القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سكريبت لو هتسمحلي أقعد أنا وولادي كاملة 




لو هتسمحلي أقعد أنا وولادي كاملة 


«لو هتسمحلي أقعد أنا وولادي عندك، هشتغل عندك من غير فلوس… أنضف، أطبخ، أعمل أي حاجة. بس بالله عليك، خلّي ولادي يباتوا الليلة دي في مكان آمن.»


 


قلت الجملة دي وأنا واقفة بولادي قدام باب بيت واحد معرفوش، ومعايا شنطة واحدة بس.


 


جوزي اللي عِشت معاه 18 سنة طردني من بيتي، وقاللي بمنتهى البرود:


 


— إنتِ مالكيش عندي حاجة… ولا ليكي حق في أي حاجة.


 


دخلت البيت من غير ما أجادله.


 


لكن في نفس الليلة، صاحب البيت شاف رقم موجود في حساب بنكي قديم…


 


رقم واحد بس كان كفيل إنه يهدّ كل الأكاذيب اللي جوزي عاش 18 سنة بيبنيها قدامي.


 



 


كانت الساعة قربت على 8 بالليل، لما «منى عبدالسلام» وقفت قدام بوابة فيلا كبيرة في التجمع الخامس، وهي ماسكة إيد ابنها «ياسين» اللي عنده 7 سنين، وبنتها الصغيرة «ملك» اللي كانت نايمة على كتفها من التعب.


 


ياسين كان شايل شنطة عليها رسومات كرتونية، وفي إيده كيس صغير فيه هدومهم.


 


أما منى… فماكانش معاها غير شنطة واحدة فيها شوية هدوم ليها ولولادها.


 


بقالهم 3 ليالي بيتنقلوا من بيت لبيت.


 


أول ليلة ناموا عند صاحبتها.


 


تاني ليلة راحت بيهم عند بنت خالتها.


 


لكن منى كانت فاهمة كويس إن أي حد مهما كان بيحبك، له طاقة.


 


وبدأت تلاحظ النظرات اللي بتقول من غير كلام:


 


«إنتوا هتفضلوا هنا لحد إمتى؟»


 


فقررت تعمل حاجة ماكانتش تتخيل إنها ممكن تعملها في يوم من الأيام…


 


تمشي تخبط على أبواب ناس متعرفهمش، يمكن حد يرضى يسترها هي وولادها لحد ما تقف على رجليها.


 


خصوصًا إن جوزها «حسام الشناوي» كان قفل كل الأبواب في وشها.


 


قبل ما تطلع من البيت، قالها بمنتهى الثقة:


 


— أنا هطلّقك. أنا اتجوزت واحدة تانية، ومش عايز أشوفك هنا تاني.


 


منى كانت مذهولة.


 


— بعد 18 سنة جواز؟ وبعدين أنا والولاد هنروح فين؟


 


ضحك باستهانة وقال:


 


— دي مش مشكلتي.


 


وبعدين قرب منها وقال:


 


— وبلاش تلعبي دور الضحية وتفكري إنك هتاخدي مني فلوس. البيت باسم أمي، والعربيات باسم الشركة، وكل حاجة تقريبًا متأمّنة. إنتِ مالكيش حاجة عندي.



18 سنة جواز…


 


اختصرهم في كام جملة.


 


منى كانت سابت شغلها من يوم ما خلفت ياسين.


 


قبل الجواز كانت بتشتغل في إدارة عيادة كبيرة، وكانت مرتبة حياتها وعارفة هي عايزة إيه.


 


لكن بعد الجواز، بقت كل حياتها حوالين حسام.


 


البيت.


 


الأولاد.


 


مواعيد شغله.


 


عزوماته.


 


مقابلاته مع العملاء.


 


وكل حاجة تخص نجاحه.


 


هي اللي كانت بتديله ضهره عشان يطلع لقدام.


 


لكن لما وصل…


 


بقى وجودها بالنسبة له عبء.


 


دلوقتي، وهي عندها 42 سنة، لقت نفسها من غير بيت، ومن غير مرتب، ومن غير فلوس كفاية حتى إنها تستأجر شقة على طول.


 


وعشان كده كانت واقفة قدام فيلا شخص غريب تمامًا.


 


هي أصلًا ما تعرفوش.


 


بس كانت مستعدة تخبط على أي باب.


 


المهم ولادها يناموا بأمان.


 


رفعت إيدها وضغطت على جرس الإنتركم.


 


مفيش رد.


 


استنت شوية وضغطت تاني.


 


فضل الصمت.


 


بدأ قلبها يدق بسرعة.


 


يمكن صاحب البيت مش موجود.


 


يمكن مش هيرد.


 


يمكن هتضطر ترجع الشارع تاني.


 


وفجأة…


 


البوابة بدأت تتفتح ببطء.


 


ياسين قرب منها وقال بصوت واطي:


 


— ماما… لو عندهم كلب، قولي لهم إني بعرف أعتني بالكلاب.


 


منى ابتسمت بالعافية عشان ما تعيطش.


 


— حاضر يا حبيبي… هقولهم.


 


دخلوا من البوابة، ومشوا في جنينة واسعة لحد باب الفيلا.


 


وقبل ما يوصلوا، الباب اتفتح.


 


منى رفعت عينيها…


 


واتجمدت مكانها.


 


الراجل اللي واقف قدامها كان آخر شخص تتوقع تشوفه.


 


«عمر رأفت».


 


رجل أعمال وصاحب شركة كبيرة…


 


وشريك قديم لحسام.


 


والأغرب من كده؟


 


إن عمر كان حاضر فرح منى وحسام من 18 سنة.


 


هو كمان أول ما شافها، اتصدم.


 


— منى؟!


 


منى ماعرفتش ترد.


 


ياسين، اللي ما فهمش سبب الصمت، بص للراجل وسأله بمنتهى البراءة:


 


— حضرتك عندك كلب؟


 


عمر بص له كام ثانية، وبعدين قال:


 


— لأ.


 


ياسين نزل عينيه بحزن.


 


— أصل أنا بعرف أعتني بيهم.


 


عمر ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال:


 



— يمكن يبقى عندي واحد في يوم من الأيام.


 


وبعدين وسّع الباب وقال:


 


— ادخلوا.


 



 


بعد نص ساعة، كانت ملك نايمة على الكنبة من شدة التعب.


 


وياسين قاعد بياكل سندوتش بسرعة، وبعد كل قضمة كان يحاول يبطّأ أكله عشان مايبانش قد إيه هو جعان.


 


عمر كان قاعد قدام منى وسألها:


 


— قوليلي… حسام عمل فيكي إيه؟


 


منى حكت له كل حاجة.


 


حكت له عن الست اللي اتجوزها.


 


وعن طردها من البيت.


 


وعن تهديداته.


 


وعن كلامه إنها «مالهاش حق في حاجة».


 


عمر فضل ساكت طول الوقت.


 


ماقاطعهاش مرة واحدة.


 


لحد ما سألها فجأة:


 


— طب والشقة اللي كانت بتاعة والدك ووالدتك؟


 


منى بصت له باستغراب.


 


— شقة إيه؟


 


— الشقة اللي كانت في مدينة نصر… اللي ورثتيها عن أهلك.


 


منى سكتت لحظة.


 


وبعدين قالت:


 


— بعتها.


 


عمر عقد حواجبه.


 


— بعتها إمتى؟


 


— من 17 سنة تقريبًا.


 


— وليه؟


 


منى بصت للأرض وقالت:


 


— عشان حسام كان محتاج فلوس يبدأ بيها شركته.


 


عمر ما اتكلمش.


 


منى كملت:


 


— وقتها كان لسه بيبدأ، وماكانش معاه رأس مال كفاية. بعت الشقة وادّيته تقريبًا كل الفلوس اللي طلعت منها.


 


عمر فجأة سألها:


 


— إنتِ بتقولي إيه؟


 


— بقولك إن فلوس الشقة راحت كلها في تأسيس شركته.


 


عمر قام من مكانه ببطء.


 


ملامحه اتغيرت تمامًا.


 


— حسام قالي إن الفلوس دي كانت سُلفة من خاله.


 


منى رفعت عينيها له باستغراب.


 


— خاله؟


 


— أيوه.


 


ضحكت من الصدمة.


 


— حسام ماكانش عنده خال أصلًا بالفلوس دي! أهله كانوا على قد حالهم جدًا.


 


عمر فضل واقف مكانه كأنه مش مستوعب اللي سمعه.


 


وبعدين قال بصوت هادي، لكنه مخيف:


 


— منى… أنا اللي أسست الشركة مع حسام.


 


منى بصت له من غير ما تفهم.


 


عمر رجع قعد قدامها.


 


— وأنا طول الـ17 سنة اللي فاتوا كنت فاكر إني عارف بالظبط الفلوس الأولى اللي بدأت بيها الشركة جت منين.


 


منى حسّت بقشعريرة.


 


— يعني إيه؟


 


عمر ما ردش.



فضل ساكت ثواني، وبعدين قال:


 


— لو اللي بتقوليه صح… يبقى حسام كذب عليّا أنا كمان.


 



 


عمر وافق إنها هي وولادها يباتوا في الفيلا.


 


لكن قبل ما تطلع أوضتها، منى وقفت قدامه وقالت:


 


— أنا مش عايزة شفقة.


 


عمر بص لها.


 


— ولا عايزة أفضل هنا ببلاش. أنا هشتغل.


 


— تشتغلي إيه؟


 


— أي حاجة. أنضف، أطبخ، أرتب البيت، أعمل حسابات… أنا مش عايزة منك جنيه. بس اديني فرصة أقف على رجلي وأربي ولادي بكرامة.


 


عمر فضل ساكت لحظة.


 


وبعدين مد إيده لها وقال:


 


— اتفقنا.


 



 


تاني يوم الصبح، كانت منى في المطبخ بتحضر الفطار.


 


عمر كان لسه نازل من فوق، لما تليفونه رن.


 


بص للشاشة، وبعدها خرج للجنينة عشان يرد.


 


منى ماكانتتش بتسمع الكلام، لكنها لاحظت حاجة غريبة.


 


عمر كان بيسأل الشخص اللي بيكلمه سؤالين بس.


 


وبعدين سكت فترة طويلة.


 


وبعدها قال:


 


— متأكد؟


 


سمع الرد.


 


— تمام… ابعتلي كل حاجة.


 


وقفل المكالمة.


 


رجع للبيت، ووقف قدام منى.


 


نظراته كانت مختلفة.


 


منى حست بتوتر.


 


— في حاجة؟


 


عمر مسك مفاتيح عربيته وقال:


 


— النهارده هراجع ملفات الشركة القديمة.


 


منى بصت له باستغراب.


 


— ليه؟


 


عمر رد وهو بيتجه للباب:


 


— لأن لو حسام كذب عليكي في الفلوس اللي بدأ بيها حياته كلها…


 


وقف لحظة وبص لها.


 


— فأنا عايز أعرف هو كذب عليّا في إيه تاني.


 


ومشى.


 


منى فضلت واقفة مكانها، وهي مش عارفة إن اللي عمر هيكتشفه خلال الأيام الجاية…


 


مش بس هيغيّر حياتها.


 


ده كان هيكشف سر عمره 17 سنة، ويهدّ صورة جوزها قدام كل الناس.


 


والأخطر من كل ده…


 


إن عمر لما وصل لأول كشف حساب قديم، لقى رقم بنكي محدش كان متوقعه.


 


رقم رجّعه لليوم اللي بدأت فيه شركة حسام أصلًا…


 


وساعتها اكتشف إن الفلوس اللي اتقال عنها إنها «سُلفة من خاله»…


 


كانت باسم شخص واحد


 


 


خرج عمر من الفيلا وصوت محرك سيارته يبتلع هدوء الحي الراقي، تاركًا خلفه سحابة من التساؤلات التي أثقلت صدر منى. نظرت إلى الباب المغلق، ثم التفتت لتجد ياسين واقفًا على أطراف أصابعه عند طاولة المطبخ، يسكب الحليب لأخته الصغيرة بحرص شديد وكأنه جندي أُوكلت إليه مهمة حماية ما تبقى من عائلته.



قالت منى بصوت حاولت أن تجعله دافئًا:


— افطر يا ياسين، النهاردة هنرتب المكان ونخليه يلمع.


رد الصغير بعينين لامعتين:


— هو عمو عمر هيرجع بدري يا ماما؟ أنا مش هخليه يشوف أي كركبة عشان ما يزعلش مننا.


كلمات الصغير نزلت على قلبها كالجمر؛ طفل في السابعة يتحمل همّ الإقامة وثمن المأوى. مسحت على رأسه وابتسمت، ثم انطلقت تفرغ طاقتها في العمل، تنظف الرخام، وتعيد ترتيب الكتب في الصالة، وتجهز طعام الغداء، محاولة أن تدفع عن عقلها فكرة الترقب القاتلة.


على الجانب الآخر من المدينة، في أحد الأبراج الإدارية بالدقي، دخل عمر إلى مكتب المحاسب القانوني القديم للشركة، رجل يدعى «الأستاذ رفعت»، تجاوز الستين من عمره، وكان هو من صاغ العقود الأولى لشراكته مع حسام قبل أن ينفصلا وديًا منذ ثماني سنوات.


جلس عمر على المقعد الجلدي دون مقدمات:


— الملفات التأسيسية لسنة 2009 يا أستاذ رفعت. بالأخص إيداعات رأس المال المبدئي.


عدّل العجوز نظارته ونظر إليه بدهشة:


— خير يا باشا؟ الدفاتر دي في الأرشيف ومحدش قرب منها من سنين، والضرائب مقفولة ومفيش أي مشاكل قانونية بينك وبين حسام بيه.


قال عمر بنبرة قاطعة:


— عايز أشوف شيك الإيداع اللي حسام قدمه بحصته في رأس المال.. فورًا.


استغرق الأمر قرابة الساعتين حتى أحضر رفعت صندوقًا كرتونيًا يعلوه الغبار. قلب الأوراق بأصابع مرتعشة حتى سحب ملفًا أزرق باهتًا، وفتحه أمام عمر.


أشار رفعت بإصبعه:


— أهو.. يوم 14 مارس 2009، حسام بيه أودع مبلغ مليون ومئتين ألف جنيه مصري، وقال وقتها إن ده نصيبه في التأسيس كحصة نقدية جاية من سلفة عائلية.


سحب عمر الورقة، وقربها من عينيه. لم يكن شيكًا شخصيًا، بل كان إشعار تحويل بنكي صادر من بنك استثماري. وقعت عيناه على خانة «الراشي/المحوّل»:


لم يكن اسم خال حسام.


ولم يكن اسم حسام نفسه.


بل كان اسم: «منى إبراهيم عبدالسلام».


تجمدت ملامح عمر تمامًا. حسام لم يأخذ الفلوس كاش ليودعها باسمه كما زعم، بل تمت المعاملة حينها بتحويل مباشر من حساب البيع الخاص بشقة منى، ولكن حسام قدم للبنك والشراكة إقرارًا غريبًا جدًا..


سحب عمر الورقة الملحقة بالإشعار، وقرأ السطور بعناية:



«إقرار تنازل عن حصة وحق انتفاع.. وتفويض كامل غير مشروط في الإدارة والتصرف والتوقيع».


كان توقيع منى موجودًا في الأسفل، لكن بجانبه بند صغير كُتب بخط يد حسام وتحت بصمتها:


«يُعتبر هذا المبلغ مساهمة عينية تُمنح بموجبها صاحبة الشأن نسبة 40% من الأصول المادية للشركة، وتؤول الأرباح والإدارة للطرف المفوض (الزوج) حتى طلب الانفصال المالي بموجب إشعار رسمي».


التفت عمر للمحاسب وقال بصوت كاد يختنق:


— العقد ده مسجل في الغرفة التجارية؟


رد رفعت بارتباك:


— حسام بيه جه تاني يوم التأسيس وطلب يلغي الملحق ده، وقالي إن المدام اتنازلت رسميًا عن أي حقوق ووراني تنازل عرفي.. فأنا اعتبرت الورقة دي مسودة مهملة وحطيتها في الأرشيف وموثقتهاش في العقد النهائي اللي اتعمل بينك وبينه.


وقف عمر فجأة، وضرب بيده على المكتب:


— التنازل العرفي فين؟!


بحث رفعت بين الأوراق وأخرج ورقة صفراء، نظر إليها عمر بدقة؛ الخط لم يكن خط منى، والتوقيع كان توقيعًا مقلدًا بمهارة لكنه يفتقد التموجات الخاصة بإمضائها التي كان يراها في كروت المناسبات والأوراق العائلية. حسام زور التنازل ليحتفظ بالمليون ومئتي ألف كأنها حصته الخالصة، وسرق نصيب زوجته في الشركة قبل حتى أن تبدأ!


أمسك عمر الورقة الأصلية، الورقة الرسمية الصادرة من البنك بالتحويل، والملحق الذي يحمل توقيعها الحقيقي وبصمتها.


قال للمحاسب وهو يجمع الأوراق في حقيبته:


— النسخ دي معايا.. وأي كلمة تخرج من المكتب هنا لحسام قبل ما أقولك، هعتبرك شريك في جريمة تزوير ونصب استمرت 17 سنة.


ابتلع العجوز ريقه وأومأ برأسه دون أن ينطق.


عاد عمر إلى سيارته، لكنه لم يتجه إلى الفيلا مباشرة. اتجه إلى مكتب محامٍ متخصص في النزاعات الاقتصادية، صديق قديم يدعى «طارق»، وعرض عليه الأوراق كاملة.


درس طارق الأوراق لنصف ساعة، ثم أشعل سيجارة وقال وهو يبتسم بتهكم:


— صاحبك غبي وطماع.


سأله عمر:


— وضح لي؟


رد طارق:


— حسام اعتمد على إن مراته مش فاهمة إجراءات بنوك ولا قانون، وخلاها تمضي على الملحق ده يوم التحويل كإجراء روتيني، وبعدين زور التنازل عشان يهمشها قدامك في عقد الشراكة الأساسي. لكن البنك مثبت التحويل، وتاريخ التحويل مطابق لتاريخ تأسيس الشركة الأصلية، والملحق ده قانونًا يُلزم حسام بـ 40% من قيمة الشركة وتطورها طوال السنين دي، لأن التنازل المزور هيتسقط في أول تقرير للطب الشرعي.



أضاف طارق وهو ينظر لعمر:


— الشركة دي لما انفصلت بينك وبينه من 8 سنين، أصولها كانت كام؟ وحاليًا أصول مجموعته كام؟


عمر بصوت خفيض:


— حاليًا تتجاوز الـ 120 مليون جنيه.


أطلق طارق صفيرًا هادئًا:


— يعني منى مش بس ليها حق في الشقة اللي اتباعت.. منى قانونًا تملك ما يقرب من 50 مليون جنيه من إمبراطورية حسام، غير الأرباح المتراكمة عن السنين اللي فاتت لو أثبتنا سوء النية واستغلال الولاية. حسام افتكر إنه أمن نفسه لما كتب البيوت باسم أمه والعربيات باسم الشركة.. ما يعرفش إن «الشركة نفسها» فيها شريك نايم هيصحى ياخد حقه وتكلفة السنين دي كلها.


في الساعة الخامسة مساءً، وصل عمر إلى الفيلا. كانت رائحة الطعام تفوح في الأرجاء، والبيت هادئ ومنظم بشكل لم يعهده منذ سنوات.


وجد منى تجلس في الصالة، تذاكر لياسين بعض الحروف، بينما ملك تلعب بدمية قديمة على السجادة.


رفعت منى عينيها إليه، وكان التوتر واضحًا في نبرتها:


— عمر بيه.. عملت أكل، وياسين وضب أوضته والله ما عملناش أي إزعاج..


قاطعها عمر بهدوء، وسحب مقعدًا وجلس أمامها مباشرة، واضعًا الملف الجلدي على الطاولة.


— بلاش «عمر بيه»، يا منى. وبلاش تبرري وجودك هنا كأنك شغالة.


نظرت إلى الملف بتردد:


— أنت لقيت حاجة في الورق القديم؟


فتح عمر الملف، وسحب إشعار التحويل البنكي والملحق، ووضعهما أمامها.


— فاكرة الورقة دي؟


نظرت منى إلى السطور، ثم انهمرت الدموع من عينيها تلقائيًا وهي ترى بصمة إبهامها وتوقيعها القديم:


— دي الورقة اللي حسام خلاني أمضيها في فرع البنك في مصر الجديدة.. قالي دي عشان نثبت للشريك إن الفلوس دخلت الحساب القانوني للشركة، وساعتها قالي «أنا وإنتِ واحد يا منى، والشركة دي شركتنا إحنا الاتنين وولادنا».


قال عمر بجمود:


— حسام زور ورقة تانية وادعى إنك اتنازلتي عن المبلغ ده كهدية أو هبة من غير شروط، ومسجلش الملحق ده في العقد اللي بيني وبينه. كان بيستغلك وبيسرقك من أول دقيقة دخلتِ فيها حياته.


وضعت منى يدها على فمها تمنع شهقتها:


— يعني إيه؟ يعني الفلوس دي خلاص راحت بالتزوير؟


ابتسم عمر ابتسامة باردة تحمل الكثير من التحدي:


— الورقة المزورة دي هي الحبل اللي هيلف حوالين رقبته. إنتِ مش مكسورة يا منى، وإنتِ مش محتاجة تستجدي لقمة عيش أو مأوى لولادك.. إنتِ تملكي نصيبه اللي عايش بيه وبيتمنظر بيه قدام مراته الجديدة.



رفعت رأسها، وكانت عيناها مزيجًا من الصدمة والقوة المباغتة:


— أنا مش عايزة أنتقم.. أنا بس عايزة حق ولادي اللي رماهم في الشارع.


رد عمر وهو يقف:


— الانتقام بيجي لوحده لما القانون ياخد مجراه.. حسام فاكرك لوحدك وفي الشارع وملكِش ضهر، ومش عامل حساب إنك موجودة في بيتي، ومعاكي الأوراق اللي تدمر كل اللي بناه.


في تلك اللحظة، رن جرس البوابة الخارجية بعنف.


نظرت منى برعب نحو النافذة، بينما توجه عمر نحو شاشة الإنتركم المثبتة على الجدار.


ظهرت على الشاشة صورة حسام الشناوي، يقف أمام البوابة وملامح الغضب تشتعل في وجهه، وخلفه سيارته الحديثة. يبدو أنه عرف بطريقة ما، أو أبلغه أحد، أن طليقته وأولاده دخلوا فيلا شريكه القديم.


التفت عمر نحو منى، التي وقفت وارتعشت أطرافها غريزيًا وهي ترى طليقها على الشاشة.


قال لها عمر بنبرة هادئة وثابتة تمامًا:


— خدي ياسين وملك واطلعي فوق.. وماتنزليش إلا لما أقولك.


همست بخوف:


— هو جاي يبهدلنا.. حسام مجنون وممكن يعمل أي حاجة.


أمسك عمر مقبض الباب الخارجي للفيلا، واستدار إليها وقال ببرود قاتل:


— خليه يوريني هيعمل إيه.. هو لسه فاكر إنه بيتكلم مع الست اللي طردها من غير مليم.. ميعرفش إنه جاي يسلم نفسه بإيده.


 

لو هتسمحلي أقعد أنا وولادي2


صعدت منى الدرج وهي تجر ياسين بيد، وتحمل ملك على ذراعها الآخر، ودقات قلبها تتسارع كطبول حرب لا ترحم. كان الصغير يلتفت برأسه إلى الوراء نحو باب الصالة وهو يهمس:


— ماما.. هو بابا جه ياخدنا يرمينا في الشارع تاني؟


حبست دموعها بكف يدها الحرة، وأدخلتهما إلى غرفة النوم العلوية وأغلقت الباب بهدوء، ثم جلست بجوارهما على طرف السرير، تستمع للأنفاس المضطربة وأصوات وقع أقدام عمر وهو يتقدم نحو البوابة الخارجية بخطوات واثقة لا تتردد.


في الحديقة، فُتحت البوابة ببطء عبر التحكم الإلكتروني. اندفع حسام إلى الداخل كالعاصفة، يرتدي بدلة أنيقة غالية الثمن وسترة جلدية فاخرة، لكن ملامح وجهه كانت مشوهة بغضب أعمى. لم ينتظر وصول عمر إليه، بل صرخ من على مسافة أمتار:


— عمر! إنت بتلعب بالنار يا صاحبي؟ مراتك القديمة، أو شريكتك، سميها زي ما تسميها.. هي وعيالي بيعملوا إيه عندك من إمبارح بالليل؟ إنت فاكر نفسك مين عشان تدخل بيني وبين مراتي؟


توقف عمر في منتصف الممر الرخامي، واضعًا يديه في جيبي بنطاله، بملامح بدت أبرد من جليد الشتاء.


قال بصوت منخفض، لكنه كان ثقيلًا وحاسمًا:


— أولًا، صوتك ما يعلاش في بيتي. ثانيًا، هي مش مراتك، إنت بنفسك قلت لها إنك طلقتها ورميتها هي وولادك بره من غير مليم ولا حتى هدوم تكفيهم. ثالثًا وده الأهم.. منى مش هنا كزيارة، منى هنا في حمايتي وفي بيتي، بمحض إرادتها اللي سلبتها منها سنين.


اقترب حسام منه حتى كادت أنفاسه الغاضبة تلامس وجه عمر، وضحك بتهكم ساخر:


— حمايتك؟ منى؟ الست اللي قعدت 18 سنة عايشة على قفايا ونايمة في خيري؟ إنت واخدها عندك عشان تقهرني؟ ولا بتفكر ترجع تلعب معايا لعبة الشركاء القديمة؟ فوق يا عمر! منى ملكش أي علاقة بيها، والعيال دول عيالي، أنا هاخدهم دلوقتي، وهي ترجع تدور لها على رصيف تنام عليه هي وأهلها اللي ماتوا وسابوها عريانة!


لم يرمش لعمر جفن. تحركت شفته بابتسامة خفيفة، ابتسامة خالية تمامًا من الود، بل مليئة بالازدراء:


— أهلها اللي ماتوا وسابوها عريانة؟ تقصد أهلها اللي سابوا لها شقة في قلب مدينة نصر، اتباعت بمليون ومئتين ألف جنيه في مارس 2009؟




سكن حسام فجأة. تلاشت ابتسامة الغطرسة عن وجهه لثانية واحدة، وحلّت مكانها لمعة مفاجئة من القلق، لكنه سرعان ما استعاد قناعه البارد وحاول المراوغة:


— إنت بتخرف بتقول إيه؟ الفلوس دي كانت سلفة، ورجعتها لها مصاريف وأكل وشرب وعيشة كريمة طول السنين اللي فاتت. هي اشتكت لك وقالت لك حسام كل حقي؟ روح ارفع قضية نفقة وخلّيها تاخد ملاليم زي كل الستات اللي بيقفوا في محاكم الأسرة، المحامي بتاعي هيمرمطها عشر سنين على ألف جنيه في الشهر!


أشار عمر بيده نحو باب الفيلا المفتوح:


— ادخل يا حسام.. خلينا نتكلم زي رجال الأعمال، بدل ما نفضل نصرخ في الشارع والجيران يتفرجوا على «رجل الأعمال الناجح» وهو بيطرد ولاده.


تردد حسام للحظة، لكن كبرياءه الأجوف دفعه للدخول خلف عمر. دخل الصالة الواسعة، وجلس على الأريكة الفاخرة واضعًا ساقًا فوق الأخرى، متظاهرًا بعدم الاكتراث، ونظر حوله بتبجح:


— هات العيال يا عمر، وخلّينا نخلص، أنا عروستي مستنياني في المعادي ومش فاضي للمسرحيات الرخيصة دي.


جلس عمر في المقعد المقابل له، وأخرج من سترته ملفًا أسود صغيرًا، وألقاه على الطاولة الخشبية الفاصلة بينهما. انزلق الملف واستقر عند ركبتي حسام.


قال عمر بنبرة جليدية:


— افتح وشوف المسرحية الرخيصة بتتكلف كام يا حسام.


نظر حسام إلى الملف بتوجس، ثم مد يده وفتحه ببطء.


كانت أول ورقة هي إشعار التحويل البنكي الأصلي من حساب بيع شقة منى إلى حساب تأسيس الشركة المشتركة عام 2009. والورقة الثانية كانت الملحق الذي يحمل توقيع منى وبصمتها، والذي يثبت ملكيتها لـ 40% من رأس المال العيني وحصتها في الأصول. أما الورقة الثالثة، فكانت صورة ضوئية مكبرة لإقرار التنازل العرفي المزور، وبجانبها تقرير استشاري أولي أعده طارق المحامي خلال ساعات الظهيرة مع خبير خطوط معتمد.


احتقن وجه حسام فجأة، وتحول لونه إلى شحوب مميت، كأن الدماء انسحبت من عروقه دفعة واحدة. رفع عينيه نحو عمر، وكانت يداه ترتجفان بشكل غير إرادي والورقة تهتز بين أصابعه:


— الورق ده.. الورق ده جه منين؟ رفعت سلمهولك؟ العجوز الخرفان ده أنا هوديه في ستين داهية!


رد عمر بهدوء تام:




— رفعت خاف على نفسه من تهمة الاشتراك في جناية تزوير ونصب، واختار ينجو برقبته. وإنت عارف كويس عقوبة تزوير أوراق بنكية رسمية واستخدام محررات مزورة للاستيلاء على أموال الشركاء بتوصل لكام سنة في القانون المصري؟ سبع سنين سجن مشدد مع الشغل والنفاذ، ده غير رد المبالغ والتعويض المدني.


حاول حسام الوقوف، لكن قدميه خذلتاه فعاد وجلس مكانه، محاولًا التماسك:


— الكلام ده قديم.. سقط بالتقادم! الشركة الأولى اتصفت وانفصلنا من سنين، ومبقاش ليك حق عندي ولا ليها!


ابتسم عمر ببرود أشد:


— جريمة الاستيلاء على أموال القصر أو الزوجة باستغلال الولاية والتزوير لا تسقط بالتقادم طالما استمرت حالة إخفاء الجريمة ومنع المتضرر من العلم، وأنت فضلت مضللها لحد إمبارح بالليل لما طردتها. ومجموعتك الحالية؟ طارق المحامي راجع الهيكل المالي بتاعها.. كل سنتيمتر فيها اتبنى على رأس مال وأصول الشركة الأم اللي منى تملك 40% من أصولها المادية.


أخرج عمر هاتفه المحمول وضغط على زر مكبر الصوت، ووضعه على الطاولة. رن الهاتف مرتين قبل أن يأتيه صوت المحامي طارق:


— أيوة يا عمر، كملت الحسبة التقديرية مع مراجع الحسابات.. الحصة العينية لمنى إبراهيم عبدالسلام من أصول «مجموعة الشناوي للتطوير» تُقدر اليوم بحوالي 48 مليون جنيه، ده بدون حساب الأرباح السنوية المحتجزة من 2009 لحد النهارده. وجهزنا عريضة الحجز التحفظي على حسابات الشركة ومقراتها الإدارية وبلاغ النائب العام بجرائم التزوير، ومستني منك إشارة الصبح نرفعها في نيابة الأموال العامة.


أقفل عمر الخط ببرود، ونظر في عيني حسام اللتين امتلأتا بذعر حقيقي لأول مرة في حياته.


تبخرت كل أمارات العجرفة والقوة. ذلك الرجل الذي كان يقف بالأمس أمام باب بيته ليلقي بزوجته في ظلام الليل دون شفقة، أصبح الآن يلهث كفأر حوصر في زاوية ضيقة.


بلع حسام ريقه بصعوبة وقال بصوت مبحوح ومضطرب:


— عمر.. إحنا كنا إخوات.. إنت بتهد كل اللي بنيته في 18 سنة عشان واحدة؟ عشان منى؟ طب والعيال؟ لو أنا اتسجنت واتحجز على فلوسي ولادك—قصدي ولادي هيعيشوا إزاي؟


في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة العلوية بهدوء شديد.



نزلت منى على الدرج ببطء، خطوة بعد خطوة. كانت قد سمعت كل كلمة، سمعت صوت زوجها وهو يتوسل، وسمعت الأرقام التي لم تكن تتخيل وجودها في خيالها، لكن ما كان يلمع في عينيها لم يكن الطمع ولا النشوة.. بل كان كبرياء امرأة استعادت كرامتها المسلوبة.


وقفت في أسفل الدرج، ونظرت إلى حسام نظرة جعلته ينكمش في مقعده، نظرة لم يرها فيها طوال 18 سنة من الخضوع والتضحية.


قال حسام بصوت متلعثم وهو يمد يده نحوها:


— منى.. إنتِ عارفة إني كنت مضغوط.. والست التانية دي كانت نزوة وغلطة، وإحنا عشرة عمر وولادنا هما الأهم.. أنا مستعد أصلح كل حاجة، أكتب لك الشقة اللي في التجمع باسمك واديكي مليون جنيه كاش بكرة الصبح، بس قطعي الورق ده وبلاش نخرب بيتنا.


نظرت منى إليه بصمت ثقيل، صمت جعل حسام يتصبب عرقًا وهو ينتظر كلمتها.


ثم تقدمت خطوتين نحو الطاولة، ومدت يدها وأمسكت بالملف الجلدي الأسود الذي يحتوي على أوراق خيانته وسرقته، وضمته إلى صدرها بقوة، وقالت بصوت نقي خالٍ من أي تردد:


— بيتنا إنت خربته بإيدك من 17 سنة، يوم ما اعتبرت طيبتي غباء وأمانتي سذاجة.. والملاليم اللي بترميهالي دي، مش بتاعتك عشان تتكرم عليا بيها. ده حقي وحق ولادي اللي رميتهم في الشارع.


التفتت منى نحو عمر وقالت بنبرة حاسمة كالسيف:


— الصبح يا عمر بيه.. نتقابل في مكتب الأستاذ طارق.


شحب وجه حسام كالموتى، ووقف فجأة وهو يصرخ بهستيريا:


— أنتوا فاكرين نفسكم كسبتوا؟ إنتوا ما تعرفوش الورق ده لو خرج للعلن هيعمل إيه في أسهمي ومع مين في البلد! دي هتبقى حرب، ومش هسيبكم تتهنوا بجنيه واحد!


لكن قبل أن يكمل جملته، رن هاتف حسام في جيبه رنينًا متواصلًا ومزعجًا. أخرجه بيد مرتعشة ونظر إلى الشاشة، ليجد المتصل هو نائبه في مجلس إدارة الشركة. فتح الخط وهو يصرخ:


— في إيه يا بني آدم إنت كمان؟!


جاءه صوت نائبه مذعورًا من الطرف الآخر ليتردد صداه بوضوح في الصالة:


— حسام بيه! الحقنا في المقر الرئيسي.. مباحث الأموال العامة هنا من نص ساعة، وواخدين معاهم إذن تفتيش وتحريز لكل الدفاتر من سنة 2009!


سقط الهاتف من يد حسام وارتطم بالأرضية الرخامية بصوت أجوف، وتدحرج نحو أقدام عمر.



تسمرت عينا حسام على الجهاز الصامت، بينما كان صوت نائبه المذعور لا يزال يتردد في ذاكرته كصفير قطار يقترب من سحقه. ارتجف فكه السفلي، والتفت ببطء نحو عمر، محاولًا قراءة أي ذرة من التردد أو التراجع في ملامحه، لكنه لم يجد سوى وجه صخري بارد.


صرخ حسام بنبرة هستيرية تخلط بين التهديد والتوسل:


— إنت بلّغت؟ إنت عملتها يا عمر؟ إنت بتبعت مباحث الأموال العامة على شركتي وأنا قاعد قدامك؟ دي مش فلوسي لوحدي، دي قروض ومستحقات بنوك، الحركة دي معناها إفلاس كامل.. تدمير شامل!


انحنى عمر بهدوء، والتقط هاتف حسام من على الأرض، ومسح عنه غبار الرخام بيده، ثم وضعه على الطاولة أمامه.


قال بصوت خافت النبرة لكنه يحمل وزن جبل:


— أنا مابلّغتش يا حسام. طارق المحامي لسه رافع البلاغ الرسمي من ساعتين بس، وإجراءات النيابة بتاخد وقتها الطبيعي.. لكن يبدو إن شريكك الجديد، أو الناس اللي بتتعامل معاهم بأموال مشبوهة، فتحوا هم كمان دفاترهم لما شمّوا ريحة الأزمة. لما برج القش يبتدي يتهز، أول ناس بتهرب هي اللي كانت بتطبل لك.


التفت حسام نحو منى، التي كانت لا تزال تقف في أسفل الدرج تحتضن الملف الأسود بكلتا يديها. انحنى ظهره قليلًا وتقدم نحوها خطوتين كشحاذ ضائع:


— منى.. عشان خاطر العيال! عشان خاطر ياسين وملك! إنتِ يرضيكي أبو ولادك يدخل السجن بالكلبشات؟ يرضيكي اسمهم يتشوه في المدارس وبين الناس؟ التنازل يتعمل الليلة، وأنا هسجل نصيبهم رسمي بكرة الصبح، بلاش تسمعي كلام عمر.. عمر بينتقم مني بيكي إنتِ!


نظرت منى إليه، وتفحصت وجهه الذي عاشت معه ثمانية عشر عامًا. لم تجد فيه الزوج الذي أحبته وضحّت بميراث أبيها وأمها من أجله، ولا الأب الذي يحمل هم أطفاله. رأت فقط رجلًا أنانيًا يختبئ خلف أطفاله حين يدنو حبل المشنقة من عنقه، بعد أن كان بالأمس يطردهم في ليلة باردة دون أن يرمش له جفن.


قالت بصوت ثابت لم يهتز فيه حرف واحد:


— اسمهم كان هيتشوه لما الناس تسألهم أبوكم طردكم ليه في نص الليل وإنتوا مش لاقيين لقمة تاكلوها. اسمهم كان هينكسر لما يكبروا ويعرفوا إن أبوهم باع كرامة أمهم وسرق شقاها وبنى بيه قصور لست تانية. السجن مش تشويه يا حسام.. السجن هو المكان الطبيعي للي يسرق ويخون ويفتري.



ثم رفعت رأسها وأشارت إلى باب الفيلا:


— اخرج بره يا حسام. اخرج قبل ما البوليس يجي يلاقيك هنا.


وقف حسام مشلول الحركة لثوانٍ، ثم تحولت نظرات التوسل فجأة إلى سعار أسود. انتفض كذئب جريح، وصاح وهو يشير بإصبعه المرتعش نحوهما:


— قسماً بربي ما هسيبكم! لو دخلت السجن مش هدخله لوحدي، كل عقد، وكل عملية، وكل ورقة من 17 سنة هفتحها، والكل هيتحاسب.. ومش هتشوفي مليم واحد يا منى، هحرق الأخضر واليابس قبل ما تاخدي جنيه من شقايا!


استدار باندفاع وركض نحو الباب الخارجي، وخرج إلى الحديقة وصفق بوابة الفيلا وراءه بعنف، وسرعان ما دوى صوت عجلات سيارته وهي تفر في شوارع الحي بسرعة جنونية.


ساد الصمت أرجاء الصالة، صمت عميق وثقيل بدد كل صدى للصراخ. تنفست منى بعمق، وشعرت فجأة بضعف يجتاح ركبتيها، فاستندت إلى درابزين السلم لتمنع نفسها من السقوط.


اقترب عمر منها بخطوات هادئة ومد يده ليسندها:


— اقعدي يا منى. اللي فات كان الأصعب.. والمواجهة الأولى انتهت.


جلست على طرف الأريكة، ونظرت إلى الملف الجلدي الذي تكاد أصابعها تنغرز فيه من شدة الضغط، ثم رفعت عينيها نحو عمر:


— عمر بيه.. هو إيه اللي حصل ده؟ مباحث الأموال العامة جت إزاي بالسرعة دي؟ إنت فعلًا بلغت عن طريق الأستاذ طارق؟


جلس عمر في المقعد المجاور وتنهد تنهيدة طويلة كشفت عن سنوات من التفكير والصبر المكتوم:


— طارق قدم البلاغ بموجب التوكيل العام اللي معاه في قضايا التزوير، لكن السرعة دي مش عادية فعلاً. ولما نائبه كلمه، حسام ما كانش مدرك حاجة تانية أكبر بكتير هو نفسه كان غافل عنها.


نظرت إليه بحيرة:


— حاجة إيه؟


رد عمر وهو ينظر نحو نافذة الصالة المطلة على الحديقة المظلمة:


— حسام من خمس سنين، لما بدأ يتوسع ويكبر فجأة، دخل في شراكات مع صناديق استثمارية وناس كبار في السوق، وكان بيعتمد على إخفاء أصول الشركة الأساسية عشان يتهرب من سداد مستحقات ضريبية ضخمة ويسحب سيولة لحسابات شخصية بره مصر. أنا كنت بتابع تحركاته من بعيد من يوم ما انفصلنا، وكنت عارف إنه ماشي في طريق مسدود، بس ما كنتش متخيل إنه مسجل أصول مجموعته كلها كـ«امتداد مباشر» لنفس السجل التجاري بتاع شركتنا القديمة اللي تأسست سنة 2009.



أكمل عمر وعيناه تلمعان ببريق مدروس:


— بلاغ طارق الصبح بالتزوير فتح الباب للنيابة إنها تطابق الدفاتر القديمة مع الحسابات الحالية، وبمجرد ما البلاغ دخل جدول الفحص في الأموال العامة، اكتشفوا إن فيه بلاغات تانية متجمدة من جهاز حماية المنافسة ومصلحة الضرائب مستنية مستند الإيداع المبدئي اللي يثبت الملكية الحقيقية عشان يتحركوا. الورقة بتاعة بيع شقتك يا منى، الورقة اللي حسام كان فاكر إنه خباها وزورها.. كانت هي خيط الكارثة اللي لو اتسحب يكرّ كل الحسابات المخفية.


في تلك اللحظة، نزل ياسين من أعلى الدرج حافي القدمين، واقترب من أمه بحذر وعيناه تفيضان بالدموع:


— ماما.. بابا مشي؟ مش هيرجع يزعق تاني؟


جذبته منى إلى حضنها ودفنت وجهها في شعره:


— مش هيرجع يا حبيبي.. خلاص، محدش هيقدر يزعق لنا تاني أبدًا.


بص الطفل إلى عمر وقال ببراءة قاطعة للقلوب:


— عمو عمر.. إنت قوي أوي، عشان ما خلتش بابا يضرب ماما ولا ياخدنا.


ابتسم عمر ابتسامة صادقة لأول مرة منذ دخولهما الفيلا، ونهض وانحنى لمستوى الطفل:


— مفيش حد يقدر يضرب مامتك يا ياسين، مامتك قوية جدًا، وهي اللي هتحميكم.. وإنت الراجل اللي هيقف جنبها من هنا ورايح، اتفقنا؟


هز الصغير رأسه موافقًا بحماس، ثم أخذته أمه وصعدت به لتنام بجواره وجوار شقيقته، تاركة عمر وحيدًا في صالة الدور الأرضي يتابع شاشات المراقبة التي ترصد مدخل الفيلا.


مرت ليلة ثقيلة، لم تنم فيها منى سوى ساعتين متقطعتين، كانت تستيقظ فيهما مذعورة على أي صوت حركة في الخارج.


ومع خيوط الصباح الأولى ليوم الأربعاء، وقبل أن تستيقظ شمس القاهرة تمامًا، كانت منى ترتدي ملابسها البسيطة وتستعد للذهاب برفقة عمر إلى مكتب المحامي طارق لمتابعة إجراءات الدعوى القضائية.


لكن الأحداث كانت تسبقهم بخطوات أسرع مما توقعوا.


في تمام الثامنة صباحًا، رن هاتف عمر مجددًا. لم يكن المحامي، بل كان رقمًا غير مسجل. فتح الخط ووضع السماعة على أذنه:


— ألو؟


جاءه صوت امرأة تلهث وتبكي بارتباك شديد:


— ألو.. ده تليفون عمر رأفت؟


عقد عمر حاجبيه:


— أيوة، مين معايا؟


ردت المرأة بصوت مرتعش يقطعه الخوف:


— أنا شيرين.. زوجة حسام الشناوي. حسام مش في البيت من إمبارح بالليل، ولسه واصلني إخطار بنكي بوقف كل الكروت والتحفظ على الحسابات.. وحسام ساب لي رسالة مسجلة على الواتساب بيقول فيها إنه في المطار ومسافر على دبي، ومفيش أي أمل نلحق فلوسنا!



تجمد عمر مكانه، وقال بحدة:


— المطار؟! إمتى الكلام ده؟


ردت بانهيار:


— من ساعة ونص! تليفونه مقفول تمامًا، وبواب العمارة قالي إنه خد شنطتين كبار وخرج مع الفجر!


أغلق عمر الهاتف بسرعة، والتفت إلى منى التي كانت تراقبه بقلق:


— حسام هربان.. بيحاول يطلع برة البلد قبل ما قرار المنع من السفر يترفع على السيستم.


شهقت منى:


— هيهرب بكل حاجة؟ وهنسيب كل حقنا يضيع؟


أمسك عمر بمفاتيحه وتحرك بسرعة البرق نحو الباب:


— النيابة أصدرت قرار الضبط والإحضار بناءً على بلاغ التزوير، بس لو لحق يعدي الجوازات هيبقى الموضوع أصعب بكتير.. اطلعي معايا على العربية، طارق مستنينا عند نيابة الأموال العامة ولازم نكون هناك فورًا.


ركبت منى بجواره، وانطلقت السيارة تلتهم الطريق السريع نحو وسط البلد. كانت أصابعها ترتجف وهي تمسك بالهاتف، تتابع الأخبار العاجلة على المواقع الاقتصادية، حيث كان اسم «مجموعة الشناوي» قد بدأ يظهر في شرائط الأخبار تحت عناوين مبهمة عن تفتيش وتحقيقات موسعة.


وصلت السيارة إلى مبنى النيابة، وهناك كان المحامي طارق يقف على الدرج الخارجي ممسكًا بملفات متعددة، ووجهه يحمل مزيجًا من الانتصار والتوتر الشديد.


ركض نحوهما عمر:


— لحق المطار يا طارق؟


أخذ طارق نفسًا عميقًا، ونظر إلى منى بابتسامة غامضة وقال:


— ادخلوا الأول مكتب رئيس النيابة.. في مفاجأة مستنياكم جوة، ومحدش فينا كان يتخيلها أصلًا.


لو هتسمحلي أقعد أنا وولادي3


دخلت منى خلف عمر وطارق إلى مبنى النيابة، وكانت الممرات الطويلة تعج بالحركة؛ موظفون يحملون دفاتر ضخمة، وحراس يقفون بوجوه جامدة، وصوت نقرات الآلات الكاتبة يتردد كإيقاع رتيب لا يرحم. شعرت ببرودة الهواء المكيف تتسلل إلى عظامها، لكن يدها الممسكة بحقيبتها القديمة كانت ثابتة، تدفعها رغبة جارفة في معرفة نهاية هذا النفق المظلم.


فتح طارق باب مكتب رئيس النيابة بهدوء، وأشار لهما بالدخول.


في الداخل، لم تكن الغرفة خالية كما توقعت منى، ولم يكن وكيل النيابة يجلس بمفرده. على مقعد جانبي، كان يجلس رجل في أواخر الستينيات من عمره، يرتدي بذلة رسمية أنيقة تعلوها ملامح هيبة مصرفية حازمة، وبجواره حقيبة أوراق دبلوماسية مفتوحة. وأمام المكتب مباشرة، كان يقف ضابطان من مباحث الأموال العامة، وعيونهما تتابع كل حركة.


التفت رئيس النيابة نحوهم، وعدّل نظارته الطبية:


— أهلًا يا أستاذ طارق.. المدام هي منى إبراهيم عبدالسلام؟


خطت منى خطوة للأمام، وصوتها يخرج هادئًا رغم الاضطراب:


— أيوة يا فندم، أنا.


أشار المستشار إلى المقاعد الشاغرة:


— اتفضلوا استريحوا. إحنا كنا في انتظاركم عشان نواجهكم بآخر التطورات اللي حصلت من ساعتين بالظبط.


جلس عمر بجوار منى، وسأل بلهفة لم يستطع إخفاءها:


— حسام لحق يهرب يا فندم؟ زوجته التانية بلغتني إنه اتحرك على المطار مع الفجر.


ابتسم رئيس النيابة بتهكم بارد، ونظر نحو الضابط الجالس بجواره:


— حسام بيه وصل المطار فعلًا الساعة ستة إلا ربع صباحًا، وكان حاجز تذكرة ذهاب فقط إلى دبي بجواز سفر خاص، ومعاه شنطة يد فيها سيولة نقدية بالعملة الصعبة تتجاوز الحد المسموح به قانونًا بكثير. لكنه ما عداش من بوابة الجوازات أصلًا.


شهقت منى بصوت خافت:


— اتمسك؟


رد الضابط بصرامة:


— إدراج اسمه على قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول تم في تمام الساعة الرابعة فجرًا، بناءً على مذكرة عاجلة مدعومة بالمستندات اللي قدمها الأستاذ طارق، وبلاغ موازي جالنا في نفس التوقيت من جهة تانية خالص. حسام الشناوي حاليًا محتجز في حجز الترحيلات بالدور الأرضي هنا في المبنى، وبيتم تجهيزه لجلسة التحقيق الأولى بعد قليل.



التفت عمر نحو الرجل العجوز الجالس في الزاوية، وسأل بحيرة:


— بلاغ موازي من جهة تانية؟ مين اللي بلّغ؟


عدّل الرجل العجوز جلسته، وفتح ملفًا جلديًا أمامه، وقال بنبرة هادئة ورزينة:


— أنا المستشار القانوني للبنك المركزي المصري، وممثل الشؤون القانونية للبنك التجاري اللي تمت من خلاله كل تحويلات حسام الشناوي الخارجية على مدار الخمس سنين اللي فاتوا.


عقد عمر حاجبيه، بينما نظرت منى إليه بغير فهم.


تابع المستشار المصرفي موجهًا حديثه لمنى تحديدًا:


— حسام ما كانش مجرد راجل أعمال بيسرق نصيب مراته في شركة عقارات.. حسام كان متورط في شبكة معقدة لغسيل أموال وتهريب أصول بنكية لشركات وهمية في الخارج باسم «مجموعة الشناوي أوف شور». وكان بيستند في كل التراخيص دي على عقد تأسيس الشركة الأصلية لسنة 2009، مدعيًا إنه المالك المنفرد بنسبة 100%.


أخرج المستشار ورقة رسمية مختومة بختم النسر وشعار البنك:


— ولما النيابة العامة طلبت مننا مطابقة الأصول بناءً على البلاغ اللي قدمه الأستاذ طارق، اكتشفنا المفاجأة الكبرى.


ساد الصمت الغرفة، حتى أن أنفاس منى كادت تتوقف وهي تنتظر ما سيقوله.


أكمل المستشار المصرفي:


— لما حسام أسس الشركة سنة 2009، واستغل فلوس شقة مدام منى، البنك وقتها رفض يقبل التحويل إلا بحساب مشترك باسم الزوجين، لأن مصدر الأموال كان ميراثًا شخصيًا مثبتًا للمدام من والدها المرحوم إبراهيم عبدالسلام. فحسام عمل إيه؟


فتح طارق المحامي عينيه بدهشة:


— حسام فتح حساب استثماري مجمع باسم منى وبتفويض منه للإيداع فقط، وما كانش يقدر يسحب أصل المبلغ إلا بموافقتها!


قال المستشار:


— بالظبط. ولما حسام زور التنازل العرفي، قدمه للغرفة التجارية وللأستاذ عمر عشان يخرّجها من الشراكة الظاهرة، لكنه «ما قدرش» يقدمه للبنك الاستثماري الأصلي لأن البنوك بتشترط حضور العميل بشخصه لإلغاء الحسابات المشتركة وتغيير بنود الملكية العينية. فعاش حسام 17 سنة يدير الأرباح من خلال حساب وسيط، بينما الحساب الحقيقي الأصلي اللي بتصب فيه أسهم التأسيس وعوائد الأصول ظل مفتوحًا، مجمدًا دفتريًا، وباسم واحد بس: منى إبراهيم عبدالسلام.



وضعت منى يدها على قلبها، وكأنها غير قادرة على استيعاب ما تسمعه:


— يعني.. يعني الفلوس اللي بره دي.. والشركات..؟


رد رئيس النيابة وهو يشير بأوراقه:


— يعني قانونًا، كل عمليات سحب السيولة والأرباح اللي حسام عملها طوال السنين دي كانت بتتم بتوقيع إلكتروني وتفويض منتهي الصلاحية أصلًا منذ تاريخ انتهاء بطاقة الرقم القومي بتاعتك القديمة سنة 2017. حسام جدد التفويض ده بأوراق مزورة ثلاث مرات. وكل حساباته البنكية الخارجية والمحلية، وحتى العقارات والأسهم اللي كان فاكر إنه مأمنها باسم الشركة.. كلها قانونًا وأصولًا مرهونة بحسابك إنتِ وباسمك إنتِ.


تنهد عمر تنهيدة ارتياح بددت كل سنوات الشك القديمة، ونظر إلى منى بابتسامة فخر:


— حسام بنى برجه كله على أرضك يا منى.. وافتكر إنه يقدر يطرد صاحبة الأرض برة من غير ما السقف يقع على دماغه.


في تلك اللحظة، طُرق باب المكتب بعنف، ودخل أحد أمناء الشرطة وهو يقول بصوت لاهث:


— يا فندم.. المتهم حسام الشناوي انهار في الحجز، وبيصرخ وعايز يقابل المدام قبل ما يبدأ استجواب النيابة رسميًا.. بيقول لو ما شافتهاش دلوقتي هيعترف على كل الشركاء وهيحرق كل الصفقات المقفولة!


نظر رئيس النيابة إلى منى بنظرة ذات مغزى، وسألها بهدوء:


— ده حقك القانوني، تقدري ترفضي تمامًا ومحدش يقدر يجبرك تشوفيه، والتحقيق هياخد مجراه وهيتحال للجنايات الليلة.. وتقدري تسمعيه لو حابة تشوفي نهايته بنفسك. القرار ليكي إنتِ يا منى.


التفتت منى نحو عمر، الذي أومأ لها برأسه دون أن ينطق، تاركًا لها كامل الحرية لتختار كبرياءها كيفما تشاء.


أخذت منى نفسًا عميقًا ملأ صدرها بهواء طاهر لم تشعر به منذ سنوات، ثم وقفت بكل ثبات، وعدلت قامتها، ونظرت إلى رئيس النيابة بعينين لا تحملان أي خوف، وقالت بصوت صلب وواضح:


— أنا عايزة أشوفه يا فندم.. بس مش عشان أسمعه، أنا عايزة حسام يبص في عيني ويعرف مين اللي هيدفنه تحت الورق اللي زوره.


نزلت منى الدرج الحجري المؤدي إلى غرفة الحجز برفقة ضابط الحراسة وعمر وطارق. كانت رائحة الرطوبة وأصوات الأغلال المعدنية تملأ الممر، لكن خطواتها كانت أثقل وأكثر ثباتاً من أي وقت مضى. لم تعد تلك المرأة المكسورة التي كانت تتسول مأوى لأطفالها قبل أيام قلائل، بل وقفت تسترد ما سُلب منها طوال ثمانية عشر عاماً.



فُتح باب غرفة الاستجواب الحديدي بصرير حاد.


في الداخل، كان حسام يجلس على مقعد خشبي متهالك، مقيد اليدين إلى الأمام بالكلبشات الحديدية. كانت سترته الفاخرة ممزقة الأزرار، وشعره مشعثاً، ووجهه الذي طالما تفاخر به شاحباً يعلوه العرق والذعر. بمجرد أن رآها تدخل، انتفض محاولاً الوقوف، لكن الحارس خلفه وضع يده على كتفه وأجبره على الجلوس.


صرخ حسام بصوت أجوف ومبحوح:


— منى! بالله عليكي يا منى.. قولي لهم إنك عارفة كل حاجة! قولي لهم إنك كنتِ مفوضاني، الحسابات دي هتتدمر.. أنا محبوس هنا والنيابة موجهة لي جنايات تزوير وغسيل أموال وتهريب نقد! دي فيها مؤبد.. مؤبد يا منى!


وقفت منى أمامه مباشرة، تفصل بينهما طاولة خشبية متهالكة. وضعت يديها في جيبي معطفها، ونظرت إليه بنظرة باردة وفارغة تماماً من أي شفقة أو غضب، كأنها تنظر إلى شبح لرجل لم تعد تعرفه.


قالت بصوت رخيم وهادئ:


— إنت مش خايف على ولادك يا حسام؟ مش خايف على ياسين وملك اللي رميتهم في الشارع في عز البرد؟ مش ده اللي كنت بتقوله من كام ساعة؟


ضرب حسام بكلبشاته على الطاولة بصوت مدوٍ:


— سيبك من الكلام ده دلوقتي! التنازل.. محاميكي يسحب البلاغ ويعمل تسوية، وكل اللي إنتِ عايزاه هتاخديه! الفلوس اللي في البنك باسمك أصلاً، خديها كلها.. خدي الـ 48 مليون، خدي الشقق، خدي كل حاجة بس خرجيني من هنا! شيرين مراتي التانية أول ما عرفت إن الحسابات اتجمدت رفعت خلع وهربت بالذهب! ماليش غيرك يا منى.. إحنا عشرة 18 سنة!


انحنت منى قليلاً نحوه، وقالت بنبرة حفرت كل حرف في ذاكرته:


— العشرة إنت اللي دفنتها يوم ما زوّرت إمضتي وبنيت شركتك بدم أبويا وأمي. ويوم ما وقفت قدام الباب وقلت لي «مالكيش حاجة عندي.. واطلعي برة بالهدوم اللي عليكي». الفلوس مش إنت اللي هتديهالي يا حسام.. الفلوس القانون اللي هيرجعها، مليم ينطح مليم، حق شقايا وحق مستقبل ولادي.


ثم نظرت إلى عينيه الزائغتين وأكملت:


— أنا جيت هنا لسبب واحد بس.. عشان تشيل من دماغك فكرة إنك أذكى من الدنيا، وتعرف إن «الرقم الصغير» اللي سيبته وراك في البنك من 17 سنة.. هو نفسه الرقم اللي هيفضل مكتوب على بدلة السجن بتاعتك.



استدارت منى لترحل، فصرخ حسام وراءها بهستيريا ودموعه تسيل على وجنتيه:


— منى! ما تمشيش! منى، أنا هضيع! عمر.. كلمهالي يا عمر!


لكن عمر لم يلتفت إليه حتى؛ فتح الباب لمنى وخرج خلفها، تاركاً حسام يصرخ في قاع زنزانته، بينما أغلق الحارس الباب الحديدي ليقطع صوته إلى الأبد.


مرت ستة أشهر سريعة، تبدلت فيها ملامح الحياة تماماً.


أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمها النهائي المشدد على حسام الشناوي بالسجن لمدة عشر سنوات مع الشغل والنفاذ، مع إلزامه برد كافة المبالغ المستولى عليها وتغريمه مبالغ طائلة لصالح الضرائب والبنك، بعد ثبوت تزويره المحررات الرسمية واستيلائه غير المشروع على أموال الشراكة والتهرب الضريبي.


أما منى، وبفضل الجهد القانوني الشاق للمحامي طارق والملفات الدقيقة التي حفظها عمر، فقد استردت كامل حصتها القانونية البالغة 40% من أصول المجموعة، والتي قُدّرت بعد التصفية والتسوية بأكثر من خمسين مليون جنيه، بالإضافة إلى إعادة تسجيل شقة التجمع الخامس باسم طفليها ياسين وملك كتعويض نهائي.


وفي عصر يوم مشمس من أيام الربيع، كانت منى تقف في شرفة شقتها الجديدة الواسعة المطلة على حديقة غناء. لم تعد تلك السيدة المشتتة التائهة؛ كانت ترتدي ثياباً عملية وأنيقة، تدير بنفسها محفظتها الاستثمارية في شركة تأسست حديثاً بالشراكة النزيهة مع مجموعة عمر رأفت لإدارة الأصول الطبية، لتعود إلى شغفها القديم في إدارة العيادات والمراكز الصحية ولكن هذه المرة بصفتها مالكة ومديرة.


في الحديقة بالأسفل، كان صوت ضحكات ياسين يملأ المكان وهو يركض خلف جرو صغير أهداه إياه عمر في عيد ميلاده الثامن، وخلفه ملك الصغيرة تصفق وتضحك ببراءة.


خرج عمر إلى الشرفة حاملاً كوبين من الشاي، وناولها واحداً بابتسامة دافئة:


— مبروك يا منى.. العقود النهائية لفرع المركز الجديد اتوقعت النهاردة، وبداية التشغيل الأسبوع الجاي.


أخذت منى الكوب ونظرت إلى الأفق، ثم إلى ولديها وهما يلعبان بأمان تام تحت حرية الشمس.


ابتسمت ابتسامة هادئة ملؤها الرضا والقوة، وقالت بصوت واثق:


— الله يبارك فيك يا عمر.. الفضل لله ثم لوقفتك. بس الأهم من الشغل والفلوس.. إن ولادي هيناموا النهاردة وكل ليلة، وهما عارفين إن بيتهم ملكهم، وكرامتهم محدش يقدر يمسها أبدًا.



نظرت إلى ياسين وهو يلوح لها بيده من بعيد صارخاً بفرح: «ماما.. بصي الكلب بيجري إزاي!»، فلوحت له بحب، مطمئنة أن الحكاية التي بدأت بدمعة وخوف في ليلة باردة أمام باب غريب، انتهت بعدلٍ أعاد كل حق لأصحابه وأشرقت معها حياة جديدة لا مكان فيها للظلم.


 


 




تعليقات

التنقل السريع
    close