القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت طلقت مراتي وطردتها بره حياتي أماني سيد

 سكريبت طلقت مراتي وطردتها بره حياتي أماني سيد 




سكريبت طلقت مراتي وطردتها بره حياتي أماني سيد 


طلقت مراتى

طلقت مراتى

طلقت مراتي وطردتها بره حياتي أول ما صوتها راح وبقت عاجزة حتى تتكلم جملة مفيدة، وكنت فاكر إني ارتحت من إحراج كبير كان هيفضل يلازمني.. بس تاني يوم الصبح، صحيت على رنة تليفون، واللي سمعته على الطرف التاني خلاني أفقد النطق من الرعب ويغمى عليا في مكاني!طول عمري بحب الوجاهة والمظاهر الاجتماعية العالية. شغلي كمدير علاقات عامة علّمني إن الانطباع الأول هو كل حاجة؛


أسلوبك، لبسك، وطريقة كلامك. وعشان كده لما قررت أتجوز، كان عندي شرط واضح: شريكة حياتي لازم تكون واجهة تشرف، لبقة، ومثقفة، وصوتها وحضورها يلفتوا نظر كل الناس في أي عزومة أو مؤتمر.دورت كتير لحد ما لقيت "فريدة". كانت مذيعة راديو صوتها دافي يخ.طف القلب، وطاقتها الإيجابية وحلاوة لسانها كانوا كفاية يخلوها نجمة أي مجلس تقعد فيه.


اتجوزنا، وعشت معاها سنتين هما الأجمل، كنت فخور بيها جداً، وصحابي وزملائي ديماً يحسدوني على ذكائها وحضورها الراقي وطريقتها في الكلام اللي تفتح أي باب مقفول. لكن الأحلام مبدومش على وتيرة واحدة.في يوم، فريدة بدأت تشتكي من بحة شديدة ومستمرة في حنجرتها. الموضوع زاد عن حده، ولما روحنا لكبار الدكاترة، اتصدمنا بوجود ورم على الأحبال الصوتية لازم يتشال فوراً. العملية نجحت في استئصال الورم، بس النتيجة كانت قاسية ومؤلمة: الأحبال الصوتية اتضررت بشكل دائم، وصوت فريدة الحلو انطفى.


. بقى مجرد فحيح واطي ومبحوح بصعوبة بالغة، وأحياناً بيقطع تماماً ومبتعرفش تطلع كلمة.من اللحظة دي، نظرتي ليها اتغيرت بالكامل.بدل ما أكون جنبها في أزمتها، حسيت بالنفور والخنقة. مبقتش قادر أتحمل صوتها الجديد وهو طالع مكسور كأنه وشّ أجهزة، والأصعب إني بقيت أتكسف منها جداً. بطلت أعزم أي حد في بيتي، ورفضت تماماً إنها تخرج معايا في أي مناسبة تخص شغلي أو عيلتي. لما تسألني عن السبب، أتحجج بإن المكان زحمة وإنها محتاجة راحة، بس الحقيقة المرة إني كنت مرعوب من نظرات الشفقة والأسئلة اللي ملهاش لازمة: "مال صوتها؟


بقت كده ليه؟".فريدة حاولت تتأقلم، وبدأت تستخدم كشكول وتطبيقات على الموبايل عشان تتواصل وتكتبلي كلام حب واهتمام، بس أنا كنت بقلب عيني بضيق وأتهرب، كإني عايش مع شبح مش مع مراتي. لحد ما جه اليوم اللي فجر البركان. كان عندي حفل التكريم السنوي في شركتي، والترقية لمنصب شريك كانت معتمدة على انطباع مجلس الإدارة وعائلاتهم. فريدة كانت فرحانة جداً باليوم ده، واعتبرته خطوة جديدة ليا وليها.


دخلت عليها الأوضة لقيتها لابسة أشيك فستان ومجهزة نفسها، وماسكة كارت صغير كاتباه بخط إيدها: "مبروك يا حبيبي، فخورة بيك".أول ما شوفتها، حسيت بضيق رهيب خنق صدري. بصيت لها ببرود وقسوة وقولت: "فريدة.. اقلعي الفستان، أنتي مش جاية معايا". الدمعة نزلت من عينها فوراً، ومسكت الكشكول كتبت بإيدين بترتعش: "ليه يا كريم؟ ده يومك المهم وعايزة أكون جنبك.. مش هتكلم خالص لو ده اللي مضايقك".


كلامها حطني قدام قبح موقفي، وده خلاني أنفجر بعصبية عشان أهرب من خجلي: "لا مش هتيجي! وجودك كده هيخليهم يبصولنا بشفقة وفضول، وأنا مش حمل أسئلة سخيفة الليلة دي! كفاية إحراج بقى لحد كده!".فريدة بصتلي بنظرة انكسار مرعبة، وبصوتها المبحوح التعبان حاولت تصرخ، بس كل اللي طلع فحيح مقهور وهي بتشاور على قلبها، كأنها بتسألني: "وده.. ملوش قيمة عندك؟



. ونزلني دلوقتي عند أهلي".أنا في اللحظة دي حسيت براحة خبيثة، كأن جبل وانزاح من على قلبي. قولت لها من غير تردد: "أنتي طالق يا فريدة، وده أنسب حل لينا إحنا الاتنين". أخدتها بعربيتي ونزلتها عند بيت أهلها من سكات ورجعت شقتي.بالليل، نمت نوم عميق بعد فترة طويلة من الضغط والتوتر، مقتنع إني خلاص اتخلصت من العقبة اللي كانت مهددة مظهري وشكلي قدام الناس.


تاني يوم الصبح، صحيت على رنة متواصلة لموبايلي من رقم غريب، فتحت الخط بصوت نايم، بس الجملة اللي اتقالتلي من المتحدث خلتني أتجمد، والدم نشف في عروقي، وفقدت الوعي وسقطت على الأرض من هول الكارثة اللي حصلت! فتحت عيني وأنا مرمي على أرضية الصالة، راسي بتلف والتليفون واقع جمبي على السجادة وشاشته لسة منورة. كنت فاكر لثواني إني كنت بحلم بكابوس مرعب، بس الصوت اللي كان طالع من السماعة رجّعني للواقع بصفعة قاسية:"أستاذ كريم؟ حضرتك معايا؟


البقاء لله.. عربية النقل دخلت في عربية تاكسي على الدائري، والمدام ووالدها اتوفوا في الحال".الجملة دي وقعت عليا كأن السقف انهار فوق راسي. فريدة ماتت؟ ووالدها كمان؟!قومت وأنا مش حاسس برجليا، نزلت زي المجنون رايح المستشفى. طول الطريق وش فريدة المكسور ونظرة عيونها الأخيرة مكانوش بيفارقوني. وصلت المشرحة، والدنيا كانت بتلف بيا وأنا شايف الملاية البيضا بتترفع عن وشها. كانت ملامحها هادية، صافية جداً، ومفيهاش أي أثر للألم.



. بس أنا كنت بمو.ت في جلدي ألف مرة من وخز الضمير والندم اللي بدأ ينهش في روحي.أخو فريدة الصغير كان واقف بره منهار، أول ما شافني مقرب جري عليا ومسكني من قميصي، وعيونه كلها شرار وغضب:"جاي تعمل إيه هنا؟ ! جاي تكمل عليها؟! فريدة نزلت إمبارح منهارة، وبابا لما لقاها كده أصر ياخدها الفجر يسافروا إسكندرية يغيروا جو عشان متشوفش وشك تاني.. ذنبها في رقبتك أنت يا أناني!


".الناس فضت الخناقة بالعافية، ومكنتش قادر حتى أرد ولا أدافع عن نفسي. دفنتها ودفنت عمي، ورجعت شقتي زي الميت الحي. الشقة اللي كنت فاكر إني هرتاح فيها من غير صوتها بقت مقبرة سكون بتصرخ في وشي في كل ركن. دخلت أوضة النوم، وفجأة عيني جت على التسريحة. كان فيه كشكول صغير لونه أزرق هي كانت بتكتب فيه بعد ما صوتها راح، وجنبه علبة قطيفة حمرا صغيرة شكلها جديد.قربت بإيد بتترعش وفتحت العلبة؛


كان فيها خاتم فضة قيم محفور عليه اسمي وتاريخ اليوم اللي اتجوزنا فيه. فتحت الكشكول على آخر صفحة كانت كاتباها قبل ما أطردها بساعات قليلة:"عارفة يا كريم إن صوتي تعبك ومسببلك إحراج قدام الناس، وعارفة إنك مش قادر تستحملني كده. . الدكتور كلمني أول إمبارح وقالي إن فيه عملية دقيقة جداً في ألمانيا نسبة نجاحها 80% عشان ترجع الأحبال الصوتية لحالتها، ومكنتش عايزة أقولك غير في حفلة تكريمك عشان تكون مفاجأتي ليك مع الهدية دي.


. كنت عايزة أقولك بصوتي الجديد إني فخورة بيك يا سندي. بس خلاص.. واضح إنك مكنتش محتاج صوتي.. أنت مكنتش محتاجني أنا من الأساس. سامحني لو كنت عبء عليك". الصفحة كانت مبلولة بآثار دموعها الجافة.ساعتها، وفوق السرير الفاضي، انهرت في عياط هستيري لأول مرة في حياتي. قعدت أصرخ بصوت عالي جداً لحد ما حسيت إن حنجرتي بتتقطع، كنت بنادي على فريدة وعايزها ترجع بس عشان أقولها إني أسف، إني أعمى، وإني خسرت الجوهرة الحقيقية عشان شوية قشور فارغة.



بس الصراخ مكنش هيرجع اللي راح.. والبيت فضل ساكت، سكون قاسي هيفضل يعاقبني بيه طول ما فيا نفس بيطلع وبينزل. مرت شهور على اليوم ده، وأنا محبوس جوة جدران الشقة، رافض أخرج ورافض أقابل أي بني آدم.الشركة اللي ضحيت بفريدة عشان ترقيتي فيها، بعتتلي جواب إنهاء خدمة بعد ما غبت أسابيع ومبقتش أرد على تليفوناتهم. المنصب والمظاهر والبدل الشيك اللي كانت كل همي، بقوا مجرد كراكيب مركونة في الدولاب بتاكلها العتة.


بقيت عايش على المسكنات والمهدئات، وكل ما عيني تغفل دقيقة، أسمع فحيح صوتها المبحوح وهو بيترجاني، أو أشوف نظرة عينها المكسورة وهي بتمسح دموعها قبل ما تنزل من العربية. في ليلة من ليالي الشتا، وأنا قاعد في الصالة في الضلمة، حسيت بألم حارق في زوري. كتمت أنفاسي وافتكرته دور برد عادي، بس الألم بدأ يزيد مع كل نفس باخده، وبدأ يمتد لرقبتي وصوتي يختفي تدريجياً.لما الألم مبقاش يُحتمل، نزلت المستشفى بنفسي الفجر.


دخلت الطوارئ، والدكتور حوّلني فوراً لاستشاري أنف وأذن وحنجرة.قعدت على نفس الكرسي اللي فريدة قعدت عليه من سنة. الدكتور دخل المنظار من مناخيري لزوري، وبدأ يفحص وهو ساكت، وكل ما يمر الوقت، ملامحه كانت بتتقبض وتتحول لجمود مرعب.طلع المنظار، وقلع الجوانتي ببطء شديد، وبصلي بنفس النظرة اللي حفظتها زمان، وقال:"للأسف يا أستاذ كريم، التهاب مزمن وتحور عنيف في خلايا الأحبال الصوتية ناتج عن صدمة عصبية وإهمال شديد.



. فيه أورام ليفية واكلة نص الحنجرة، ولازم استئصال كامل للأحبال الصوتية خلال 48 ساعة عشان نلحق نوقف انتشارها". بصيت للدكتور وأنا مش مستوعب. حاولت أتكلم، حاولت أسأله، أصرخ فيه، بس كل اللي خرج من حنجرتي كان فحيح مكتوم وتافه.. نفس الفحيح اللي كنت بقرف منه زمان.خرجت من المستشفى تايه في الشوارع تحت المطر.


كنت بضحك بهستيريا ودموعي نازلة تحرق في خدي.العقاب مكانش مجرد ندم، العقاب جه من نفس الباب اللي ظلمت منه. أنا اللي كنت بتباهى بصوتي وحضوري ولبقاتي، هعيش بقية عمري أخرس، أكتب في كشاكيل زي ما هي كانت بتكتب، وأستنى شفقة الناس ونظرات فضولهم اللي كنت مرعوب منها. رجعت الشقة، قعدت على مكتبي، وطلعت نفس الكشكول الأزرق بتاع فريدة. مسكت القلم بإيدين بترتعش، وفتحت الصفحة اللي بعد كلامها الأخير، وكتبت سطر واحد بس قبل ما أدخل العمليات:"الذنب مكنش في صوتك يا فريدة.


. الذنب كان في روحي اللي كانت صماء وعمياء من البداية".العملية خلصت، وخرجت منها وأنا مش حاسس غير بفراغ بارد بيبلع زوري، وثقب صغير في رقبتي بتنفس منه بالعافية. أول ما فوقت من البنج، حاولت أنده على الممرضة.. فتحت بوقي، بس مفيش ولا ذرة صوت طلعت، حتى الفحيح البسيط اللي كنت بتكلم بيه اختفى تماماً. الصمت بقى هو لغتي الإجبارية لبقية عمري.الدكتور دخل، طبطب على كتفي بنظرة شفقة كنت بمو.


ت من مجرد تخيلها، وسابلي كشكول أبيض وقلم فلوماستر أسود على الكومودينو وقال بهدوء: "ده وسيلة تواصلك من هنا ورايح يا كريم. . حمد لله على سلامتك".بصيت للكشكول الأبيض، ولقيت صورة فريدة وهي ماسكة كشكولها الأزرق بتنط في خيالي. سبت المستشفى ورجعت على شقتي القديمة، بس مكنتش نفس الشقة، كانت متحف لذكريات بتجلد فيا ليل نهار.



بعت عربيتي الغالية، وقفلت حساباتي على السوشيال ميديا، وعزلت نفسي عن دايرة معارفي القديمة كلها؛ الناس اللي كنت خايف من نظرتهم ومظهرتي قدامهم، ولا واحد فيهم كلف نفسه يسأل عني بعد ما بقيت "من غير صوت".في يوم جمعة، قررت أزور قبرها. دي كانت المرة الأولى اللي أجرؤ فيها أروح من بعد يوم العزا.


المقابر كانت هادية، وريحة التراب مع هواء العصر عاملة سكون غريب. قعدت على ركبي قدام الشاهد اللي مكتوب عليه اسمها، وحطيت إيدي المرتعشة على الرخام البارد.طلعت الكشكول الأزرق بتاعها من جيبي، كان متبهدل ومتقطع من كتر ما مسكته وقريت كلامها آلاف المرات. قعدت أعيط في صمت مطبق، دموع بس من غير أي شهقة ولا صوت بكا طالع من صدري. كنت عايز أصرخ في التراب وأقولها إني بتعاقب كل يوم، وإن كل ثانية بتمر عليا في صمتي هي عقاب عادل على الثانية اللي خجلت فيها منها.


وفجأة، حسيت بإيد صغيرة بتتحط على كتفي.اتلفتت ببطء، لقيت طفلة صغيرة عندها حوالي ست سنين، ملامحها بريئة ولابسة فستان أبيض، وفي إيدها وردة بلدي شكلها قطفاها من جنينة قريبة. الطفلة بصتلي بابتسامة صافية، ومسكت طرف كمي ومدتلي الوردة.وراها على طول، ظهرت ست كبيرة في السن بتجري عليها بخوف، ملامحها كانت مألوفة جداً.. دي كانت خالة فريدة، بس مكنتش واخدة بالها مني في الأول.



الست أول ما عينيها جت في عيني اتجمدت، وشها اتملى غضب وألم، بس لما شافت الخرطوم الصغير اللي في رقبتي، والكشكول اللي في إيدي، ووشي الشاحب والشيب اللي ملا راسي في سن التلاتين، نظرة الغضب اتحولت لذهول وصدمة ممتزجة برحمة غريبة. قربت من الطفلة وسحبتها براحة، وبصتلي والدموع اتجمعت في عيونها وقالت بصوت هادي يقطع القلب:"فريدة قبل ما تسافر الليلة دي مع أبوها.


. قعدت تبكي في ح.ضني بالساعات يا كريم. مكنتش زعلانة منك ولا بتدعي عليك، كانت بتدعي ربنا يهديك ويسامحك عشان كانت عارفة إنك ضعيف وغرتك الدنيا".سكتت شوية ومسحت دمعتها وكملت:"ربنا يسامحك يا ابني.. ويا ريتك اتعلمت الدرس قبل ما تدفع التمن ده كله". مسكت إيد البنت ومشيت، وسابتني لوحدي قدام القبر.مسكت الوردة اللي الطفلة سابتهالي، وحطيتها على رخام القبر جنب اسمها. فتحت الكشكول على آخر صفحة بيضا، ومسكت القلم، وكتبت جملة أخيرة وقفلت الكشكول وسيبته هناك، مدفون في الرمل جمبها:"أنا اتعلمت يا فريدة.. بس بعد ما فات الأوان، وبعد ما السكوت بقى الحقيقة الوحيدة اللي بستحقها".


تعليقات

التنقل السريع
    close