القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت أنا تعبانة وحامل في الشهر التاسع حكايات رومانى مكرم كاملة

 

سكريبت أنا تعبانة وحامل في الشهر التاسع حكايات رومانى مكرم كاملة




حكايات رومانى مكرم كاملة 

أنا تعبانة وحامل في الشهر التاسع، ومن الصبح كنت حاسة إني مش قادرة أعمل أي حاجة، لا عندي طاقة ولا قادرة أقوم وعلشان انا يتيمه ومليش حد حماتى من الصبح وهي بتعايرني، ملكيش حد يسئل عليكى وله شفنا ليكى اهل يشرفوكى حتى الطفل الى هيجى مش هيكون ليه خال وله خاله ملكيش عيله وله اهل وكمان عاوزه الى يخدمك. كنت بموت وانا بسمع كلامها ومش قادره انطق بكلمه


ولما جوزي جه، سمعتها بتحرضه عليا، وبتقوله: «مش هي بس اللي حملت واتوحمت، أنا خلفت خمسة وكنت بخدم الكل».لازم تقوم وتخدم وتشوف الى وراها بلاش دلع بنات



أول ما جوزي دخل عليا، أنا قلت خلاص،


 


البدايه


 


الساعة كانت معدية تمانية بالليل، والنور الأبجورة الأصفر المسهوك هو اللي منوّر الصالة بتوهان. أنا كنت قاعدة على الكنبة، حاطة إديّ على بطني اللي خلاص بقت مشيلاني الهم في الشهر التاسع، جسمي كله بيترعش.. مش بس من التعب والتقل، لأ.. من كتمة العياط اللي كانت حابساها في زوري من أول النهار.


من صباحية ربنا وحماتي ما سكتتش. كل ما تعدي من قدامي وأنا مش قادرة أرفع راسي من على المخدة، ترميلي كلمة زي السكينة التلمة:


* «ملكش حد يسأل عليكي.. ولا شفنا ليكي أهل يشرفوكي حتى! الطفل اللي هيجي ده مش هيكون ليه لا خال ولا خالة.. ملكيش عيلة ولا عزوة، وكمان نازلة تدلعي وعايزة اللي يخدمك؟»


الكلمات كانت بتنزل على قلبي تقطعه. يتيمة.. أيوا يتيمة، بس عمري ما حسيت بكسرة اليتم دي زي ما حسيتها النهاردة. كنت بلم نفسي في زاوية الكنبة وبغمد عيني، وبقول يارب ارحمني، مش قادرة أرد.. مش عشان ضعيفة، بس عشان حيلتي اتهدت، شايل روح ثانية مش متحملة أي نكد.


ولما جيه “حسن” جوزي من شغله هربان من طوب الأرض عشان يرتاح، لقاها مستنياه على الباب زي القضاء المستعجل. مسكته من إيده وقعدت تزق فيه وتسمّه:


* «مش هي بس اللي حملت واتوحمت يا سي حسن! أنا خلفت خمسة وكنت بخدم الكل وأنا بطلق! لازم تقوم وتخدم وتشوف اللي وراها، بلاش دلع بنات مسخ!»


أنا لما سمعت كلامها من جوة، قلبي سقط في رجلي. قلت خلاص.. حسن راجع من شغله تعبان ومصدي، وأمه سخنته، يبقى الليلة دي مش معدية على خير. غمضت عيني ومسكت في بطني واستنيت الهدير اللي هيحصل.


بس الباب اتفتح بهدوء.. دخل حسن، وشه كان مجهد، وعيونه فيها خطوط حمرة من التعب. بصلي وأنا قاعدة حاطة وشي في الأرض، وقرب مني خطوتين بخطوتين.. لا زغر ولا صرخ ولا عمل اللي أمه كانت عايزاه. نزل على ركبته قدام الكنبة، وحط إيده الدافية على إيدي المتلجة، وسألني بصوت واطي ومكسور:


* «إنتِ عاملة إيه؟ أوديكي للدكتور؟»


بصيت له بذهول، والدمعة اتجمدت في عيني: «لأ.. أنا كويسة.»


قام من غير ما ينطق كلمة زيادة. دخل المطبخ، وسمعت صوت الحافات والصحون. بعد ساعة، خرج وشايل صينية عليها طبق شوربة سخنة، وطبق رز أبيض، وشوية فاكهة متقطعة جاهزة. حط الصينية قدامي، وقعد جمبي ومسك المعلقة وبدأ يطمعني بإيده وهو بيقول: «كلي عشان تقوي نفسك.. عشان اللي في بطنك ده محتاجك.»


في اللحظة دي، حماتي خرجت من أوضتها، عيونها كانت بتطلع شرار، ووشها احمر من الغل. وقفت فوق راسنا وزعقت بصوت هز جدران الشقة:


* «إنت مش راجل وملكش لازمة! خليتها ركبتك ودلدلت رجليها! بقى سي حسن بيلف بالمعلقة ويأكل الست هانم؟ جرى لعقلك إيه يا ابن بطني؟!»


حسن ما ردش عليها كلمة واحدة.. كمل تقطيع الفاكهة وما رفعش عينه فيها، والبرود ده جننها زيادة. جرت على الأوضة، جابت طرحتها وشنطتها، وخرجت وهي بتدب في الأرض وبتدعي وتتحسبن، وقالت: «أنا ماشية لبتي.. خليك قاعد تحت رجليها لحد ما تجيب أجلك!»


أول ما الباب اتقفل وراها، الصمت رجع تاني.. بس المرة دي كان صمت ثقيل.


بعد أقل من نص ساعة، تليفون حسن رن. كان حاططه على الترابيزة ومغلي على “السبيكر”. اسم أخته “نعمة” ظهر على الشاشة. حسن فتح الخط وسكت.. وجالي صوت نعمة طالع من التليفون زي السكينة، مليان استهزاء وغل، والصوت كان عالي ومسموع في الصالة كلها:


* «إيه يا سي حسن؟ عامل إيه يا خويا؟ طبخت لمراتك ولا لسه؟ طب كنست الشقة ولا هتغسلها إمتى؟ إنت راجل إنت؟! ده إنت عريتنا قدام العيلة كلها! أمك جيلنا بتبكي وتلطم من اللي عملته فيها عشان واحدة ملهاش أصل ولا عيلة!»


#الكاتب__رومانى__مكرم__


أنا دموعي نزلت بغزارة، والوجع مسك في بطني فجأة بشكل غريب.. مغص شديد سمع في ظهري.


حسن كان مسبت نظره على التليفون، فك زارار قميصه الفوقاني، وإيده كانت بـتترعش من كثر المكتوم جواها. وفجأة، وبدون مقدمات، داس على الزرار الأحمر، وقفل السكة في وش أخته!


رفع رأسه ببطء شديد، وبصلي.. عيونه كانت مليانة كلام كتير قوي، مزيج من الغضب، والندم، وحاجة ثانية مرعبة أنا عمري ما شفتها في عيونه قبل كده.. وقرب مني خطوة وهو بيقول:


وقرب مني خطوة وهو بيقول:


 


«يا هدى.. وحياة الوجع اللي شفتيه، ليكون كل حرف اتأنفذ في حقك بحسابه، بس قومي معايا دلوقتي.. إنتِ بتتألمي بجد ولا ده من الزعل؟»



قبل ما أرد عليه، المغص مسك في ضهري وشديت في إيده بقوة وأنا بصرخ بصوت مكتوم من كتر الوجع. حسن أول ما شاف وشي اصفر وإيدي بتتشرج في إيده، اتنفض من مكانه، نسي تعب اليوم ونسي كلام أخته وأمه، وجري جاب عبايتي وطرحتي، وبأيد بتترعش ساعدني ألبسهم، وشالني نزل بيا على السلم وهو بيجري خطوة ويسبق خطوة، وكأن الأرض مش شايلاني وشايلاه.


في المستشفى، كانت الممرضات والدكتورة بيجروا حواليا، وحسن واقف برة باب الأوضة رايح جاي، سامعة صوته وهو بيزعق في التليفون مع أخته نعمة اللي عاودت الاتصال بيه تاني عشان تتخانق:


«اسمعي يا نعمة.. كلمة زيادة وهتنسي إن ليكي أخ! أمك خرجت من بيتي بكرامتها، لكن تصغيركم ليا ولمراتي قدام الناس وخلف ظهرنا انتهى.. مراتي دلوقتي تولد، ولو جرى لها ولا للطفل حاجة بسبب حرقة دمها، قسمًا بالله ما هتدخلوا بيتي تاني طول ما أنا حي!»


قفل الخط في وشها للمرة التانية، ودخلت الدكتورة طمنته إن دا طلق مبكر بسبب الضغط العصبي والنفسي الشديد، وإنهم قدروا يثبتوا الحمل شوية بالحقن والمحاليل، بس ولازم ترتاح تمامًا وما تتنكدش نهائي.


رجعت البيت الفجر، الصالة كانت فاضية وساكتة، النور الأصفر المسهوك لسه شغال بس ما بقاش يخوف زي الأول. حسن سندني لحد السرير، غطاني بهدوء وقعد جنبي على الأرض، ساند راسه على طرف المرتبة. بصيت له وأنا كلي كسرة ودموعي نازلة:


«حسن.. أنا آسفة إن طردت أمك وأختك بسبب تعبي، بس أنا والله ماليش ذنب إن ربنا أخد مني أمي وأبويا.. أنا مش ناقصة، أنا مش عيلة عشان يتعاير بيا طفلي اللي جاي..»


حسن رفع راسه، وبص في عيني بنظرة رجولة وندم أعمق من المرة اللي فاتت، وقال بصوت حاسم يزلزل:


«إنتِ عيلتك أنا، واللي يمسك بكلمة كان يمسني في شرفي وكرامتي. أمي على راسي عشان أرضيتها، بس ظلمها ليكي مش هسمح بيه، وأختي نسيت إن ليها أخ يوقفها عند حدها. من النهاردة، مش هتدخلي حرب مع حد، حربك هي بيتك وابنك، وأنا سيفك اللي هيصد أي كسر يجيلي منك.»


تاني يوم الصبح، الباب خبط جامد بدبة مرعبة. حسن قام فتح، كانت نعمة أخته واقفة ومعاها أختها التانية “وفاء”، ووراهم أزواجهم، جايين بشرهم وعيونهم مليانة غضب عشان يربوا حسن ويهينوني أكتر بعد ما أمه اشتكت للكل.


وقف حسام زوج نعمة وقال بصوت عالي في الصالة:


«بقى يا سي حسن تبيع أمك وتزعل إخواتك عشان واحدة أصلها معروف للكل؟ بقى تقفل السكة في وش نعمة عشان ست هانم تدلعت عليك؟»


حسن وقف بثبات قدام أربعة، قفل باب أوضة النوم وراه بالكامل عشان الصوت ما يوصلنيش قوي، وبص لحسام بعين ثاقبة وقال بصوت وطي بس يرعب:


«إنت داخل بيتي ترفع صوتك عليا يا حسام؟ المدام اللي بتتكلم عنها دي شرفي وعرضي، وأم ابني. وأمي على راسي مش هرميها، بس اللي هيقل أدبه في بيتي على مراتي هطرده بشر أعماله.. أختي نعمة تجيلني تعتذر عن اللي قالت في التليفون، وإلا ماليش إخوات بنات من الليلة دي!»


نعمة صرخت بقلة حيلة وغل:


«تتبرى مننا يا حسن عشان دي؟! عشان واحدة ملهاش حد يسأل عليها؟»


حسن خطى خطوة واحدة ناحيتها وبص في عينها بكل قوة:


«إنتِ نسيتي إنها ليها ربنا؟ ونسيتي إن ليها جوز يهد الدنيا لو حد لمس طرفها؟ امشوا من بيتي دلوقتي، وما حدش فيكم يعتب العتبة دي تاني إلا وهو جاي بيعتذر وبيمسح الخاطر!»


أزواجهم حاولوا يتدخلوا، بس حسن وقف كالسد المنيع وفتح الباب على آخره وطردهم بالكامل، وقفل الباب بالمفتاح ورجع لي الأوضة وشايل معاه قرار مش هيرجع فيه أبداً.


قعد جمبي، وابتسم ابتسامة هادية بس فيها وجع، ومسك إيدي وقال:


«البيت ده مش هيدخله غير اللي بيحترمك، والطفل ده هيتولد يلقى أبوه هو عيلته وأهله وناسه كلهم.»


 

حكايات رومانى مكرم 2


مر أسبوع كامل والبيت في هدوء أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة. حسن ما سابنيش لحظة، كان بيروح شغله ويرجع جري، هو اللي يطبخ، وهو اللي ينضف، وهو اللي يقعد ينقع رجلَيّ في ماية دافية لما تتورم من ثقل الشهر التاسع. كل ما أقوله: «كفاية يا حسن، أنا بقيت كويسة»، يبصلي بابتسامة دافية ويقولي: «سيبيني أردلك شوية من حقك اللي اتهدر، إنتِ وادني اللي في بطنك مالكوش غيري، وأنا ماليش غنى عنكم».


في اليوم ده، كان المعين خلاص قرب، وحسيت بنغزات تقيلة بتيجي وتروح من أول الفجر. حسن رفض ينزل الشغل وقعد جنبي، يمسح على راسي وينظم تنفسي زي ما الدكتورة قالت. وعلى الساعة أربعة العصر، الباب اتفتح وفجأة ودون استئذان.. كانت حماتي!



دخلت الشقة وبإيدها مفتاحها القديم اللي حسن نسي ياخده منها، ووراها خال حسن الكبير، “الحاج متولي”، راجل ذو هيبة وكلمته سيف على العيلة كلها. حماتي دخلت بوش مكشر ورافع رأسها بلؤم، ووقفت في نص الصالة، تبص على الشقة وعلى الأكل اللي حسن كان طابخه ومغطيه على الترابيزه.


حسن اتفاجئ، قام وقف بثبات وسلم على خاله باحترام، بس عينيه كانت مكسورة من تصرف أمه ودخولها بالمفتاح من غير ما تخبط.


الحاج متولي قعد على الكرسي وبص لحسن بعتاب تقيل وقال:


«بقى يا حسن.. بقى يوصل بيك الحال تطرد إخواتك البنات، وتقفل السكة في وش أمك، وتخلي العيلة كلها تتكلم عنك وعن ضعفك قدام مراتك؟ هي دي الرجولة اللي ربيناك عليها؟ أختك نعمة جاية تبكي وتقول أخويا اتهمني في شرفي وطردني عشان خاطر واحدة مالهاش أهل يدقوا بابها ولا يطالبوا بحقها!»


الكلمة نزلت عليا من جوة زي الصاعقة. كلمة “مالهاش أهل” كانت زي السوط اللي بيلف على رقبتي. شديت الملاية بإيدي والوجع زاد عليا ضعف، والطلّق بدأ يمسك في ضهري بجدية وشدة غير طبيعية.


حسن وقف قدام خاله، ما وطاش رأسه، ولا تهتز له شعرة. اتنفس بعمق وقال بصوت عالي ومسموع للكل:


«يا حاج متولي.. إنت على راسي، وأمي على راسي.. بس البيوت ليها حرمات. أمي دخلت بيتي وهانت مراتي في عقر دارها، عايرتها بقلة أصلها ويتِمها، عايرت طفل لسه ما شافش النور إن مالهوش خال ولا خالة! أختي نعمة اتصلت بيا تتطاول عليا وتتهمني في رجولتي وتغلط في عرضي ومراتي لمجرد إنها شافتني بأكّل مراتي وهي تعبانة! هو اللي يشيل مراتي وهي شايلة ابنه بيبقى مش راجل يا حاج؟»


حماتي من ورا خاله:


«ما هي تدلعت وقعدت! أنا خلفت خمسة وكنت بغسل وبطبخ وأنا بطلق! هي على رأسها ريشة؟ عشان ملهاش حد يتشد بيه ظهرها فاكرة إنك هتبقى ظهرها على أمك وإخواتك؟»


حسن خطى خطوة ناحية أمه، ولأول مرة أشوف عينيه بتلمع بدموع قهر وغضب في نفس الوقت، وقال بصوت هز جدران الصالة:


«أيوا مالهاش حد! وأنا ظهرها! وأنا عيلتها! وأنا أهلها كلهم! اللي يمسها بحرف كأنه قطّع في جسمي أنا! والبيت ده بيتي، والمفتاح ده ما يدخلش بيه حد تاني إلا بإذني!»


حسن مد إيده بثبات، وأخد المفتاح من إيد أمه بالراحة بس بقوة، وحطه في جيبه.


الحاج متولي اتصدم من موقف حسن، وقام وقف، بص لأخته (حماتي) ونظراته اتغيرت تمامًا.. بدا يدرك إن الكلام اللي اتقال له في العيلة كان نص الحقيقة، وإن أخته افترت على كنز صبر حسن.


في اللحظة دي، المغص شد عليا أوي، وصوت خرج غصباً عني من جوة : «حسسسسن!»


حسن ساب خاله وأمه وجري على ، فتح الباب ولقاني واقعة على طرف وشي أبيض زي الطباشير، والماية بدأت تنزل مني.. خلاص، لحظة الولادة حانت.


حسن شالني فوراً بين إيديه وخرج بيا للصالة. خاله أول ما شاف منظري ووشي المجهد المليان دموع والدم اللي بدا يظهر، أترعب في أمه:


«إيه ده يا سعاد؟! الست بتولد بجد! إنتِ جيباني هنا عشان تظلمي الولد ومراتي بتموت؟!»


حماتي وقفت مبهوتة، مش عارفة تنطق كلمة، وعيونها كانت بتتنقل بين حسن اللي شايلني وبيجري بيا، وبين خاله اللي بص لها بنظرة خيبة أمل شديدة.


حسن نزل بيا على السلم وهو على خاله: «إفتح باب العربية يا حاج بسرعة!»


الطلق كان بيقطع في أحشائي، وأنا ماسكة في قميص حسن وبقوله بصوت متقطع: «أنا خايفة يا حسن.. خايفة أموت واسيبك أنت والطفل لوحدكم..»


حسن دمعة نزلت من عينه على خدي، وباس رأسي وهو ينزل بيه الخطوات بسرعة وثبات وقال:


«مش هتموتي يا هدى.. إنتِ هتعيشي وهتربي ابننا، والنهار ده بالذات الكل هيعرف إنك مش لوحدك، وإن ضهرك مبني من صلب.»


حسن حطني في كنسلة العربية ورا، وركب الحاج متولي قدام جنب السائق، وكانت إيدي متشبثة في قميص حسن بكل قوتي. الطرق كانت زي المتاهة، وكل هبدة في العربية كانت بتمزع أحشائي. حسن ما سابش إيدي لحظة، كان بيقرأ آيات القرآن في ودني بصوت بيترعش، ويقولي: «اتنفسي يا هدى.. قربنا خلاص، خليكي جمدة عشان خاطري وخاطر اللي جاي».


وصلنا المستشفى على أقصى سرعة. أول ما الباب اتفتح، الدكاترة والممرضات لموا حوالينا بالنقال، وأنا بين والتانية شايفه حسن بيجري ورايا لحد باب غرفة العمليات. الدكتورة وقفت حسن على الباب وقالتله بثبات: «لحد هنا ومش هينفع تدفع أكتر من كده يا أستاذ، حالتها حرة والضغط عالي جداً.. أدعيلها».


الباب المقفول كان الفاصل بيني وبين الدنيا. جوة، كانت الأضواء البيضاء العالية بتعكس الخوف في عيوني، وصوت الأجهزة المزعج بيملا . الدكتورة كانت بتزعق للممرضات يجهزوا حقن التخدير والضغط بسرعة، وأنا عيوني رايحة وراجعة بين السقف وبين صور أمي وأبويا الله يرحمهم.. كنت حاسة إن روح ه تروح مني، والوجع بقى أكبر من طاقة أي بشر.


برة ، الصالة كانت بتغلي. الحاج متولي كان قاعد على الكرسي حاطط إيده على وشه من كسرة النفس والذنب، وحسن واقف زي الجبل الصامد، رايح جاي يسابق ظله على البلاط. وفجأة، الباب الخارجي للمستشفى اتفتح ودخلت نعمة أخته ومعاها أختها وفاء وحماتي اللي ما قدرتش تقعد في البيت بعد كلام أخوها متولي.


نعمة قربت من حسن بصوت واطي ومسموع في نفس الوقت:


«إيه يا حسن؟ الدكتورة قالت إيه؟ هي هتولد طبيعي ولا قيصري؟ أصل أمك زعلانة منك على الحركة اللي عملتها وعايزة تطمن بس..»


حسن وقف في مكانه، ما بصش في وشها، بس نبرة صوته لما خرجت كانت زي الصخر اللي بينكسر:


«إنتِ جاية تطمني ولا جاية تشوفي الشماتة كملت ولا لسه؟ أمي اللي زعلانة دي، كانت السبب إن مراتي جوة بين الحياة والموت! كلمة واحدة زيادة يا نعمة، ورب العرش العظيم هتشوفي مني وش عمُرك ما تتخيليه! امشوا من هنا.. مش عايز أشوف حد فيكم قدامي لحد ما أعرف مراتي وابني عايشين ولا لأ!»


الحاج متولي قام وقف، وبص لأخته وبناتها بغضب عارم وقالهم بصوت هز الصالة:


«اتفضلوا ارجعوا البيت! ما لُكمش مكان هنا النهاردة! الولد روحه رايحة على مراته وبيته، وإنتوا جايين تكملوا عليه؟ ارجعوا ومجلس العيلة هيكون بكره يا سعاد، وكل واحد هيعرف حده بالظبط!»


حماتي اتصدمت من كلام أخوها، وبصت لحسن برجاء إن ينطق كلمة يكسر بيها كلام خاله، بس حسن لف وشه ودا ضهره ليهم تماماً، ومسك في سور الشباك وعيونه متعلّقة بباب العمليات. نعمة وشها اسودّ من الإهانة قدام الناس والممرضات، وأخدت أمها وأختها وخرجوا وهم بيتهامسوا بالغل.


بعد ساعتين كاملين من الرعب والشد العصبي، صوت صغيرة ونقية قطعت الهدوء القاتل!


الباب اتفتح، وخرجت الدكتورة وعلى وشها ابتسامة إرهاق، وشايلة في إيدها لفة بيضاء. حسن اتنفض من مكانه وجري عليها، وإيديه بتترعش ومش قادر يستوعب:


«هدى.. هدى كويسة يا دكتورة؟! رد عليا أرجوكي!»


الدكتورة بتسّم وبتقول:


«الحمد لله ربنا نجاها ونقذنا الجنين في آخر لحظة.. جالك ولد زي القمر، وحرمتك نقلناها غرفة العناية العادية، ساعتين والتخدير يروح وتقدر تشوفها. الف مبروك يا أستاذ حسن، مراتي ست أصيلة وصبرت كتير».


حسن نزل على ركبته على بلاط المستشفى، وحط وشه بين إيديه وبكى.. بكى بكاء راجل شايل هموم الدنيا كلها على كتافه، بكى فرحة ووجع وقهر اتمسح في لحظة لما سمع صوت ابنه.




بعد ساعتين، فتحت عيني ببطء شديد. النور كان خفيف، وجسمي كله مهدود وبتألم من جرح القيصرية. أول ما فتحت، لقيت حسن قاعد جنبي على الكرسي، ماسك إيدي وبينقط عليها دموعه، والطفل الصغير نايم في المتقارب من .


بصيت له بصوت مخنوق ومتقطع:



«حسن.. الطفل كويس؟»


حسن رفع راسه، وباس إيدي بقوة وقال بصوت مليان شجن وحب:


«الطفل كويس، وأمه العفيفة الجدعة كويسة.. الحمد لله يا هدى، ربنا ما حرمنيش منك».


ابتسمت بكسرة وقلت له:


«سميته إيه؟»


حسن بص لي بثبات وقال:


«سميته (صالح).. عشان يطلع صالح وما يظلمش حد، ويكون العزوة والسند لأمه اللي اتحرمت من الأهل، وعشان يعرف إن أمه بطلة استحملت اللي ما يتحملوش بشر».


في اللحظة دي، الباب اتفتح بهدوء، ودخل الحاج متولي لوحده، وفي إيده شنطة فاكهة وشايل على وشه نظرة ندم كبيرة. قرب من وبص لي وقال بصوت حنون لأول مرة أسمعه منه:


«حمد لله على سلامتك يا بنتي.. حفك عليا، وحقك على العيلة كلها.. أنا عرفت الحقيقة كاملة، والنهاردة بالليل هيكون لينا قعدة تانية خالص مع أختي وبناتها».


خرج الحاج متولي من  بعد ما اطمن عليا، وسابنا أنا وحسن في هدوء المستشفى. حسن قرب الصغير بتاع “صالح” مني، وشاله بالراحة وحطه بين أحضاني. في اللحظة دي، وأنا حاسة بدفا جسمه الصغير وصوت أنفاسه الهادية، حسيت إن كل الوجع والمغص وإهانات الشهر التاسع اتمسحوا، بس أثر الجرح النفسي كان لسه حفر جوة قلبي.


عدى يومين في المستشفى، وحسن ما فارقنيش لحظة. كان بيغير لي على الجرح بمساعدة الممرضة، ويشيل صالح لما يبكي، وينيمنا ويقعد يتأملنا بنظرة كلها خوف وحماية. وفي اليوم التالت، الدكتورة كتبت لي على خروج، وسندني حسن لحد العربية ورجعنا البيت.


أول ما فتحنا باب ، استقبلتنا ريحة بخور هادية ونظافة غريبة. الحاج متولي كان مكلم جارتنا الأستاذة أم أحمد تنزل تنضف الشقة وتجهز لنا أكل سخن قبل ما نوصل. حسن دخلني  ونيمني على ، وجاب صالح وحطه جنبي، وقالي بنبرة حسم:


«ارتاحي يا هدى.. النهار ده العيلة كلها جيا هنا، والحاج متولي هو اللي جمعهم. حقك هيجي لحد عندك وأنتِ حاطة رجل على رجل، ومن غير ما تنطقي كلمة واحدة».


على الساعة سبعة بالليل، الصالة برة بدأت تملى بالصوت. صوت خطوات تقيلة وكلام مكتوم. الحاج متولي جاب حماتي، ونعمة، ووفاء، وأزواجهم، وقعدهم في الصالة. حسن قفل باب النوم عليا بالراحة، وخرج يقف في نص الصالة، مكلّم حد ولا مبين أي تسامح في وشه.


الحاج متولي وقف في النص وبدأ الكلام بصوت يهز الكيان:


«أنا جمعتكم النهاردة عشان نضع حد للمهزلة دي. سعاد أختي.. أنتِ كبرتي في السن، بس نسيتي إن الظلم ظلمات يوم القيامة. البنت دي دخلت بيت ابنك يتيمة، بدل ما تكوني ليها أم وتلميها، عايرتيها بقلة أهلها، وسخنتي ابنك عليها وهو راجع مهدود حيله، ولما لقيته حنين عليها وقفتي تدعي !»


حماتي كانت قاعدة بصة للأرض، ووشها مسود، وقالت بقلة حيلة:


«يا متولي.. أنا كنت خايفة على ابني يركبه الدلع، وأنا طول عمري بشقى..»


رد عليها الحاج متولي بقسوة:


«الشقا ما يعلمش القسوة والافتراء! وأنتِ يا نعمة..» ولف أصبعه ناحية نعمة اللي كانت قاعدة حاطة إيدها في جنبها: «أنتِ وأختك.. بدل ما تكونوا إخوات لبنت يتيمة، بتتصلوا بأخوكم تشرشحوا له وتعايروه بمراته وتتهموه في رجولته عشان بيأكلها وهي بتموت بالطفل؟ هو ده الأصل اللي ربيتكم عليه؟»


زوج نعمة حاول يتدخل ويقول: «يا حاج متولي الموضوع مش كدة..»


بس حسن قطع كلامه بصوت زلزل الشقة كلها:


«سكتك يا حسام! محدش يتكلم في بيتي غير الحاج متولي! أنت ومراتك جايين تحاسبوني في بيتي وتسخّنوا أمي؟»


حسن خطى خطوتين وقاف أمام أخته نعمة وحماتي وقال بنبرة مليانة مرارة وقوة:


«أمي.. على راسي، ورجليها أشيالها فوق دماغي في أي وقت، بس شرط واحد: رجلك ما تعتبش الشقة دي تاني إلا لما تعتذري لهدى وتطلبي منها السماح على كل كلمة سمّت بيها قلبها. أما أنتِ يا نعمة.. وأنتِ يا وفاء.. فالمفتاح اللي كان معاكم اتمسح، وبيتي محرم عليكم لحد ما تعرفوا أدب التعامل مع بيت أخوكم وتعرفوا إن هدى مش لوحدها.. هدى أختكم الكبيرة برضاكم أو غصب عنكم، وعيلتها هي أنا وصالح اللي جوة ده!»


نعمة وقفت بغل:


«بتبايع إخواتك عشان واحدة غريبة مالهاش عيلة؟!»


حسن قرب منها وعيونه فيها شرار وقال بصوت هادي ورسول:


«هي مش غريبة.. هي بيتي. واللي يمس بيتي يتقطع لسان أي حد يذكره بسوء! الحاج متولي موجود، وأنا قدام العيلة كلها بقولها: أي حد هيقول كلمة تانية في حق هدى أو يعايرها بيتمها، هعتبره خصمي ليوم الدين ومش هشوف وشه تاني!»


الحاج متولي ضرب بعصايته على الأرض وقال:


«الكلام اتختم! سعاد تعتذر لمراته دلوقتي، والبنات يلموا نفسهم ويرجعوا بيوتهم وما يدخلوش هنا إلا بالاستئذان وباحترام!»


حماتي رأسها بالرفض في الأول من كبرياء الغل، بس لما شافت عين حسن وعين أخوها متولي اللي إنه ، قامت ببطء ودخلت عندي.


أنا كنت قاعدة على ومسكة صالح في حضني، ودموعي نازلة بأسى. حماتي وقفت عند باب ، بصت لي وللطفل، ولأول مرة أشوف في عينها انكسار حقيقي مش تمثيل. قربت خطوتين وقالت بصوت مكسور ومردود:


«سامحيني يا هدى.. الشيطان كان حاطط غشاوة على عيني.»


أنا بصيت لها، والجرح كان لسه حاي، بس قلت بصوت واطي:


«مسامحاكي يا حماتي عشان خاطر ربنا وعشان خاطر حسن وصالح.. بس الجرح اللي اتفتح مش بسهولة يتلم.»


خرجت حماتي من  وهي ساكتة، وسحب الحاج متولي العيلة كلها وخرجوا، والباب اتقفل وراهم.


الصمت رجع للشقة، بس المرة دي كان صمت نقي، صمت نصرة وراحة. حسن دخل ، وقفل الباب بالمفتاح، وقعد جنبي على . حط إيده حوالين كتفي وضمنا أنا وصالح لصدره، وقال وهو بيتنفس بعمق:


«خلصت يا هدى.. الحق رجع، والبيت ده مش هيدخله تاني إلا اللي يعرف قيمتك».


أنا بصلت له وقلت وأنا بحط رأسي على كتفه:


«يا حسن.. أنا خايفة، أختك نعمة مش هتسكت، وعيونهم المليانة غل دي مش هتسيبنا في حالنا..»


حكايات رومانى مكرم 3


حسن ضم كتفي أكتر، وباس رأسي بنبرة فيها ثبات هز الخوف اللي جوايا: «طول ما أنا بتنفس يا هدى، محدش يقدر يمسك ولا يمس صالح بحرف. نعمة وغير نعمة خلاص عرفوا حدودهم، واللي يفكر يتخطى حده معايا بعد النهاردة هيشوف وش تاني خالص».


مرت الأيام الأولى بعد القعدة دي، والبيت كان عايش في هدوء ظاهري، بس الأجواء برة كانت بتغلي. نعمة أخته ما تقبلتش الهزيمة ولا القلم اللي أخدته قدام جوزها والخال متولي. كانت حاسة إن كرامتها اتمرغت في التراب، وبدأت تخطط للعبة جديدة، لعبة أخبث من المواجهة المباشرة.



بعد أسبوعين من ولادتي، وفي وقت حسن كان في شغله، رن تليفون البيت الأرضي. رفعت السماعة ببطء وأنا شايلة صالح على إيدي. جالي صوت نعمة، بس المرة دي ما كانش فيه زعاق ولا شتيمة.. كان صوت هادي ومسموم، زي الحية اللي بتتسحب في الخفاء:


«إزيك يا هدى؟ عاملة إيه وصالح عامل إيه؟ يتربى في عز حسن يا حبيبتي.. أنا متصلة أطمن عليكي، وبقولك يعني بلاش تأخدي كلامي القديم على قلبك، أنتِ عارفة ساعة غضب وأمي كانت سخنانا كلنا».


أنا شكيت في نبرتها وضميت صالح لصدري أكتر وقلت ببرود:


«الله يسلمك يا نعمة.. الحمد لله على كل حال».


كملت نعمة بكلام متزوق:


«بقولك إيه.. حسن أخويا حبيبي وأنا مش قادرة على زصله، والبيت من غيره مالهوش طعم. أنا حابة أجي أنا وأختي وفاء بكرة الصبح، نجيب شوية هدايا وسبوع لصالح ونطرد الشيطان اللي دخل بينا. حسن طبعاً مش هيكون موجود في الشغل، وأنا قلت أستأذن منك أنتِ الأول عشان نبين إننا شارينك وما نضايقكيش».


حسيت بنغزة في قلبي.. الدهاء في صوتها كان واضح، وعارفة إنها لو جت وحسن مش موجود ممكن تستغل غيابه وتعمل مصيبة أو تتهمني بحاجة جديدة تقلب حسن عليا. بس ردت بثبات:


«تنوروا يا نعمة، بس حسن قال لي محدش يدخل البيت في غيابه. لما يرجع من شغله بالليل، اتصلي بيه واستأذنيه، والبيت بيته وهو اللي يستقبلكم».


نعمة نبرة صوتها اتغيرت في ثانية، والغل ظهر تاني في كلامها:


«بقى كدة يا هدى؟ بتتقوي عليا بأخويا وبتقفلي الباب في وشنا؟ ماشي.. افتكري إنك أنتِ اللي اخترتي الحرب دي، ونشوف مين اللي هيضحك في الآخر!»


قفلت الخط في وشي بعنف. أنا قعدت على الكرسي وإيدي بتترعش.. كنت عارفة إن نعمة مش هتسكت، وإن الهدوء ده كان مجرد استراحة.


أول ما حسن رجع بالليل ورما جسمه المهدود من الشغل، عملت له كوباية شاي وقعدت جنبه، وحكيت له على مكالمة نعمة بحرفيتها. حسن أخد نفس طويل، وحط كوباية الشاي على الترابيزة ببطء، وعينيه أظلمت.


«تصرفك صح يا هدى.. كان لازم تقفلي الباب. نعمة مش جاية تتصالح، نعمة جاية تفتش في البيت وتدور على أي غلطة تمسكها عليكِ عشان تروح للحاج متولي وتقوله شفتوا مراته بتعاملنا إزاي من ورا أخونا!»


وفعلاً، ما عدتش 24 ساعة، إلا والتليفون رن تاني، بس المرة دي عند حسن. كانت وفاء أخته التانية، بتتصل وهي بتعيط وبتمثل المسكنة:


«حقك عليا يا حسن.. نعمة كانت رايحة بكرة تصالح مراتك وتجيب هدايا للولد، بس مراتك طردتها في التليفون وقالت لها مالكيش مكان هنا وأخوك بصمتي في جيبك! بقى ده يرضيك يا حسن؟ إحنا بنمد إيدينا بالصلح وهي بتقفلها في وشنا؟»


حسن مسك التليفون بقوة وابتسم ابتسامة ساخرة، وقال بصوت حاد يقطع الشك باليقين:


«سمعيني تاني كدة يا وفاء؟ هدى طردت نعمة؟.. إنتِ فاكرة إن هدى بتعمل حاجة من ورايا؟ هدى حكتلي على كل كلمة قالتها نعمة قبل ما أنتِ تتصلا بدقيقة! ونعمة قالت لها بنشوف مين اللي هيضحك في الآخر! اللعبة دي قديمة أوي يا وفاء، وروحي قولي لنعمة إن الضحكة الأخيرة هتكون عليا أنا وهي لما تعرف إن بيتي خلاص اتقفل في وشها للابد بقرار مني أنا مش من هدى!»


قفل حسن السكة، وبصلي بابتسامة حنونة وقال: «فاكريني هصدقهم تاني؟ إنتِ صنتي بيتي وعرضي في غيابي، وأنا مستحيل أسمح لسمهم يوصلك تاني».


بس الفرحة بالانتصار ده ما كملتش.. بعد نص الليل، وصالح نايم في سريره، سمعنا خبط شديد ومفاجئ على باب الشقة! خبط متواصل وبفزع هز أركان البيت، وصوت صريخ برة في الصالة الخارجية للمبنى:


«افتح يا حسن! الحقنا يا حسن!!»


حسن اتنفض من مكانه، وجري على الباب وبص من العين السحرية، وبعدها فتح الباب على آخره وهو مرعوب. كانت وفاء أخته واقفة وبتهتز من الخوف، هدومها متبهدلة ووشها أصفر زي الطباشير، وجاريا تدخل الصالة وهي بتصرخ بصوت مكتوم:


«الحقنا يا حسن! حسام جوز نعمة بيضربها تحت في الشارع وبيطردها من البيت! الشارع كله اتجمع عليهم، وأمي كبرت وما قادرة تكتم الفضيحة!»


حسن اتصدم، وبصلي بثوانٍ معدودة وهو متردد يسيبنا وينزل ولا يطنش، بس شهامة الراجل وأصوله غلبت. بصلي وقال وهو بيجري ناحية الباب:


«خليكي جوة يا هدى وقفي الباب بالمفتاح من جوة وما تفتحيش لأي حد مهما حصل!»


نزل حسن بيجري على السلم خطوتين بخطوة، وأنا قفلت الباب ورا بيا بالمفتاح وضميت صالح لصدري وقعدت أسمع الصريخ اللي جاي من الشارع تحت.


في الشارع، كان حسام جوز نعمة طالع جنونه، زاقق نعمة على عربية مركونة وبيزعق بصوت هز المنطقة كلها:


«إنتِ حية! إنتِ خرابة بيوت! جيبالي الفضايح في العيلة، وعايزاني أروح أتخانق مع أخوكي وأدخل في مشاكل بسبب كذبك وتلفيقك كلام على مراته! أمك ونعمة دمروا الدنيا، وأنا مش هشيل قذارة حد! البت دي طالق بالثلاثة ومش هتعتب بيتي تاني!»


نعمة كانت واقعة على الأرض بتعيط بكسرة ودموعها مالية وشها، وحماتي واقفة جنبيها بتصرخ وتستنجد بالناس. في اللحظة دي، حسن وصل للشارع، وجري حجز بين حسام ونعمة، وزق حسام بقوة وهو بيزعق:


«إنت اتجننت يا حسام؟! تمد إيدك على أختي في الشارع وتطلقها قدام الغريب والريب؟! إنت مش راجل ولا إيه؟!»


حسام بص لحسن بغيظ وقال:


«أنا راجل ونص يا حسن! بس اختك دي هي اللي مش ست! كانت جاية تحرضني أروح أضربك وأهين مراتك في بيتك عشان نكسر عينك، ولما رفضت وقالتلي إنك بعتها وجرحت كرامتها، اكتشفت إنها هي اللي اتبلت على مراتك واتصلت بيها تهددها! اختك تسوى الفتنة، وأنا بيتي ما يدخلهوش فتانات!»


الكلمات نزلت على حماتي ونعمة زي الصاعقة قدام أهل المنطقة. الحاج متولي كان نازل هو كمان على صوت الزعيق، وسمع كل كلمة قالها حسام. قرب الحاج متولي ووشه أحمر من الخوف والخجل، وبص لنعمة بصة احتقار وقرف وقال:


«هي دي الأخلاق اللي ربيتي عليها بناتك يا سعاد؟ جاية تخربي بيت أختك عشان تكسري فرحة أخوكي بمراته وابنه؟!»


نعمة بصت لحسن وهي بتعيط بحرقة، وقالت بصوت مكسور لأول مرة في حياتها:


«لحقني يا حسن.. جوزي طردني ورماني في الشارع قدام الناس..»


حسن بصلها، وعينيه كانت مليانة مزيج من القسوة والشفق. ما أهانهاش ولا شمت فيها، بس قال بصوت ثابت ورزين سمّع الكل:


«إنتِ أختي، ومن دمّي، ومش هسيب حد يرميكي في الشارع ولا يمد إيده عليكي حتى لو كنتِ غلطانة في حقي وحق مراتي لحد العظم. بس حق هدى وابني صالح مش هينسى.. حسام هيمشي دلوقتي، وأنتِ هتطلعي فوق مع أمي، وبكره الحاج متولي هيقعد معاهم ويلِم الليلة.. بس تدخلي بيتي وتطلبي السماح من هدى رجلك قبل راسك!»


حسن مسك إيد أخته من على الأرض ووقفها، وسحب أمها وأخته وفاء وطلعهم شقة أمهم، ودخل الحاج متولي وراهم عشان يحل المسألة مع حسام بالعقل والشرع.


بعد ساعة كاملة، حسن طلع ورجع لي. فتحت له الباب، كان شكله مجهد وشايل هم الجبال على كتافه. قعد على الكنبة، وحط راسه بين إيديه وسكت.


قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه وواسيته:


«إيه اللي حصل يا حسن؟»


حسن رفع راسه وبص في عيني، ولأول مرة أشوف دمعة بتلمع في عينيه من حسرته على أخته:


«نعمة اتطلقت يا هدى.. حسام طردها في الشارع بسبب الفتنة اللي كانت بتعملها بينا.. أختي خربت بيتها بحديث الغل والغيرة اللي كان جوة قلبها».


أنا اتصدمت وصعبت عليا رغم كل اللي عملته فيا. مسكت إيد حسن وقلت له:


«ربنا يصلح حالها يا حسن.. أنا مش شامتة فيها والله، ربنا يهديها ويرد لها عقلها».


حسن بصلي بذهول وإعجاب شديد، ومسك إيدي وباسها بقوة وقال:


«إنتِ أصلك طاهر ونظيف يا هدى.. بعد كل اللي عملوه فيكي، لسه بتترحمي عليها؟ والله العظيم ربنا رزقني بياقوتة مش ست عادية».


في اللحظة دي، سمعنا خبط خفيف على الباب.. خبط مكسور وخايف. حسن قام فتح الباب، وكانت المفاجأة!


حماتي واقفة، ووراها نعمة، وشهم في الأرض، وعيونهم ورمة من العياط. حماتي زقت نعمة بالراحة عشان تدخل، ونعمة قربت مني بخطوات متثاقلة، ونزلت على ركبتها قدام الكنبة اللي أنا قاعدة عليها، وبصت لي بدموع ونكسار حقيقي وقالت:


«سامحيني يا هدى.. والله ربنا جابلي حقي في ساعتها وركبني الهم بسبب ظلمي ليكي.. سامحيني يا أختي».


نزلت نعمة على ركبتها قدام الكنبة، دموعها بتنزل بكسرة وهوان عمري ما كنت أتنقعه منها. البنت اللي كانت من أيام قليلة بتصرخ وتعايرني بيتمي وبتقول إن ماليش أصل ولا عيلة، واقفة النهاردة قدامي مكسورة الخاطر، جوزها طردها وطلقها في الشارع قدام الغريب والريب، وعرفت إن الظلم دايماً بيلف وبيرجع لصاحبه أسرع مما يتخيل.


حماتي كانت واقفة جنبها، حاطة طرحتها على بقها وبتبكي بصوت مكتوم، مش قادرة ترفع عينها في عيني ولا في عين ابنها حسن. الصالة كلها كانت غرقانة في صمت تقيل، مافيش فيه غير صوت انفاس صالح الصغير وهو نايم في سريره بكل براءة، مش داري بالدنيا ولا بالصراع اللي اتخلق عشان ييجي للدنيا دي.


حسن كان واقف جنب الباب، ضارب إيديه في جيبه، عينيه بتتنقل بين أخته الواقعة على الأرض وبين مراته اللي انظلمت شهور طويلة. ما اتكلمش، ساب المنظر هو اللي يعبر، وساب القصاص الإلهي يتكلم عن نفسه.


أنا بصيت لنعمة.. قلبي في اللحظة دي اتعصر. أنا يتيمة، وعارفة يعني إيه كسرة النفس، وعارفة يعني إيه الوحدة لما الدنيا تقفل أبوابها في وش البني آدم. رغم كل العذاب اللي شفته منها، ورغم الكلمات اللي كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين في الشهر التاسع، ما قدرتش أشوفها بالمنظر ده وأشمت فيها.



مديت إيدي بالراحة، ومسكت إيد نعمة وهزيتها عشان تقوم:


«قومي يا نعمة.. قومي يختي ما تصغرنيش قدام جوزي وأهلك. أنا مش شامتة فيكي، ولا يفرحني إن بيتك يتخرب أو تتدوقي من نفس الكأس اللي شربت منه.»



نعمة رفعت رأسها بذهول، دموعها كانت مغرقة وشها، وقالت بصوت بيترعش:


«بعد كل اللي عملته فيكي يا هدى؟ بعد ما حرضت حسن عليكي وعايرتك بقلة أهلك؟ بتمديلي إيدك وتناديني يختي؟!»


ابتسمت بكسرة وصدر واسع وقلت لها:


«ربنا هو اللي بياخد الحقوق يا نعمة، وأنا سلمت أمري لربنا من أول يوم دخلت فيه البيت ده. يتيمة أه.. بس ربنا هو اللي كان أهلي وسندي. وأنتِ غلطتي في حق نفسك قبل ما تغلطي في حقي، خربتي بيتك بإيدك عشان غل وعتَب مالهمش لزمة. بس أنا مسامحاكي.. مسامحاكي لله ثم عشان خاطر حسن وصالح.»


حماتي قربت مني بخطوات سريعة، ونزلت على ركبتها هي كمان، أخدت إيدي بين إيديها الاثنين وبستها وهي بتبكي بحرقة وتقول:


«سامحيني يا بنتي.. حقك عليا يا هدى.. أنا اللي عميت عين بنتي وسخنتها، أنا اللي كنت فاكرة إن قسوتي عليكي هي اللي هتضمن لي ابني. اكتشفت إنك أنتِ اللي صنتي ابني وعرضه وحفظتيه في غيابه ورعيتيه، وأنا اللي كنت هخرب بيته بإيدي. أنتِ مش يتيمة يا هدى.. أنتِ بنتي الكبيرة، وحقك عليّ وعلى راسي ليوم الدين!»


حسن في اللحظة دي، نزلت دمعة صامتة من عينه. قرب مننا، مسك إيد أمه وإيد أخته وقفهم على رجليهم، وبص لأمه وقال بصوت هادي مليان حسم ورجولة:


«أمي.. أنتِ فوق راسي ودعائك هو اللي ممشيني في الدنيا، بس زي ما قلت لك، بيتي له حرمة. هدى صانتني واستحملت اللي ما يتحملوش بشر، والنهاردة أثبتت إنها أعظم وأكبر من أي إساءة اتوجهت لها. نعمة هتفضل في شقتك تعززيها وتكرميها، وبكره الصبح أنا والحاج متولي هنروح لحسام جوزها، وقسمًا بالله لو ليه حق هنرجعهوله، ولو افترى عليها هنجيب حقها منه بالشرع والأصول، عشان هي بنت ناس وليها رجالة يتشد بيهم الظهر.»


نعمة اترمت في حضن حسن وهي بتبكي وتقول:


«سامحني يا حسن.. سامحني يا خويا، أنا عرفت قيمتك وقيمة مراتك الأصيلة النهاردة.»


مرت الأيام والأسابيع، والحاج متولي وحسن قدروا بفضل ربنا والأصول يحلوا المشكلة بين نعمة وجوزها. حسام لما شاف موقف حسن وشاف إن العيلة أصلحت من نفسها وإن نعمة عرفت غلطها واعترفت بيه، وافق يرجعها بكرامتها وبشروط جديدة، أهمها إن محدش يتدخل في حياة حد، وإن البيت يتقفل على أسراره.


والبيت عندنا اتغير تماماً.. النور الأصفر المسهوك اللي كان بينور الصالة بتوهان وخوف، بقى ينور بدفا وراحة بال. حماتي بقت تنزل عندي كل يوم الصبح، تطبخ معايا، وتشيل صالح، وتدعي لي دعوات من قلبها تفتح الأبواب المقفولة. ونعمة ووفاء بقوا يجوا زي الضيوف المحترمين، بيعاملوني بأدب وإجلال، وكأني أختهم الكبيرة بجد.


وفي يوم، كنت قاعدة في الصالة بالليل، وحسن قاعد جنبي شايل “صالح” وبيطعمه بالمعلقة زي ما كان بيأكلني وأنا تعبانة. بصلي وابتسم وقال:


«شايفة يا هدى؟ اللي يصبر على الابتلاء ويتمسك بالأصول، ربنا بيكرمه إزاي؟»


بصيت له ولابني وللحياة اللي ربنا كتبهالي بعد المرار، وقلت له بثقة:


«الحمد لله يا حسن.. أنا عرفت إن اليتيم مش اللي ملوش أب وأم.. اليتيم هو اللي ملوش أصل ولا دين ولا جرح يلم بيه الناس.»


الحكمة من القصة:


* الظلم ظلمات والعاقبة أخلاق: الظلم دين مردود في الدنيا قبل الآخرة. من سعى في خراب بيوت الآخرين، كان أول من يكتوي بنار الخراب في بيته.


* اليتيم ليس من فقد والديه: اليتيم الحقيقي هو من خلت أخلاقه من المروءة والأصل. من كان الله معه، وجد العزوة والسند في أحلك الظروف ومن حيث لا يحتسب.


* الرجولة حماية وسند: الرجولة ليست بالتسلط أو اتباع كلام الأهل في الباطل، بل بالوقوف كالسد المنيع لحماية الزوجة وصون كرامتها، مع الحفاظ على بر الوالدين وأصول الصلة.


* العفو عند المقدرة يكسر شوكة الغل: التسامح والأصل الطيب يرد الإساءة إحساناً، ويح Respect ويجبر القلوب القاسية على الانحناء والخجل أمام نبل الأخلاق.


 




تعليقات

التنقل السريع
    close