القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت مركز تعليمى أماني سيد 



مركز تعليمى

انا مدرسه انجليزي وليه اسم وبشتغل دروس وربنا كرمنى واشتريت شقه جمب شقتى وفتحتها مركز صغير مكنش بيفرق معايا فلوس جوزى او شغله وكنت شايله البيت من كل حاجه وانا جايه من المدرسة كنت اجيب  الطلبات اللى محتجاها وانا جايه معايا واجهز الأكل واخلص اروح المركز وولادى معايا فى يوم اتعرض عليه من زميلتى اننا نشترى مركز تعليمى جاهز وكبير وندخل شركاء بالنص وقتها وافقت وقررت ابيع الشقه لكن الفلوس قصرت معايا فى ٥٠ الف جنيه وقتها قولت استلفهم من جمال فعلاً اليوم ده خلصت كل حاجه بدرى واتفقت مع الراجل واديته العربون انا وزميلتى وروحت البيت حضرت العشا واستنيت جوزى لما يرجع بليل من شغله دخل جوزى وقعد وهو بياكل طلبت منهوشرحت له إنها فرصة عمري وإن المركز ده هينقلنا في حتة تانية خالص، وإن الفلوس دي دين في رقبتي هرده أول ما المركز الجديد يشتغل ويجيب مصاريفه.


جمال ساب المعلقة من إيده وبصلي بنظرة غريبة مكنتش فاهماها، لا هي غضب ولا هي رفض، كانت نظرة استعلاء باردة كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين. مسح بؤه على مهل وقال لي: «والله يا هناء؟ هو انتِ افتكرتي فجأة إن ليكي جوز ترجعي له؟ طول السنين اللي فاتت وانتي عايشة دور الراجل والست، بتدفعي وتشتري وتجهزي ولا كأنك متجوزة، وجاية دلوقتي تفتكريني في خمسين ألف جنيه؟


»الكلام نزل عليا زي المية الساقعة، حاولت ألطف الجو وقولت له إن عمري ما قصدت أقلل منه وإن شيلتي للبيت كانت عشان نخفف عن بعض، بس هو كان باين مبيت النية. قالي بكل برود: «أنا معايا المبلغ، ومش هسلفهولك.. هدخل بيه شريك، بس المركز والورق يتكتبوا باسمي أنا».حسيت إن الأرض بتلف بيا. فلوس شقتي وشقايا سنين وتعب مدرستي وعيالي اللي بيتربوا في مراكز الدروس، عايز يطير نصه بجرة قلم ويبقى المركز كله باسمه هو قصاد مبلغ صغير أنا شيلت أضعافه في البيت ومصاريف الأولاد.


لما رفضت وبدأت أعيط، وقف وقال لي بمنتهى القسوة: «يبقى مفيش مليم هيطلع، وخلي بقى شطارتك تنفعك، واعرفي إن كل اللي بنيتيه ممكن يتهد لو مسمعتيش كلامي».وقتها حسيت أن كل تعبى معاه راح فى الهوا وبدأت اراجع نفسى مصاريف البيت والولاد حتى لبسهم خروجاتهم كل حاجه انا بجبها وقت ما جددت البيت برضوا انا اللى جبت كل حاجه سالت نفسى هو دوره ايه فى حياتى دخلت الاوضه اللى قاعد فيها مره تانيه بس اللى سمعته صدمنى صدمه عمرى سحبت إيدي من على أكرة الباب بالراحة، ورجعت خطوتين لورا على طراطيف صوابعي من غير ما أعمل أي صوت.


النار اللي كانت قايدة في صدري انطفت، وحل مكانها تلج وبرود عمري ما حسيته قبل كده. المواجهة في اللحظة دي كانت هتبقى غباء، وعتاب زي ده مكنش هيجيب غير مبررات رخيصة وصوت عالي ملوش لازمة، وأنا كان لازم أرد عليه في الحتة اللي توجعه بجد: شغله وكيانه اللي فاكر إنه يقدر يهدني بيه.تاني يوم الصبح، نزلت المدرسة كأن مفيش أي حاجة حصلت. مروحتش السنتر القديم، قعدت مع تلاتة من زمايلي المقربين، مدرسين ليهم وزنهم في المنطقة وناس ولاد أصول، حكيتلهم إني محتاجة أعمل جمعية سريعة ومحتاجة أقبضها أول اسم عشان ألحق فرصة شرا المركز الجديد قبل ما العربون يروح.


من محبتهم وثقتهم فيا، وافقوا في ساعتها ولموا المبلغ، وفي نفس اليوم العصر كنت مكملة الخمسين ألف جنيه، وروحت أنا وزميلتي قفلنا العقد واستلمنا المركز الكبير بكل تجهيزاته: شاشات سمارت، تكيفات، قاعات واسعة تساع مئات الطلاب، وديكورات مجهزة على أعلى مستوى.من اللحظة دي، بدأت الخطة اللي هتربيه على نار هادية.كثفت الدعاية والإعلانات بطريقة احترافية عمري ما عملتها قبل كده.


لافتات عملاقة في كل شوارع المنطقة، حملات ممولة باسم السنتر الجديد وباسمي كأشهر مدرسة إنجليزي في الإدارة، وبدأت أستقطب أحسن وأكبر المدرسين في كل المواد عشان السنتر يبقى الحوت اللي يبلع كل المراكز الصغيرة اللي حواليه، ويقفل الباب تماماً قدام أي فكرة تانية كان هو أو صاحبه بيفكروا فيها.أما في البيت، فكان الانتقام الحقيقي ماشي في صمت تام.قَفَلت الحنفية اللي كانت غرقاه في العز من غير ما يحس.


بطلت أدفع جنيه واحد في مصاريف البيت؛ تلاجة البيت فضلت على اللي هو يقرر يجيبه وبس، فواتير الكهربا والغاز سيبتها مركونة على الترابيزة لحد ما تتقطع لو مدفعش، وأكله.. مكنتش بحط إيدي فيه، أرجع من السنتر أنا والولاد واكلين وشبعانين، ويدخل هو المطبخ يلاقي البوتاجاز مطفي ومفيش لقمة واحدة جاهزة. حتى هدومه، بطلت أمسها أو أغسلها، هدومي أنا والولاد بس اللي تتغسل وتتكوي، وهدومه مركونة في سبت الغسيل بالأسابيع.


كنت بتعامل معاه وكأنه هوا، خيال مآته ملوش أي وجود. أدخل من الباب عيني متجيش في عينه، يسأل أرد بكلمة ونص من غير ما أبصله، والضحكة اللي كانت بتملى البيت اختفت وبقت مخصصة للسنتر ولشغلي ولولادي بس.كانت نظراته بتتملي ذهول كل ما يشوف يافطة جديدة باسم السنتر متعلقة في الشارع، أو يسمع اسمي بيتردد بين أولياء الأمور وإني صاحبة أكبر صرح تعليمي في المنطقة، وهو متكتف ومش فاهم الفلوس جت منين، ولا قادر ينطق بكلمة واحدة قدام البرود اللي حاصرته بيه.


مرت الأسابيع الأولى كأنها كابوس عليه، وجنة نجاح ليا.المركز الجديد ضرب ضربته الصح، الإقبال كان غير طبيعي، أسماء المدرسين الكبار مع اسمي عملوا رواج كاسح في المنطقة كلها، وبقى المركز شغال بنظام ودقة خلت أولياء الأمور يتخانقوا على مكان لأولادهم في مجموعات الحجز. الفلوس بدأت تلف وترجع، والجمعية سددت أقساطها من أول شهر وفاضل معايا أرباح تخليني قادرة أشتري سنتر تاني.في المقابل، جمال كان بيتآكل من جواه كل يوم.


الصدمة الأولى كانت لما شاف بعينه اسم المركز الجديد واليافطة الضخمة، وعرف إن الصفقة تمت، وإن خطته هو وطارق صاحبه اتمسحت بأستيكة. مكنش قادر يفتح بقه ويسألني: "جبتي الفلوس منين؟" لأن سؤاله معناه اعتراف مباشر بإنه كان شمتان ومستني وقوعي، ولأنه عارف إن كبريائي كسر كبرياءه في العلن من غير ولا كلمة عتاب واحدة.أما الصدمة الأكبر فكانت في عيشة البيت.جمال كان متعود يرجع يلاقي البيت ريحته بخور، الأكل سخن بيتحط قدامه بأصناف وأشكال، الفاكهة متقشرة، وهدومه مغسولة ومكوية في الدولاب بالمسطرة، وجيبه مقفول ومحفوظ مبيطلعش منه مليم.


فجأة، لقى نفسه داخل شقة باردة وساكتة.يفتح التلاجة، يلاقيها مفيهاش غير قزازة مية. يفتح الغسالة، يلاقي هدومي أنا والولاد بس هي اللي طالعة وريحتها معطرة، بينما قمصانه وبنطلوناته معفنة في سبت الغسيل بريحة العرق والتراب. يرجع جعان بالليل ينده بصوت عالي: «هو مفيش أكل في البيت ده ولا إيه؟»، أرد عليه ببرود تام وأنا بذاكر للولاد ومن غير ما أرفع عيني من الكتاب: «الأكل كان بينزل لما كان فيه راجل بينزل يملى البيت طلبات ويسيب مصاريف.




. عاوز تاكل، انزل هات وخلي دليفري يجيبلك، أو ادخل اطبخ لنفسك.. إحنا اتعشينا خلاص».الكلام كان بينزل عليه زي الكرابيج. حاول في الأول يظهر الاستغناء ويعمل فيها الراجل اللي مش فارق معاه، بقى ينزل ياكل في الشارع ويودي هدومه المغسلة، بس المحفظة بدأت تنزف. المصاريف اللي كنت شايلاها عنه لسنين طويلة بدأ يدوق مرارها في أسبوعين اتنين بس. الفواتير اتراكمت، والراجل بتاع الغاز خبط وقطع الغاز لما ملقاش حد يدفع، فبقى يدفع من جيبه وهو هيتجنن.


الفلوس اللي كان شايلها على جنب ومحوشها عشان يفتح بيها المركز وينافسني بيها، بدأ يسحب منها يوم ورا يوم عشان يسد مصاريفه الشخصية ومصاريف حركته، وفجأة حس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه.وفي ليلة، رجع جمال بدري على غير عادته. كان باين عليه الإرهاق والبهدلة، قميصه مكرمش ووشه شاحب من أكل الشارع والغل اللي بياكل فيه.


دخل عليا الأوضة وأنا قاعدة براجع كشوف الحسابات وأرباح الشهر الأول للمركز.. قفل الباب وراه ببطء، ووقف قدام المكتب وصوته فيه نبرة مهزومة وهو بيقول: «وبعدين يا هناء؟ هنفضل عايشين أغراب في بيت واحد لحد إمتى؟»قفلت كشكول الحسابات على مهل، ورصيت القلم جنبه ببرود يحرق الدم. رفعت راسي وبصيت له من فوق لتحت، شفت في عينيه الانكسار اللي كان بيحاول يداريه طول عمره بنفخة كدابة.رديت بنبرة هادية وميتة: «أغراب؟


وليه مسميها أغراب يا جمال؟ ما دي العيشة الطبيعية لأي اتنين شركاء في سكن، إنت ليك أوضتك وحالك، وأنا ليا حالي وولادي.. مش ده نفس المنطق اللي اتعاملت بيه لما طلبت منك سلف؟».بلع ريقه بصعوبة، وقرب خطوة وهو بيحاول يسترجع نبرة السيطرة القديمة بس صوته خانه وطلع مهزوز: «إنتِ لسه شايلة في قلبك عشان حتة السلف؟ ما إنتِ اتصرفتي أهو وفتحتي المركز وكسبتي ومبقتيش محتاجة لحد! لازم يعني تقلبي البيت جحيم؟


بطلتي تعملي لقمة، بطلتي تغسلي قميص، حتى سلام الله مبتسلميهوش.. كل ده عشان قولتلك نكتب الورق باسمي ونبقى شركاء؟».ضحكت ضحكة قصيرة وجافة، وقفت من ورا المكتب وبصيت في عينيه مباشرة، وقربت منه خطوة واحدة خلت جسمه يتشد بتوتر. قولتله بصوت واطي بس كل حرف فيه كان طالع زي السكينة: «شريك؟ إنت عمرك ما كنت شريك يا جمال.


. إنت كنت مستني اليوم اللي تكسر فيه وسطي. فاكر مكالمتك لطارق صاحبك؟ فاكر لما كنت بتضحك وتقوله دي فرصة وجاتلي لحد رجلي عشان ألوي دراعها وأكسر عينها، أو أفتح أنا وإنت ونضرب شغلها ونسقطها؟».الدم هرب من وشه فجأة، وعينيه وسعت برعب وكأنه شاف عفريت. فك بقه وحاول ينطق، يتلعثم، يدور على أي كدبة ينكر بيها، بس ملقاش ولا كلمة تطلع من حلقه.


كان عريان تماماً قدام حقيقته الرخيصة.كملت وأنا بثبت عيني في عينيه: «أنا سمعتك بوداني يا أبو ولادي، سمعت الراجل اللي شيلته فوق كتافي سنين وهو بيخطط إزاي يدفن راسي في الطين. المركز اتفتح، والفلوس اللي كنت عايز تذلني بيها طلعت من كرم ربنا ومن جدعنة زمايلي مش منك، والمركز شغال ومكسر الدنيا ومش هيقف.. إنما البيت؟ البيت ده كان قايم على واحدة مغفلة كانت فاكرة إن ليها ضهر، والمغفلة دي فاقت خلاص».


سكت ثانية وأنا شايفة شفايفه بترتعش، وقولتله الجملة اللي قطعت كل حبل كان فاضل يربطنا: «من هنا ورايح، مصاريف ولادك هتدفعها مليم ينطح مليم، وإيجار الشقة وفواتيرها عليك كلك، لا هطبخلك لقمة ولا هغسلك هدوم ولا هتشوف مني غير المعاملة اللي تليق بواحد كان ناوي يغدر بيا في ضهري.. مش عاجبك؟ الباب يفوت جمل، بس اعرف كويس إن هناء اللي كنت فاكر إنك تقدر تكسرها، هتدوس على أي حد يحاول يقف في طريقها.


. حتى لو كان إنت».فضل واقف مكانه زي الصنم، مفيش في وشه نقطة دم واحدة، وإيديه بتفرك في بعضها من غير وعي. كان بيبص في الأرض، مش قادر يرفع عينه في عيني، ولأول مرة من سنين أشوف "جمال" قليل وصغير بالشكل ده، مفيش أثر للراجل اللي كان بيتكلم بنبرة استعلاء من شهر فات بس.حاول يقرب خطوة ويدخل في دور المظلوم، صوته كان طالع مخنوق وبداية ترجي رخيصة: «يا هناء افهمي.. دي كانت فضفضة، كلام بيتقال في ساعة غضب بين صحاب، طارق هو اللي وزني وسخن دماغي، إنتِ عارفة إني بحبك وبحب ولادنا وعمري ما اتمنالك الأذى.


. الشيطان دخل بينا».بصيت له بقرف حقيقي، ومسكت دوسيه الحسابات من على المكتب وضميته لصدري وأنا بهز راسي ببطء: «الشيطان مدخلش بينا يا جمال، الشيطان كان متغطي بس بكرمي وسكوتي، ولما رفعت الغطا بان على حقيقته. وبعدين متلزقهاش في طارق، طارق مكنش هو اللي متجوزني، طارق مكنش هو اللي بياكل من خيري ونازل طالع على قفايا.. إنت اللي نيتك كانت سودة من نحيتي، وكنت مستني تنهيني عشان تحس برجولتك على حساب تعبي».


مشيت من جنبه متجهة لباب الأوضة، مسك كم قميصي بخوف كأنه بيغرق: «طب والبيت؟ والولاد؟ هنسيب الدنيا تتهد عشان غلطة؟ أنا مستعد أصلح كل حاجة، مستعد أكتبلك اللي إنتِ عايزاه، حتى فلوس الجمعية هدفعلك أقساطها من معايا».نفضت إيدي من مسكته بهدوء حاسم، ووقفت عند الباب وبصيت له نص بصة: «فلوس الجمعية أنا سددتها خلاص من أول شهر شغل في السنتر، مش محتاجة لقرش منك، والبيت ده إنت اللي هتدفع تمن قعدتك فيه مش أنا.


من أول الشهر الجاي، مصاريف مدارس الأولاد، ودروسهم، ولبسهم، وأكل البيت، وفواتير الكهربا والنت والغاز، هتتحط على الترابيزة دي أول كل شهر كاش.. جنيه واحد هينقص، ورقة طلاقي هتبقى في المحكمة، والنفقة هتيجي بالقانون وبالفضيحة في شغلك وسط أهلك وناسك».كملت وأنا بفتح الباب على وسعه: «عيالك مش هيحسوا بحاجة، هيفضلوا عايشين معززين مكرمين، بس إنت.. إنت اللي هتعيش غريب وسطنا، هتدوق طعم القرش اللي كنت بتكنزه عشان تكسرني بيه، وهتنزفه مليم مليم في مكانه الصح.


وكلمة كمان في الحوار ده، وقسماً بالله ما هتبيت ليلة واحدة في الشقة دي».خرجت من الأوضة وقفلت الباب ورايا من غير ما استنى أسمع منه ولا حرف، وروحت قعدت وسط ولادي، أذاكرلهم وأضحك معاهم وأنا حاسة براحة عمري ما دوقتها في سنين جوازي كلها. كانت أول ليلة أنام فيها وأنا حاسة إني مستردة كرامتي بالكامل، مش بس بنيت كيان ونجحت في السنتر، أنا كمان حطيت كل واحد في حجمه الطبيعي وعرفت إن الست لما بتقرر ترفع إيدها عن راجل ناكر للجميل، بتخليه يلف حوالين نفسه زي التايه.


الأيام اللي بعد كده أثبتتلي إن الضربة اللي متموتش، مش بس بتقوّي، دي بتخلّيك تدير اللعبة كلها بشروطك إنت.جمال اتحول في البيت لشخص تاني خالص؛ الخوف من الفضيحة ومن إنه يخسر البيت اللي كان عايش فيه زي الباشا خلاه يدفع الفلوس أول كل شهر وهو ساكت وراسه في الأرض. الظرف كان بيتحط على ترابيزة الصالة أول يوم في الشهر، فيه مصاريف الولاد وفواتير الخدمات كاملة من غير ما ينقص قرش، وهو عارف إن أي تقصير معناه ورقة طلاق وجرجرة في المحاكم وسط أهله وزمايله في الشغل.


الفلوس اللي كان شايلها مع طارق عشان يفتح بيها مشروعه ويضربني بيها، بقت بتتسحب شهر ورا شهر عشان يلاحق على مصاريف البيت اللي كان ناسي وجودها أصلاً.أما في السنتر، فالنجاح انفجر بشكل غير متوقع.السمعة الطيبة اللي بنيتها في شغلي سنين، مع شراكتي الذكية لزميلتي والقاعات المجهزة على أعلى مستوى، خلوا المركز يبقى الوجهة الأولى لكل طلبة الإعدادي والثانوي في الإدارة التعليمية كلها.


بعد ست شهور بس، كنت سددت تمن حصتي بالكامل، وبقى ليا دخل شهري ثابت يوازي أضعاف اللي كنت باخده في سنين التدريس والدروس الخصوصية المجهدة.وفي يوم، كنت واقفة في السنتر بتابع حركة الاستقبال وحجز الترم التاني، دخلت عليا السكرتيرة وقالتلي إن فيه راجل برة بيسأل عن إدارة المركز وعايز يقابل صاحبته عشان يعرض شراكة أو يأجر قاعات لحسابه. لما بصيت من شباك المكتب، لقيت طارق، صاحب جمال، واقف ومعهوش فكرة إن السنتر بتاعي وباسم زميلتي من غير ما يبان اسم عيلتي على اللوجو الرئيسي.


طلبت منها تدخله المكتب، ودخل وهو مبتسم ابتسامة تجارية صفرا، وأول ما عينه جت في عيني، رجليه اتسمرت مكانه، وابتسامته دابت كأن حد كب عليه تلج.رجعت بضهري على الكرسي الجلدي الفخم، وشبّكت صوابعي بهدوء وقولتله بنبرة واثقة: «خير يا أستاذ طارق.. سمعت إنك بتدور على مكان يليق بمستواك وعايز تحط إيدك مع الكبار؟».اتلجلج ووشه احمر، وبدأ يرجع خطوة لورا وهو بيتلعثم في الكلام: «أبلة هناء؟ أه.. لا مؤاخذة، أنا مكنتش أعرف إن ده بتاعك.


. أصل سمعت إن فيه سنتر جديد كاسح السوق و..»قاطعته بإشارة بسيطة من إيدي: «أيوة، بتاعي.. السنتر اللي كنت إنت وجمال بتخططوا تكسروا رجلي بيه، هو نفسه اللي بلع المنطقة كلها ومسبش مكان لأي حد يفكر حتى ينافس. اتفضل وريني عرضك، ولا تحب أقول لجمال إنك جاي تدور على أكل عيش في السنتر اللي كان فاكر إنه هيهده؟».خرج طارق من المكتب وهو يجر أذيال الخيبة ومش عارف يودي وشه فين.في اللحظة دي بالذات، حسيت بانتصار كامل مفيش بعده.


بصيت على شاشات المراقبة وشفت الطلاب بيملوا القاعات بحب واحترام، بصيت على ولادي اللي شيلتهم في عنيا ومحتاجوش لحد، وفهمت إن أحسن رد على الغدر مش الخناق ولا العياط.. أحسن رد هو إنك تنجح لدرجة إن اللي حاول يكسرك، يلاقي نفسه مضطر يرفع راسه عشان يلمحك من بعيد.طارق خرج من المكتب وهو كأنه بيهرب من فضيحة، وطبعاً موصلش البيت إلا وكان التليفون شغال بينه وبين جمال.كنت عارفة إن جمال راجع البيت وهو بيغلي، مش عشان حاجة، بس عشان صاحبه وشريك خطته شافه وهو مكشوف ومفضوح، وشافني وأنا قاعدة في مكتبي سيدة قراري وهو بيترجى ياخد قاعة من عندي.



رجعت البيت بالليل متأخر كعادتي بعد ما قفلت إيراد السنتر. دخلت لقيت الصالة مطفية، بس نور المطبخ الخافت شغال، وجمال قاعد على السفرة وسيجارته في إيده ومطفاة السجاير مليانة كعوب. كان وشه مشدود وعينيه محمرة من الغيظ المكتوم.أول ما سمع صوت المفتاح في الباب، وقف فجأة وقال بصوت مخنوق بيحاول يخليه هادي بالعافية: «طارق جالك السنتر النهاردة؟ كنتي قاصدة تهزئيه وتصغريني قدامه وقدام الناس كلها؟»علّقت شنطتي على الشماعة اللي ورا الباب من غير ما ألتفت له، وقلعت شوزي بهدوء تام.


مشيت ناحية الصالة وبصيت له ببرود: «هو أنا اللي بعت وراه يا جمال؟ صاحبك جه السنتر برجليه يتسول قاعات وشغل، يدور على مصلحته زي ما أي تاجر بيدور. وبعدين أصغرك؟ إنت بتصغر نفسك بنفسك من يوم ما نسيت إنك راجل البيت وبقيت مستكتر على بيتك القرش وبتتآمر على مراتك في الضلمة مع اللي يسوى واللي ميسواش».قرب مني وضرب كفه على السفرة بغضب: «أنا مش بتسول ولا بتآمر!


أنا جوزك، واسمك من اسمي، والمنطقة كلها عارفة إنك مراتي، يعني نجاحك ده ميطلعش من غير حسي!»ضحكت بسخرية رنت في أركان الصالة: «اسمك؟ الاسم ده يتشال فوق الراس لما يكون صاحبه سند، ضهر، بيحمي ويشيل.. مش بيستنى وقعتي عشان يدوس على رقبتي. السنتر ده متعوب فيه بشقايا وبفلوس شقتي وعرق جبيني، وإنت ملكش فيه مليم، ولا حتى ذرة فضل.


طارق جه يدور على سبوبة ومشي مكسور، وإنت قاعد هنا شمتان في نفسك وفي صاحبك».سكت ثانية وأنا شايفة صدره بيعلو ويهبط، كملت بنبرة حاسمة خلت النظرة التايهة ترجع لعينيه: «بص يا ابن الناس.. البيت ده هيفضل هادي عشان الولاد، مصاريفك هتدفعها زي الألف أول كل شهر زي ما اتفقنا، شغلي ومركزي اسمك ميتحطش في جملة مفيدة معاه. يوم ما تفكر بس تعمل فيها سي السيد أو تلمح بحرف يجرح كرامتي، هيكون ورقة طلاقي واصلة بيت أهلك في ظرف، وقضية النفقة والتبديد هتكون في المحكمة تاني يوم الصبح.


. فاهم؟»جمال بلع ريقه، وعينيه نزلت في الأرض من غير ما ينطق بحرف واحد. الضعف كان سكن ملامحه خلاص، لأنه عارف إنه لو خسرني مش هيخسر ست شايلة بيته وبس، ده هيخسر الكيان والستر اللي كان عايش فيه ومفتكرش قيمته إلا لما اتقفل بابه.سبته واقف في الصالة ودخلت أوضة ولادي، بوستهم وهما نايمين وغطيتهم. بصيت لملامحهم البريئة وحسيت إن كل لحظة تعب وصمود عدت عليا كانت تمن حريتي وحمايتهم.


علمتهم من غير كلام إن الست القوية مش اللي بتصرخ وبتتخانق، الست القوية هي اللي بتعرف تبني نفسها صح، وتعرف إمتى تخلع القناع عن المزيفين، وتعيش عزيزة النفس راسها مرفوعة ومتوطيش لحد أبداً.مرت الأيام بعد الليلة دي، والبيت دخل في مرحلة صمت ثقيل، بس كان صمت مريح بالنسبة لي.جمال فهم أخيراً إن مكانه اتغير للأبد؛


بقى يدخل ويخرج بحساب، صوته العالي اللي كان بيملا الصالة اتقطع، ونظراته المكسورة كانت بتلاحقني في كل ركن. بقى يشوفني ست تانية خالص، مش هناء الطيبة المضحية اللي بتجري من الصبح لليل عشان ترضيه وتدبر مصاريف البيت، بقت قدامه واحدة صاحبة عمل، ست شاطرة وناجحة، والأهم من كده إنها مبقتش محتاجة له في أي حاجة.


بعد سنة واحدة، النجاح مكنش مجرد أرقام، ده بقى واقع فارض نفسه على الكل.المركز التعليمي بقى حديث الإدارة والمنطقة كلها، وطلبة الثانوي بقوا ييجوا من مناطق بعيدة عشان المدرسين والسمعة والانضباط. اتفقنا أنا وشريكتي إننا نوسع، وأخدنا الدور اللي فوقينا كمان وفتحنا معمل لغات وقاعات مكيفة إضافية، واسمي كـ "مس هناء" بقى له هيبة ووزن في كل مدرسة وكل بيت.في يوم، كنت مروحة بدري من المركز، ومعايا عربيتي الجديدة اللي اشتريتها زيرو من كاش أرباحي في السنتر، ركنتها تحت العمارة وطلعت.


لقيت جمال قاعد مع والدته في الصالة؛ حماتي اللي كانت دايمًا شايفة ابنها "باشا" ومكنتش بتعلق أبدًا على إني بصرف وشايلة، كانت قاعدة وشكلها متغير، باين عليها إنها جاية في مهمة صلح أو تليين دماغ.أول ما دخلت وسلمت بهدوء، حماتي بصتلي بابتسامة متكلفة وقالت: «أهلاً يا هناء يا بنتي.. ما شاء الله، سامعة عن نجاحك وعربيتك الجديدة، ربنا يزيدك يا حبيبتي.. بس مش كفاية بقى جفا يا بنتي؟ الراجل راجع من شغله تعبان وعايز يلاقي مراته في ضهره، والحياة مشاركة والمسامح كريم».


وقفت قدامهم وأنا قالعة نضارتي، وبصيت لحماتي ومنها لجمال اللي كان حاطط عينه في الأرض زي التلميذ الخايب، ورديت بنبرة هادية بس توزن بلد: «المسامح كريم يا حماتي لما تكون الغلطة كلمة زعل أو تقصير من غير قصد.. مش لما يكون الشريك مبيت النية يكسر ضهري وينافسني في لقمة عيشي ويذلني بالخمسين ألف اللي اتعمل بيهم صرح باسمي النهاردة. المشاركة كانت من طرفي أنا لسنين، ولما جيت أحتاج له.


. اتعامل معايا كأنه تاجر عايز يستغل ضعفي».حماتي اتلجلجت ومعرفتش ترد، لأن جمال كان حكالها جزء ومخبي الجزء الأوسخ، بس وش جمال اللي فضل أحمر ومحروج كان كفاية يثبتلها إن كل كلمة بقولها حقيقة.كملت وأنا متجهة لأوضتي: «أنا هنا عشان ولادي، وعشان البيت ده أنا بنيت فيه ذكرياتهم، جمال بيقوم بواجبه كأب وملتزم بمصاريفهم زي أي راجل محترم، وأنا مش طالبة أكتر من كده.


. لا ليا فيه، ولا ليه فيا، وكل واحد مرتاح في المكان اللي اختاره لنفسه».دخلت أوضتي وقفلت الباب، وبصيت في المراية وابتسمت.كنت شايفة ست قوية، ملامحها منورة، مش الست المنهكة اللي كانت بتركب مواصلات وشايلة شنط الخضار على كتافها وخايفة تطلب مليم. الحياة علمتني درس مش هنساه عمري: لما تدي أكتر من اللازم لشخص ناكر للجميل، هيعتبر كرمك واجب، وضعفك حقه المكتسب.. لكن لما تقفي على رجلك وتعرفي قيمة نفسك، كل اللي حواليكي هيضطروا يعملوا لك ألف حساب.


أيام ورا أيام، وعدت السنين، والدرس اللي جمال خده مكنش مجرد قرصة ودن، ده كان حرق كامل لأي غرور أو أنانية كانت جواه.الراجل اللي كان متعود يشوفني بتعب وأشقى وهو قاعد حاطط رجل على رجل، لقى نفسه مجبر يعيد حساباته من الصفر. مع الوقت، ولما شاف نجاحي بيكبر ومبقتش محتاجة لقرش منه، ومع التزامه الإجباري بمصاريف البيت اللي كانت كاسرة ضهره، بدأ يتغير فعلاً.


التغيير مكنش سريع ولا سحري، بدأ بانسحاب تام من حياة "المنظرة" اللي كان عايشها. طارق وصحابه اللي زيه اختفوا من حياته لما لقوه مبقاش يقدر يجاريهم في المصاريف والقعدات. رجع يركز في شغله الأساسي، بقى يشتغل ورديات إضافية عشان يقدر يغطي مصاريف الولاد والبيت اللي اتفرضت عليه وميقصرش فيها، لأنه كان عارف إن أي تقصير معناه نهاية وجوده في حياتنا.


الأهم من كده، إن نبرة الاستعلاء والبرود اللي كان بيكلمني بيهم اختفت تماماً. بقى يتكلم بصوت واطي، يطلب مش يأمر، ويستأذن قبل ما يعمل أي حاجة تخص البيت. في مرة، كنت قاعدة براجع ورق السنتر في الصالة، لقيته راجع من الشغل جايب معاه طلبات البيت اللي كانت ناقصة من غير ما أطلب، ودخل المطبخ يعمل شاي، وطلع حط الكوباية قدامي بهدوء وقال: «تسلم إيدك على تعبك.. لو محتاجة مساعدة في الورق ده قوليلي».


بصيت له ثانية، شفت في عينه كسرة ممزوجة بندم حقيقي. رديت عليه بكلمة "شكراً" مقتضبة ورجعت لورقي. أنا مكنتش قاسية، بس كنت عارفة إن مسافة الأمان دي هي اللي حفظت كرامتي، وهي اللي خلته يفهم إن الرجولة مش فرض سيطرة، الرجولة إنك تكون سند لمراتك، ولما متكونش سند، متكونش عبء.ولادي كبروا في بيئة هادية. مكنوش بيشوفونا بنتخانق، شافوا أم ناجحة وصاحبة قرار، وشافوا أب ملتزم بمسؤولياته. يمكن مقدرناش نرجع زوجين زي زمان، الحب اللي كان ممكن يتبني اتكسر، بس الاحترام المتبادل اتفرض بالقوة، وهو ده اللي كان يهم في النهاية.


تعليقات

التنقل السريع
    close