز اللي كان واقف منصدم ومحاميه مش عارف يترد بإيه بعد ما الملفات الطبية والشهود قفلت كل ثغرة.
بعد مداولة قصيرة، نطق القاضي بالحكم اللي زلزل القاعة:
“حكمت المحكمة برفض دعوى إسقاط الحضانة المقامة من المدعي، وإلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة، مع استمرار حضانة الطفل لوالدته.. وتحديد حق الرؤية للأب في أقرب مركز شباب لمحل إقامة الطفل بالصعيد، لمرة واحدة أسبوعياً لمدة ثلاث ساعات فقط، شريطة عدم نقل الطفل خارج المحافظة!”
صوت المطرقة وهي بتخبط على الخشب كان زي القلم على وش حماتي وجوزي.
حماتي وقفت في القاعة بتصرخ: “يعني إيه؟! ابننا نروق وراه لغاية الصعيد عشان نشوفه ثلاث ساعات في مركز شباب؟!”
الحرس قربوا منها وهددوها بعمل محضر عدم احترام للمحكمة، فاكتست وشها بملامح الخيبة والانكسار.
جوزي وقف يترعش، محاميه بيلف أوراقه وهو بيقول له بضيق: “التقرير الطبي بتاع الجرح قفل القضية تماماً.. موكلك اتسرع، والقاضي شاف إن في قسوة مفرطة ضد أم حديثة الولادة.”
خرجت من باب المحكمة وأنا شائلة ابني على صدري، أبوي كان ماشي جنبي مرفوع الراس، وأمي بتبكي دموع الفرحة.
على سلم المحكمة، جوزي جرى ورايا وشكل حيله مهدود، قرب مني ولأول مرة أشوف الدموع في عينيه من القهرة والانكسار، قال بصوت واطي ومبحوح:
“شيماء.. استني يا شيماء.. إحنا خسرنا القضية، بس أنا خسرتك أنتِ وابني.. أمي ضيعتني، وأنا سمعت كلامها لحد ما بقيت مش عارف أشوف ابني غير بشاويش ورخصة في مركز شباب!”
بصيت له بثبات، الجرح اللي في بطني كان طاب، والجرح اللي في قلبي بقى قاسي زي الصخر، وقُلت له:
“أنت ما خسرتش القضية في المحكمة يا فلان.. أنت خسرتها النهار اللي سبتني فيه أنزف وأمك بتعيرني بفقر أهلي وتقلل مني.. الحكم ده مش نهايتنا، ده مجرد بداية حسابك!”
مرت الأيام والشهور زي السحاب، والولد كبر وبقى يمشي على إيديه ورجليه، سميته “حمزة” عشان يطلع قوي وما يهابش حد زي اسم صاحب الرسول. في الصعيد، رجعت لي صحتي وعافيتي تماماً، والراحة النفسية وسط أمي وأبوي ردت فيا الروح من جديد. أبوي، رغم ضيق الحال وقرشه القليل، كان يجيب اللبن والفاكهة لـ “حمزة” من تحت الأرض، وكان يقول لي دائماً: “القمة اللي ناكلها بعزة نفس، تسوى كنوز الدنيا يا بتي.”
على الناحية التانية، كانت الرؤية الشرعية شغالة كل يوم جمعة في مركز الشباب القريب من بيتنا. كان جوزي يقطع سفر سبع أو ثمان ساعات في القطر من القاهرة عشان ييجي يقعد الثلاث ساعات المحددة له بالقانون. كان بييجي وهو مكسور الخاطر، هدومه مبهدلة من السفر، ييجي يقعد على بنش خشبي متهالك في حوش مركز الشباب والشمس تضرب في وشهم.
في الأيام الأولى، كانت حماتي بتيجي معاه، تخش بصلابتها وعينيها اللي تطاير شرار، تحاول تفرض سيطرتها وتتدخل في لبس الولد وأكله، بس محامينا كان مأمن كل حاجة. رئيس مجلس إدارة مركز الشباب وأمين الشرطة المسؤول عن الرؤية كانوا واقفين لهم بالمرصاد. أول ما كانت حماتي ترفع صوتها أو تحاول تطاول، كان أمين الشرطة يفتح الدفتر ويقول لها بجمود: “يا حجة، الرؤية للأب فقط وفق نص الحكم، وأي إزعاج أو محاولة لأخذ الطفل خارج السور هعمل لك محضر عدم امتثال لحكم قضائي فوراً.”
مرة في مرة، حماتي تعبت من المشوار. ظهرها ما بقاش يستحمل القطر، والسفر الصعيدي في الحر هد حيلها. بدأت تشتكي وتقول لابنها: “أنا مش ماشية معاك التبهدلة دي تاني، روح لوحدك يا فلان، القعدة في مركز الشباب على الدكك دي تهين كرامتي!”
رد عليها وابنه في حضنه وبكاء مكتوم في قلبه: “كرامتك يا أمي؟! ما أنتِ اللي جبتينا للوضع ده! ما أنتِ اللي طمعتِ وقلتِ لي أنزلها تنضف شقة أختي وجرحها ما كملش أربع أيام! أهي دلوقتي بتشوف ابنها في حضن أهلها بكرامة، وأنا بشوف ابني بإذن ورقة ورئيس مركز شباب!”
بدأت المشاكل تنخر في بيتهم في القاهرة زي السوس. أخته اللي نزلت من السعودية، قعدت شهور إجازتها تنكد عليه. الشقة اللي كانت عايزاني أنضفها، اضطرت هي وأمها ينضفوها بنفسهم بعد ما ما لقوش حد يرضى يجي بالرخيص. وأخته زعلت من أمها وأخوها لأن القضايا والمحاكم بوظت فرحة إجازتها وفضحتهم قدام قرايبهم ونسائبها في الخليج. سافرت أخته ورجعت جوزها وهي شايلة من أخوها وأمها ومقاطعاهم.
أما جوزي، فبدأ يحس بالوحدة القاتلة. الشقة بقت فاضية عليه، أمه كبرت في السن وبقت تقيلة الحركة، وما بقاش في حد يخدمهم أو يقدم لهم لقمة هنيئة. الشغل بتاعه أهمله من كثر التفكير والسفر كل أسبوع، والمرتب بقى يضيع نصبه على قطارات الصعيد والمصاريف والنفقة اللي المحكمة فرضتها عليه بالسيف.
في يوم جمعة شديد الحرارة، كنت واقفة بعيد في صالة الانتظار بمركز الشباب، مستنية الثلاث ساعات يخلصوا عشان آخد حمزة وأرجع البيت. جوزي كان قاعد على البنش، ماسك إيد الولد الصغير وبيلعبه بلعبة بلاستيك رخيصة جايبها معاه. الولد ما كانش عارفه كويس، كان بيخاف من وشه الغريب وبيصرخ كل ما يحاول يحضنه، ويشاور بعيد عليا ويقول: “ماما.. ماما!”
الكلمة دي كانت بتنزل على قلب جوزي زي مية النار. مسح دموعه بكف إيده، ولما الوقت قرب يخلص، قام من مكانه وجالي يترجاني، وشه كان شاحب وشعره بدأ يطله الشيب رغم صغر سنه.
قرب مني خطوتين وقال بصوت مكسور يقطع القلب:
“شيماء.. عشان خاطر الله وعشان خاطر العيل ده، اسمعيني.. أنا اتدمرت! حياتي جحيم من يوم ما مشيتِ. أمي عاجزة ومش قادرة تتحرك، وأختي قطعت بينا وسافرت، وأنا عايش في البيت زي الغريب.. أرجوكي يا شيماء، ارجعيلي وأنا مستعد أكتب لك الشقة باسمك، وأعمل لك كل اللي تطلبيه، ومش هخلي أمي تفتح بؤها معاكي بحرف واحد طول العمر!”
بصيت له بعين ثابته، نظرة ما فيهاش لا كره ولا تشفي، لكن فيها استغناء كامل. مسكت إيد ابني حمزة اللي مسك في جلابيتي بظافره، وقُلت له بصوت هادي وواضح:
“الشقة اللي عايز تكتبها باسمي دي، ما تسواش نقطة دم واحدة نزلت مني وأنا على السلم الساعة خمسة الصبح ورضيعي على صدري. والرجوع اللي بتتكلم عنه ده، كان ممكن يحصل لو كنت وقفت راجل في صالتك وقيلت لأمك ‘دي مراتي ولادتي ومفتوحة وكرامتها من كرامتي’. لكن أنت اخترت ترضي كبرياء أمك، وبعتني وبعت ابنك عشان ما تزعلهاش.”
مسك إيدي بلهفة وقال: “أنا غلطت! ورب العرش غلطت وندمان كل ثانية! أرجوكي اديني فرصة واحدة أصلح فيها اللي انكسر!”
سحبت إيدي منه ببطء وقوة، وقُلت له وأنا ألف ضهري عشان أمشي:
“في حاجات لما بتنكسر يا فلان، ما بيتصلحش.. ينفع تلم المية بعد ما تدفق على التراب؟ الجرح اللي في بطني طاب وبقى علامة، بس الجرح اللي في قلبي بقى سور بيني وبينك.. أنت ليك في الولد ده الثلاث ساعات بتوع القانون، وغير كده، أنت بالنسبة لي مجرد غريب!”
سبته وخرجت من باب مركز الشباب، وهو قعد على السلم يحط إيديه على وشه ويبكي بصوت عالٍ قدام الناس والعمال. رجعت البيت وأنا حاسة إن حقي بيرجع لي حتة حتة، بس الأيام كانت مخبية مفاجأة جديدة.. مفاجأة هتجبر جوزي وأمه ييجوا لحد باب بيتنا في الصعيد، مش عشان قضية ولا رؤية، لكن عشان يترجوا العفو والمغفرة في مصيبة كبيرة طالت بيتهم!
بعد ولادتى ٣
بعد ولاتى حكايات رومانى مكرم 3 مرت الأيام وتوالت شهور الشتاء، وحمزة كمل سنته الأولى وبدأ يخطي خطواته الأولى في حوش البيت، صوته بيملا المكان ضحك وفرحة ورجع لأبوي وأمي شبابهم. وفي الوقت اللي كانت حياتنا…
بعد ولاتى حكايات رومانى مكرم 3
مرت الأيام وتوالت شهور الشتاء، وحمزة كمل سنته الأولى وبدأ يخطي خطواته الأولى في حوش البيت، صوته بيملا المكان ضحك وفرحة ورجع لأبوي وأمي شبابهم. وفي الوقت اللي كانت حياتنا فيها الهدوء والستر، كان الجانب التاني بيغرق في ظلمات الأفعال اللي زرعوها. في القاهرة، السوس اللي نخر في بيتهم كبر وبقى يهد الحيطان. حماتي اللي كانت بتصول وتجول وصوتها يرج العمارة، جتلها جلطة خفيفة أثرت على حركتها وقعدتها في ، ما بقتش قادرة تتحرك ولا تخدم نفسها.
الشقة الكبيرة اللي كانت بتتباهى بيها وبنظافتها، بقت زي الكهف المهجور، التراب غطا كل حتة فيها، نفس التراب اللي كانت عايزه تهد جسمي وجرحي ناضح دم علشان تنضفه! أخته اللي في السعودية، لما عرفت بمرض أمها، بعتت مصاريف علاج بسيطة بس رفضت تنزل تقعد معاها أو تخدمها، وقالت لأخوها في التليفون بجفاء: “أنا جوزي وولادي أولى بيا، تصرف أنت يا فلان وأجر لها شغالة من نفقتك، أنا مش هسيب بيتي وحياتي وأجي أقعد بين المرض والهم!
” هنا بس، جوزي حس بطعم العلقم. افتكر كلام أمه وهي بتقول له: “أختك نازلة من السفر ومينفعش تنضف وأنت عندك هانم تخدمها!” افتكر إزاي دمر بيته وشرد مراته وابنه عشان خاطر أخت ما كلفتش خاطرها تنزل تسند أمها في مرضها! الندم أكل قلبه وعقله. بقى يرجع من شغله طافح الكوت، يغير لأمه، يعمل لها الأكل، وينضف الشقة بأيده.
كل ما يمسك المكنسة أو يقف ينضف التراب من على شباك، دموعه تنزل مغرق وشو وهو بيفتكرني وأنا واقفة بتسند على الحيطة وبترجاه وأنا جرح القيصرية مشدود عليا ودمي ينزف، وهو بيجبرني أروح أخدم. بقى يتخيل صورتي في كل ركن في الشقة، وصوت ضحكتي اللي اختفت، وريحة ابنه اللي انحرم منها. في ليلة من ليالي البرد القارس، أمه كانت بتتألم على السرير وبتبكي من قلة الحيلة والوجع، بصت لابنها وهو قاعد على الكرسي جنبه جردل المية والمسحة ووشه أسود من التعب والهم، وقالت له بصوت مرعوش ومكسور: “يا فلان.
. اتصل بـ شيماء.. اتصل بيها وخليها تسامحني.. الجرح اللي في جسمي والرقاد ده بسبب حوبتها وحوبة أهلها الغلابة اللي عيرتهم بالفقر.. أنا بقيت مش قادرة أرفع إيدي، والبيت اللي كنت خايفة عليه بقى قبر عليا!” جوزي بصلها بعيون مليانة حسرة وكسرة، وقال لها بصوت طالع بالعافية من وسط البكاء: “تسامحك على إيه ولا إيه يا أمي؟! على دمهما اللي سايح على السلم؟
ولا على كرامتها اللي هدرناها؟ ولا على ابني اللي كبر وما يعرفنيش ولما يشوفني يخاف مني ويجري على أمه؟! أنتِ دمرتيني ودمرتِ نفسك، وأختي اللي عملتِ كل ده عشانها سابتك ومشت!” تاني يوم الصبح، اتفاجئنا بباب بيت أبوي في الصعيد بيتخبط خبط هادي ومتوسل. أبوي فتح الباب، ولقى جوزي واقف، بس ما كانش الشخص الغيور ولا العزير بتاع زمان.
كان إنسان تاني خالص.. خاسس نص وزنه، دقنه طويلة ومطفية، هدومه دبلانة، وعينيه غرقانة دموع. أبوي وقف بثبات وقال له: “خير يا فلان؟ الرؤية مش النهاردة، الرؤية يوم الجمعة في مركز الشباب زي ما القاضي حكم.” جوزي نزل على ركبه قدام أبوي في الصالة، نزل على الأرض ودموعه نازلة على التراب، ومسك جزمة أبوي وهو بيبكي بصوت يقطع القلب: “يا حاج.. برضا الله عليك سامحني! أبوس إيدك ورجلك ارضى عني وسامحني!
” أبوي اتراجع خطوة لورا بصدمة، وأمي طلعت من المطبخ وهي ماسكة حمزة، وأنا طلعت وقفت جنب باب الأوضة، حاطة الشال على رأسي وببص له. جوزي لما شافني، زحف على ركبه ناحيتي وهو بيصرخ ويبكي: “شيماء! حقي عليا يا شيماء! اض.ربيني، اطرديني، اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه بس سامحيني! أنا ندمان على كل لحظة زعلتك فيها، ندمان على كل كلمة أمي قالتها وأنا سكت، ندمان على الساعة اللي سبتك تمشي فيها وأنتِ بتنزفي!
وحياة ابننا حمزة اللي من دمي ودمك، اديني فرصة أكون خدام تحت رجليكي أنتِ وابنك، أنا مستعد أسيب القاهرة وأجي أعيش هنا في الصعيد اشتغل في الفلاحة وأقعد تحت رجليكي بس ما تحرمينيش منكم!” بصيت له ودموع الندم مغرقة وشو، وشفته بيتقلب في النار اللي صنعها بأيده. الندم كان باين في كل عرق في وشو، وفي تراب الأرض اللي كان بيلثم بيه إيد أبوي. أبوي بص لي وقال لي بصوت هادي: “القرار قرارك يا بتي.
. ربنا بيسامح، بس القلوب اللي انكسرت أنتِ الوحيدة اللي عارفة دواها.” قربت خطوات هادية، حمزة كان ماسك في طرف جلابيتي وبيطلع رأس الصغير يبص لأبوه الخاضع على الأرض. جوزي مد إيده بترعش عشان يلمس رجل الولد، والولد خاف ورجع استخبى ورايا. بصيت لجوزي وقلت له بقلب وجيع بس صلب زي الجرانيت: “شفت الوجع يا فلان؟ شفت لما الشغل والنظافة والتراب يهد الحيل وأنت مش قادر تقف؟ أنت بتدوق دلوقتي قطرة واحدة من البحر اللي شربتهوني وأنا لسه مفتوحة ومربوطة بالشال في قطار الصعيد!
أمك ربنا يشفيها ويسامحها على اللي عملته فيا وفي أهلي، بس أنا…” جوزي بصلي بلهفة وأمل متوسل: “أنتِ إيه يا شيماء؟ قلبي هيقف من الخوف، قولي إنك هتسامحيني وهنرجع!” رفعت رأسي ودموعي نازلة بس نبرتي كانت أصلب من الزمان، وبصيت في عينيه المتوسلة وقُلت له: “أنا سامحتك لله يا فلان.. سامحتك عشان أطهر قلبي من المرار والغل، وعشان لما أبص لوجه ابني أكون صافية ونظيفة، وعشان ربنا يبارك لي في صحتي وفي عمري.
. لكن الرجوع؟ الرجوع بيني وبينك بقى أبعد من السماء عن الأرض!” جوزي اتنفض على الأرض وكأن كلمة “أبعد” دي كانت اتغرست في نص قلبه، صرخ بصوت شاحب ومبحوح: “ليه يا شيماء؟! ليه بعد ما ذليت نفسي وجيت لحد عندك وزحفت على ركبي؟ ليه وأنا بتقطع في اليوم ألف مرة وندمان على كل لحظة فرطت فيها فيكي؟ أنا مستعد ألغي شخصيتي القديمة كلها، أعيش تحت جزمتك، أقطع علاقتي بأي حد يضايقك، بس ما تحرمينيش منك ومن ابني!
” رديت عليه بهدوء قاتل، والهدوء ده كان أشري عليه من الزعيق: “عشان الثقة لما بتتدمر ما بترجعش يا ابن الناس.. المرء ممكن يسامح اللي جرحه، بس عمره ما يقدر يأمن له تاني. أنا يوم ما خرجت من بيتك الساعة خمسة الصبح وجرحي بينزف، ما خرجتش زعلانة من أمك.. أنا خرجت حزينة عليك أنت! على الراجل اللي اخترته وسندت رأسي عليه، ولما احتاجته يرمي عليا غطاه ويحميني من الدنيا، سابني أنزف وقالي ‘قومي عشان مش عايزين مشاكل!
’.. أنت بعتني برخيص، واللي يبيع برخيص، ما يشتريش تاني ولو بدفع عمره كله!” أبوي قرب منه ومسكه من تحت باطه رفعه من على الأرض بالعافية، جوزي كان جسمه زي الواير المقطوع، مش قادر يشيل نفسه من كثر الكسرة والندم. أبويا بص له وقال له بنبرة أصلية فيها رحمة الصعايدة بس بدون تنازل: “قوم يا بني.
أبويا بص له وقال له بنبرة أصلية فيها رحمة الصعايدة بس بدون تنازل: “قوم يا بني.. قوم وقف على حيلك، الرجال ما تتمرغش في التراب كدا. بتي قالت كلمتها، والقلب إذا زهد في الشيء خلاص ما يدخلوش تاني. أنت ليك عندنا أصل ونخوة، هتفضل تاخد واجبك وضيافتك كل ما تيجي، وابنك مش هنسرق منك ولا هنعلم عليه يكرهك، هتشوفه في أوقات الرؤية وهنكبره على إنك أبوه.
. لكن شيماء خلاص، خرجت من ذمتك وفي طريقها، وأنت في طريقك.” جوزي بقى يتلفت في الصالة زي المجنون، يادوب شايف من كثر الدموع اللي مغمية عينيه، يبص لي يلاقيني لافة ضهري، يبص لـ “حمزة” يلاقيه خايف من شكله ومستخبي في ح.ضن أمه، يبص لأبوي وأمي يلاقيهم واقفين بجمود وكرامة ما تتهزش. أمي دخلت المطبخ وجابت كوباية مية، مدتها له وهي بتقول له بقلب أم: “اشرب يا بني واهدا.
. ربنا أرحم منا جميعاً، أنت ذقت عقاب فعلك في الدنيا، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.. روح لأمك المريضة واخدمها، ده باب الجنة بتاعك دلوقتي، واعلم إن دعوة المظلوم ما بينها وبين الله حجاب.” أخد كوباية المية بإيدين بترعش، شرب منها بؤ واحد ورماها على الأرض اتكسرت مية حتة، وقعد يصرخ ويكلم نفسه: “أنا اللي خربت بيتي بإيدي! أنا اللي سمعت كلام الجهل والافتراء! أنا اللي حرمت نفسي من اللقمة الهنية والبيت الدافئ عشان خاطر تراب وشقة مقفولة!
يارتني قطعت لساني، يارتني دفنت نفسي ولا إني أقف الوقفة دي!” خرج من البيت وهو بيترنح في الشارع، ويمشي خطوات ويقع، والناس في الشارع الصعيدي يبصوا عليه ويتحسروا على حاله. رجع القاهرة، بس ما رجعش الشاب بتاع زمان.. رجع راجل عاجز، قلبه ميت، وجسمه بقى زي الخيال. في القاهرة، الحياة بقت بالنسبة له شغل شاق عشان يجيب ثمن العلاج والنفقة، ويرجع البيت يلقى أم صامتة عاجزة على السرير، بتبص للسقف وبتبكي بدون صوت من حسرتها على ابنها اللي اتدمر وعلى حياتها اللي انتهت بالمرض.
وبقى كل يوم جمعة، يركب القطر في نص الليل، ييجي الصعيد ويقعد الثلاث ساعات بتوع الرؤية في مركز الشباب، بس المرة دي ما بقاش ييجي يقعد بغرور أو غضب، كان بييجي يقعد ساكت، يلمس إيد حمزة ويتأمله، ويعيط في صمت. وفي يوم من أيام الرؤية، بعد ما حمزة كمل سنتين وبدأ يتكلم ويفهم، جوزي قاعد مع الولد، والولد بدأ يستجيب له شوية بشوية. جوزي بص لي وأنا واقفة بعيد، وطلع من جيبه ظرف أبيض وناداني بصوت مكسور: “شيماء.
. تعال يا شيماء، خدي الجواب ده.” قربت خطوتين وقُلت له: “جواب إيه ده؟” رد وهو بينزل عينيه في الأرض والندم بياكل ملامحه: “دي ورقة طلاقك يا شيماء.. أنا عرفت إنني لو فضلت معلقك هكون بظلمك تاني، وأنتِ ما تستاهليش إلا كل خير.. أنا دمرت حياتي بس مش هسيبك أذاكي أكتر من كده.
. أوراقك كلها هتجيلك للبيت بالمأذون، مع كل حقوقك والمؤخر والنفقة.” مسكت الظرف بإيدي، وبصيت له، لقيت عيونه مطفية تماماً، خالي من أي أمل، وكأنه سلم خلاص بعقابه الأبدي. وقبل ما يلف ويمشي، وقف ودور وشو لي وقال لي بنبرة تقطع القلب: “أنا طلقتك بقلمي، بس والله يا شيماء، عمرك ما هتروحي من قلبي، وهفضل أندم على اليوم اللي زعلتك فيه لحد ما أنزل القبر!
” مشى وسابني واقفة بالورقة في إيدي، حمزة مسك في إيدي وهو بيقول: “بابا عيط ومشى يا ماما!”.. سكت وبصيت للسماء وأنا حاسة إن صفحتي القديمة اتطوت بالكامل، بس الأيام كانت بتجهز لمرحلة جديدة خالص في حياتي وحياة ابني! مرت الأيام وتوالت السنين، والورقة اللي استلمتها في مركز الشباب كانت النهاية الرسمية لقصة مليانة بالوجع، بس كانت البداية الحقيقية لحياة جديدة بنيتها بعرق جبيني وكرامتي.
خرجت من تجربة زواجي وأنا فاهمة إن الضعف استسلام، وإن الست لما بتنداس كرامتها مالهاش غير سند نفسها وأهلها اللي صانوها. حمزة كبر وبقى يروح الروضة، ولد زي الفل، عينيه مليانة ذكاء وشقاوة، وكل ما يكبر كل ما يبهت أثره القديم في قلبي ويتحول لحب مطلق للطفل اللي بقى كل دنيتي. رجعت كملت دراستي المفتوحة اللي كنت وقفتها أيام الجواز، وبدأت أشتغل في حضانة خاصة في البلد، ومنها لتفصيل وتطريز الهدوم اللي تعلمته من أمي.
بقيت أعمل قرشي بأيدي، ومرفوعة الراس، لا مستنية نفقة تتأخر ولا منّة من حد. أبوي كان يبص لي وأنا قاعدة على ماكينة الخياطة في الليل والولد نايم جنبي، ويقول لي وهو بيعدل شاله: “الله يرضى عليكِ يا بتي، رفعتي رأسنا وصنتي نفسك، والقرش اللي ييجي بعرقك هو اللي فيه البركة.
” في الناحية التانية، كان الليل ما بيمشيش على القاهرة. جوزي السابق -اللي بقى بالنسبة لي مجرد ذكرى بعيدة- كان عايش في القاع اللي صنعته أمه بأيدها. الشقة الكبيرة اللي كانت سبب الفتنة بقت زنزانة متأخرة. أمه كبرت في المرض، الجلطة تمكنت من نص جسمها التاني، وبقت طريحة السرير، لا بتقدر تتكلم كلام مفهوم ولا تتحرك. كانت تقضي اليوم كله بتبص للسقف ودموعها نازلة، وكل ما تدور عينها في الأوضة وتشوف التراب والمكان المكركب، تفتكر النهار اللي وقفت فيه في وسط الأوضة وقالت لي: “أنزل نضفي شقة أختك ومينفعش تنزل تلاقيها كده وأنتِ موجودة زي القضاء والقدر!
” أخته اللي في السعودية، الموقف بينها وبين أخوها وصل لطريق مسدود. لما طالبت بحقها في الشقة أو إنها تجيب أثاثها، أخوها اتخانق معاها في التليفون وصوتهم جاب آخر الشارع، قال لها بصوت مليان مرار: “أنتِ جاية تدوري على شقة وأثاث؟ أمك ميتة بالبطيء في السرير وأنا ضيعت بيتي ومراتي وابني بسبب إجازتك وبسبب النظافة اللي كنتِ عايزاها! العيب مش عليكِ، العيب على اللي سمع كلامكم ودمر حياته!” ومن يومها، قطعت أخته الاتصال تماماً، وبقت المادة والفلوس هي اللي حاطة السور بين الأخ وأخته اللي ضحى بعائلته عشانها.
في يوم جمعة شديد الشتاء، المطر كان بينزل في الصعيد كأنه بيغسل الأرض. كنت قاعدة في بيت أبوي بنعمل شاي دافئ على الكانون، وبنضحك مع حمزة وهو بيلعب. الباب اتخبط، ولما فتحنا لقينا المحامي بتاعنا واقف، ولابس معطفه ومبلول من المطر. دخل المحامي ورحب بيه أبوي، وقال له: “خير يا أستاذ؟ في حاجة جديدة في النفقة ولا القضايا؟” المحامي قعد وأخد كاس الشاي وقال بنبرة فيها ثقل: “لا يا حاج، النفقة بتنزل في موعدها وما فيش قضايا.
. أنا جاي أبلغكم بحاجة تانية تخص أبو حمزة.” أنا وقفت وسكت، وأبوي بص للمحامي وقال له: “خير؟ حصل له حاجة؟” المحامي كمل وقال: “أبو حمزة اتصل بيا البارحة بالليل.. كان بيبكي بكاء مرير، وطلب مني أقول لشيماء إن أمه اتوفت البارحة بالليل بعد صراع طويل مع المرض.” السكون خيم على الأوضة. أمي حطت إيدها على بؤها وقالت: “إنا لله وإنا إليه راجعون.
وطلب مني أمانة أقولها لك يا شيماء.” بصيت للمحامي وقُلت له بثبات: “أمانة إيه يا أستاذ؟” المحامي طلع الورقة اللي كتب فيها كلامه وقال: “بيقول لك: ‘أمي راحت لمولاها، والذنب اللي في رقبتي ورقبتها مش قادر أشيله لوحدي. أنا مسامح في كل حاجة، وبترجاكي من كل قلبي تدعي لها بالرحمة، وتسامحيها على كلمة الفقر والتعييرة اللي قالتها لأهلك، عشان هي راحت للحي القيوم اللي ما بياخدش عنده إلا الحق.
. وأنا أستاهل كل اللي يجرى لي، بس طمني قلبي إنك مش شايلة في قلبك منها بعد ما راحت لدراها’.” الدموع نزلت من عيني صامتة.. مش حزناً على أمه، ولا ندم على فراقه، لكن على الدنيا الرخيصة اللي الناس بتبني فيها أوهام من الكبر والغرور، وفي الآخر بيخرجوا منها بحتة قماش بيضاء وما بيفضلش غير الأثر والتسامح. أبوي رفّع راسه وقال بوقار أهل الصعيد: “الميت راحت لمولاها يا أستاذ، وما يلتجئش عليها غير الرحمة.
. ربنا يسامحها ويغفر لها ويغفر لنا جميعاً. قل له يا أستاذ إننا مسامحين لوجه الله، والذنب اللي كان بيننا وبينها انطوى بوفاتها.” المحامي هز رأسه احتراماً وقال: “الله ينور عليك يا حاج، ده أصلكم.. بس أبو حمزة كمان قال إنه من الجمعة الجاية مش هيقدر ييجي الرؤية لعدة أسابيع، لأنه بيمر بظروف صحية ونفسية صعبة جداً، ونقول لـ حمزة إن أبوه مسافر شغل عشان ما يزعلش.
” بعد ما مشي المحامي، قعدت على الخياطة ثاني، مسكت قماش الرضيع اللي كنت بنضفه لحمزة، وبصيت للولد وهو نايم في ح.ضن أمي. حسيت إن الأيام أثبتت لي إن الحق ما ، وإن ربنا ما بيكسرش خاطر مظلوم. أمه راحت لدار الحق، وهو بقى عايش في دار الباطل اللي بناها بأيده، بيت فاضي، مهجورة كلها تراب وذكريات توجع القلب، وأخت بايعة، وابن بيشوفه بساعات ومستندات. مرت شهور على وفاة أمه، وجاء يوم الجمعة اللي قال المحامي إن أبو حمزة هيرجع فيه للرؤية بعد غياب. أخدت الولد ورُحت مركز الشباب.. كنت متوقعة أشوف راجل حزين، بس اللي شفته في اليوم ده على باب مركز الشباب خلى قلبي يتنفض من الذهول!
بعد ولاتى حكايات رومانى مكرم 4
وقفت على باب مركز الشباب والرجلين بتتخشب تحت مني، والولد ماسك في صوابعي بقوة وهو بيستكشف المكان بعينيه. الراجل اللي كان قاعد على البنش الخشبي وتحت شمس الظهرية ما كانش الشاب اللي عرفته ولا حتى الزوج المكسور اللي شفته من شهور.. كان عبارة عن خيال راجل، شبح انكمشت ملامحه وضهر انحنى كأنه شايل جبل فوق كتافه. شعر رأسه كان أبيض بالكامل زي القطن، وش المليان قسوة وكبرياء زمان بقى عبارة عن تجاعيد غائرة وجلد مشدود على العظم.
كان لابس بدلة قديمة ومبهدلة، وكأنه نسي الحياة ونفسه من يوم ما دفن أمه وقفل على نفسه باب المهجورة. أول ما شافنا داخلين من باب السور، حاول يقوم يستقبلنا، بس رجله خانته وقعد تاني بسرعة على البنش، ونفسه طالع بعافية كأنه طالع جبل. مد إيده البترعش ببطء شديد ونادى على الولد بصوت بحوح ومكتوم: “حمزة.. تعالى يا بني.. تعالى يا حبيب أباك.
” الولد بص لي الأول يستأذن بعينيه، ولما هزيت له رأسي بالراحة، أخد خطوات خايفة وقرب منه. أبو حمزة مسك إيد الولد الصغير وحطها على وشو وشعره الأبيض، وبدأ يبكي بصوت صامت، دموع نازلة تقطر على أطراف صوابع الطفل. الولد ما خافش المرة دي، بل رفع إيده الصغيرة ومسح دموع أبوه وقال له ببراءة الأطفال: “أنت بتعيط ليه يا بابا؟
هي تيتة راحت عند ربنا خلاص؟” الكلمة دي قطعت ما تبقى من قلب الراجل، ضم الولد لصدره بلهفة وبكاء مسموع خلى عمال مركز الشباب وأمين الشرطة يبصوا عليه بألم وشفق. فضلت واقفة بعيد، ساكتة، ببص للرسمة اللي رسمتها الأيام.. الرسمة اللي أثبتت إن الدنيا كاس وكل واحد بيشرب منه على قدر أفعاله. بعد ما هدي شوية، أخرج من جيبه كيس بلاستيك صغير، فيه شوية حلوى ولعبة صغيرة شاريها من السكة، واداهم للولد.
ولما الولد انشغل باللعبة، رفع عينيه المطفيين وبص لي، وقال بنبرة مكسورة ومستسلمة تماماً: “ازيك يا شيماء.. يا رب تكوني بخير أنتِ والحاج والأم.” رديت بوقار وهدوء: “الحمد لله يا ابن الناس، كلنا بخير ونعمة من ربنا.” تنهد تنهيدة طالعة من قاع صدره وقال: “أنا جاي النهاردة مش بس عشان أشوف حمزة.. أنا جاي أسلم عليه وعليكي، لأني ماشية يا شيماء.. سايب القاهرة كلها وماشي.” بصيت له باستغراب وقُلت: “ماشي رايح فين؟
” ابتسم ابتسامة مكسورة مليانة حزن وقساوة وقال: “بعت الشقة.. الشقة اللي كانت سبب خراب بيتي، والتي كانت أمي -الله يرحمها- عايزاكي تنزلي تنضفيها وجرحك ناضح دم.. بعتها برخيص يا شيماء، بعتها عشان مش قادر أدخلها ولا أتنفس فيها. كل ركن فيها كان بيصرخ في وشي بصوتك وصوت عياطك، وكل شبر تراب فيها كان بيذكرني بقسوتي وذنبي.. بعتها وسددت باقي ديوني، وباقي القرشين حطيت نصهم في حساب البنك باسم حمزة، يتربى بيهم ويكبر، والنص التاني أخدت بيه أوضة صغيرة بالإيجار في إحدى قرى طنطا، هقعد هناك أشتغل في مصنع غزل وصوف، بعيد عن الناس وبعيد عن الذكريات اللي بتق.
تلني كل ليلة.” سكت شوية، والدموع رجعت تلمع في عينيه وكمل: “أختي في السعودية عرفت إني بعت الشقة، اتصلت بي تصرخ وتطالب بنصيبها، وقالت لي كلام أقسى من الرمح.. سيبت لها الفلوس في البنك وقلت لها خدي حقك وابعدي عني.. أنا أختي باعتني عشان قرشين، وأمي راحت، ومراتي وابني ضاعوا مني بسبب طمعنا وقسوتنا.. أنا بقيت في الدنيا دي طريد، ماليش أصل ولا سكن ولا ونيس غير ذنبي.
. سيبت لها الفلوس في البنك وقلت لها خدي حقك وابعدي عني.. أنا أختي باعتني عشان قرشين، وأمي راحت، ومراتي وابني ضاعوا مني بسبب طمعنا وقسوتنا.. أنا بقيت في الدنيا دي طريد، ماليش أصل ولا سكن ولا ونيس غير ذنبي.” الكلام كان ب ينزل زي المطر الثقيل، وقفت مش عارفة أقول إيه. القسوة اللي جربتها منه زمان تلاشت، وحل مكانها الشفقة على إنسان دمر حياته بيده.
قرب خطوة من السور وقالي بتوسل: “أنا مش هقدر أجي الصعيد كل أسبوع زي الأول يا شيماء.. الصحة راحت والقلب اتعطب.. هجي مرة واحدة في الشهر أشوف حمزة ساعتين وأمشي.. وبترجاكي، لو جرى لي حاجة في الغربة دي، ما تخليش حمزة يكرهني.. قوليلو أبوه كان عبيط وقاسي وركب رأسه لحد ما خرب بيته، بس كان بيحبك وكان ندمان لحد آخر نفس في حياته.” أبوي كان جاي من بعيد عشان ياخدنا، وقف وشاف المنظر، سمع أواخر الكلام.
قرب من أبو حمزة، وحط إيده على كتفه بوقار وحنان الأب الصعيدي، وقال له: “استعيذ بالله يا بني.. ربنا غفور رحيم، وأنت ذقت عقابك ودقت المرار، والمسامحة من شيم الكرام.. روح في طريقك وربنا يصلح حالك، وابنك في حفظ الله ورعايته، هيربى على الأصول والدين، وعمره ما هيسمع منا كلمة واحدة تعيبه في أبوه.” أبو حمزة انحنى وباس إيد أبوي بحرارة، وبص لي بآخر نظرة رجاء ووداع، ونزل باث رأس حمزة وقال له: “خلي بالك من أمك يا حمزة.
. أمك جوهرة أنت ما تعرفش قيمتها، حطها في عينيك واستقوى بيها.” لف ضهره ومشي بخطوات بطيئة، ضهره محني وشعره الأبيض يبان من تحت الكاب اللي لابسه، واختفى في زحمة الشارع الرئيسي. رجعت البيت وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على قلبي انزاح بالكامل، بس الأيام ما كانتش لسه قفلت الستار، لأن بعد مرور سنة كاملة على سفر أبو حمزة وانقطاع أخباره، وصل لبيتنا في الصعيد جواب مكتوب بالإيد، جاي من مستشفى حكيمي في طنطا!
استلمت أمي الجواب من إيد ساعي البريد، الجواب كان أصفر ومكرمش، مكتوب عليه بخط مرعوش وركيك اسم أبوي والعنوان بالتفصيل، وفي أقصى الظرف من فوق ختم مستشفى طنطا العام. أمي إيدها كانت بترعش وهي بتمسك الظرف، ونادت عليّ بصوت خايف: “يا شيماء.. تعالي يا بتي شوف الجواب ده، ده جاي من طنطا من الناحية اللي راحها أبو حمزة!” طلعت من الأوضة وأنا مسكة المقصة والمتر بتاع الخياطة، قلبي اتفض في صدري أول ما شفت اسم المستشفى.
أبوي كان قاعد في حوش البيت بيصلح في الفأس، حط الفأس على جنب، وعدل نظارته، وأخد الجواب من إيدي ببطء شديد. فتح الظرف بحذر، وطلع الورقة المكتوبة بخط طبيب أو ممرض، وبدأ يقرأ بصوت واطي وأمي وأنا واقفين على أعصابنا. الجواب كان نصه كالتالي: “إلى السيد المحترم والد السيدة شيماء.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نُحيطكم علماً بأن المريض (فلان) يرقد لدينا في قسم الباطنة بالمستشفى العام بطنطا في حالة صحية حجة جداً، إثر إزاداد وتدهور حالته بمرض التليف الكبدي والفشل الكلوي.
المريض يرفض العلاج، ولا يوجد بجانبه أي مرافق أو أحد من أقاربه، وهو في ساعات حارجة من عمره، ولا يتوقف عن المناداة باسم ابنه ‘حمزة’ وطلب العفو من زوجته السابقة ‘شيماء’. نرجو حضوركم أو إبلاغ من يهمه الأمر للضرورة القصوى قبل فوات الأوان.” أمي حطت إيدها على صدري وصدرها وبدأت تبكي: “يا مري يا بني! الداهية اللي طاح فيها دي كلها وهو لوحده في الغربة؟
الداهية اللي طاح فيها دي كلها وهو لوحده في الغربة؟ لا حبيب ولا قريب جنبه؟” أبوي قفل الجواب وطواه ببطء، بص لي بعيون مليانة وقار وحكمة، وقال لي بصوت صلب هادي: “سمعتِ الجواب يا بتي؟ الأيام دارت، والراجل بين إيدين الكريّم.. لا هينفعه ندم ولا هينفعنا قسوة. القلوب لو ما لانتش في لحظات المو.ت، يبقى ما فيهاش رحمة ربنا.
” قعدت على الدكة وأنا جسمي كله بيتكتك. افتكرت كل حاجة.. افتكرت النهار اللي كنت واقفة فيه بتسند على الحيطة وأنا جرح القيصرية ناضح دم، وهو بيبص لي بقلة حيلة وبيقول لي “قومي نضفي شقة أختي ومش عايزين مشاكل”. افتكرت أمه وهي بترميني بالفقر، وافتكرت القطر السريع اللي ركبته في نص الليل بدموعي ونزيفي.
. وافتكرت كمان منظره وهو زاحف على ركبتيه في صالتنا، وشعره اللي ابيض، وجسمه اللي اتنحل، والدموع اللي غسلت وشو في مركز الشباب. بصيت لأبوي وقُلت له بصوت مخنوق: “أنا سامحته لله يا أبوي من زمان.. بس أروح له؟ أروح أعمل إيه بعد السنين دي كلها؟” أبوي قام وقف، وعدل الشال على كتافه وقال بقاطعية الصعايدة: “تروحي يا بتي.. تروحي وتاخدي حمزة معاكي، عشان الولد يشوف أبوه للمرة الأخيرة، وعشان ما يجيش يوم ويقول أمي حرمتني من شوفة أبوي وهو بيمو.
ت. ونحن ناس عندنا أصل، لما الخصم يقع ويستسلم للمو.ت، النخوة بتقول نحضر ونستر ونشيل.” سافرنا في نفس الليلة. أخدنا قطار الليل المتجه لشمال مصر. الطريق كان طويل ومظلم، صوت عجيب القطر على القضبان كان بيض.رب في دماغي ويرجع لي شريط سنين طويلة من العذاب والانتصار والكرامة. حمزة كان نايم في ح.ضني، بقى ولد عنده أربع سنين، يفهم ويعرف، وكل شوية يصحى يسألني: “إحنا رايحين فين يا ماما؟
” وأنا أرد عليه وأمسح على شعره: “رايحين نشوف بابا يا حبيبي، بابا تعبان شوية ولازم نطمن عليه.” وصلنا مستشفى طنطا العام مع أول شعاع شمس للنهار الجديد. الريحة في العنبر كانت ريحة المظهرات والأدوية والهم. مشينا في الطرقات الطويلة، أبوي ماشية بثبات وفي إيده العكاز، وأنا ماشية جنبه شايلة حمزة أو ماسكة إيده. دخلنا العنبر المجاني.. كان عنبر كبير فيه عشرات الأسرة المتراصة، كل سرير عليه إنسان بينتظر مصيره. سألنا الممرضة، شاورت لنا على سرير في أخر العنبر جنب الشباك.
قربنا بخطوات بطيئة.. السرير كان عليه جسم نحيل جداً، غاطس تحت الملاءة البيضاء الدبلانة. خراطيم الأكسجين والمحاليل متوصلة بجسمه، ووشه شاحب زي لون الرماد، شفايفه ناشفة ومشققة، وعينيه مقفولة بصعوبة، ونفسه طالع ونازل بصوت حشرجة مرعبة. أبوي قرب منه بالراحة، وحط إيده الدافية على كتفه ونادى بصوت واطي: “يا فلان.. يا بني.. وحد الله.” الراجل فتح عينيه ببطء شديد، العينين كانت زجاجية ومطفية تماماً. بدأ يحرك حدقة عينه في الصالة ببطء لحد ما وقعت عليا وعلى حمزة وعلى أبوي.
لأول وهلة، افتكر نفسه بيحلم، أو إن دي تهيؤات سكرات المو.ت. حاول يرفع إيده البترعش عشان يلمس الهوا، بس الإيد كانت تقيلة ومش شايلاه. طلعت من حنجرته بحة صلبة ومكسورة: “حـ… حاج؟ شيماء؟ أنتِ هنا يا شيماء؟ ولا أنا بقيت في الآخرة خلاص؟” قربت خطوات من أطراف السرير، حطيت إيد حمزة على حرف الملاءة، وقُلت له بصوت هادي: “إحنا هنا يا فلان.
الراجل مسك إيد أبوي وشبّك فيها بإيدين ضعيفة، وقال وهو بيتخنق بالدموع: “سامحني يا حاج.. سامحني بالله عليك! أنا ظلمت بتك الشريفة العفيفة، وعيرتكم بفقركم الشريف، وربنا أخد حقكم مني في صحتي ومالي ونسلي! أنا هقابل ربنا كمان شوية يا حاج، ومش قادر أقابله وأنا شايل الذنب ده!” أبوي بص له بعين فيها رحمة الصعايدة وعزة نفوسهم، وقال له: “مسامحينك يا بني لله والوطن.
. المسامحة تمت من يوم ما زحفت على ركبتك وجيت بيت أبوي. الميتين راحت لمولاها، وأنت بين إيدين رحيم كريم. اطمن ورّيح بالك، سرك وسر بيتك مستور، وابنك في حمايتي وحماية أمه.” هنا، الراجل دور وشو ناحيتي، بص لي بنظرة رجاء واسترحام عمرها ما تترسم في عين إنسان حي إلا وهو بيفارق، وقال بصوت بيتقطع مع النَفَس: “شيماء.. ابني يا شيماء.. حمزة! خليه يقرب مني.. خليه يلمسني قبل ما أمشي.” شلت حمزة وقربته من السرير.
الولد لما شاف أبوه بالشكل ده، عينيه اتملت دموع وهرش في رقبتي خايف، بس قُلت له بحنية: “ما تخافش يا حمزة.. ده بابا، سلم على بابا وقبل إيده.” الولد مد إيده الصغيرة، وباس رأس أبوه الأبيض والشاحب. أبو حمزة أخد كف الولد الصغير وحطه على قلبه اللي كان بيلفز أنفاسه الأخيرة، وبقى يشده لصدره وهو بيستنشق ريحة الولد كأنه بياخد زاد للطريق الطويل.
قال وهو بيحشرج: “يا حمزة.. يا بني، أوعى تظلم حد في حياتك.. أوعى تجور على ست أو تبيع اللي صانتك عشان خاطر حد! أمك دي تاج على رأسك، شيلها في عينيك وحافط عليها.. أنا ضيعت الجنة اللي كانت في إيدي عشان خاطر الكبر والافتراء!” ثم بص لي وقال آخر كلمات تطلع من لسانه: “سامحيني يا شيماء.. سامحي أمي.
. قوليلها فلان مات وهو بيطلب منك العفو.. ادعي لي يا شيماء.. ادعي لي بالرحمة.” بدأ جسمه يترعش، والعينين اترفت لفوق، ونبضه على الشاشة الصغيرة جنب السرير بدأ يقل ويقل، لحد ما صدرت منه تنهيدة طويلة وعميقة.. وخرجت روحه لبارئها، وإيده لسه ماسكة في طرف جلابيتي وفي إيد حمزة. الدكتور أسرع وغطى وشو بالملاءة البيضاء. العنبر خيم عليه سكون تام. أبوي وقف وصلى على النبي، وأخد نفس عميق وقال: “إنا لله وإنا إليه راجعون.
. طاب مقامك يا بني، وربنا يغفر لك ويجعل مرضك وندمك كفارة لذنوبك.” أنا ما بكتش بكاء جزع.. بكت دموع هادية، دموع النواية القاسية اللي انطوت. بصيت للجثة المتغطية بالملاءة البيضاء، وافتكرت النهار اللي أمه قالت لي فيه: “الشغل ما بيمو.تش ومش هتتكسر رقبتك في يوم!”.. الشغل فعلاً ما بيمو.تش يا حماتي، بس القسوة والظلم والافتراء هما اللي بيمو.توا القلب والجسد وبيخربوا البيوت وعمرهم ما بيسيبوا صاحبهم إلا وهو في القاع!
أبوي وقف زي الجبل، وقال للممرضين: “الراجل ده إحنا اللي هنغسله ونكفنه ونشيع جنازته.. ده أب ولدنا، وإحنا أصحاب أصل ومكرمة.” خرجنا من المستشفى، وأبوي تكفل بكل مصاريف الغسل والتكفين والدفن، ونقلنا جثمانه للصعيد عشان يتدفن في مقابر بلدنا، جنب ناسنا وأهلنا، عشان ابنه يعرف يقرا له الفاتحة كل جمعة ويترحم عليه. يوم الجنازة، الصعيد كله خرج يشيعه احتراماً لأبوي ولكرامتنا. مشي القفص الخشبي وشايلين الرجال على الكتاف، وأنا واقفة في شباك بيتنا البسيط، شايلة حمزة لابسة الأسود، ببص للجنازة وهي ماشية في شوارع البلد اللي هربت ليها زمان بدمي وكسرتي.
” مرت شهور على الدفنة، والحياة رجعت لمجراها. الشقة اللي في القاهرة اتقفلت وأتباعت، والأخت اللي في السعودية ما كلفتش خاطرها تنزل تحضر جنازة أخوها أو تسأل عن ابن أخوها، والفلوس اللي صارعوا عليها أكلتها الغربة والمحاكم. أما أنا، ففتحت مشغل صغير في البلد لتفصيل الهدوم، كبرت شغلي بفضل الله وعرق جبيني، وبقى عندي بنات في البلد بيتعلموا مني التفصيل والعزة. حمزة كبر وبقى يدخل المدرسة، ولد بار بأمه وجده، مرفوع الراس، كل الناس في البلد بتحفه وبتحترمه عشان شافوا أمه إزاي وقفت وصانت كرامتها وحمت ابنها.
وفي ليلة من ليالي الجمعة، بعد ما حمزة نام، قعدت على ماكينة الخياطة، بصلت للشباك المفتوح وللهواء الصعيدي الشديد النقي وهو بيدخل الأوضة. افتكرت الشقة المقفولة اللي كلها تراب، وافتكرت القيصرية وجرحها اللي طاب وما بقاش منه غير خط صغير أبيض على بطني.. خط بيذكرني دائماً إن الجروح الجسدية بتطيب، وإن الحق ما بيمو.تش، وإن المرأة اللي بتستقوى بالله وبأهلها وكرامتها، عمر ما في قوة في الأرض تقدر تكسرها!
بس الأيام ما كانتش لسه خلصت روايتها كلياً.. فبعد سنتين من وفاة أبو حمزة، وبعد ما حمزة بقى في الابتدائي، جالي للبيت محضر جديد من القاهرة، بس المرة دي الجواب ما كانش قضية ولا نفقة.. الجواب كان من محامي خبير بالتركات والمواريث، بيبلاغنا بمفاجأة كبيرة سابها أبو حمزة قبل ما يمو.ت! أُغمضت عيناي لثوانٍ وأنا ماسكة الجواب في إيدي، ونبضات قلبي بتسابق بعضها.
أبوي عدل قعدته على الدكة، وحمزة ساب كتب المدرسة وقرب وقف جنب مني يبص للورقة الرسمية المختومة بالختم النسر. فتحت الجواب وقرأت كلماته بصوت مرتفع قدام أبوي وأمي: “إلى السيدة شيماء.. نُحيطكم علماً بصفتم الأوصياء على القاصر ‘حمزة’؛ بأنه بموجب العقد والوصية المسجلة بالشهر العقاري باسم المتوفى (فلان)، فقد قام قبل وفاته بتخصيص كافة مستحقاته من بيع شقته بالقاهرة، بالإضافة إلى قطعة أرض زراعية صغيرة كان يمتلكها ورثاً عن أبيه ولم يعلم عنها أحد، وتسجيلها بالكامل كتابةً وبيعاً ووصيةً باسم ابنه الوحيد ‘حمزة’، على أن تكون الحضانة والإدارة المالية والإشراف التام والتصرف مطلقاً للأم السيدة شيماء، بصفتها الولي الطبيعي والأمين الوحيد على حياته وماله، ولا يحق لأي وارث آخر الطعن أو التدخل.
” أمي رفعت إيدها للسماء وبكت بدموع الفرحة وهي بتقول: “سبحانك يا رب! يمهل ولا يهمل.. من بعد ما كانوا عايزين يرموكي في الشارع بعيلك ويحرموكي من اللقمة، ربنا جعل حق ولدك يجيلك لحد عندك برغبة اللي ظلموكي!” أبوي مسح على لحيته وقال بنبرة مليانة هيبة ووقار: “ده مش مال يا بتي.. ده العوض! ربنا أجرى على لسان الراجل قبل ما يمو.ت إنه يعترف بالحق، ويأمن ولدك عشان ما يحتاجش لحد، وعشان يعلم إن القرش اللي كان فاكر إنه هيذل بيه أهلنا، بقى تحت إيدك أنتِ تديري بيه مستقبل ولدك.
” في نفس الأسبوع، اتصلت أخته من السعودية لما عرفت ببيع الأرض والتخصيص، حاولت تصرخ وتتكلم عن الميراث والشرع وتطالب بنصيب، بس المحامي رد عليها بكلمة واحدة قاطعة: “أخوكي كتب كل حاجة لابنه في حياته، وحرم الكل ببيع رسمي، والقانون والشريعة بيحموا حق القاصر وأمه الأمينة عليه.. مالكيش مليم واحد هنا.” قفلت السكة وهي بتجر أذيال الخيبة والندم، بعد ما خسرت أخوها، وأمها، وأهلها، وما طالتش من الدنيا غير الغربة والقطيعة.
” في نفس الأسبوع، اتصلت أخته من السعودية لما عرفت ببيع الأرض والتخصيص، حاولت تصرخ وتتكلم عن الميراث والشرع وتطالب بنصيب، بس المحامي رد عليها بكلمة واحدة قاطعة: “أخوكي كتب كل حاجة لابنه في حياته، وحرم الكل ببيع رسمي، والقانون والشريعة بيحموا حق القاصر وأمه الأمينة عليه.. مالكيش مليم واحد هنا.” قفلت السكة وهي بتجر أذيال الخيبة والندم، بعد ما خسرت أخوها، وأمها، وأهلها، وما طالتش من الدنيا غير الغربة والقطيعة.
مرت السنين وتوالت، وبفضل الله ثم بالعوض اللي أخدناه، صنت الأمانة. حطيت الفلوس في مشروعي، كبرت مشغل الخياطة وبقى مصنع صغير في الصعيد بيشغل العشرات من البنات والأرامل والغلابة، وبقيت أعمل الخير وأطعم المساكين ثواباً لوجه الله، وعشان يبارك لي في حمزة. حمزة كبر وبقى شاب زي الورد، طول بعرض، ملامحه مليانة شهامة ونخوة الصعايدة، دخل كلية الطب ورفع رأسي ورأس أبوي في البلد كلها.
في يوم تخرجه، وقف على المنصة قدام الأساتذة والطلاب، ولما نادوا على اسمه عشان يستلم شهادته، أخد المايك، وبص لي وأنا قاعدة في أول صف بلبسي الأسود الشريف وشالي الصعيدي، وقال بصوت هز القاعة: “الإهداء ده مش ليا.. الإهداء ده لأمي! الست اللي شالتني على في نص الليل.. الست اللي صانت كرامتي وكرامة أهلها، وعلمتني إن الراجل الحقيقي مش اللي بيفرض قوته على الستات، لكن الراجل هو اللي بيحمي بيته ويصون كرامة مراته وأهله!
” القاعة كلها وقفت تصفق، وأبوي كان قاعد جنبي يمسح دموع الفخر بكتان شاله، وأنا حسيت في اللحظة دي إن كل نقطة دم نزلت من جرح القيصرية زمان، وكل دمعة بكيتها في قطار الصعيد، ربنا عوضني عنها بجبل من العزة والكرامة والرفع. الحكمة: الحياة تدور، والظلم ليل مهما طال فلا بد لجرائم القسوة أن ترتد على أصحابها.
ليس القوة في البطش ولا في كثرة المال، بل القوة في الكرامة والاستغناء بالله. من يبيع أقرب الناس إليه ليُرضي كبرياء غيره، يُساق إلى القاع بفعله؛ ومن يصبر على الظلم متمسكاً بعزته، يرفع الله قدره ويجعل العاقبة بين يديه. الشغل والألم لا يكسران ظهراً، لكن هوان النفس وكسر الكرامة هما المو.ت الحقيقي.. والعدل الإلهي قد يتأخر، لكنه دائماً يأتي منصفاً كاملاً لا ينقص منه مثقال ذرة.


تعليقات
إرسال تعليق