القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت حمايا بنى بيت كاملة  امانى السيد



سكريبت حمايا بنى بيت كاملة  امانى السيد


حمايا بنى عمارة تجمع ولاده، وكل واحد حط شقاه وساهم في تكلفة شقته، ما عدا بنته الوحيدة.. حمايا راعى ظروفها وشال هو تكلفتها كاملة وكتب الشقة باسمها.

مات حمايا، ومن بعده اتبدلت الأحوال؛ بقت كل يوم تفتعل أزمة مع واحدة مننا من غير سبب، لحد ما فاجئتنا بقرارها إنها تبيع نصيبها في العمارة وتمشي. إخواتها اعترضوا: “مايصحش حد غريب يدخل وسطينا”، لكن مع صممها وإصرارها، قررت أتصرف.. قلت أشتريها أنا وتبقى أمان لمستقبل ابني.

بعت دهبي كله، واستلفت من أهلي فوق اللي كان مع جوزي، ودفعنا لها تمن الشقة بالكامل. كتبنا عقد بيع وشراء، وكل ما نطلب منها نسجل في الشهر العقاري تتحجج بالعزال ونقل العفش وإنها مشغولة، وأخدت الفلوس ومشت.. وعدت تلات شهور هادية.

فجأة، رجعت تعيط في حجر حماتي؛ الفلوس طارت، اتنصب عليهم في كل مليم، وما بقاش ليهم سقف يسترهم! ودلوقتي حماتي بتمارس علينا كل أنواع الضغط والذنب عشان نفتح لها الشقة تقعد فيها “لحد ما تلاقي مكان”.. الشقة اللي دفعت فيها شقا عمري ودهب سنيني.

وحصل اللي كنت مرعوبة منه..


الضغط ما جابش نتيجة معايا، فحماتي قررت تتصرف من ورا ضهري وتلوي دراعي بأبشع طريقة. في يوم كنت عند أهلي بقضي اليوم معاهم، وجوزي في شغله، رجعت العصر وطلعت السلالم.. لقيت باب الشقة اللي شقا عمري مدفون فيها موارب، وصوت كراكيب وعيال بتلعب جوة وريحة أكل طالعة!

رجلي اتسمرت مكانها، قلبي دق لدرجة حسيت إنه هيقف. زقيت الباب ودخلت.. لقيت أخت جوزي فارشة كام سجادة ومقعدة عيالها، وحماتي واقفة في الصالة بتناولها حاجات في إيديها وبتضحك!

بصيت لحماتي بذهول:

* “إيه ده يا ماما؟ مين اللي فتح الباب ده؟ ومين سمحلكم تدخلوا هنا؟”

حماتي لفتلي ببرود يقهر الحجر، وقالت وهي بتعدل طرحتها:

* “جرى إيه يا بنتي؟ هو احنا داخلين زريبة؟ دي شقة بنتي قبل ما تكون شقتك، والبيت ده بيت أبوها، ومعايا نسخة من المفتاح من أيام المرحوم.. البت مكسورة الجناح وما صدقت لقت مطرح يلمها هي وعيالها، عيزانا نرميها في الشارع والبيت فيه وسع؟”

بصيت لأخت جوزي اللي كانت بتبصلي بنظرة كلها لؤم وانتصار مستخبي ورا وش المسكنة، وقالت بصوت  مليان غل

ـ بقولك يا صحر انتى من الاول طمعانه فى الشقه والسبب انى اسيب الشقه حرام عليكى وبعدين الشقه  خلاص بقت بتاعتك عايزه تيه تاني هما شهر ولا حاجه وهمشى

لسه هرد لقيت حماتى اتدخلت

ـ  معلش.. عشان خاطري نعديها يومين بس لحد ما تهدا النفوس.. مش هنرمي بنتى في الشارع قدام الناس.”

في اللحظة دي، حسيت الدنيا بتلف بيا.. عرفت إن “اليومين” دول هيبقوا سنين، وإن رجليها اللي دخلت العتبة دي مش هتخرج بالسهل.. وإن الشقة اللي ضيعت عشانها كل ما أملك، بتضيع مني عيني عينك بتواطؤ العيلة كلها، ومبقاش قدامي غير طريق واحد يا إما أخسره كله.. يا إما أحرث البحر عشان آخد حقي بالقوة.



فضلت واقفة مكاني، الدم بيغلي في عروقي وعيني رايحة جاية بين برود حماتي ونظرات أخت جوزي اللي كانت بتبصلي بانتصار مقرف. في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات طالعة على السلم، ودخل جوزي وهو شايل أكياس في إيده.. اتفاجئ بالدربكة والعيال، وبصلي وبصلهم بذهول:

* “في إيه هنا؟ إيه اللي بيحصل ده؟”

جريت عليه وأنا صوتي بيترعش من القهرة:

* “تعالى شوف يا أخويا.. تعالى شوف الشقة اللي بعت دهبي وشقا عمري عشانها، أختك وأمك فتحوها بمفتاح قديم وقاعدين فيها! وبتقولي طمعانة، وهي واخدة تمنها على داير مليم!”

حماتي قربت منه بسرعة، وبدأت تمثل دور الأم المغلوبة على أمرها، حطت إيدها على كتفه بنبرة كلها عتاب ومسكنة:

* “يرضيك يا بني؟ أختك لحمك ودمك، اتنصب عليها في كل قرش، وعيالها مالهمش مطرح يسترهم.. قولت ندخلها يومين، بس لحد ما تقف على رجليها وتلاقي شقة تانية بالإيجار.. مراتك عايزة تفضحنا قدام الجيران وترمينا في الشارع؟”

أخت جوزي استغلت الموقف ورمت نفسها على الكنبة وفضلت تعيط بحرقة مصطنعة:

* “أنا اللي غلطانة.. خلاص يا خويا، هاخد عيالي وأقعد في الشارع، عشان مراتك ترتاح وما تشيلش هم إننا أكلنا حقها!”

بصيت لجوزي مستنية منه كلمة حق، مستنية يقف وقفة راجل ويقول إن ده شقانا وحق ابنه اللي استلفنا عشانه، لكنه وطي وشه في الأرض، التردد كان باين في كل ملامحه، وقال بنبرة هادية وضعيفة كسرت ضهري:

* “سحر.. اهدي بس يا حبيبتي، ما ينفعش الصوت يعلى كدة والناس تسمعنا. أختي برضه في محنة، مش هنطردها دلوقتي.. هما يومين اتنين بالعدد، على ما أدور لها على شقة إيجار تناسب ظروفها وتنقل فيها.”

* “يومين؟ أنت مصدق اللي بتقوله؟!” صرخت وأنا مش مستوعبة خذلانه.

مسك إيدي وشدني لبرا الشقة، وقال وهو بيوطي صوته وبيترجاني:

* “معلش يا سحر.. عشان خاطري أنا عديها، مش هنقطع في بعض عشان حيطان. دول يومين بس تهدا النفوس، وهنزل بنفسي أدور لها على مطرح تلم فيه عيالها، وأنا اللي هطلعها بإيدي.”


حماتي وقفت ورانا وأكدت بلهجة حنينة سمّها مدفون في الكلام:

* “يومين اتنين بس يا سحر يا بنتي، لحد ما نلاقي شقة تانية وربنا يفرجها عليها.. عيب تطلعينا قدام الناس من غير أصل.”

لقيت نفسي محاصرة بين عين حماتي اللي بتلمع باللؤم، ودموع أخت جوزي المصلوبة على باب الغدر، وكسرة جوزي اللي اختار يشتري خاطر أهله على حساب حقي وكرامتي. حسيت بغصة سدت حلقي، ومبقاش عندي طاقة للمناهدة أكتر من كدة وسط تكتلهم ده.

بلعت المرار وسكتت.. بصيت لجوزي وقولتله بنبرة باردة ومرعبة:

* “يومين يا ابن الناس.. تمانية وأربعين ساعة، لو رجليها فضلت في الشقة دي بعدها، ما تلومش غير نفسك على اللي هيحصل.”

لفيت ضهري ودخلت شقتي وقفلت الباب ورايا، بس قلبي كان حاسس إن السكوت ده مش هيعدي على خير، وإن اليومين دول ما هما إلا أول حبل بيتلف حوالين رقبة حقي عشان يدفنوه بالحياة.

مرت التمانية وأربعين ساعة، وجه وراها أسبوع، وجوزي كل ما أفتحه في الموضوع يتهرب بعينه ويقولي: “السوق نايم يا سحر، الإيجارات نار ومش لاقي حاجة على قد الإيد.. اصبري بس كام يوم.”

والكام يوم جروا وراهم أسابيع، واليومين بقوا شهر، والشهر كرّ وراه شهور لحد ما كملت خمس سنين !

خمس سنين وأنا بشوف شقا عمري ودهبي اللي اتباع بيتبهدل قدام عيني يوم ورا يوم. الشقة اللي كنت بحلم أفرشها وأوضبها لابني، بقت مأوى ليهم بحكم الأمر الواقع. العفش القديم المكسر ملى الصالة، الحيطان اتبهدلت وشخابيط عيالها ملت المداخل، وريحة القلي والزفارة طالعة على السلم ليل نهار.. والأدهى من ده كله، عين أخت جوزي اللي اتكسرت في الأول، رجعت وقحة وأقوى من الأول بمية مرة.



مبقتش حتى بتعمل حساب لمروري على السلم؛ تقف مع الجارات تشتكي من غلاء المعيشة، وتتكلم عن الشقة بصيغة “شقتي وعفشي وبيت أبويا”، ولا كأنها قبضت تمنها عِد وقبض بالمليم! وحماتي كانت الحامي والضامن، كل ما أتنفس أو أعلي صوتي، تقلب الدنيا مناحة وتملى البيت صويت: “عايزة تطردي أخت جوزك؟ عايزة تشردي ولادنا يا قاطعة الأرحام؟”

وجوزي؟ جوزي دفن راسه في الرمل تماماً.. اتعود على الوضع، وبقى يعتبر مطالبتي بحقي نوع من “النكد” اللي بيهدد استقرار البيت. كل ما أقوله “فين العقد؟ فين التسجيل؟ فين الشقة اللي دافعين فيها دمنا؟”، يرد ببرود يفرس: “أهو ساترين أختي وعيالها، هتاخدي ثوابهم.. وأهي الشقة في العمارة مش هتهرب!”


لحد ما جه اليوم اللي طفح فيه الكيل، اليوم اللي عرفت فيه إن سكوتي سنة كاملة ما كانش غير غباء دفع تمنه من كرامتي.

كنت نازلة من شقتي رايحة مشوار، وسمعت صوت ضحك عالي طالع من شقتي اللي هما قاعدين فيها.. وقفت لما سمعت صوت راجل غريب جوة! الباب كان موارب كالعادة، وبصيت من الفتحة.. لقيت أخت جوزي قاعدة مع راجل، وبتتفق معاه على توضيبات في الشقة:

* “بص يا أسطى، احنا عايزين نكسر الحيطة دي ونفتح المطبخ أمريكاني، ونغير دهان الأوض عشان أعمل أوضة نوم جديدة!”

الدم غلي في راسي لدرجة حسيت بنبضه في وداني.. دي مبقتش قعدة مؤقتة، دي بتتصرف كمالك أصيل، بتجدد وتكسر في ملكي اللي مش دافعة فيه قرش صاغ! في اللحظة دي بالذات، طارت من نافوخي آخر ذرة صبر، واستوعبت الحقيقة العارية اللي كنت بهرب منها: الطيب في الزمن ده بيتداس عليه، واللي سكت سنة هيسكت العمر كله لو ما حطش حد للمهزلة دي بإيده.

زقيت الباب برجلي بكل غل، ودخلت وراسي مرفوعة وعيني فيها شرار يهد عمارة بحالها.



حمايا بنى بيت ٢

امانى السيد


فتحت الباب بضربة رجلي رنت في أرجاء الصالة، والصوت خلى الراجل ينط من مكانه مفزوع، وأخت جوزي اتلخبطت للحظة قبل ما ترجع تفرد ضهرها بتبجح.


وقفت في نص الصالة، عيني بتقد شرار، وبصيت للصنايعي بصوت زلزل الحيطان:


* “اتفضل اخرج برا يا أسطى! الشقة دي ليها صاحبة، ومفيش مسمار هيدق فيها ولا حيطة هتتهد من غير إذني.. اتفضل من غير شوشرة!”


الراجل بص لأخت جوزي بارتباك، ولم أدواته وانسحب وهو بيقول: “يا فتاح يا عليم.. ربنا يصلح الحال”، وخرج وقفل الباب وراه.


أول ما الباب اتقفل، أخت جوزي حطت إيدها في وسطها، وعينيها احمرت من الغيظ، وقربت مني بخطوات سريعة وصوتها جهوري:


* “إيه قلة القيمة دي؟ إزاي تطردي راجل جايباه بيتي؟ أنتِ اتجننتي يا سحر؟ جاية تستعرضي عضلاتك عليا في بيت أبويا؟”


صرخت فيها وأنا مش شايفة قدامي، وقربت منها لدرجة إن نفسي بقى في وشها:


* “بيت أبوكي مين يا أم بيت؟! الشقة دي شقتي أنا! بفلوسي وشقايا ودهب سنيني اللي لميتوه من ورايا! سنة سايباكي تاكلي وتشربي وتوسخي فيها بحجة يومين، ودلوقتي جايبة صنايعية تكسري وتهدي في ملكي وعايزة تعملي أوضة نوم كمان؟ أنتِ صدقتي الكذبة ولا إيه؟ أنتِ بايعة وقابضة تمنها عدا ونقدا وماصبرتيش على جنيه !”


ضحكت بسخرية ولؤم يفرس، وقالت بصوت مليان غل ووقاحة:


* “شقة مين يا روحي؟ العقد اللي في إيدك ده تنقعيه وتشربي ميته! الشقة لسه باسمي في الشهر العقاري وباسم أبويا في كل ورق الحكومة، يعني قانوناً وشرعاً وعُرفاً دي شقتي! والفلوس اللي بتتكلمي عنها دي كانت تعويض عن سنين شقايا في خدمة أبويا.. فوقي يا شاطرة، محدش يقدر يطلعني من هنا ولا يمنعني أعمل في شقتي اللي أنا عايزاه!”


الكلمات نزلت عليا زي مية نار، الغدر كان واضح وصريح من غير أي وش مكسور ولا مسكنة. دمي غلي لدرجة إني مكنتش حاسة بإيديا وهي بتترعش من القهر والغضب:


* “بقى كدة؟ بتعترفي عيني عينك إنك نصابة؟ العقد اللي بتقولي عليه ينقع وأشرب ميته ده، هجرجرك بيه في المحاكم والأقسام.. وقسمًا بربي، لا أنتِ ولا مية زيك هيقعدوا في شقا ابني دقيقة واحدة بعد النهاردة!”


صوتنا كان عالي لدرجة إن العمارة كلها اتهزت، وفي ثواني سمعت صوت جري على السلم، وباب الشقة اتفتح ودخلت حماتي وهي بتصوت وتلطم على خدودها:



* “يالهوي يا فضيحتنا قدام الجيران! إيه اللي بيحصل هنا؟ عايزة تطردي بنتي من بيتها يا خرابة البيوت؟”


حماتي دخلت تكمل المشهد، فردت دراعاتها وحضنت بنتها وهي بتبصلي بغيظ وتزعق:


* “عايزة إيه يا سحر؟ ما كفاية بقى نكد وخراب بيوت! البت في بيتها ووسط أهلها، مش كفاية ظروفها المنيلة، جاية تكملي عليها؟”


بصيت للاثنين بقوة وغيظ مكنتش أعرف إنه عندي، وقولت بصوت حاسم خالي من أي تردد:


* “بيتها ده كان زمان.. دلوقتي الشقة دي ملكي بفلوسي وشقايا، ولو مش عاجبكم وعايزة تقعد فيها، يبقى بالحق والأصول! نشوف سعر الشقة النهاردة كام في السوق، تدفعيلي تمنها كامل وتشيل إيدها وتاخدها.. غير كدة مفيش قعاد هنا دقيقة واحدة!”


مرفت لوت بوزها بسخرية، وضحكت ببرود يفرس وهي بتكتف إيديها:


* “شعر إيه وسوق إيه يا أم سوق؟! ده بعينك! أنا مش هدفع مليم زيادة.. الفلوس اللي اخدتها منك من خمس سنين هرميهالك في حجرك، وتجيبي الورقة العرفي دي نقطعها قصاد بعض ويبقى كدة خالصين ومحدش ليه عند التاني حاجة!”


الكلمة نزلت على ودني زي الصاعقة، حسيت إن عقلي هيطير من فجاجة الظلم وعينها القوية.. صرخت فيها وأنا بشاور في وشها بإيدي اللي كانت بتترعش من القهر:


* “ترجعيلي الفلوس اللي اخدتيها من خمس سنين؟! أنتِ بتستعبطي ولا فاكراني هبلة؟! من خمس سنين كان جرام الدهب بألف جنيه، بعت دهبي وشقا عمري عشان أسددلك تمنها، والنهاردة الجرام بقى بست تلاف! أنتِ اخدتي فلوسي رحتي اشتريتي بيها دهب وشيلتيه على جنب، ودلوقتي جاية تديني ملاليم مالهاش قيمة بعد ما خسرتيني كل حاجة؟!”


حماتي اتدخلت بسرعة تدافع عن بنتها بتبجح:


* “وجرى إيه يعني؟ مش دي الفلوس اللي اديتيهالها؟ الفلوس هي الفلوس، هترجعهالك بالجنيه، عيزانا نعملك إيه يعني في غلاء الدهب؟ هو احنا اللي غليناه؟!”


* “لا يا ماما، انتوا اللي غليتوا الغدر والسرقة!” رديت وأنا بنهج من كتر الغضب، وعيني متعلقة في عين مرفت اللي كانت بتبصلي بلؤم ملوش آخر:


* “فلوسي اللي اخدتيها كانت دهب، وقيمة الشقة النهاردة بالملايين.. الفلوس الميتة دي تاخديها تبلّيها وتشربي ميتها، يا تدفعي تمن الشقة بسعر النهاردة، يا قسماً بعزة جلال الله ماليش قعاد معاكم في البيت ده، والشرطة والقانون هما اللي هيفصلوا بيني وبينك على شقايا ودهب سنيني!”



مرفت ضحكت باستهزاء، ورجعت شعرها لورا ببرود وهي بتبصلي من فوق لتحت، وقالت بنبرة كلها بجاحة:


* “بقى كدة؟ لما أنتِ شاطرة أوي وعارفة إن تمنها ملايين، رمتيلي ليه من خمس سنين كام ألف وقولتيلي أهو ده تمن شقتك؟! كنتي مستغفلة ظروفي ومستغلية زنقتي عشان تاخديها برخص التراب؟”


قربت مني خطوة ورفعت صباعها في وشي:


* “لو عايزة الشقة دي فعلاً وتشوفيني طالعة منها، ادفعيلي الفرق! ادفعي تمنها بسعر النهاردة، شوفي الملايين اللي بتقولي عليها دي وكمليهالي.. ساعتها بس ألم عيالي وعفشي وأخرج، غير كدة أنا قاعدة في ملكي ومش متزحزحة من هنا، والبلطجة اللي بتعمليها دي متدخلش عليا!”


حسيت بدمي بيفور في عروقي، الصدمة خلتني أضحك بهستيريا وأنا مش مصدقة كمية الفجر اللي بتنطق بيه:


* “أدفعلك الفرق؟! أنتِ اتجننتي رسمي؟! الكام ألف اللي بتتكلمي عنهم دول كانوا تمن الشقة كامل وزيادة في وقتها، كانوا دهبي اللي نزل من على إيدي ورقبتي، وفلوس استلفتها وسديتها من لحمي الحي! أنتِ بعتي برضاكي وأخدتي حقك كامل غير منقوص، ولما الدنيا غليت جاية تحاسبيني على رخص زمان؟! هو اللي بيبيع حاجة من سنين بيرجع لصاحبها يقوله هات فرق السعر يا نصابين؟!”


حماتي هزت راسها وربّتت على كتف بنتها، وقالت بلهجة مستفزة:


* “وليه لأ يا سحر؟ الدنيا غليت على الكل، والبت اتنصب عليها وملهاش ضهر.. لو أنتِ شبعانة وعايزة الشقة، كمليلها حقها زي ما السوق بيقول دلوقتي، مش هي أولى من الغريب؟ ولا أنتِ عايزة تلهفي الشقة بالرخيص وتسيبي أخت جوزك في الشارع؟”* “ألهفها؟!” صرخت والدموع اتحبست في عيني من شدة القهر: * “أنا اللي بلهف برضه؟! دي سرقة عيني عينك، بيع وشراء تم وانتهى من خمس سنين، وجاية النهاردة تقوليلي ادفعي الفرق يا إما أسرق شقتك بالبلطجة؟! أقسم بالله العظيم ما هتشوفي مني ولا مليم زيادة، والشقة دي هتفضى، يا بالقانون يا باللي هعمله فيكم!”


حمايا بنى بيت ٣

امانى السيد


في اللحظة دي، الباب اتفتح على آخره ودخل جوزي وهو بينهج، ووشه مخطوف من كتر الصريخ اللي كان مسمّع لآخر الشارع. وقف في الصالة يبصلنا بذهول وهو بيبلع ريقه بصعوبة:

* “في إيه؟! صوتكم واصل لأول الحارة، الجيران ملمومة على السلم والفضايح بقت بجلاجل!”

جريت مرفت عليه ومثلت دور المظلومة اللي بتستنجد بأخوها، مسكت دراعه وبدأت تعيط بنواح مصطنع:

* “الحقني يا أخويا.. الحق مراتك جاية تطردني أنا وعيالي في الشارع! بتقولي اطلعي برا وبتفرّج عليا الصنايعية والغُرب.. بقولها نتحاسب بما يرضي الله وتديني حقي في شقتي، عايزة تاكلني عيني عينك وتاخد الشقة ببلاش!”

وحماتي كملت النمرة وهي بتسند ضهرها على الحيطة وبتنهج:

* “عاجبك كدة يا بني؟ عايزة تجيب لنا الشرطة وتبهدلنا قدام اللي يسوى واللي ما يسواش.. هي دي الأصول؟ هي دي اللي هتصونك وتصون أهلك؟”

بصيت لجوزي اللي عينه كانت مكسورة، ومستنية أشوف رد فعله بعد ما السكينة وصلت للعظم.. قولتله بصوت باكي بس طالع من بير غضب محبوس بقاله سنين:


* “سمعت يا ابن الناس؟ سمعت أختك وأمك بيقولوا إيه؟ أختك بتقولي ادفعيلي فرق الملايين يا إما مش طالعة! وبتقول الشقة لسه باسمها والعقد تبليه وتشربي ميته! انطق.. قول كلمة حق واحدة تبرأ بيها ذمتك قدام ربنا! الشقة دي اتدفن فيها دهبي وفلوس أهلي ولا لأ؟ أنت اللي دفعت بإيدك ولا لأ؟”

جوزي اتلخبط، حك جبهته وبص لأخته بعتاب باهت:

* “جرى إيه يا مرفت؟ ما كانش ده الاتفاق.. إحنا دافعين تمنها كامل من سنين، وأنتِ اللي كنتي مستعجلة تبيعي عشان تاخدي الفلوس وتمشي!”

مرفت عينيها برقت بشر، ونفضت إيدها من عليه وقالت بحدة:

* “اتفاق إيه يا بتاع الاتفاق؟! الكلام ده كان زمان.. دلوقتي أنا ليا عيال وعايزة أعيش، لو مش عاجب الهانم مراتك، تديني فرق السعر وتاخد شقتها، إنما تلووا دراعي بورقة عرفي وأنا في عمارة أبويا؟ ده السما أقربلكم!”

جوزي وطي راسه، وبصلي برجاء بارد يفرس:

* “يا سحر.. اهدي بس وخلينا نقعد نتفاهم بالعقل، مرفت برضه أختي ولحمها ودمها من لحمي، مش هينفع نشردها.. نقعد ونشوف حل وسط يرضي جميع الأطراف!”



* “حل وسط؟!” الضحكة طلعت مني مجروحة ومبحوحة، حسيت بنغزة في قلبي قسمتني نصين:

* “حل وسط على حقي أنا؟! بعد ما ضحكتوا عليا وقولتوا يومين وبقوا سنة، وبقى لها خمس سنين سارقة شقايا، جاي تقولي حل وسط؟! إنت بعتني يا ابن الناس.. بعت دهبي وشقايا ورضيت بالذل لمراتك عشان ترضي لؤم أختك وبرود أمك!”

رجعت خطوتين لورا وبصيت للتلاتة بجمود خلاهم يسكتوا فجأة:

* “مفيش حلول وسط، ومفيش قعاد خلاص.. الورقة العرفي دي هتروح للنيابة، ودعوى صحة توقيع وطرد للغصب هتترفع بكرة الصبح، وقسماً برب العزة، لا بيتك ولا عيلتك دي كلها هتشوف وشي دقيقة واحدة بعد النهاردة إلا في المحاكم!”

لفيت ضهري وخرجت ورزعت الباب ورايا رنة هزت العمارة كلها، ودموع القهر بتغسل وشي.. بس المرة دي، كانت دموع بداية حرب، مش دموع استسلام.

لسه بلف ضهري عشان أنزل، لقيت باب شقة سلفي الكبير بيتفتح بعنف، ونزل وراه أخوه التاني على السلم، وملامح وشوشهم كانت تقطع الخميرة من البيت من كتر الغضب. الواضح إن صوت الصريخ والردح كان واصل لآخر العمارة وسامعين كل كلمة من أولها.

سلفي الكبير وقف في مدخل الشقة وسد الباب بجسمه، وبص لمرفت بنظرة كلها احتقار، وقال بصوت جهوري رجّ العمارة:

* “جرى إيه يا مرفت؟! جرى إيه يا أم لسان طويل؟ صوتك جايب لآخر الشارع وبتتبجحي عيني عينك؟!”


مرفت اتخضت للحظة، بس حاولت تستنجد بيهم زي ما عملت مع جوزي:

* “الحقوني يا إخواتي.. مرات أخوكم جاية تبلطج عليا وعايزة ترميني في الشارع أنا وعيالي وتلوي دراعي!”

أخو جوزي التاني قاطعها بصوت حاد ومكنش طايق يبص في وشها:

* “ترمي مين يا نصابة؟! مين اللي بيلوي دراع مين؟! إحنا كنا شاهدين على البيعة دي من أولها لآخرها، وحاضرين قعدتكم وقابضة الفلوس قدامنا عِد ونقد، مكنش ناقص غير نبوس على راسك عشان توافقي وتسيبي العمارة!”

حماتي اتدخلت بصوت مفزوع وعينيها بتطق شرار:

* “جرى إلكوا إيه يا ولاد بطني؟! هتقفوا مع الغريبة ضد أختكم المكسورة؟ هتاكلوا لحم أختكم عشان خاطر الهانم؟!”

سلفي الكبير زعق في وش أمه بنفاذ صبر:

* “غريبة إيه وأختنا إيه يا أمي؟! الحق أحق أن يُتبع! سحر معاها كل الحق.. الست باعت دهبها وشقا سنينها وسدت اللي عليها لقرش، وأختنا خدت الفلوس وطارت، ولما ضيعتها في الهوا جاية تتبجح وتطلب فرق ملايين؟! دي بلطجة وسرقة عيني عينك وإحنا مش هنشيل ذنب ولا هناكل حرام في بيوتنا!”

لف سلفي لجوزي اللي كان واقف مسمر في الأرض زي خيال المآتة، وزعق فيه بغل:

* “وأنت يا أستاذ.. واقف زي قلتك كدة ليه؟! مش قادر تنطق بكلمة حق لمراتك اللي باعت شقاها عشانك؟ خايف من إيه؟ العقد اللي معاها إحنا ماضيين عليه شهود، ونشهد في أي محكمة وأمام ربنا إن الشقة دي شقتها، وإن مرفت ملهاش هنا قشاية




واحدة!”

أخت جوزي وشها جاب ألوان، الغل والغيظ اتحولوا لرعب حقيقي لما لقت ضهرها اتكشف وإخواتها اللي كانت فاكراهم هيشيلوا عنها وقفوا في وشها بالمرصاد.

بصيت لسلفتي ولإخوات جوزي، وحسيت لأول مرة من سنين إن ضهري مسنود، وإن صوت الحق بيعلى حتى لو أصحاب الدم حاولوا يدفنوه. بصيت لمرفت وقولت بثقة هزت المكان:

* “سمعتي شهودك يا مرفت؟ سمعتي إخواتك اللي كنتي فاكراهم هيبلطجوا معاكي؟ مفيش محاكم هتطول.. قدامك ٢٤ ساعة بس، تلمي كراكيبك وعيالك وتفضي شقتي، وإلا إخواتك هما اللي هينزلوا عفشك للشارع بإيديهم!”

مرفت مفرّطتش بسهولة، بدل ما تلم عزالها، شياطين الإنس ركبوها وبدأت تلعب لعبة الابتزاز الرخيص. وقفت على السلم قدام الجيران تفضح وتتبلى، وتلمح إنها هتبلغ وتشتكي وتقول إن العقد ده اتعمل تحت ضغط، وراحت بعتت رسايل تهديد لجوزي إنها هتقلب العيلة وتعمل محاضر عدم تعرض وتجرجرنا في الأقسام، فاكرة إن التهديد بالبهدلة والفضيحة هيلوي دراعي ويخليني أرميلها الفلوس اللي طلباها.

بس اللي مرفت مكنتش تعرفه، إن الست لما بيتداس على شقاها وكرامتها، الخوف بيتبخر من قلبها.

تاني يوم الصبح بدري، أخدت أصل العقد وكل وصولات الأمانة اللي كنت محتفظة بيها في الدرج، ونزلت على المحامي من ورا الكل. رفعت دعوى صحة توقيع، وعملت إثبات حالة ، وفتحت محضر رسمي بتسليم الشقة. المحامي طمني وقالي: “العقد فيه بند استلام صريح، وشهادة إخوات جوزك هتقفل القضية لصالحك في أول جلسة.”

الخبر نزل على العمارة زي الصاعقة لما وصل الإخطار على يد محضر!


ساعتها بس، حماتي شافت الجد وعرفت إن الموضوع دخل في سكة محاكم وأقسام، وإن بنتها هتخرج مطرودة بفضيحة قدام الحارة كلها وهتتحبس لو فكرت تبتز أكتر من كدة. البيت اتقلب، وإخوات جوزي اتدخلوا بكل ثقلهم.. سلفي الكبير جه وخبط على بابي وهو معاه جوزي وأخوه التاني، وقعدوا وقالوا: “حقك فوق راسنا يا سحر، وبلاش نوصل للمحاكم اللي حبالها طويله والنهاردة الموضوع ده هيتقفل نهائي.”

القعدة كانت حاسمة ومليانة شد وجذب، بس صوت الحق والورق كان حاطط السكينة على رقابهم. في الآخر، انكسرت شوكة مرفت ورضخت للأمر الواقع بعد ما لقت إن مفيش ولا مليم هيدخل جيبها، وإن القانون واقف في صفي بنسبة مية في المية.

وانتهى الاتفاق على الحل الوحيد اللي يحفظ ماية وشهم: مرفت تلم عفشها وعيالها وتنزل تعيش مع حماتي في شقتها اللي في الدور الأرضي، والشقة تتسلم ليا بالمفتاح وعلى بياض قدام إخواتها كلهم.

يوم النقل، وقفت في مدخل الشقة، شفتهم وهما بينزلوا الكراكيب لشقة أمها.. مرفت كانت نازلة السلم عينيها في الأرض ومكسورة كسر السنين، وحماتي ساكتة ومقدرتش تنطق بحرف.

أول ما خرج آخر عيل من عيالها، مسكت المفتاح بإيدي، دخلت ورزعت الباب، ودورت الكالون تلات تكات.. قعدت على الأرض في الصالة الفاضية، وسندت ضهري على الحيطة، ولأول مرة من خمس سنين أتنفس نفس كامل من غير غصة.. الشقة رجعت لحضن صاحبتها، والابتزاز واللؤم انداسوا تحت جزمة الحق والقانون.



فضلت قاعدة على الأرض في نص الصالة الفاضية، سامعة رنة السكوت اللي مكنتش حسيت بيها من شهور طويلة. الحيطان كانت متبهدلة ومحتاجة وش نضافة، وشخابيط عيالها مالية المداخل، بس الهوا جوة الشقة كان مختلف.. كان خالي من ريحة الغل والظلم.

قومت على حيلي، وطلعت مفك ومفتاح جديد كنت شرياه وأنا راجعة من عند المحامي. أول حاجة عملتها إني غيرت كالون الباب بإيدي، شيلت القديم اللي كان مع حماتي نسخة منه وركبت قلب جديد، وحطيت المفاتيح التلاتة في جيبي.

نزلت على شقتي، لقيت جوزي قاعد في الصالة، حاطط راسه بين إيديه والهم راكبه، مش قادر يحط عينه في عيني. قربت منه بهدوء ورزعت المفتاح القديم على الترابيزة قدامه:

* “الكالون اتغير يا ابن الناس، والشقة قفلتها بضبتها ومفتاحها.. واللي حصل ده درس عمري ما هنساه، لا ليك ولا لأهلك.”

رفع عينه وبصلي بكسرة:

* “حقك عليا يا سحر.. والله ما كنت متخيل إن الأمور هتوصل لكدة، دي أختي وكنت فاكرها هتعمل حساب للدم.”

رديت بابتسامة باردة كلها وجع:

* “الدم عمره ما حمى حق يا أبو ابني.. القانون والورق والوقفة الحامية هما بس اللي بيحموا. لولا إني وقفت على رجلي وجرجرت الورق في المحاكم وكان إخواتك في ضهري بالحق، كان زمان شقايا راح في بطن أختك ولا كنت أنت هتنطق بكلمة.”

من اليوم ده، بدأت صفحة جديدة تماماً..


مرفت عايشة تحت مع أمها، تاكل وتشرب في حسها، وكل ما تشوفني طالعة ولا نازلة تدور وشها كأنها شايفة عفريت، وحماتي مكسورة ومش قادرة تفتح بقها بنص كلمة، عرفوا إن الهادية المطيعة لما بيتداس على حق ضناها بتقلب الدنيا عاليها واطيها.

أما أنا، فجبت نقاش ونضفت الشقة ودهنتها من أول وجديد بألوان فاتحة تفتح النفس، وركبت باب حديد على باب الشقة كمان للأمان. كل مسمار بدقه كان بيردلي روحي، وكل ركن بنضفه كان بيمسح أثر سنة كاملة من القهر. قفلت الشقة بالمفتاح وشيلته في أعمق حتة في دولابي.. أمان لمستقبل ابني، وشاهد حي على إن الحق المأخوذ بالقوة، مبيرجعش إلا بالعين الحمرا والقانون.

مرت السنين وتوالت الأيام، وحيطان البيت شهدت على تبديل الأحوال؛ ماتت حماتي، وفضلت مرفت قاعدة في الشقة التحتانية محبوسة في حسرتها وغلّها، تشوفني طالعة نازلة معززة مكرمة وراسها هي في الأرض،

أما ابني.. نور عيني اللي بعت دهبي وشقيت سنين عشان أضمنله سقف يستره، فكبر قدام عيني راجل يملا العين، اتخرج واشتغل وبقى ضهري وسندي اللي بيعوضني عن كل ليلة نمتها مكسورة الخاطر.



وجه اليوم اللي كان أقصى حلمي وأنا بدق أول مسمار في الشقة دي زمان.

اتفتحت أبواب الشقة على مصراعيها، بس المرة دي مش بصوت كراكيب وعياط وزعيق، المرة دي اتفتحت بالزغاريد والأنوار وريحة الورد والبخور. وقفت في نص الصالة أفرش عفش عروسته بإيدي، وأعلق الستاير معاه وهو بيضحك ويطبع بوسة على جبيني ويقولي:

* “تسلم إيدك وشقاكي يا أمي.. لولا وقفتك زمان وجدعنتك مكنش زمان ليا مكان أبدأ فيه حياتي مرفوع الراس.”

دموعي نزلت في اللحظة دي، بس كانت دموع برد وسلام مسحت كل مرار الخمس سنين والسنة اللي راحت من عمري في المحاكم والقهر.

يوم الفرح، زفيته لعروسته وطلعوا على شقتهم، وصوت الزغاريد كان مسمّع في العمارة كلها، طالع يرن في ودان مرفت تحت ويفكرها إن الباطل مهما اتفرعن آخره ينداس، وإن حق الضنا اللي حاربت عشانه أمه، رجع وصان صاحبه وعمّر بيته بالخير والستر.

وقفت على باب العمارة بالليل بعد ما المعازيم مشيوا، بصيت لشباك شقة ابني المنور بالفرحة، وحمدت ربنا ملء السما والأرض.. شقا العمر مراحش هدر، وربنا نصر الصابرة ورزقها راحة البال بعد طول عذاب.


تعليقات

التنقل السريع
    close