القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت ثانويه عامه كاملة رومانى مكرم



سكريبت ثانويه عامه كاملة رومانى مكرم


أنا في تانية ثانوي عام، بابا متوفى وماما اتجوزت وسابتني عند خالتي. النهارده وأنا راجعة من المدرسة وطالعة سلم العمارة لقيت واحدة وجوزها واقفين قدام شقتهم بيفتحوا الباب، وكان جنبهم شوية شنط. غصب عني وأنا طالعة خبطت في شنطة من الشنط وقعت اتقطعت والخضار وقع على الأرض، فالست شتمتني وكانت هـ،،تـــ،ـرصـ،،ـنـ،ـي [تمويه] أو هتضربني. قلت لها أنا آسفة يا طنط وطلعت وأنا ساكتة، سمعت جوزها بيقولها حرام عليكي دي يتيمة ومش قصدها توقعها، خبطت غصب عنها. هي ردت عليه وقالت له: وأنا ذنبي إيه إن أمها رمـ،،تـــ،ـهـ،،ا [تمويه] واتجوزت علشان متعتها! وبعدها دخلوا شقتهم.


طلعت شقة خالتي وقعدت أبكي بحرقة على بابا وماما اللي سابوني، وخالتي للأسف بتحكي كل حاجة للجيران. وماما مش بتسأل فيا خالص، ولما أكلمها تقول لي اقفلي مش فاضية. هي أه بتبعت لخالتي مصروف كل شهر ليا، بس أنا محتاجة لماما أتكلم معها. وفي يوم كلمت ابن عمي الكبير، راجل ليه هيبة عنده 40 سنة، جبت رقمه وكلمته ولما عرفني قال لي أخيرًا سألتي عن أهلك وناسك.


درجات السلم كانت ثقيلة على رجلي بشكل مش طبيعي، وشنطة المدرسة كانت كأنها حجر طابق على نفسي، مش مجرد كتب وخلاص. أنا في تانية ثانوي، يعني المفروض همي كله في المذاكرة والدروس والامتحانات، بس الحقيقة كانت سودة.. عايشة من غير ظهر يسندني بعد ما أبويا راح وسابني للدنيا تلطش فيا.


وصلت للدور التالت وأنا بنهج وعيني في الأرض، مش قادرة حتى أرفع عيني في وش حد. لقيت جارتنا وجوزها واقفين قدام باب شقتهم بيرصوا شنط الخضار والطلبات. السلم كان ضيق، ورجلي اتكعبلت غصب عني من التعب وخبطت في شنطة من اللي على الأرض، الكيس اتقطع والطماطم والخضار اتدحرجوا واتبهدلوا في كل حتة.


اتسمرت في مكاني من الخضة، وفي ثانية لقيت الست بتزعق بصوت عالي وعينيها بتطق شرار، ورفعت إيدها كانت هتضـ،،ر،،بنـ،،ي [تمويه] بالقلم وهي بتصرخ: “إيه العمى ده يا بت! مش تفتحي وتمشي زي بني آدمين؟ وقعتي الحاجة في الأرض وبهدلتي الدنيا!”

رجعت لورا وجسمي كله بيتنفض، ولساني ثقل من الرعب، قلت والدموع مغرقة وشي: “أنا آسفة يا طنط.. والله ما أخدت بالي، غصب عني حقك عليا.”

طلعت أجري على السلم، وجوزها شدها من إيدها وقالها بصوت واطي بس سمعته كويس: “حرام عليكي يا ولية اتقي الله، دي بت يتيمة وغلبانة، رجلها خبطت في الكيس من غير ما تقصد!”



ردت عليه بصوت يرن في العمارة كلها، وكأنها بتغرز سـ،،كـ،،ينـ،،ه [تمويه] تلمة في قلبي: “وأنا مالي ومال يتمها؟ أنا ذنبي إيه إن أمها رمـ،،تـــ،ـهـ،،ا [تمويه] واتجوزت علشان متعتها وسابتها ملطشة في البيوت؟!” وراحت رازعة باب الشقة وراها برنة هزت العمارة كلها. وقفت مكاني مش قادرة أتنفس، حطيت إيدي على بوقي عشان ما أصرخش.


الكلام قطع في لحمي، عشان دي الحقيقة المرة اللي بهرب منها كل يوم.. أمي رمتني، سابتني لخالتي عشان تعيش حياتها مع راجل غريب ملوش دعوة بيا ولا عايش معايا. فتحت باب شقة خالتي بالمفتاح ودخلت، سمعت صوتها في المطبخ ماسكة التليفون وبتحكي للجيران كل تفاصيل حياتي ومصروفي وعمايل أمي، أصل حكايتي بقت اللبانة اللي في بق الحتة كلها. دخلت أوضتي وقفلت الباب عليا ورميت نفسي على السرير، وانهرت..


قعدت أعيط بحرقة على أبويا السند اللي راح وسبني، وعلى أمي اللي كل ما أطلبها أقولها وحشتيني تقولي: “اقفلي يا بت دلوقتي جوزي داخل، أنا باعتة لخالتك القرشين بتوع الشهر هاتي بيهم اللي يخصك.”


أنا مش عايزة فلوس.. أنا كنت عايزة أم تحضني وتقولي إنتي بنتي وحتة مني. وفي وسط الوجع ده، افتكرت ورقة قديمة شايلاها في محفظة أبويا فيها رقم ابن عمي الكبير.. راجل عنده 40 سنة، صعيدي دمه حامي وله هيبة في عيلتنا تخلي الكبير قبل الصغير يقفله احترامًا. مسكت التليفون وإيدي بترتعش، وضربت الرقم. رن مرة والتانية، لحد ما رد صوت رجولي قوي يملى العين: “السلام عليكم.. مين معايا؟”


صوتي طلع مبحوح ومخنوق بالعافية: “أنا.. أنا بنت عمك.. بنت عمك فلان الله يرحمه.”

سكت ثانية واحدة، وبعدها صوته اتقلب لحنية وعتاب من القلب: “ياااه.. أخيراً؟ أخيرًا سألتي على أهلك وناسك وعزوتك يا بنت الغالي؟”

أول ما نطق الكلمة دي، انهارت وصرخت في التليفون وعياطي بقى بنحيب طالع من بطن الحزن: “الحقني.. أنا تعبانة ومتبهدلة أوي.. تعبانة ومش قادرة أستحمل أكتر من كده.”

الصوت فجأة اتحول لبركان، نبرة رجولة وهيبة تزلزل الأرض وهو بيقول بغضب وحسم: “بس.. اقطعي البكا ده فورًا، طول ما إحنا على وش الدنيا محدش يقدر يكسرك ولا يذلك.. أنا جايلك حالاً يا بنتي.”



الصوت في التليفون كان حاسم لدرجة خلت الدموع تجمد في عيني، قفل السكة بعد ما أخد عنوان عمارة خالتي بالتفصيل، وأنا فضلت قاعدة على الأرض حاضنة ركبي وساندة ضهري على السرير، قلبي بيدق بسرعة زي دقات طبول الحرب، خوف مخلوط بأمل ضعيف إن كابوس الذل ده ينتهي.


طلعت من الأوضة بعد نص ساعة ووشي وارم من البكا، لقيت خالتي لسه قاعدة على الكنبة وماسكة التليفون الأرضي بترغي وبتضحك بصوت عالي، أول ما شافتني بصتلي من فوق لتحت بقرف وقالت في السماعة: “ثانية واحدة يا أم إبراهيم أصل المحروسة طلعت أهي.. ما وراهاش غير البوز والهم.” قفلت معاها وبصتلي بغضب: “كنتي فين يا بت؟ وإيه حكاية الخضار اللي بهدلتيه على السلم ده؟ الست أم محمود لسه مكلماني ومسمعاني كلمتين يسموا البدن بسبب عمايلك! إنتي مش فالحة غير في جلب المصايب؟ هو أنا ناقصة قرفك وقرف أمك اللي رمتك على كتافي؟”


وقفت باصة في الأرض، ومردتش ولا بكلمة، الوجع كان أخرسني تمامًا، دخلت المطبخ شربت بق مية بالعافية كان نازل في زوري زي النار، وخالتي صوتها شغال ردح في الصالة: “تغسلي المواعين دي كلها وتروقي الشقة قبل ما تنامي، المصروف اللي أمك بتبعته ميكفيش أكل عيش حاف في الغلا ده، فبلاش تعمليلي فيها هانم وبنت عز، إنتي هنا عايشة بلقمتك!”


عدت ساعتين وأنا بنضف في صمت ودموعي بتنزل في الحوض تمسح الصابون، وفجأة، اتهزت العمارة كلها بصوت كلاكسات عربيات عالية، مش عربية واحدة، كأن في موكب رسمي واقف تحت البيت. جريت خالتي على البلكونة تبص بفضولها المعتاد، وسمعت شهقتها وهي بترجع لورا بخضة: “يا لهوي.. مين دول؟! تلات عربيات دفع رباعي سودا مقفلين الشارع كله ورجالة طالعة بهيبة تخوف!”


دقايق معدودة، ورن جرس الباب رنة واحدة قوية، مش رنة جيران ولا ضيوف عاديين، رنة صاحب حق جاي ياخده. خالتي وقفت ورا الباب ترتعش وسألت بصوت مهزوز: “مـ.. مين على الباب؟”

رد صوت رجولي جهوري، الرخامة اللي فيه تخلي العظم يقشعر: “افتحي يا حرمة.. إحنا أهل البت اللي مخلينها مداس للي يسوى واللي ميسواش!”

فتحت خالتي الباب وإيدها بتنتفض، وظهر قدامها راجل فارع الطول، عريض المنكبين، لابس جلابية صعيدي كستور تليق بمقامه، وعباية سودة على كتفه، عيونه صقر باصة لقدام وثابتة، وحواليه أربعة رجالة من عيلتي، شباب ورجالة كبار ببدل وجلاليب، ملامحهم كلها غضب وقوة تملى العين وترعب أي حد.



أول ما عينه جت في عيني، ملامحه الحادة لانت في ثانية، كأنه شاف روح أبوه فيا، مشي خطوتين بهدوء جوة الصالة متجاهل خالتي تماماً، ووقف قدامي، وطى شوية وحط إيده على راسي بحنية عمري ما حسيتها من سنين، وقال بصوت حنين بس رنان: “حقك عليا يا بت عمي.. إحنا اللي انشغلنا في الدنيا وسيبنا لحمنا يتداس.. ارفعي راسك، مفيش بت من صلب عيلتنا توطي راسها أبداً.”


في اللحظة دي، حسيت إن ضهري اتجبر، خالتي


ثانويه عامه ٢

رومانى مكرم


رجلي كانت متخشبة على عتبة السلم، مش قادرة أصدق المشهد اللي عيني شايفاه. الصالون الواسع كان متحول لساحة محكمة عرفية مهيبة؛ رجالة العيلة الكبار، دقونهم البيضا وعباياتهم الصوف وشيلانهم الكشمير مرصوصين في هيبة وصمت يخطف الأنفاس، ومحدش فيهم حتى بيتنحنح. وخالتي كانت قاعدة على طرف كرسي مذهب كأنها قاعدة على جمر نار، لافة طرحتها بإحكام ووشها أصفر زي الكركم، بتبص في الأرض وتفرك في صوابعها برعب. أما جارتنا أم محمود فكانت منكمشة في عبايتها السودا كأنها قطة غرقانة، وجوزها قاعد جنبها مكسور، عرق جبينه نازل على وشه وبيمسحه بمنديل دايب.


عمران مشي ناحيتي بخطوات واثقة، مسك إيدي برفق بس بضغطة خلت قلبي يثبت، وسحبني وقفني جنبه في صدر الصالون. بص للكل بصة صقر، وحط فنجان القهوة على الترابيزة الرخام برنة خفيفة سكتت حتى أنفاس الحاضرين. عمي الحاج عبد الرحيم، أكبر راس في العيلة، راجل داخل على السبعين بس عينيه فيها شرار الشباب وهيبته تهز جبال، اتكلم وصوته طالع من قرار سحيق: “ادخلي يا بت ولدي.. اقربي هني.” قربت منه وإيدي بتترعش، حط إيده التقيلة على كتفي وبص لجوز الجارة وقال بنبرة تقطع الخميرة من البيت: “البت دي.


. أبوها كان راجل يسد عين الشمس، ومات وهو سايب سيرته عطرة في كل نجع وحارة. بتنا مش مقطوعة من شجرة عشان حُرمة ناقصة تمد لسانها عليها، ولا عشان تتهان على شوية خضار ميسووش تلاتة مليم! إنت عارف لو إحنا في بلدنا الحُرمة دي كان اتعمل فيها إيه؟ كان لسانها اللي نطق بالعيبة اتقص، وكان بيتك اتخرب قبل ما شمس النهار تطلع!”


الراجل قام وقف مفزوع، وضم إيديه الاتنين قدام صدره بتوسل: “حقكم عليا يا حاج عبدالرحيم.. والله العظيم العتب على جهلنا ونقص عقل الولايا! أنا جيت بنفسي وجايب مراتي أهي تحت رجليكم، نعتذر للبنية وللرجالة كلهم، وراسكم كلكم على راسي من فوق.. امسحوها في وشي، أنا راجل شقيان وأكل عيشي في السوق وعارف مقامكم كويس ومقدرش على غضب بيتكم!”


عمران بصله بجمود ونطق بنبرة حادة زي الموس: “راسك انت دي تشيلها وتستر بيها بيتك يا راجل يا ناقص.. مراتك غلطت في يتيمة، واستقوت عليها عشان افتكرت إن ملهاش ضهر يكسر ضهر اللي يمسها.. الاعتذار مش لعمي ولا ليا، الاعتذار لصاحبة الحق!”

عمران شاور للجارة بصباعه وقال بغضب مكتوم: “انطقي يا ولية.. الكلمتين اللي سمعتيهم للبت في طرقة العمارة، هترديهم هنا قدام كباراتها ودموعك سابقة كلامك.. يلا!”



أم محمود قامت وقفت وإيديها بتترعش وركبها بتخبط في بعض، مشيت خطوتين ناحيتي والدموع نازلة من عينيها مسحوبة بذل عمري ما تخيلت أشوفها فيه: “حقك عليا يا بنتي.. حقك على راسي وجزمتك فوق راسي.. أنا شيطان وعماني، مكنتش أعرف إنك بنت عز وناس كبار كده، أنا قلة أدبي وزفارة لساني هما السبب.. سامحيني يا بنتي متخربيش بيتي، جوزي قايلي لو ما رضيتيش عني هيطـ،،لقـ،ـني ويرميني في الشارع الليلة، وحياة أبوكي الغالي تسامحيني!”


بصيت لعمران، لقيته بيبصلي ومستني ردي، كأنه بيعلمني إزاي أقف واثقة وما أخافش من حد تاني. أخدت نفس طويل وحسيت بمرارة الإهانة القديمة بتدوب وتحل محلها عزة نفس مكنتش أعرفها، قولت بصوت هادي بس مسموع: “المسامح ربنا يا طنط.. بس أنا مكنتش محتاجة أكون بنت عز وناس كبار عشان تحترميني.. أنا كنت عيلة يتيمة مكسورة وبقولك آسفة، وإنتي استقويتي عليا.. اتفضلي، أنا مسامحة عشان خاطر أهلي وعيلتي بس.”


الحاج عبد الرحيم هز راسه برضا، وقال لجوزها: “أخدت واجبك وحقك، خد حُرمتك واطلع برة، ورجلك متخطي الشارع اللي فيه أي حد يخصنا، غووور!”

الراجل شد مراته وجريوا على الباب كأنهم بيهربوا من حبل المشنقة. أول ما الباب اتقفل، كل العيون دارت وبصت لشخص واحد.. خالتي!

خالتي كانت بتنتفض في مكانها، وعمران مشي بهدوء ووقف قصادها، مد إيده في جيب جلابيته وطلع ورقة بيضا مطبقة، رماها في حجرها.

خالتي مسكتها بإيد مرتعشة وبصت فيها، وفتحت عينيها على وسعهم بذهول وصدمة خلت وشها يخطف لونه أكتر: “ده.. ده عقد إيه ده؟!”


عمران رد بابتسامة باردة تخوف: “ده عقد الشقة اللي إنتي وأمها عايشين فيها في عين شمس.. الشقة دي كانت بإسم عمي الله يرحمه، ومكنتش متسجلة باسم أختك، والورق الأصلي بتاعها كان مدفون مع أوراق شركاته اللي إحنا صفيناها زمان.. إنتي كنتي فاكرة نفسك كرمانة وفاصلة لما تاخدي البت عندك وترمي بلاكي وتعايريها بلقمتها؟ إنتي قاعدة في ملك البت دي أصلاً! ومصروف الشهر اللي أختك بتبعتهولك ده، كان بيروح نصه لمصاريفك ونصه لفـ،،ضايـ،ـحك في التليفونات مع الجيران!”


خالتي بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت متقطع: “يا.. يا عمران بيه، دي مهما كان بنت أختي، وأنا شيلتها في لحمها، وأنا كنت بس بوجهها عشان مصلحتها!”



عمران وطي صوته لدرجة بقت كأنها فحيح أفعى: “مصلحتها؟ مصلحتها إنك تقولي للجيران أمها رمتها عشان تتجوز؟ مصلحتها إنك تكسري نفسها وتخليها تغسل مواعين بيتك وتمسح بلاط شقتك كأنها شغالة جايباها من الشارع؟! الشقة دي قدامك أسبوع واحد تفضيها، انتي وراجل أختك الجديد اللي مسكنه معاه أمها في الشروق! المحامي بتاعنا رفع قضية حجر، وقضية إثبات وصاية شرعية، واسترداد لكل مليم خرج من ورث عمي واتصرف على عيشة أختك وجوزها المحروس!”


في اللحظة دي، تليفون خالتي رن بصوت عالي كسر الصمت.. بصت في الشاشة وصرخت بخوف: “دي أختي.. دي أمها!”

عمران مد إيده وأخد التليفون من إيدها ببرود، فتح الاسبيكر وقال: “ألو؟”


صوت أمي طلع من التليفون، بس المرة دي مكنش زعيق ولا تهديد بمحاضر خطـ،،ف، كان صوت ست منهارة وبتلطم على وشها بهستيريا: “إلحقني يا عمران! البوليس واقف تحت البيت عندي في الشروق، ومعاهم أمر ضبط وإحضار لجوزي، والشركة اللي فاتحها وقفوها وبيقولوا في شيكات مزورة وبلاغات نصـ،،ب باسم عمك القديمة! عمران ونبي متخربش بيتي، بنتي خدها وربيها بس متضيعنيش وتفـ،،ضحني قدام عيلة جوزي!”


عمران بصلها وبص لكل الكبار اللي قاعدين، وقرب السماعة من بوقه وقال بكلمات نزلت زي المطارق: “بيتك اتخرب من يوم ما هان عليكي ضناكي وركبتي عربية راجل غريب وسيبتي بنتك تبكي في الطرقات.. بنتك هتعيش هنا هانم، والورث اللي كلتيه بالسحت انتي والمحروس بتاعك، هيرجع لآخر قرش.. ومش هتشوفيها غير لما تقفي قدام القاضي وتتنازلي عن كل حق ليكي في حضانتها برضاكي!”


وقبل ما أمي تلحق ترد، قفل السكة في وشها تماماً، وبص لخالتي وقالها: “امشي يا حُرمة.. وملمحش خيالك هنا تاني، والشنطة القديمة بتاعة بت عمي اللي فيها صور أبوها، ترجع هنا قبل المغرب، فاهمة؟”

خالتي قامت تجري زي المجنونة من باب الفيلا، وأنا واقفة في النص حاسة إن الدنيا بتلف بيا..


عمران لف وشه ليا، ومد إيده ومسح دمعة كانت تاهت على خدي، وقال بهدوء: “خلصنا من الصغيرين يا بت عمي.. بكرا بقى، هنسافر بلدنا في الصعيد، وهناك هتشوفي الورث اللي بجد.. وهتقابلي الراجل اللي جوز أمك ده بيترعب من اسمه، واللي كان مستني اليوم اللي تدخلي فيه عتبة الدوار عشان يسلمك أمانة أبوكي بنفسه!”



الفجر كان لسه بيشقشق بنوره الباهت في السما، والفيلا كلها صحيت على حركة مش عادية.

صوت جلاليب بتتحرك بهيبة في الطرقة، وصوت عمران وهو بيدي تعليمات صارمة لحراسه والرجالة اللي شغالين معاه: “العربيات تتفول سولار، وطريق الصعيد يتاخد من أوله لآخره في سرب واحد، مش عايز تفرقة ولا تأخير.. البت أمانتي لحد ما نسلمـ،ـها


ثانويه عامه ٣

رومانى مكرم


صوت خبطة عصاية جدي على البلاط رجّ الدوار كله، والغفر اتحركوا في ثانية زي السيل على البوابة البرانية. الضابط أول ما لقى اليافطة المكتوب عليها “دوار آل رضوان” وشاف حراسة السلاح المرصوصة بطول السور، وقف مكانه برة بإحترام وهيبة للمكان وأهله، لكن أمي دخلت تجري زي المجنونة، عينيها زاغة وطرحتها مبهدلة، ووشها مخطوف من الرعب بعد ما شافت جوزها بيتقبض عليه وكل العز المزيف اللي كانت عايشاه بينهار في لحظة واحدة.


أول ما رجليها لمست ساحة الدوار وشافت التجمع والرجالة، رمت نفسها على الأرض وبدأت تعيط بنحيب عالي وتمثل اللهفة: “بنتي! ضنايا وحتة مني! عايزة بنتي يا حاج رضوان.. متحرمنيش من لحمي، أنا أمها وحملت فيها، مين هيخاف عليها أدي؟ أختي مكنتش بترحمها وأنا مكنتش أعرف، وجوزي ضحك عليا وسـ،ـرَق ورقها من ورا ضهري! أنا جيت أخدها في حضني وأعيشها في عيني!”


كنت واقفة مستخبية ورا ضهر عمران، وإيدي ماسكة في طرف عبايته من الخوف، قلبي كان بيوجعني من كدبها.. نفس الست اللي كانت تقولي “اقفلي جوزي داخل ومش فاضيالك”، جاية دلوقتي تبكي بدموع التماسيح لما لقت الفلوس والأمان طاروا من إيدها.


عمران حس برجفتي، حط إيده على كتفي وقدم خطوة لقدام، سد الرؤية بيني وبينها تماماً بجسمه العريض، وبصلها بنظرة باردة تخترق الضلوع وقال بصوت هادي يرعب أكتر من الصراخ: “بطلي ندب ورخص يا حُرمة، المسرحية دي متخشش على صعايدة.. إنتي مجيتيش عشان البت، إنتي جيتي عشان عرفتي إن جوزك متكلبش في المركز بتهمة نـ،ـصـ،ـب وتزوير أوراق ورث البت دي، وجيتي تساومينا بيها عشان نسحب البلاغ وننقذ رقبة اللي فضلتيه على ضناكي!”


جدي خبط الأرض بالعصاية مرة تانية، وقال بنبرة قاطعة زي حد السيف: “اسمعي يا ولية.. البت دي، من يوم ما اتولد أبوها ومات، وهي شايلة اسم آل رضوان.. انتي بعتيها لما كانت بتجيلك مكسورة وتقفلي الباب في وشها، بعتيها لما سيبتي أختك تعايرها بلقمتها وتخلي الجيران يمسحوا بكرامتها الأرض عشان شوية خضار ميسووش، والنهاردة جاية تقولي ضنايا؟ البت دي مش هتخرج من تحت إيدنا، ورجلك لو خطت الصعيد تاني هندفنك مكانك!”



أمي صرخت بيأس وبصتلي من ورا كتف عمران: “انطقي يا بنتي! هتهوني عليكي تسيبي أمك وتعيشي في الصعيد وسط ناس متعرفيهمش؟ ردي عليهم قوليلهم عايزة أمي!”


الكلام وقف في زوري، والذكريات السودة كلها مرت قدام عيني في ثانية؛ بهدلتي على السلم، شتيمة الجارة، دموعي في المطبخ، وصوت قفلة السكة في وشي. بصيت لعمران، لقيته باصصلي بحنان أبوي حقيقي، عيونه كانت بتقولي: متخافيش. في اللحظة دي، عمران التفت لجدي، وطى راسه شوية احتراما لكبير العيلة، وقال بصوت واضح جهوري سمعه كل اللي في الدوار:


“يا حاج رضوان.. بعد إذنك وإذن كبارات العيلة كلهم.. البت دي مش هتعيش هنا في البلد، البت متعودة على مدارس البندر ومستقبلها في دراستها وتفوقها.. البت دي هترجع معايا مصر الجديدة، هتعيش في بيتي، مع بناتي ومراتي، وعهد الله ودمي اللي في عروقي، هتعيش بنتي الكبيرة، متقلش قيراط واحد عن مريم وأختها.. تتشال فوق الراس، وأنا اللي هكون وليها وأبوها وسندها لحد ما أسلمها لبيت عدلها وهي رافعة راسها في السما!”


جدي بص لعمران بعين مليانة فخر وتقدير، وابتسم وقال: “ونعم ما اخترت يا عمران.. انت كبير شبابنا وضهر العيلة، والبت بتك وأمانتك ليوم الدين، واللي يمسها يمسك في شرفك ودمك.”


عمران لف وشه لأمي، وطلع من جيبه ورقة رسمية كان مجهزها المحامي، رماها قدامها على الأرض وقال بجمود: “الورقة دي تنازل رسمي وكامل عن حضانة البت ووصايتها، هتنزلي المركز دلوقتي تمضي عليها وتتنازلي برضاكي، وقصاد ده، المحامي هيتنازل عن قضية الشيكات بتاعة جوزك ونكتفي بإنه يرجع الأراضي والفلوس اللي سـ،ـرَقها بالمليم.. تختاري جوزك وحريته وتنسي إن ليكي بنت، يا إما تسيبي البت وتتحبسي معاه بتهمة خـ،ـيـ،ـانـ،ـة الأمانة والتزوير.. اختاري يا مرات عمي.”


أمي بصت للورقة، وبصتلي لآخر مرة.. عينها مكنش فيها ندم، كان فيها انكسار الطمع وخسارة المعركة. وطت على الأرض، مسكت القلم اللي رماهولها عمران، ومضت بإيد بترتعش، باعتني للمرة الأخيرة عشان تنقذ نفسها وجوزها، وقامت تجري على برة من غير حتى ما تبص وراها ولا تقول كلمة وداع واحدة. أول ما الباب الخشبي اتقفل وراها، حسيت بحِمل جبل انزاح من على صدري، دموعي نزلت بس المرة دي كانت دموع راحة وخلاص.



عمران قرب مني، وطى لمستوايا، ومسح دموعي بكف إيده الدافي، وابتسم ابتسامة حقيقية طالعة من قلبه وقال: “خلاص يا حبيبة أبوكي.. الكابوس خلص، والصفحة السودة دي اتقفلت للأبد.. يلا بينا نرجع بيتنا، إخواتك مريم ونور مستنيينك، ومن بكرة الصبح ترجعي لمدرستك وانتي بنت عمران رضوان، ومفيش مخلوق في الدنيا يقدر ينزل دمعة من عينك تاني.”


مسكت في إيده بقوة، وحسيت لأول مرة من يوم ما أبويا مات إني مش يتيمة، حسيت إن ربنا عوضني بأب حقيقي، ضهر وسند ميتكسرش. وركبنا العربية راجعين القاهرة، بس المرة دي وأنا رايحة لبيتي الجديد.. وأنا بنته.


مرت السنين زي سريان المية الصافية في مجراها، تبدل فيها الخوف بأمان، والكسرة بعز يملى العين. عشت في بيت عمران مش بنت عم، عشت بنته البكرية وقرة عينه. مراته الطيبة “أم مريم” كانت تدعيلي في صلاتها قبل بناتها، تفطرني بإيدها وتسهر على راحتي وقت امتحاناتي، وبناتها مريم ونور بقوا حتة من روحي، مفيش سر بيني وبينهم مستخبي، وعمران.. عمران كان الأب والسند اللي الدنيا كلها اتقفلت في وشي لحد ما فتحلي بابه وعوضني عن يتمي وقهرتي.


خلصت تانية ثانوي بتفوق، ودخلت تالتة ثانوي وأنا حاطة قدام عيني هدف واحد: أرفع راس الراجل اللي حماني وسترني قدام الدنيا كلها. وفي يوم نتيجة الثانوية العامة، لما المجموع طلع ولقيت نفسي جايبة 98% وهدخل كلية الهندسة، عمران مسبش طلقة رصـ،ـاص في مسدسه إلا وضربها في الهوا من فرحته، ودبـ،ـح ذبيحتين ووزعهم على الفقراء، وخدني في حضنه قدام العيلة وقال بصوت اتهز بالفخر: “رفعتي راسي يا بشمهندسة.. حق تعبي فيكي وحق دمي اللي بيجري في عروقك.”


وفي سنين الكلية، كان عمران حريص على كل خطوة بخطيها، يوصلني بنفسه ويستناني، موفرلي كل سبل الراحة ومخلي راسي في السما بين زمايلي وأساتذتي.


وفي وسط السنين دي، كان في عين تانية بتراقبني من بعيد بإعجاب واحترام شديد.. “حمزة»، ابن عمران الكبير. حمزة كان صورة طبق الأصل من أبوه، هيبة ورجولة وشهامة، متخرج من كلية الهندسة وشغال في إدارة شركات ومقاولات العيلة. من أول يوم دخلت فيه بيتهم وهو بيعاملني بأدب جم، عينه مكنتش بتترفع فيا إلا بكل تقدير، يقف في ضهري لو احتجت مساعدة في مواد الكلية الصعبة، ينصحني ويوجهني، بس دايماً كان فيه مسافة احترام عاملها لنفسه عشان يحافظ عليا جوة بيت أبوه.



لحد ما جه اليوم الكبير.. يوم حفلة تخرجي من كلية الهندسة. المدرج كان مليان أهالي وطلبة، وعمران قاعد في الصف الأول، لابس بدلته الكحلي الأنيقة وهيبته طالعة بين كل الحضور، وجنبه مراته وحمزة وإخواته. لما اسمي اتنادى عشان أطلع أستلم شهادة التخرج ودرع التفوق، مسكت المايك وإيدي كانت بترتعش، بس عيني كانت متعلقة براجل واحد قاعد في القاعة.. بصيت لعمران وقولت قدام الكل: “الشهادة دي والنجاح ده مش ليا لوحدي.. ده لراجل انتشلني من قاع المذلة والانكسار، راجل كان السند لما الدنيا كلها سابتني.. أبويا التا




أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close