القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت صاحبى كامله امانى السيد





سكريبت صاحبى كامله امانى السيد

أنا متجوز ومخلف اتنين وصاحبى لعب فى دناغى اتجوز واحده تانيه من بلده وورانى صور عرايس وبصراحه البنات كانت فلقه قمر الاول كنت متردد لكن هو فضل يلعب فى دماغى ويقولى انا متجوز اتنين وعايش احسن عيشه وكل واحدة بتسعى عشان تقربنى منها اكتر وإن فى الاول مراتى هتتصدم لكن بعد كده هتتعود والدنيا هتبقى تمام ومن كتر الزن قولت لنفسى مافيش حاجه لو روحت وشوفت البنت على الطبيعه وكده كده دى قريبه مراته التانيه ولو معجبتنيش او مش زى مابيقول خلاص وقتها كل واحد يروح لحاله

روحت معاه فعلاً وشوفت العروسه وكانت فلقه قمر واستغربت ازاى أهلها موافقين على الوضع ده انى هتجوزها فى شقه ايجار وانا متجوز واكبر منها لكن صاحبى اقنعنى أن أهم حاجة عندهم اجيب شبكه محترمه وأنى اصون بنتهم وفعلاً جبت الشبكه وكتبا الكتاب واتجوزتها وجيت القاهره وكل ده من غير ما اقول لمراتى حاجه قولت اعيشلى يومين حلوين انا وهى وبعدين اقول لمراتى وافاجئها وهى هتزعلها يومين وخلاص هترجع غصب عنها عشان الاولاد وفعلاً سافرنا كام يوم وانا مفهم مراتى انى فى مصلحه شغل وبعدها رجعت وانا مش عارف ابلغها فضلت كده شهرين لحد ما اتفاجئت باكبر مصيبه بسبب العروسه الجديدة وسبتها ورحعت للقديمه وأنا مش عارف اواجهها إزاى بالمصيبتين جوازى منها واللى اكتشفته فى مراتى الجديده

كنت واقف في نص الصالة، ساند ضهري ع الباب بعد ما قفلته بالمفتاح من جوه، ونَفَسي طالع بالعافية كأني كنت بجري في سباق موت. عيني كانت رايحة جاية في أركان الشقة المستقرة الهادية اللي عشت فيها سنين، صوت التلفزيون واطي وريحة الأكل البيتي اللي متعود عليها مالية المكان، وولادي صوت ضحكتهم طالع من أوضتهم بيلعبوا. كل شبر هنا كان بيفكرني بالأمان والستر اللي ضيعتهم بإيدي عشان نزوة رخيصة.

الشهرين اللي فاتوا مرّوا زي الحلم الكداب.. كنت فاكر نفسي ناصح وراجل مفيش مني، ضحكت على الدنيا وأخدت اللي أنا عايزه، لحد الليلة دي بالذات لما كل حاجة اتهدت فوق دماغي.

افتكرت شكلها من كام ساعة بس؛ البنت اللي كانت فلقة قمر، وشها اتحول لملامح مرعبة أول ما دخلت في نوبة الهياج. عينيها برقت بجنون مفاجئ، التشنجات والصرخات الهستيرية اللي كسرت هدوء شقة الإيجار، وتكسيرها لكل حاجة تطولها إيديها وهي بتتوعدني بس.كينة المطبخ لو فكرت أقرب منها. لما الجيران اتلموا والإسعاف شالتها وطلعت بيها على المستشفى، لقيت الحقيقة المرة بتترمي في وشي زي مية النار من دكتور الاستقبال اللي اتعرف عليها فوراً:

“المدام عندها شيزوفرينيا حادة واضطراب ذهاني عنيف.. دي لسه خارجة من عندنا من ست شهور على مسؤولية أهلها! علاجها حقن مستوردة ناقصة ومقطوعة من السوق، ومن غير الجرعات المنتظمة دي بتبقى خطر حقيقي على نفسها وعلى أي حد يقرب منها.. يا توفر دواها فوراً من بره، يا ترجع تتحجز في مصحة مقفولة تحت الحراسة قبل ما ترتكب كارثة وتأذيك!”

وقتها بس، شريط الكدب كله عدى قدامي؛ ترحيب أهلها المريب، استعجالهم في كتب الكتاب وموافقتهم على كل شروطي وشقتي الإيجار وسني، وصاحبي “الجدع” اللي لبّسني في الحيط وورطني في قنبلة موقوتة عشان يخلص قرايب مراته من همّها ويلبسني شيلتها ومصاريفها.

“حمد الله على سلامتك يا أبو العيال.. اتأخرت ليه كده النهاردة؟”

الصوت قطع حبل أفكاري زي الس.كينة. رفعت عيني لقيت مراتي، أم ولادي، طالعة من المطبخ وماسحة إيديها في الفوطة، في عيونها طيبة ولهفة تعب اليوم العادي، مش شاكة في ذرة من الخراب اللي أنا جايبه ورايا.

قربت مني، ولما شافت وشي مخطوف وعرقي سايح، ابتسامتها اختفت ونبرتها اتغيرت بقلق حقيقي:

“مالك يا راجل؟ وشك أصفر زي الليمونة كده ليه وواقف مصلوب مكانك؟ الشغل فيه حاجة ولا جرالك إيه في السكة؟”

لساني اتعقد، والكلمات وقفت في زوري زي الشوك. هقولها إيه؟ أقولها إني خنت العشرة وبعت البيت المستقر عشان ورا كلام صاحبي وغواية الشيطان؟ ولا أقولها إني اتجوزت عليها عيلة صغيرة وطلعت متلبس في مريضة نفسية ممكن تدبحني وأنا نايم، ومطلوب مني دلوقتي يا إما ألف وادور على علاج مستورد بالألوفات عشان أهدي جنونها، يا إما أشيل فضيحتها وأدخلها مصحة باسمي وتحت مسؤوليتي القانونية؟

بصيت في عينيها وأنا حاسس إن الأرض بتميد بيا، وعارف إن الكلمة اللي هتطلع من بقي دلوقتي مش بس هتكسر قلبها، دي هتهد البيت كله على دماغي ودماغ ولادي.



فضلت متسمر مكاني، ريقي ناشف وعيني مثبتة على ملامحها القلقانة، لحد ما خطت خطوتين نحوي ومدت إيدها تطبطب على كتفي وهي بتكرر: “فيه إيه يا راجل؟ انطق وقعت قلبي!”

أول ما لمستني، حسيت بنغزة حرقت ضلوعي، كأن لمستها الطيبة جمرة بتفكرني بجرمي. بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي طلع مهزوز ومبحوح لدرجة إني معرفتوش:

“أنا غلطت يا أم العيال.. غلطت غلطة عمري اللي مفيش وراها رجوع.. أنا.. أنا اتجوزت عليكي.”

الكلمة نزلت على الشقة زي الصاعقة. الهوا فجأة اتسحب من المكان. شفت الصدمة بتشل ملامحها، عينيها وسعت برعب مش مصدق، وإيدها اللي كانت على كتفي اتجمدت في الهوا، شفايفها بدأت ترتعش كأنها مستنية الجملة الجاية تكون نكتة بايخة أو كابوس، وأول ما شفتها بتفتح بقها، ونار الغضب والكسرة بدأت تلمع في عينيها عشان تنفجر وتصرخ في وشي، رفعت إيدي المرتعشة وشاورتلها بلهفة واحد بيغرق، وقطعت عليها أي كلمة قبل ما تنطقها:

“استني.. استني متتكلميش ومتقوليش حاجة.. اقسم بالله مش دي الكارثة.. الكارثة أكبر من كده بكتير!”

وفجأة، كل محاولاتي إني أبان متماسك أو راجل مسيطر على أمره انهارت في ثانية. رجلي مالتشيلتنيش، ركبي خرت تحتي ونزلت على الأرض ساند راسي على كفوفي، وانفجرت في عياط هستيري مقهور، عياط راجل اكتشف إنه رمى نفسه وعياله في قاع جهنم برجليه، وبقيت بنشج بدموع حارقة وأنا بضرب على دماغي زي المجنون، مش قادر ألملم خيبتي ولا عارف حتى هكملها إزاي بقية الكابوس اللي أنا رابط رقبتي بيه.

دموعي كانت نازلة بتكوي خدي، وصوت نشيجي ملأ الصالة لدرجة إني مكنتش قادر أتنفس. رفعت وشي ليها بالعافية وأنا قاعد على الأرض زي العيل الصغير، شفتها واقفة مصلوبة مكانها، الصدمة شلت حركتها وعينيها كانت مزيج مرعب من الذهول والاشمئزاز، بتبصلي من فوق لتحت كأنها شايفة واحد غريب عمرها ما قابلته قبل كده.

حاولت ألمّ لساني المنعقد عشان أكمل، وصوتي طالع مقطع وسط البكا:

“لبسوني في الحيط يا أم العيال.. باعوني لغم متفجر وخدوني على عمايا. البنت اللي اتجوزتها طلعت مريضة نفسية.. مجنونة رسمي! كانت محجوزة في مستشفى المجانين وأهلها استغفلوني، وصاحبي الواطي طلع متفق معاهم عشان يخلصوا من فضيحتها ويرموها في رقبتي أنا!”

مسحت وشي بكُم القميص وأنا بترعش كأني في عز الشتا، وكملت وأنا شايف عينيها بدأت تلمع بدموع مكسورة بس من غير ولا حرف:

“الليلة شفت الموت بعيني.. جالها هياج عصبي هستيري وجريت ورايا بس.كينة المطبخ، الجيران اتلموا والإسعاف شالوها، وفي المستشفى الدكتور صدمني.. قالي دي شيزوفرينيا حادة وبتجيلها نوبات قتل وعنف، علاجها حقن مستوردة مقطوعة من مصر كلها، ولو مخدتهاش هتقتل حد.. وقالي بالحرف: يا تجيب الدوا ده من تحت الأرض بآلاف مؤلفة، يا تجيب أمر نيابة وتحجزها في مصحة مقفولة باسمك وعلى مسؤوليتك.. أنا مربوط في رقبتها قانونياً يا أم العيال، لو ارتكبت مصيبة هتتحسب عليا أنا!”

سكتت للحظة والسكوت كان أتقل من جبل على صدري. كنت متوقع تصرخ، تضربني، ترمي في وشي أي حاجة، تطردني برة البيت.. لكن الهدوء اللي نزل عليها فجأة رعبني أكتر من صريخها.

رجعت خطوة لورا ببطء، ولمت دراعاتها الاتنين حوالين نفسها كأنها بتدفي قلبها اللي اتكسر، ونظرة عينيها اتحولت من صدمة لبرود جليدي، وبصتلي بنبرة واطية وهادية لدرجة تخوف:

“يعني إنت جاي دلوقتي تبكي تحت رجلي عشان خنتني وكسرت ضهري، ولا جاي تعيط عشان الفريسة طلعت مسمومة ومطلعتش زي ما كنت راسم على مزاجك؟”

كلامها نزل عليا زي ضربة شاكوش على راسي، حسيت إن الدم نشف في عروقي وأنا سامع برود صوتها، برود ألعن ألف مرة من الصريخ واللطم.

رفعت إيدي المرتعشة عشان أترجاها، ولساني عاجز عن النطق، لكن هي قطعت أي محاولة مني بنظرة واحدة جمدتني في أرضي. رفعت دقنها لفوق، ومسحت طرف عينها بإصبعها بسرعة كأنها بتطرد أي دمعة ندمت إنها نزلت عليا، وصوتها طلع حاد وناشف زي الموس:

“طلقني يا أبو العيال.. طلقني دلوقتي وفي اللحظة دي!”

اتسمرت وأنا باصصلها برعب: “أطلقك؟! ده أنا غرقان يا أم ولادي، ده أنا جايلك مستنجد بيكي تحميني وتفكري معايا في المصيبة دي!”

ابتسمت بسخرية موجعة، ابتسامة كسرة وشماتة في نفس الوقت، وقربت خطوة واحدة وهي بتبصلي من فوق لتحت:

“مشاكلك دي تلبسها لوحدك، ماليش دخل بيها من قريب ولا من بعيد! كنت جيت خدت رأيي وإنت رايح تدفع دم قلبك شبكة للبنت اللي فلقة قمر؟ كنت استشرتني وإنت بتفرش شقة الإيجار وتتفق مع صاحبك الواطي؟ كنت فكرت فيا وإنت عايشلك يومين حلوين على قفا كدبك عليا وإنك في مصلحة شغل؟ جايب وراك مصيبة وقفل باب، وجاي تعيط تحت رجلي ليه دلوقتي؟”

شهقت بنَفَس مليان مرار وكملت بنبرة سمّمت روحي:

“ولا اوعى تكون فاكرني عبيطة؟! إنت جاي تحكيلي وتتباكى عشان أقولك معلش يا حبة عيني، وأمد إيدي أبيعلك دهبي ولا أكسر قرشين شقايا اللي شايلاهم للعيال عشان تروح تعالج بيهم الست هانم اللي كنت رايح تتسلى بيها؟!”

صرخت فيا بحدة فزعتني أول ما شافتني بهز راسي بالنفي:

“ورقة طلاقي توصلي من غير شوشرة، والبيت ده متدخلوش تاني.. تشيل شيلتك وتغرق في وحلك بعيد عني وعن ولادي، وروح شوف بقى هتجيب حقن المستوردة منين لعروستك أم وش قمر!”


صاحبى ٢

امانى السيد

سكتت، وصوت نَفَسها السريع كان هو الصوت الوحيد اللي بيشق صمت الشقة القاتل. حاولت أقف، ركبي كانت بتخبط في بعضها زي العيل الصغير، مديت إيدي عشان ألمس طرف عبايتها، أترجاها، بس رجعت خطوتين لورا بقرف كأنها شافت حشرة سامة.

“اسمعيني بس يا أم العيال.. وحياة عيالنا اسمعيني، أنا استاهل الحرق، استاهل كل كلمة قولتيها، بس متخربيش البيت.. العيال ذنبهم إيه؟ أنا غلطت وروحي كانت في إيدي الليلة، دبريني!”

ضحكت.. ضحكة مكتومة، طالعة من قاع قلب محروق، وهزت راسها بأسى:

“العيال؟! دلوقتي افتكرت العيال؟! وإنت رايح تدفع شقاهم شبكة للعروسة الجديدة كنت فاكرهم؟ وإنت بتكدب عليا وتقولي مصلحة شغل، مكنتش خايف عليهم؟ البيت ده اتخرب بالدقيقة اللي حطيت فيها إيدك في إيد أبوها، مش دلوقتي لما الحبل التف حوالين رقبتك!”

شاورت بإيدها على باب الشقة، إيدها مكنتش بتترعش، كانت ثابتة بقوة عمري ما شفتها فيها طول سنين جوازنا:

“الباب اللي دخلت منه ده، تخرج منه حالاً. مش هتبات هنا دقيقة واحدة، ولا هتدخل على ولادي وإنت شايل ريحة الخيانة وخراب البيوت وراك. المحامي بتاعي هيتواصل معاك، والقرش اللي كان رايح للحقن المستوردة، هتدفعه غصب عنك نفقة ومصاريف للعيال اللي افتكرتهم على باب المصحة!”

لفت ضهرها ومشيت ناحية أوضة الولاد، قبل ما تفتح الباب التفتت وبصتلي نظرة أخيرة، نظرة مفيهاش حتى غضب.. كان فيها فراغ موحش، فراغ بيقول إن الراجل اللي كان مالي عينها مات ومبقاش له أثر. دخلت وقفلت الباب وراها بهدوء تام، حتى مسمعتش صوت طقّة الترباس، كانت قفلة قاطعة، قفلة نهاية.

فضلت واقف لوحدي في الصالة، الهوا بارد، ريحة البيت اللي كان أماني بتخنقني، والموبايل في جيبي رن فجأة.. طلعته بإيد مرتعشة، لقيت رقم المستشفى بينور الشاشة، والممرض أو الدكتور هناك مستني يعرف: هيتصرفوا إزاي في الكارثة اللي متسجلة باسمي؟

رجعت لورا خطوة، سحبت أكرّة الباب وخرجت للسلم وأنا حاسس إني عريان، خسرت كل حاجة في ليلة واحدة؛ مراتي، بيتي، احترامي لنفسي.. وبقيت خارج للشارع أواجه جحيم أنا اللي بنيته طوبة طوبة بطمعي وسذاجتي.

قفلت الباب ونزلت السلالم وأنا مش شايف قدامي، الدم كان بيغلي في عروقي لدرجة الودان اللي بتصفر. الخزي اللي حسيت بيه قدام مراتي اتحول في ثانية لنار غضب عامية، نار مش هتبرد غير لما أطربقها على دماغ النصابين اللي دمروا حياتي. ركبت عربيتي وسوقت زي المجنون على الطريق الزراعي، دايس بنزين على آخره، وعيني مش شايفة غير وش أبوها وهو بيتمسكن في كتب الكتاب، وصاحبي اللي رماني في المحرقة دي عشان يخلّص نسايبه من بلوتهم.

وصلت بلدهم مع أذان الفجر، البلد كانت لسه نايمة في سكون يغيظ، وأنا نازل من العربية أرزع الباب ورايا. مشيت بخطوات واسعة لحد ما وقفت قدام بيتهم، وبدل ما أخبط بالراحة، فضلت أضرب بإيديا ورجليا على الباب الخشب ضربات كانت كفيلة تكسره في ثواني، وصوتي طالع يعلّي على أذان الفجر في الحارة:

“افتح يا حاج صالح! افتح يا غشاش يا نصاب.. افتح بدل ما أهد البيت ده على نفوخك ونفوخ عيلتك!”

الكلاب بدأت تهوهو في الحارة، وشبابيك البيوت اللي جمبهم اتفتحت، وجيرانهم بدأوا يطلوا بروسهم مستغربين الدوشة. شوية وصوت تكات الترباس اتسمعت، والباب اتفتح وطلع منه أبوها، لابس جلابيته وبيفرك في عينه، ووراه صاحبي اللي طلع بايت عندهم!

أول ما شفت وش صاحبي، الشياطين كلها نطت في وشي، هجمت عليه زي الطور الهايج وجبته من تلابيب جلابيته لزقته في الحيطة:

“بقى إنت يا واطي؟! إنت يا ابن الحرام تلبسني في قنبلة موقوتة عشان تخلص قرايبك؟! مريضة شيزوفرينيا ومحجوزة في مستشفى مجانين وعايزة تقتلني تلبسوهالي وتقولولي فلقة قمر وستر وغطا؟!”

صاحبي اتفاجئ وحاول يفك إيدي بصعوبة وهو وشه محتقن، أما أبوها فبدل ما ينكسف أو يخاف من الفضيحة وسط الجيران اللي بدأوا يتجمعوا، لقيته بيرجع خطوة لورا ووشه بيتقلب لبرود وتبجح يقهر:

“نزل إيدك يا بني أدم إنت.. إنت فاكر نفسك داخل على ناس ملهاش ضهر ولا إيه؟ بنتي مفيهاش حاجة، بنتي سليمة وزي الفل، والكل عارف إنها بتجيلها خنقة وعصبية شوية من الحسد، ودكتور المستشفى اللي إنت مروحها له ده بيكبر الحكاية عشان يقلّب في فلوس!”

“فلوس وخنقة؟!” زعقت فيها لدرجة إن صوتي اتشرخ وأنا بطلع تقرير المستشفى من جيبي وبرميه في وشه وسط الناس:

“بنتك شيزوفرينيا رسمي ومسجلة في المصحة بقالها شهور ومقطوع علاجها يا نصابين! كانت هتدبحني الليلة دي في الشقة، والبوليس والاسعاف اللي لحقوني منها! أنتوا بعتوهالي غش وتدليس عشان تشيلوني مصاريفها وتخلصوا من عارها!”

أبوها داس على الورقة بجزمته، ورفع صباعه في وشي بنبرة كلها تهديد ومكر:

“صوتك ده ميعلاش هنا في بلدنا، والورقة دي تبلها وتشرب ميتها.. إنت دخلت برجلك وطلبت القرب، وكتبت الكتاب برضاك ودخلت بيها، يعني بنتي في عصمتك وشايلها لحم ودم وقانون.. وكلمة زيادة في حقها ولا محاولة إنك ترميها، قسماً بالله ما هتخرج من المركز ده سليم، وحق بنتي هناخده منك تالت ومتلت بالقانون وعُرف البلد!”

الكلمات نزلت عليا زي جردل مية تلج.. اتلجمت مكاني وأنا شايف التبجح في عين الراجل، وصاحبي اللي نفض هدومه ووقف جمب حماه بيعدل ياقته وعينه مكسورة بس مليانة غدر، الجيران حوالينا اتلموا، عينهم عليا بغضب وعصبية بلديات؛ مش فارق معاهم تقرير مستشفى ولا غش وتدليس، فارق معاهم غريب واقف يزعق ويفضح بنت بلدهم على باب دارها.

“حق إيه اللي تاخده مني؟!” صوتي طلع مبحوح ومخنوق من كتر القهر، “دي سرقة ونصب.. جواز باطل ومبني على غش، هرفع عليكم ق.ضية تدليس وهسجنك إنت وهو، ومش دافع مليم لا في علاج ولا في غيره!”

صاحبي قرب مني نص خطوة، ووطى صوته بفحيح أفعى وهو باصص في الأرض:

“ارقع بالصوت واعمل اللي تعمله يا صاحبي.. الورق في إيدك روح بيه النيابة، بس عما تثبت الغش وتلف في المحاكم سنين، هتكون البنت محبوسة في المستشفى بتهمة محاولة شروع في قتلك وإنت ملزم بنفقتها وعلاجها قانوناً، وأبوها هيطالب بمؤخرها وقايمتها اللي ماضيلهم عليها على بياض، ولا نسيت الوصلات اللي مضيتها يوم كتب الكتاب عشان ترضيهم؟ فوق.. إنت داخل المصيدة برجليك، وعيالك اللي سبتهم في القاهرة أولى بالقرشين اللي هتدور تصرفهم على المحاكم وفضايحك!”

الدم هرب من وشي لما فكرت في وصولات الأمانة اللي كنت ماضي عليها بغبائي وعمايا يوم الفرح، الورق اللي كتبته عشان “أطمن قلب أبوها” زي ما صاحبي قالي وقتها! حسيت بقلبي بيسقط في رجليه، أنا مش بس ضيعت مراتي وبيتي.. أنا سلمت رقبتي لعصابة محترفة، قانونياً أنا الزوج المسؤول، ولو سيبتها في المستشفى ومصرفتش عليها ممكن يلفقوا ليا إهمال أو يطالبوني بمؤخر وقايمة تكسر ضهري وتسجنني.

أبوها شاوره لشباب من عيلته كانوا بدأوا يقربوا، وقال بنبرة قاطعة فيها كل معاني التهديد:

“تركب عربيتك وتغور من هنا، تروح تدبر علاج بنتي وتصرف عليها بالتي هي أحسن.. بنتنا على ذمتك، وأي تقصير منك، قسماً برب العزة ما هيكون ليك مطرح أمان لا في شغلك ولا في بيتك اللي في البندر.. يلا يا رجالة فضوا الليلة!”

رجعت لورا خطوة خطوة، والرجالة حواليا بيحاصروني بعيونهم، كل خطوة كانت بتدوس على كرامتي وتفكرني بإن اللي يبيع بيته وأصله عشان سراب، يستاهل يتداس بالجزم. ركبت العربية وإيدي بترتعش لدرجة إني معرفتش أحط المفتاح في الكونتاكت من أول مرة.. دورت ومشيت، سيبت بلدهم ورايا والشمس بتبدأ تشقشق، بس الدنيا كلها في عيني كانت سواد مالوش آخر.

الطريق راجع للقاهرة كان طويل تليفوني رن تاني، بصيت في الشاشة لقيت رقم المحامي بتاع مراتي.. أم ولادي.. الرنة دي كانت مسمار أخير في نعش حياتي؛ من ورايا بيت بيطالب بحق ولاده وبيتهد، ومن قدامي عصابة رابطة رقبتي بوصلات ومريضة محتاجة ألوفات عشان متقتلش، وأنا في النص.. غرقان في قاع بير ماليش منه مخرج.

ركنت العربية على يمين الطريق الزراعي بعد ما سبت بلدهم بكام كيلو. طفيت الموتور وسندت راسي على الدريكسيون، وصوت تزييق التليفون في التابلوه مش راضي يقف. بصيت لرقم محامي مراتي وهو بينور ويطفي.. الرنة فصلت، وبعد ثواني معدودة جالي إشعار رسالة منه:

“أستاذ فلان، المدام وكلتني رسمياً لرفع دعوى طلاق للضرر وحبس لنفقة الصغار، ومطالب بحقوقها الشرعية بالكامل وقائمة المنقولات.. ياريت نتواصل للحل الودي تجنباً للمحاضر والنيابة.”

الرسالة كانت كفيلة تلجم أي ذرة تفكير باقية في نفوخي. رفعت راسي وبصيت لنفسي في مراية العربية؛ وشي شاحب، عيني مدممة، وذقني نابتة زي المتشردين. في ظرف أربع وعشرين ساعة، اتحولت من زوج مستقر وأب محترم، لواحد هربان من أهل مراته التانية ومهدد بالحبس، ومطرود من بيته ومراته الأولى بتجره في المحاكم.

مسكت التليفون وطلبت رقم صاحبي تاني، يمكن.. يمكن لما نكون لوحدنا من غير حماه يحس بذنب، أو يفتكر عيش وملح سنين. التليفون رن مرتين وبعدين إداني “مشغول”، جربت تاني لقيته قفل الخط وعملي بلوك!

ضحكت بهستيريا وأنا بضرب الدريكسيون بقبضة إيدي لحد ما جلدي اتجرح:

“يا رخيص.. بعتني برخيص يا ابن الإيه!”

فتحت التابلوه وطلعت منه الكارثة التالتة: روشتة المستشفى، المكتوب فيها بخط الإيد اسم الحقن المستوردة. اتصلت على كذا صيدلية كبيرة وأنا سايق راجع القاهرة، الإجابة كانت واحدة في كل مرة زي شريط متسجل:

“مش موجودة يا فندم، الصنف ده ناقص من شهور ومش بينزل غير جدول ومستورد، لو لقيته في السوق السودا الأمبول مش هيقل عن ستة أو سبعة آلاف، ومحتاجة أمبولين في الأسبوع.”

أربعة عشر ألف في الأسبوع؟! يعني أكتر من مرتب شهر كامل عشان أهدي جنون واحدة أهلها نصبوا عليا بيها!

دخلت القاهرة والشوارع كانت زحمة بحركة الناس اللي رايحة شغلها ومدارسها.. كل العربيات اللي جنبي فيها ناس مروحة أو رايحة تاكل لقمة عيشها في سلام، وأنا الوحيد اللي حاسس إن الحبل مشدود حوالين رقبتي على الآخر.

وصلت قدام مستشفى الأمراض النفسية اللي محجوزة فيها، نزلت من العربية ورجلي تقيلة زي الرصاص. كنت محتاج أواجه الدكتور، محتاج أعرف مخرجي القانوني من الورطة دي إيه قبل ما أعلن إفلاسي أو أتسجن.

دخلت الاستقبال، ريحة المعقمات الباردة وصوت البيبان الحديد اللي بتتقفل برهبتها فكروني بحجم المستنقع. سألت عن دكتور النبطشية اللي استلمها الفجر، قالولي إنه في مكتبه.

خبطت ودخلت، رفع عينه من الورق وبصلي من فوق النظارة:

“خير يا أستاذ؟ دبرت علاج المدام ولا جاي تمضي إقرار الحجز على نفقتك الخاصة؟”

قعدت على الكرسي قدامه، ورميت المفاتيح على المكتب بإيد مهدودة:

“يا دكتور.. أنا اتنصب عليا، أنا معرفش البنت دي غير من شهرين، وأهلها غشوني ولبسوني وصولات أمانة، ومقدرش على مصاريف الحقن دي ولا مليم! قولي بصراحة.. قانوناً، إزاي أخرج نفسي من الحكاية دي قبل ما توديني في داهية؟”

الدكتور قلع النظارة وحطها على المكتب بهدوء، بصلي بملامح باردة مفيهاش أي دهشة؛ واضح إنه شاف السيناريو ده مية مرة قبل كده في نفس الأوضة.

“بص يا أستاذ.. المشاعر والشكاوى دي مكانها برة، هنا إحنا بنتعامل بورق وقانون.”

شاور بصباعه على الملف اللي قدامه وكمل:

“أولاً: المريضة حالياً تحت تأثير مهدئات قوية بتكفيها ٢٤ ساعة بس، بعد كدة يا توفر علاجها الخاص، يا تترحل لمصحة حكومية بقرار من النيابة العامة.. ومفيش مصحة حكومية هتقبلها إلا بتقرير طبي شرعي ومسؤولية قانونية من ولي أمرها أو جوزها.”

بلعت ريقي وسألته بلهفة: “طب وأهلها؟ هما اللي سابوها وهربوا، أرميها عليهم!”

“قانوناً، إنت جوزها والمسؤول الأول عنها قدام المستشفى من ساعة ما مضيت على إقرار الدخول الصبح.. لو عايز تخرج من المسؤولية الجنائية دي، قدامك سكة واحدة ملهاش تاني: تطلع فوراً على قسم الشرطة، تفتح محضر إثبات حالة بغش وتدليس في عقد الزواج، وتقدم تقارير حجزها القديمة اللي هنا، وتثبت إنها كانت بتتعالج قبل ما تتجوزك وإن أهلها خفوا عنك مرضها العقلي.”

سكت الدكتور لثانية وبصلي بنظرة ذات مغزى:

“لكن خليك واعي.. الخطوة دي معناها إنك هتعلن الحرب رسمي على أهلها، والمحضر ده هيخلي النيابة تتدخل، ووقتها لو هما معاهم عليك وصولات أمانة زي ما بتقول، هيحركوها في نفس اللحظة وهتبقى ق.ضية قدام ق.ضية.. يعني سباق مين يكسر التاني الأول في المحاكم.”

قمت من على الكرسي وأنا حاسس إن دماغي هتنفجر من الحسبة.. سكة النيابة والمحاضر هتدخلني في نفق مظلم ومصاريف محامين وتهديد بالحبس بسبب الوصلات، وسكة السكوت معناها إني هفضل أنزف فلوس في علاج مش هقدر عليه لبنت ممكن تقتلني في أي لحظة، وفوق ده كله، بيتي الأصلي وأم ولادي على بعد ساعات من إنها ترفع عليا قضايا نفقة وتبهدلني!

خرجت من المستشفى ووقفت في الشارع تحت الشمس الحارقة، بصيت في تليفوني.. لقيت رسايل من البنك بتفكرني بالقسط اللي عليا، ورسالة تانية من محامي مراتي محدد ميعاد لجلسة ودية بكرة الصبح كفرصة أخيرة قبل ما ينزل المحاضر.

عرفت إن مفيش وقت للتردد، وإن اللف والدوران هو اللي وصلني لهنا. مسكت التليفون ورنيت على محامي مراتي.. صوتي كان ناشف ومفيش فيه ذرة من الضعف اللي كان فيا الصبح:

“ألو.. أستاذ حازم؟ أنا موافق على كل طلبات أم العيال.. بس محتاجك تقابلني الليلة دي بالذات، مش عشان نتفاوض في حقوقها، عشان أنا هسلمك ملف الكارثة كله، وإنت اللي هترفعلي ق.ضية الغش والتدليس ضد النصابين دول.. ماليش ضهر قانوني يقف قدام وصولات الأمانة غيرك، ولو أنا اتسجنت، مفيش مليم هيوصل لولادي.”



الخط سكت من الناحية التانية لثواني، حسيت فيها بنبضات قلبي بتدق في وداني.. وبعدين صوت المحامي طلع، هادي ومحسوب بالمللي:

“هستناك في مكتبي الساعة تمانية بالدقيقة، ومعاك كل ورقة تثبت كلامك؛ الروشتة، أرقام تليفوناتهم، وتاريخ دخولها المستشفى القديم. بس خليك عارف.. أنا وكيل أم ولادك الأول، وكل كلمة هتقولها عندي هتبقى بعلمها وتحت نظرها.”

“موافق.. على كل اللي تقوله موافق.”

قفلت الخط وأنا بتنفس بصعوبة، كأني رميت نفسي من فوق جبل وبستنى أشوف هقع على إيه.

الساعات اللي فضلت لحد ميعاد المكتب كانت أطول ساعات عدت عليا في حياتي؛ قاعد في العربية راكن على جنب في شارع هادي، بشرب سجاير ورا بعض، وبسترجع كل ثانية: اليوم اللي صاحبي قعد فيه ينفخ في وداني ويقولي “الراجل ميعيبوش غير جيبه، عيشلك يومين بدل الروتين اللي إنت فيه”.. ويوم ما دخلت بيتهم وشوفتها قاعدة بتبتسم في خجل مصطنع، وعينيها اللي افتكرتها براءة وطلعت غياب كامل عن الوعي بفضل المهدئات اللي كانوا داحشينها في بطنها عشان تعدي الليلة وتتلزق في رقبتي.

الساعة بقت تمانية إلا خمسة، طلعت عمارة المحامي في الدقي. رجلية كانت متبنجة وأنا طالع على السلم، دخلت المكتب والسكرتيرة دخلتني فوراً.

كان قاعد وراه مكتب خشب كبير، راجل في الخمسينات وشه صارم، ونظارته مدلدلة على طرف مناخيره. شاورلي على الكرسي من غير حتى ما يمد إيده يسلم، وقبل ما أنطق بحرف، الباب الجانبي للمكتب اتفتح.. ودخلت هي!

مراتي.. أم ولادي.

لابسة طرحتها السودا، وشها مهدود وحوالين عينيها هالات سودا باين منها قهر الليل كله، بس واقفتها كانت مصلوبة، مفيهاش ذرة انكسار قدامي. قعدت على الكرسي اللي على يميني، بعيد عني كأني مش موجود في الأوضة أصلاً، عينيها مثبتة على المحامي.

“أستاذة منى فضلت تحضر بنفسها عشان الكلام يبقى على بياض قدام الكل،” المحامي هو اللي اتكلم وهو بيفتح دوسيه فاضي، “هات اللي عندك يا أستاذ.. من طقطق لسلامو عليكم.”

طلعت من جيبي التقرير الطبي، وروشتة الحقن، وورقة صغيرة كنت كاتب فيها كل مليم دفعته من يوم ما شوفت البنت لحد اللحظة دي، وحطيتهم على المكتب بإيد بتترعش. حكيت كل حاجة بالتفصيل.. من أول زن صاحبي، لكتب الكتاب، للوصولات اللي مضيتها على بياض “عشان أطمن قلب أبوها”، لليلة الرعب والس.كينة، ومواجهة الفجر مع أهلها وتهديدهم ليا في وسط بلدهم.

طول ما أنا بتكلم، منى مكنتش بتبصلي، بس كنت سامع صوت صوابعها وهي بتفرك في شنطتها بعصبية مكتومة، وكل ما أذكر تفصيلة فيها هوان وابتزاز، وشها كان بيتشد أكتر.

المحامي سند ضهره لورا بعد ما قلب في الورق، ونفخ بنفاذ صبر:

“وصولات أمانة على بياض؟! إنت سلمت رقبتك لعصابة رسمي يا أستاذ! دي لعبة بيعملوها ناصبي الأرياف لما تكون عندهم بلوة وعايزين يلبسوها لمغفل.. يكتبوه على بياض عشان لو فكر يشتكي أو يطلق، يلووا دراعه بحبس أمانة ويخلوه يصرف عليها وهو مدلدل ودانه!”

حطيت راسي بين كفوفي وعيني دمعت من غير ما أحس:

“أنا عارف إني غلطت.. وراضي بأي عقاب من أم ولادي، بس ينقذوني من الحبس عشان أعرف أشتغل وأصرف على عيالي.. هما هينزلوا الوصلات دي النيابة، وأنا مش حمل سجن!”

الصمت خيم على الأوضة، صمت تقيل يخنق. فجأة، سمعت صوت كرسي منى بيتحرك. رفعت راسي لقيتها بتبصلي لأول مرة من ساعة ما دخلت، نظرة حارقة مليانة وجع وقرف، بس كان فيها حزم غريب.

بصت للمحامي وقالت بصوت قاطع زي السيف:

“أنا مش عايزاه يدخل السجن يا أستاذ حازم.. مش عشانه، عشان ولادي ميعيشوش معيرين بإن أبوهم رد سجون ونصابين حطوا عليه.. إحنا هنكسر عين النصابين دول، وهنخليهم يقطعوا الوصلات دي بإيديهم!”

كلمتها شقت الصمت زي الرصاصة، بصتلها بذهول وأنا مش مصدق إن الست اللي كسرت قلبها الصبح هي اللي واقفة بتفكر تنقذ رقبتي من حبل المشنقة بالليل، مش حب فيا.. لكن حرقة على كرامة عيالها واسمهم.

المحامي عدل نظارته، وبصلها باهتمام وابتسامة مكر بدأت تترسم على وشه:

“ودماغك فيها إيه يا مدام منى؟”

حطت شنطتها على طرف المكتب، وقربت خطوة لقدام، صوتها كان هادي بس مليان غل وذكاء ست مصرية مفروسة:

“العصابة دي دخلت البيت من باب الطمع، وميتكسروش غير بالفضيحة والقرش. هما مفكرين إنهم ماسكين دراعه بالوصلات، ومش عاملين حساب إن عندهم بنت مجنونة في مستشفى حكومي متسجلة باسمهم قبل ما تتسجل باسمه، ومعاهم شريك واطي اللي هو صاحبه.. والصاحب ده هو أول خيط هيتكر منه التوب كله.”

لفت وشها ليا وبصتلي بقرف، كأنها بتديني أوامر عسكرية:

“إنت هتقفل بؤك ده خالص من هنا ورايح، تليفونك ميردش على حد منهم.. أستاذ حازم هيتحرك في سكتين في نفس الدقيقة.”

المحامي هز راسه مكمل كلامها وهو بيخبط بقلمه على الملف:

“بالظبط.. السكة الأولى: بلاغ رسمي للنائب العام بتهمة التدليس والنصب وتكوين تشكيل عصابي لابتزاز المواطنين، ونطلب ضم ملف البنت الطبي من المستشفى القديمة اللي كانت محجوزة فيها، وده هيثبت سوء النية وإخفاء عيب جوهري يفسخ عقد الجواز باطلاً من أوله.. والسكة التانية، والأهم: تحريات المباحث حول واقعة تسليم إيصالات الأمانة.”

بصيت للمحامي وسألته برعب: “بس الوصلات على بياض ومعاهم يا متر! لو ملوا الأرقام ونزلوها النيابة هتسجن على طول!”

رد المحامي ببرود وثقة:

“الطعن بالتزوير والصلب كفيل يوقف أي حكم لحد ما الطب الشرعي يثبت إن التوقيع كان على بياض في تاريخ مختلف عن كتابة صلب الإيصال.. ده غير إننا هنستدعي ‘صاحبك’ كشاهد في واقعة النصب، ونحشره في البلاغ كمتواطئ ومحرض ومستفيد، وساعتها لما يلاقي رجليه هتدخل السجن مع حماه، هو أول واحد هيبصق في وشهم ويضغط عليهم يسلموا الورق عشان ينجد رقبته!”

سكت المحامي لحظة، وبص في ساعته، وبعدين بص لمنى:

“والبنت اللي في المستشفى يا مدام؟ الدكتور مش هيسيبها أكتر من الليلة دي.”

منى رجعت شعرها لورا بنَفَس طويل، وقالت وهي بتبص في الفراغ:

“تتحول للطب الشرعي بمعرفة النيابة.. يتعملها إيداع رسمي في مصحة الأمراض النفسية على نفقة الدولة أو أهلها بقرار قضائي، وتتسحب ولايته عنها تماماً بحكم فسخ الجواز.. تترمي مطرح ما كانت، عشان هو ملوش يد يشيل شيلة غيره، ولا هسمح لقرش من شقى عيالي يروح على مهدئات لواحدة أهلها تاجروا بيها.”

قامت وقفت، ولمت شنطتها واستعدت تمشي. وقفت مكاني مش عارف أقول إيه، لساني كان عاجز عن أي كلمة شكر؛ الشكر هنا كان هيبقى وقاحة وإهانة فوق الإهانة.

قبل ما تخرج من باب المكتب، وقفت وضهرها ليا، وقالت من غير ما تبص وراها بنبرة خلت جسمي كله يقشعر:

“أنا بعمل ده عشان عيالي ميعيرهمش حد إن أبوهم كان مسجون ولا عبيط اتنصب عليه.. لكن أول ما الوصلات دي تتقطع وتخرج من المصيدة دي، ورقة طلاقي هتوصلني تالت ومتلت.. سامع يا أبو العيال؟”

خرجت وقفلت الباب وراها، وسابتني واقف في مكاني مكسور ومذلول، منتظر معركة الصبح اللي هتبدأ مع العصابة، وأنا عارف إني حتى لو كسبت كل القضايا وقطعت الوصلات.. بيتي اللي اتهد عمره ما هيرجع يتبني تاني.

الليلة دي منمتش دقيقة واحدة. فضلت قاعد في العربية تحت بيت أهلي القديم، باصص في الفراغ والسجاير بتاكل في صدري، مستني النهار يشقشق عشان كابوس المحاكم يبدأ. مع أول خيط ضوء، المحامي حازم رن عليا، صوته كان صاحي وفايق كأنه داخل معركة حربية:

“أنا في طريقي للنيابة ومعايا بلاغ التدليس والابتزاز. إنت تطلع فوراً على مستشفى الأمراض النفسية، الدكتور هناك بلّغ إن البنت بدأت تفوق من المهدئ وتدخل في نوبة هياج جديدة، وأنا بعت مندوب من عندي بإخطار رسمي للمستشفى عشان محدش يسلمها لأهلها ولا يخرجها غير بإذن النيابة.”

دورت العربية وطرت على المستشفى، ركبي كانت بتخبط في بعضها من الرعب. أول ما دخلت الطرقة، سمعت الصريخ والعياط.. صوت جاي من الأوضة المعزولة في آخر الممر، صوت تقشعر له الأبدان؛ بتخبط في الباب الحديد وبتشتم بألفاظ غريبة وبتنادي بأسماء ملهاش وجود. الممرضين كانوا واقفين برة ووشوشهم مقلوبة، وأول ما الدكتور شافني جاي، مسكني من دراعي بنرفزة:

“أخيراً شرفت يا أستاذ؟ البنت هتكسر العزل، والمستشفى مش ملزمة تتحمل مسؤولية مريض عنيف مش متوفر له علاجه الخاص! أهلها اتصلوا وقالوا إنهم جايين يستلموها، وإنت جوزها ولازم تمضي إقرار!”

“محدش هيستلم حاجة!”

الصوت ده مكنش صوتي، التفت لقيت مندوب مكتب أستاذ حازم داخل بخطوات واثقة، ورفع في وش الدكتور ورقة مختومة بختم النسر:

“أنا وكيل الزوج، وده إخطار رسمي بفتح تحقيق في نيابة قسم كذا، البنت تحت تصرف النيابة العامة للكشف عليها عن طريق الطب الشرعي لإثبات عيب عقلي سابق على الجواز تم إخفاؤه بالتدليس.. خروجها أو تسليمها لأي طرف تزوير واشتراك في جري.مة.”

الدكتور وشه جاب ألوان، وتراجع خطوتين لورا وهو بيبص للورقة: “تمام.. طالما دخلت نيابة وطب شرعي، إحنا نتحفظ عليها هنا رسمي لحد ما يجينا مندوب التحقيق.”

ملحقتش أتنفس، إلا ولقيت الباب الخارجي للمستشفى بيترزع بقوة.. ودخل أبوها، لابس عبايته السودة وعينه بتطق شرار، ووراه صاحبي اللي وشه كان أصفر زي الميت، ومعاهم اتنين رجالة من قرايبهم.

أبوها أول ما لمحني في الطرقة، هجم عليا وهو رافع عصايته في الهوا:

“يا ناصب يا واطي! حابس بنتي هنا وبتفضحنا في المستشفيات؟! قسماً بالله ما هتخرج من هنا حي، والوصلات اللي في جيبي دي هتبيتك في السجن الليلة!”

كنت لسه هرجع لورا برعب، بس مندوب المحامي وقف في وشه فجأة، وطلع تليفونه وشغّل التسجيل وهو بيتكلم بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت:

“ارفع صوتك كمان يا حاج صالح.. ارفع عشان التسجيل طالع صوت وصورة على مكتب النائب العام دلوقتي، ومعاه بلاغ بالنصب والابتزاز وتشكيل عصابي لإكراه مواطن على توقيع إيصالات أمانة!”

أبوها اتلجم في مكانه، والعصاية نزلت في إيده ببطء وهو بيبص للمندوب بعدم فهم: “إكراه مين يا بني أدم إنت؟! ده ماضيها بيده ورضاه!”

المندوب ضحك بسخرية وهو بيشاور على صاحبي اللي كان واقف وراهم بيترعش:

“مش ده الأستاذ اللي توسط في الجوازة؟ أحب أقولك يا كابتن إنك متسجل في البلاغ كمتهم تاني بتهمة التوسط في النصب والتحريض على توقيع إيصالات بيضاء.. والطب الشرعي في السيدة زينب كفيل يثبت إن التوقيع كان على بياض ومن غير تسليم مالي حقيقي، يعني جناية خيانة ائتمان وتزوير هتلبسها إنت وحماك، غير فضيحة السجن ليك ولعيالك في وظيفتك!”

صاحبي الدم هرب من وشه تماماً، وبص لحماه برعب حقيقي وبدأ يزعق بهستيريا:

“أنا قولتلك يا عم صالح بلاش الحوارات دي! قولتلك بلاش الوصلات وخلونا نخلص بالمعروف! أنا مش هضيع مستقبلي وأدخل السجن عشانكم.. البت مريضة وكل البلد عارفة إنها محجوزة من زمان!”

“اخرس يا جبان!” أبوها زعق فيه ومسكه من تلابيبه وهو هيتجنن من الغدر المفاجئ، والطرقة اتقلبت لخناقة شوارع بين أهل البنت وصاحبي اللي رماني في النار ودلوقتي النار بتمسك في هدومه هو!

وقفت أبص للمشهد بذهول.. العصابة اللي كانت لسة من ساعات بتلوِي دراعي وبتهدد بخراب بيتي وسجني، بقت بتاكل في بعضها زي الكلاب المسعورة عشان ينجوا بروسهم!

وسط الدوشة دي كلها، تليفوني رن في جيبي. طلعته وبصيت للشاشة.. لقيت اسم “منى” منورها.

فتحت الخط وإيدي بتترعش، وصوتي طلع مخنوق: “ألو.. يا أم العيال..”

ردت عليا بنبرة جليدية، قاطعة زي حد السيف، معندهاش فضول تسأل ولا حتى مهتمة باللي بيحصل في المستشفى:

“المحامي بلغني إنهم بدأوا يقطعوا في بعض وهيجيبوا الوصلات عشان يفلتوا بجلودهم.. حسابك مع النصابين دول هيخلص النهاردة، بس حسابي أنا معاك هيبدأ بكرة في محكمة الأسرة.. متنساش تجيب بطاقتك وأنت جاي تمضي على مؤخري وحقوق عيالي.”

الخط قطع في وشي، والصمت رجع تاني في وداني رغم الصريخ والبهدلة اللي حواليا في المستشفى. بصيت للسقف وأنا حاسس بمرارة غسلت كل فرحة بنجاتي من السجن.. نجاتي من العصابة كانت رخيصة، بس التمن اللي دفعته من بيتي وعشرتي، هو اللي هيفضل كاسر ضهري لآخر يوم في عمري.

المعركة مع النصابين خلصت أسرع مما كنت أتخيل.. الخوف من السجن والفضيحة خلى صاحبي يضغط على حماه بكل قوته، وجابوا وصولات الأمانة في مكتب المحامي، قطعتها بإيدي وحرقتها قدام عينيهم، والنيابة أثبتت واقعة التدليس والمرض العقلي السابق للجواز، وصدر قرار رسمي بإيداع البنت مصحة حكومية للعلاج وسقطت كل حقوقها من على كتافي بحكم بطلان العقد.

خرجت من الدايرة دي حر طليق من السجن.. لكن روحي كانت لسه مربوطة في ساقية الندم.

منى مانتظرتش يوم واحد، ولا قبلت أي وساطة ولا قعدة عرب. وقفت قدام المأذون رافعة راسها، مفيش في عينيها دمعة واحدة، واخدة كل مليم من مؤخرها وحقوقها بالقرش، وبصتلي النظرة الأخيرة وقالت: “عيالك هتشوفهم بالمعروف وبأمر المحكمة، غير كده متعديش عتبة الباب.” وطلقتها.. والكلمة خرجت من زوري كأنها بتدبحني أنا.

مرت سنة كاملة.. سنة كانت أطول من عمري كله.

اتعلمت فيها يعني إيه الراجل يرجع لبيت فاضي بارد، ياكل لقمة ناشفة مفيهاش ريحة نفس حبيب، ويقعد بالساعات باصص في السقف يفتكر النعمة اللي رفصها برجليه. كنت بشتغل ورديتين وتلاتة، أقبض من هنا وأحط الفلوس في حسابها للولاد بزيادة عن اللي حكمت بيه المحكمة، عشان بس متمدش إيدها لحد ولا تحس بعوزة.

سنة كاملة وأنا وراها زي ضلها..

كنت استناها من بعيد وهي مروحة بطلبات البيت، أسبقها ع السلم وأشيل عنها الشنط وهي تبصلي بقرف ومتردش.

أقف تحت البلكونة بالساعات في عز البرد، بس عشان ألمح خيالها.

أبعتلها مع الولاد هدايا وورق كاتب فيه اعتذارات بدم قلبي، فترجعلي الهدايا مع البواب والورق مقطع ميت حتة.

أوسط أهلها، وأهل الخير، وأمي تروح تبوس راسها، وهي راكبة راسها ورافضة حتى تسمع اسمي: “اللي يبيعني في سوق النخاسة لرخيص، ملوش عندي رجعة.”

لحد ما جه اليوم اللي بنتي الصغيرة تعبت فيه وسخنت بالليل فجأة. لقيتها بترن عليا بنبرة كلها خوف وأمومة تاه منها العند: “البنت بتشنج يا أحمد، الحقنا!”

طرت بالعربية، شيلت البنت وجريت بيها على المستشفى حافي، فضلت سهران جمبها لحد الفجر والكمادات في إيدي، وعيني على منى اللي كانت قاعدة منهارة على كرسي الاستقبال. لما البنت فاقت والدكتور طمنا، منى سندت راسها على الحيطة وغمضت عينيها، التعب هدّها.

قربت منها، وقعدت على ركبي في الأرض قدامها، مسكت طرف عبايتها بضعف راجل مكسور من جواه:

“سنة يا منى.. سنة بدوق فيها المر اللي شربتهولك كاس ورا كاس. قسماً بعزة جلال الله اتعلمت الأدب، وعرفت إن الدنيا كلها بكدبها وزينتها متسواش تراب رجلك ولا حسك في بيتي. أنا اتعاقبت وخدت جزائي وزيادة، ومستعد أفضل تحت طوعك خادم ليكي ولعيالي بقية عمري.. بس افتحيلي باب جنتك تاني وماتحرمينيش منكم.”

بصتلي، ولأول مرة من سنة كاملة شفت الدموع بتلمع في عينيها من غير كبرياء. بصت لإيديا اللي متبهدلة من الكمادات، ولذقني اللي غزاها الشيب، وللهفة اللي مكنش فيها ذرة كدب.. سكتت كتير، وسحبت نَفَس طويل كأنها بتطرد وجع سنة بحالها، وقالت بصوت واطي مهزوز:

“الأدب اللي اتعلمته ده، لو اتنسى في يوم يا أبو العيال.. مش هسيبك تموت في قهرتك سنة، هكون أنا اللي دافناك بإيدي.. قوم غسل وشك، ويلا عشان نروح بيتنا.”

شيلت البنت على دراعي، ومنى ماشية جمبي، خطواتها مكنتش سريعة ولا لهوجة زي زمان، كانت هادية، راسية، خطوة واحدة بتعلم حدود جديدة لكل يوم جاي. نزلنا لسكون الشارع وركبنا العربية، وفي المراية كنت شايف ملامحها الشاردة؛ العفو اللي ادتهولي مكنش معناه إن الجرح اتمسح بجرّة قلم، ده كان تصريح مشروط بإن النجاة دي فرصة وحيدة وأخيرة، ملهاش تكرار.

وصلنا العمارة، السلالم اللي كنت بطلعها السنة اللي فاتت كلها بخوف وذل كأني شحات، طلعتها المرة دي وأنا شايل روحي بين إيديا. فتحتْ باب الشقة بالمفتاح، نفس الريحة اللي كانت وحشاني، ريحة البيت والأمان، دخلت حطيت البنت في سريرها وغطيتها، وخرجت للصالة لقيتها واقفة في نفس المطرح اللي بدأت منه الحكاية، في نص الصالة، عاقدة دراعاتها وبتبصلي بعين مليانة حذر ووعي كامل:

“البيت ده يا أحمد اتفتح من جديد عشان البنتين دول ميلقوش نفسهم في يوم مشتتين، مش عشان أنا نسيت إنك في لحظة غفلة رخصتنا. الباب اللي اتقفل في وشك سنة كاملة، المفتاح بتاعه هيفضل في إيدي أنا.. الأمان اللي كسرته مش هيرجع بالكلام ولا بالنواح، هيرجع بالفعل والستر اللي تصونه حبة حبة.”

نزلت عيني في الأرض، مش مكسور من الضعف، لكن احتراما لست كانت بمية راجل، حمت ضهري وهي موجوعة مني، وعلمتني إن البيوت مبتقفش على نزوة عابرة ولا وش فلقة قمر، البيوت بتقف على الأصالة اللي بتصون وقت المحنة.

قربت منها، بوست راسها وإيديها بهدوء، وقلت وأنا باصص في عينيها من غير كدب ولا مواربة:

“المفتاح في إيدك يا أم العيال، وحياتك عندي ما هيلتفت قلبي ولا عيني لغيرك حتى لو الدنيا اتقفلت في وشي، أنا شفت قاع البير وطلعت منه على إيدك، والراجل اللي ميتعلمش من وجع ضهره يبقى ميستاهلش يكون له أهل ولا دار.”

دخلت أوضتها بهدوء وسابت الباب موارب، وأنا فرشت مطرحي في الصالة زي ما اتفقت مع نفسي، عارف إن الطريق لسه طويل عشان أرجع الراجل اللي كان مالي عينها زمان، بس كفاني إني الليلة دي نايم تحت نفس السقف، صوت نَفَس ولادي حامي دفا البيت، وباب الجحيم اللي فتحته بإيدي اتقفل بالضبة والمفتاح للأبد.


تعليقات

التنقل السريع
    close