القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 هدية حماتي  كامله حكايات زهرة حصري



هدية حماتي  كامله حكايات زهرة حصري


حماتي جابتلي قميص نوم ورمته  في وشي في نص الصاله قدام اولادها وقالتلي خدي استحمي والبسيه يمكن يغير منظرك اللي يسد النفس ده ، بصيت لجوزي علشان يتكلم بس اتخرس زي العاده ، وطيت اخدت القميص وابتسمت وقولتلها تؤمريني يا حماتي ، وليلتها البيت كله كان بيدفع تمن اللي عملته !!!


من وقت ما دخلت بيت جوزي من عشر سنين وانا شايلة البيت كله على دماغي. أصحى من الفجر أطبخ وأغسل وأمسح السلالم وأروق الصالة الكبيرة وباقي البيت

كنا اربع شقق في البيت شقة حماتي وشقتي انا و جوزي وشقتين لاخواته الاصغر وزوجاتهم....بس كنا كلنا بناكل ونشرب عند حماتي عشان متقعدش لوحدها، ولازم الفطار و الغدا والعشا ينزلوا في ميعادهم على السفره الكبيرة.

سلفاتي الاتنين؟ دول الهوانم. بيصحوا الساعة اتنين الضهر، نازلين على سنجة عشرة، مانكير في إيديهم وميك أب كامل، ولا واحدة فيهم تمد إيدها تشيل طبق. كل ما أقول لوحدة فيهم "تعالي يا فلانه ساعديني حتى لفي معايا المحشي " تقولك "معلش يا سوسو أصل دراعي وجعني" والثانية تقول "أصل جوزي ما بيحبش ريحة التوم تدمك في إيدي". وأنا أفضّل واقفة في المطبخ بالساعات، وهدومي تتبهدل، وريحة البصل والأكل ماسكة فيا، وجوزي يرجع آخر النهار يلاقيني هدومي تبكي من التعب، وهو ولا


حاسس.

في اليوم ده، كان يوم جمعة. الكل في إجازة، وسلفاتي نازلين من شققهم طالعين من الحمام يبرقوا، لابسين نضيف ومتعطرات وقاعدين يهزروا ويضحكوا مع عيالهم في الصالة. أنا الوحيدة اللي كنت غرقانة في المطبخ وسط العرق والدخان والصلصة.

حماتي نادت بصوت هز البيت: "يا سعاااااد!".

سبت اللي في إيدي وطلعت أجري بابتسامتي المعتادة اللي كنت بداري بيها قهرتي: "نعم يا حماتي، تؤمريني؟".

بصتلي بقرف من فوق لتحت.. كانت ماسكة في إيدها كيس أسود، فتحته وراحت رمت قطعة هدوم نزلت على صدري ووقعت على الأرض في نص الصالة. كان قميص نوم أحمر، كاشف وشكله يكسف ومينفعش ينشاف أصلاً قدام العيال ولا الرجالة!

قالت بصوت عالي وضحكة فيها كل شر الدنيا: "خدي يا اختي.. ابقي استحمي و انضفي كده والبسيه لجوزك يمكن يفتح نفسه! بدل ما هو قاعد طول النهار في الشغل هربان من خلقتك وريحة البصل اللي طالعة منك!".

البيت كله سكت ثانية، وبعدها سلفاتي بدأوا يضحكوا في سرهم ويداروا وشوشهم، وحتى العيال الصغيرة بقوا يبصوا لبعض ويضحكوا. القميص كان محطوط على الأرض مسكته ورفعته لفوق وأنا مذهولة.. مش مصدقة إنها بتفضحني وتديني حاجة خاصة أوي كده قدام ولادها المتجوزين وسلفاتي!

حماتي كملت بسخرية وتريقة: "إيه؟ تنحتي ليه؟ متعرفيش

ايه ده أقطع دراعي لو كنتي سبق ولبستي حاجة تفتح نفس الواد! مش شايفه سلفاتك بينوروا إزاي ونضاف إزاي؟ تعلمي منهم شوية بدال الخيبة اللي إنتي فيها!".

النار ولعت في صدري.. سلفاتي بينوروا؟ طبيعي بينوروا! ما هما قاعدين متهنيين في التكييف وأنا اللي محروق دمي في المطبخ بجهز لأكل لاكتر من ١٠ افراد ! سلفاتي لو واحدة فيهم فاكرة إنها هتطبخ كان البيت اتقلب. أنا لو حبيت أطلع شقتي أرتاح نص ساعة ولا أغير هدومي، ألف مين ينادي عليا: "هاتي مية يا سعاد"، نضفي يا سعاد"، امسحي ورا الواد يا سعاد"!

لفيت وشي وبصيت لـ "أحمد" جوزي.. كبيرهم.. اللي مفروض يرفع راسي ويقول لأمه "عيب يا أمي دي مراتي وشايلانا كلنا". بصيتله بعين مليانة رجاء وقهرة.. بس أحمد اتخرس. زي كل مرة، عمل نفسه مش سامع، وطس عينه في الأرض وقعد يحرك رجله بتوتر.

في اللحظة دي، حاجة جويا اتكسرت وماتت.

بصيت لحماتي بثبات ، وابتسمت ابتسامة هادية جداً..

قوتلها بصوت واثق: "تؤمريني يا حماتي.. من عينيا الإتنين".

أخدت القميص وطلعت على شقتي فوق.

خلصت صلاة الجمعة، والأكل اللي كنت طبخته اتحط على السفره تحت. طبعاً أنا مانزلتش.

الحاجة قعدت في نص السفره وقالت : "عملت زعلانة الهانم؟ أحسن، سيبوها.. كلو إنتو وهي لما تجوع هتزل!".

بس

أنا مكنتش زعلانة.. ولا كنت بعيط في الأوضة زي كل مرة. أنا كنت بريح وانضف زي ما حماتي طلبت ...هو انا من امتى بكسر لها كلمه

وليلتها البيت كله اتقلب اللي عملته جننهم كلهم 

تاني يوم صحيت قبل الكل زي عادتي، بس المرة دي ما دخلتش المطبخ.

وقفت قدام المراية وبصيت لنفسي شوية. عشر سنين وأنا كل ما أبص في المراية ألاقي واحدة تعبانة، شعرها مربوط بسرعة، هدومها كلها ريحة أكل، ووشها مفيهوش غير الإرهاق.

لكن النهارده كنت مختلفة.

استحميت، لبست دريس شيك، سرحت شعري، حطيت لمسة بسيطة من الميكب وبرفان كنت شاريته من زمان ومش بستخدمه عشان "البيت والأكل".

وقعدت في الصالة أشرب قهوتي.

بعد شوية سمعت صوت حماتي من تحت:

"يا سعااااد! الفطار يا بنتي!"

سمعت وسكت.

نادت تاني: "يا سعاد! إنتِ نايمة ولا إيه؟"

فضلت ساكتة.

بعدها سمعت سلفتي الأولى بتقول: "يمكن تعبانة."

حماتي ردت: "تعبانة إيه؟ دي من يوم ما دخلت البيت وهي بتعمل نفسها تعبانة لما يكون وراها شغل!"

ابتسمت لوحدي.

بعد عشر دقايق، الباب خبط.

فتحت لقيت سلفتي واقفة.

بصتلي من فوق لتحت وقالت باستغراب: "إنتِ خارجة؟"

قلت: "لا."

قالت: "طب إنتِ لابسة كده ليه؟"

ابتسمت: "عادي... حبيت ألبس حلو."

قالت: "والفطار؟"

رديت بمنتهى الهدوء: "معرفش."

اتسعت عينيها: "يعني إيه معرفيش؟"

قلت: "يعني معرفش."

نزلت على مهلي، ودخلت الصالة وأنا مبتسمة.

حماتي كانت قاعدة قدامها السفرة فاضية، وسلفاتي قاعدين جنبها.

قالت بعصبية: "الفطار فين؟"

قلت: "معرفش."

ضربت بإيدها على السفرة: "يعني إيه معرفش؟!"

قلت: "زي ما سمعتي."

قالت: "إنتِ بتتريقي عليا؟"

رديت: "أبدًا يا حماتي، أنا بس جاية أقولك إني مش هقدر أعمل الفطار النهارده."

قالت: "مش هتقدري؟! ليه؟"

بصيت لسلفتي الأولى وقلت: "أصلي دراعي وجعني."

سلفتي شهقت، وسكتت.

بصيت للتانية: "وجوزي مش بيحب ريحة التوم في إيدي."

وشها اتقلب.

حماتي بصت لهم وبعدين بصتلي: "إنتِ بتقلديهم؟"

قلت: "لا يا حماتي، أنا بتعلم منهم بس."

قالت: "يعني إنتِ عايزة تقولي إنك هتبطلي تخدمي؟"

قلت: "أنا مش بقول هبطل أخدم، أنا بقول مش هبقى الخدامة الوحيدة في البيت."

سكتت ثواني.

وبعدين قالت: "اطلعي شقتك!"

طلعت.

ولأول مرة، وأنا طالعة السلم، ما حسيتش إني مكسورة.

حسيت إني رجعت لنفسي.

الساعة بقت واحدة الظهر.

مفيش غدا.

اتنين.

مفيش غدا.

تلاتة.

حماتي بدأت تتنرفز.

ولما قرب ميعاد العصر، بعتت واحدة من العيال تناديني.

نزلت لقيتها قاعدة مستنياني.

قالت: "إحنا هنفضل كده كتير؟"

قلت: "مش فاهمة."

قالت: "الغدا فين؟"

قلت: "معرفش."

صرخت: "يعني إيه معرفش؟!"

قلت: "يعني أنا مش اللي بطبخ النهارده."

قالت: "أمال مين هيطبخ؟"

بصيت لسلفاتي.

"أي واحدة فيهم."

سلفتي الأولى قالت بسرعة: "أنا عندي صداع."

والتانية: "وأنا رجلي بتوجعني."

بصيت لحماتي وقلت: "شايفة؟ كل واحدة عندها عذر."

قالت: "وإنتِ كنتِ بتعملي إيه طول السنين اللي فاتت؟"

قلت:


"كنت بعمل اللي مفيش حد كان عايز يعمله."

ردت: "وهو ده مش واجبك؟"

ضحكت.

"واجب مين يا حماتي؟ مراتي أخويا التانية ولا أنا؟"

سكتت.

قلت: "أنا كنت بعمله عشان بحبكم، وعشان أعتبركم أهلي. لكن لما بقيتوا تعتبروا ده حق مكتسب، ولما بقيتي ترميلي قميص نوم في وشي قدام الناس وتعايريني بشكلي وريحة الأكل، ساعتها فهمت إن اللي بعمله مش بيتشاف حب... بيتشاف واجب."

قالت: "أنا كنت بهزر!"

بصيتلها: "الهزار يا حماتي مش بيكسر النفس."

سكتت.

وكملت: "أنا يومها رجعت شقتي وقعدت أسأل نفسي سؤال واحد: هو أنا عملت فيكم إيه عشان أتهان بالشكل ده؟"

دموعي لمعت، لكني ما خليتهاش تنزل.

"ولقيت الإجابة... إني سكت كتير."

بالليل، كلهم اتجمعوا على السفرة.

والسفرة كانت فاضية.

حماتي نادت: "يا سعاد!"

نزلت وأنا لابسة هدوم شيك، وشعري مفرود، ورايقة بشكل خلاهم كلهم يبصوا لي.

قالت: "العشا فين؟"

قلت: "معرفش."

قالت: "إنتِ مصممة تكملي في اللي بتعمليه؟"

قلت: "أنا مش بعمل حاجة. أنا بس بطلت أعمل كل حاجة."

سلفتي قالت: "يا ماما سيبيها، شكلها واخدة الموضوع تحدي."

بصيتلها وقلت: "لا يا حبيبتي، مش تحدي. دي حياة."

حماتي قامت من مكانها وقالت: "بقى بعد عشر سنين خدمة، تيجي في يوم وليلة وتعملي فيها ست البيت؟"

رديت: "أنا كنت ست البيت طول العشر سنين، بس محدش كان بيشوفني."

قالت: "أنتِ عايزة إيه بالظبط؟"

قلت: "احترام."

ضحكت بسخرية: "احترام؟ وإنتِ فاكرة نفسك مين؟"

المرة دي بصيت في عينيها مباشرة.

"أنا مرات ابنك."

قالت: "بس مراتي ابني مش معناها إنها تتكبر علينا."

قلت:

"وأنا عمري ما اتكبرت. أنا اللي كنت بصحى قبل الكل وأنام بعد الكل. أنا اللي كنت أغسل هدوم عيالكم، وأنا اللي كنت أعمل الأكل اللي بتحبوه، وأنا اللي كنت أسيب جوزي وبيتي عشان أجري على طلباتكم."

وسكت شوية.

"بس فيه فرق بين إن الست تساعد أهل جوزها، وبين إنها تلغي نفسها عشان ترضيهم."

البيت كله سكت.

في اللحظة دي، أحمد دخل.

بص للسفرة الفاضية وقال: "في إيه؟"

حماتي قالت: "مراتك قررت تتجنن علينا."

بصلي أحمد.

قلت: "أيوه يا أحمد، مراتك اتجننت."

اتصدم من طريقتي.

قرب مني وقال: "إنتِ بتتكلمي كده ليه؟"

قلت: "عشان أول مرة في حياتي بتكلم."

قال: "يعني إيه؟"

قلت: "يعني لما أمك رمتلي القميص في وشي امبارح، كنت مستنية منك كلمة."

سكت.

"كلمة واحدة بس يا أحمد. كنت مستنية تقول لها: عيب."

نزل عينه.

قلت: "بس إنت ما قلتش."

حماتي دخلت: "هو ابني ماله؟ أنا أمه!"

لفيت لها: "وأنا مراته. وكان المفروض يبقى راجل ويقف في النص بدل ما يسيبني لوحدي."

أحمد قال: "خلاص يا سعاد."

رديت: "لأ، مش خلاص."

دي كانت أول مرة أقولها له.

"كل مرة كنت بتقول خلاص، وأنا اللي كنت بدفع تمن الخلاص ده. أرجع المطبخ، أعتذر، وأضحك كأني ما اتوجعتش."

حماتي قالت: "أمال عايزة إيه؟"

قلت: "عايزة كل واحدة تشيل مسؤوليتها."

وأشرت لسلفاتي.

"دي شقتها وعيالها وجوزها. ودي شقتها وعيالها وجوزها. وأنا ليا بيتي وجوزي وعيالي. لو هنتجمع عندك ناكل، يبقى كل واحدة تعمل حاجة. مش أنا أطبخ وأغسل وأمسح وأنتم قاعدين تتفرجوا."

سلفتي قالت: "إنتِ بتتكلمي علينا؟"

قلت: "أنا بتكلم عن اللي حصل.

"

قالت: "طب ما إحنا عمرنا ما طلبنا منك تعملي كل ده."

ضحكت.

"صح... بس أول ما كنت بتأخر كنتوا بتقولوا سعاد اتغيرت، وسعاد اتكسلت، وسعاد بقت مقصرة."

بصيت لحماتي: "والنهارده عرفتوا إن سعاد لما تبطل، البيت كله يقف."

حماتي احمر وشها.

قالت: "أنا مش هسمحلك تتكلمي معايا بالطريقة دي."

قلت بهدوء: "وأنا كمان مش هسمحلك تكلمني بالطريقة اللي كلمتيني بيها امبارح."

سكتنا الاتنين.

وبعدين قربت منها خطوة وقلت:

"القميص اللي رميتيه في وشي امبارح؟"

بصتلي.

"أنا مش زعلانة منه عشان قميص. أنا زعلانة عشان إنتِ حاولتي تكسري كرامتي قدام الناس."

وبصيت لأحمد.

"وهو سكت."

ثم رجعت بصيت لها.

"بس اللي إنتِ ما تعرفيهوش إنك في اللحظة دي عملتي حاجة ما كنتيش متخيلة إنها تحصل."

قالت: "إيه؟"

ابتسمت.

"فوقتي سعاد."

فضلت تبصلي.

وكملت:

"سعاد اللي كانت بتجري لما تنادي، سعاد اللي كانت بتقوم من نومها عشان تعملكم شاي، سعاد اللي كانت تأكل آخر واحدة، سعاد اللي كانت بتخاف تزعل حد... سعاد دي خلصت."

حماتي قالت بصوت واطي: "يعني إيه؟"

قلت: "يعني من النهارده، لو نزلت أطبخ، هطبخ بمزاجي. لو قدرت أساعد، هساعد. لكن خدمة إجبار وإهانة؟ انتهت."

أحمد أخيرًا اتكلم: "وماما... هي عندها حق."

حماتي بصت له كأنها أول مرة تسمع صوته.

"إنت بتقول إيه يا أحمد؟"

قال: "بقول إن سعاد شايلة فوق طاقتها بقالها سنين."

بصيت له، وقلبي لأول مرة حس إنه سمعني.

حماتي قعدت مكانها من غير كلمة.

أما أنا، فطلعت شقتي.

قفلت الباب ووقفت وراه.

ولأول مرة من عشر سنين، سمعت صوت السفرة تحت... من غير ما يكون فيه حد بينادي:

"يا سعاد!"

ابتسمت.

لكن الحكاية ما كانتش خلصت.

لأن حماتي، وهي قاعدة تحت، كانت بتبص لسلفاتي وبعدين تبص للسلم.

 

وقالت جملة خلت كل اللي قاعدين يسكتوا:

"واضح إننا ظلمناها... بس أنا مش هسيب الموضوع يعدي كده."

وهي ما كانتش تعرف إن اللي جاي كان هيغيّر شكل البيت كله

حماتي فضلت قاعدة مكانها، ساكتة، وكأن الكلام اللي سمعته مني كان تقيل عليها أكتر من أي إهانة هي قالتها لي.

أما أنا، فطلعت شقتي وقفلت الباب ورايا.

قعدت على طرف السرير، وبصيت لإيديا.

الإيدين اللي اتشققوا من الصابون، واتحرقوا من الزيت، واتقطعوا من السكينة، وشالوا أطباق وأحواش وغسيل سنين.

افتكرت أول يوم دخلت فيه البيت ده.

كنت بنت صغيرة، داخلة وأنا فاكرة إن بيت جوزي هيبقى بيتي، وإن حماتي هتبقى زي أمي.

كنت بفرح لما أعمل أكلة تعجبها، وأستنى منها كلمة حلوة كأنها جايزة.

لكن مع الوقت، الكلمة الحلوة اختفت، وفضلت الطلبات.

"يا سعاد اعملي."

"يا سعاد هاتي."

"يا سعاد نضفي."

"يا سعاد الواد عايز ياكل."

وكل ما كنت أعمل أكتر، كانوا يطلبوا أكتر.

لحد ما بقيت مش عارفة أنا مرات أحمد ولا عاملة عند العيلة.

دمعت عيني، بس المرة دي مسحت دموعي بسرعة.

أنا مش عايزة أعيط.

أنا عايزة أعيش.

عدى يومين والبيت كان حاله غريب.

كل واحدة بقت تعمل لنفسها أكل.

حماتي نفسها اضطرت تنزل المطبخ، وسلفاتي اكتشفوا إن المواعين مش بتتغسل لوحدها، وإن الأكل مش بيطلع من التلاجة سخن جاهز.

أما أنا، فكنت عاملة


نظام جديد.

بيتي الأول، نفسي الأول، وبعدهم أي حد محتاج مساعدة أساعده بمزاجي.

الغريب إن أحمد بدأ يتغير.

رجع من الشغل في يوم، لقى البيت هادي، والأكل موجود عندنا إحنا بس.

بصلي وقال: "إنتِ عاملة أكل؟"

قلت: "أيوه."

قال: "وماما؟"

قلت: "كل واحد بقى مسؤول عن بيته."

سكت شوية، وبعدين قال: "أنا آسف."

بصيت له باستغراب.

قال: "على سكوتي يومها."

فضلت ساكتة.

قرب مني وقال: "أنا عارف إني غلطت. كنت فاكر إني لو سكت هبعد المشاكل عني، بس أنا اكتشفت إني بس كنت بسيبك تواجهِيها لوحدك."

قلت: "أنا ما كنتش محتاجة منك تخاصم أمك عشاني يا أحمد. كنت محتاجة بس تحطني في نفس مكانتها كإنسانة."

هز راسه.

"عندك حق."

ولأول مرة من عشر سنين، حسيت إن جوزي بدأ يشوفني فعلًا.

بعد أسبوع، حماتي طلبتني.

نزلت لها، وأنا متوقعة إنها هتبدأ خناقة.

لكنها كانت قاعدة لوحدها.

قالت: "اقعدي."

قعدت.

فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت: "أنا فكرت في كلامك."

قلبي اتقبض.

قالت: "وأنا عارفة إني ظلمتك."

ما توقعتش الكلمة دي منها.

بصيت لها من غير ما أتكلم.

كملت: "كنت شايفة إنك لو بتعملي كل حاجة يبقى ده الطبيعي، ولما بطلتِ حسيت قد إيه البيت كان معتمد عليكِ."

قلت بهدوء: "أنا ما كنتش عايزة أسيبكم، يا حماتي."

قالت: "عارفة."

"أنا كنت عايزة أحس إنكم مقدرين ده."

نزلت عينيها.

وبعدين

قالت: "والقميص..."

سكتت.

قلت: "القميص وجعني، بس مش أكتر حاجة."

قالت: "عارفة."

"أكتر حاجة وجعتني إنك قلتي الكلام ده قدام الكل."

تنهدت وقالت: "أنا غلطت."

كانت أول مرة أسمع منها اعتذار صريح.

مدت إيدها ناحيتي.

"سامحيني."

بصيت لإيدها شوية.

وبعدين مسكتها.

"سامحتك."

لكن قبل ما تفرح، كملت:

"بس السماح مش معناه إننا نرجع زي الأول."

بصتلي باستغراب.

قلت: "أنا هفضل مرات ابنك، وهفضل أحبك وأساعدك، بس مش هقبل إهانة، ومش هتحمل البيت كله لوحدي."

هزت راسها.

"عندك حق."

بعدها بكام يوم، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.

سلفاتي نفسهم جم عندي.

الأولى قالت: "سعاد... إحنا عايزين نقولك حاجة."

قلت: "قولي."

قالت: "إحنا كمان كنا غلطانين."

التانية ضحكت: "بصراحة، أنا جربت أعمل المحشي لوحدي... وطلع مصيبة."

ضحكت رغمًا عني.

الأولى قالت: "وكمان اكتشفنا إن العيال بياكلوا أكتر مما إحنا متخيلين."

قلت: "أهو عرفتوا."

قالت: "وعرفنا إنك كنتِ بتتعبي فعلًا."

بصيت لهم.

"أنا مش عايزة خناق معاكم. أنا بس عايزة كل واحدة تعرف حدودها."

قالت: "من النهارده نتقاسم الشغل."

ابتسمت.

"اتفقنا."

عدت الأيام، والبيت اتغير.

بقينا نتجمع عند حماتي يومين في الأسبوع، وكل واحدة بتجيب حاجة.

واحدة تعمل صينية، والتانية تجيب سلطة وحلو، وأنا أعمل أكلة، وحماتي تختار اللي نفسها

فيه.

ولو واحدة تعبانة، الباقي يساعدها.

ما بقاش فيه شخص واحد شايل الكل.

أما أنا، فبقيت أهتم بنفسي.

بقيت أخرج مع أحمد، وأزور صحابي، وأشتري هدوم جديدة، وأقعد أشرب قهوتي من غير ما أحس بالذنب.

وفي يوم جمعة، كنت نازلة عند حماتي وأنا لابسة فستان أحمر.

أول ما دخلت، حماتي بصتلي وقالت:

"ما شاء الله يا سعاد... منورة."

ابتسمت.

وبعدين ضحكت وقالت:

"القميص الأحمر طلع له فايدة."

كلنا ضحكنا.

بس أنا قربت منها وقلت: "بس المرة دي، أنا اللي اخترت الأحمر."

ضحكت وقالت: "وأنا اللي هدفع تمنه لو عايزة واحد زيه."

ضحكنا كلنا.

وفي اللحظة دي فهمت إن أوقات كتير، المشكلة مش في البيت ولا في الأكل ولا في الخدمة.

المشكلة إننا بنسكت لحد ما الناس تفتكر إن سكوتنا موافقة.

أنا ما كنتش عايزة أنتقم من حماتي، ولا أخرب بيت العيلة.

أنا كنت عايزة حاجة واحدة بس...

إنهم يشوفوا سعاد.

مش الست اللي بتطبخ.

مش الست اللي بتنضف.

مش الست اللي بتجري على طلباتهم.

يشوفوا الإنسانة اللي ليها قلب بيتوجع، وليها كرامة، وليها حق إنها ترتاح.

ومن يومها، كل ما حد يطلب مني حاجة، لو قدرت أعملها بعملها من قلبي.

ولو مقدرتش، بقول بمنتهى الهدوء:

"معلش، مش هقدر."

ومن غير خوف.

ومن غير إحساس بالذنب.

لأن حماتي في يوم رمت قميص نوم في وشي قدام الكل عشان تجرحني...

لكنها من غير ما تقصد، كانت بترمي آخر حاجة كانت ماسكاني في المكان ده:

خوفي من إنهم يزعلوا مني.

ومن يومها...

بطلت أخاف.

وبقيت أخيرًا أعيش.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close