سكريبت اهلى كامله اماني سيد
سكريبت اهلى كامله اماني سيد
من أول يوم جواز وأنا حاطط خطوط حمراء واضحة، أنا الراجل، وأنا اللي بشتغل وبدفع الإيجار وبملا التلاجة، ونهى مراتي ملهاش غير إنها تسمع وتطيع، أصلها خريجة معهد ومش بتشتغل، يعني عايشة في خيري. وطبيعي جداً اللي يدفع هو اللي يقرر، عشان كده عمري ما سمحت لأهلها يدخلوا بيتي غير في المناسبات الرسمية، وبحساب شديد، ده غير إني مانعها تروح لهم أكتر من مرة كل شهر، وأقولها دايماً: "أهلك ناس على قدهم، ومفيش من وراهم غير وجع الدماغ، لكن أهلي هما الأصل والعزوة".
الموضوع بدأ يكبر لما أمي قررت إن شقتي هي الملتقى العائلي لكل العيلة. كل جمعة، البيت يتقلب سوق، إخواتي وعيالهم، ونهى من صباحية ربنا في المطبخ، تقف على رجليها تمان ساعات تطبخ وتغسل وتقدم، وأمي تقعد في الصالة تتأمر: "الملح قليل يا نهى، الشاي برد يا نهى، الشقة مش ممسوحة كويس يا نهى". نهى كانت بتيجي تشتكي لي بدموعها وتقولي: "أنا ضهري اتك. سر، ومش قادرة على خدمة العدد ده كله لوحدي، ارحمني وخلي حد من إخواتك يساعدني"، لكن أنا كنت بق.
طع كلامها بزعيق: "انتي تطولي تخدمي أهلي؟ ده أنتي قاعدة في خيرهم، ولو مش عاجبك روحي عند أهلك". القشة اللي قصمت ضهر البعير كانت لما أخويا الصغير طارق اتخرج وقرر يقدم على شغل في القاهرة. أمي اتصلت بيا وقالتلي بلهجة مفيهاش نقاش: "أخوك ملوش غيرك، هيسكن معاك في الشقة لحد ما يلاقي وظيفة ويستقر". وطبعاً، كراجل أصيل وسند لعيلتي، وافقت فوراً وقولت لطارق: "البيت بيتك".
طارق دخل البيت واعتبره فندقه الخاص، يصحى الضهر، يطلب فطار مخصوص، ويسيب هدومه وسجايره مرمية في كل ركن. والأدهى من كده، إنه مبقاش يحترم خصوصية نهى، يدخل المطبخ وهي بشعرها، ويعلق على شكلها وعلى لبسها، ويقولها باستهزاء: "هو أنتي يا نهى مابتغيريش الترينج ده؟ ده أنتي شكلك بقيتي أكبر من أخويا بعشر سنين!". نهى وشها كان بيجيب ألوان، وتبصلي عشان أرد اعتبارها، لكن أنا كنت بضحك وأقول: "طارق بيهزر معاكي، متكبريش الموضوع وتبقي نكدية".
الوضع اتأزم لما طارق بقى يطلب مني فلوس لمصاريفه وخروجاته، وكنت بقطع من ميزانية البيت وبديله، لدرجة إني شيلت فاكهة ولحمة الأسبوع عشان أسدد له قسط تليفونه الجديد. نهى لما شافت التلاجة فاضية وقالتلي: "يا ماجد مفيش أكل يكفي لآخر الأسبوع، وأنت بتدلع أخوك على حساب البيت"، اتعصبت عليها وضربت بإيدي على الترابيزة: "فلوسي وأنا حر فيها، وأخويا أولى من بطنك! عاجبك على كده ولا الباب يفوت جمل؟ المفروض انك تنزلى تشتغلى وتساعدينى لكن انتى مابيجيش من وراكى غير الزن".
نهى بصتلي ساعتها بنظرة عمري ما شفتها في عينيها قبل كده، نظرة مفهاش عياط ولا توسل زي كل مرة، كانت ساكتة ببرود يرعب، وسابتني ودخلت الأوضة وقفلت على نفسها. أنا طبعاً منفضتش للموضوع، قولت شوية وهتروق وتعرف إن ملهاش غيري، ماهي ملهاش حيلة، هتروح فين يعني؟ تاني يوم الصبح، صحيت لقيت طارق قاعد في الصالة بالبو. ك. سر وحاطط رجله على الترابيزة وبيتفرج على التلفزيون بصوت عالي، أول ما شافني قال بزهق: "إيه يا ماجد، مراتك لسه نايمة؟
فين القهوة والفطار؟ هي فاكرة نفسها في فندق ولا إيه؟". دخلت أوضة النوم وأنا متغاظ عشان أزعق لها، لقيت السر. ير معمول، والدولاب مفتوح... ونصه فاضي! هدومها ودهبها اللي دخلت بيه مش موجودين، وعلى التسريحة محطوط مفتاح الشقة وورقة صغيرة مكتوب فيها كلمتين بس: "سيبتلك بيتك وخيرك، وسيبتلك أخوك يطبخ لك ويشيل سجايرك". دمي فار، إزاي تتجرأ تخرج من غير إذني؟ مسكت التليفون ورنيت عليها مردتش، رنيت على أبوها لقيت الراجل بيرد عليا ببرود غير عادته: "نهى عندي يا ماجد، وبنتنا مش هترجع لك تاني، ولينا كلام وقعدة تانية".
قفلت السكة في وشه وأنا بنفخ وقولت لطارق: "بنت الـ... مفكرة إنها بتلوي دراعي، والله ما أنا سائل فيها، مسيرها ترجع تبوس رجلي عشان لقمة العيش". عدى أسبوع، وأسبوعين، والبيت اتحول لمقلب زبالة رسمي. طارق مش فالح غير في طلب الدليفري اللي شطب على باقي مرتبي، ومفيش حد يغسل قميص، ولا يمسح ترابيزة، وأمي لما عرفت اتصلت بيا تقولي: "أوعى تروحلها ولا تعبرها! دي بتتمرد عليك، خليها تتربى عند أهلها، وأنا هجوزك ست ستها".
الضربة بجد جاتلي بعد شهر، كنت فاكر نهى قاعدة عند أهلها مستنية مكالمة مني، لكن اتفاجأت بإنها مقدمة في وظيفة في شركة كبيرة ونزلت اشتغلت على شهادة المعهد بتاعتها وطورت من نفسها في كورس كانت واخداه في السر، والأدهى من كده، لقيت محضر بيخبط على الباب ومعاه إنذار بدعوى طـ،،ـلـ،،ـاق للضرر ومؤخر وقايمة نفقة بمبلغ يكسر الضهر! وقفت في الصالة والورقة في إيدي بترتعش، ببص حوالي لقيت أطباق مكسورة، وهدوم طارق وسخة مرمية على الأرض، والتلاجة اللي كنت بتباهى إني بملاها مفيهاش حتى إزازة مية نضيفة.
طارق صحي من النوم ودخل عليا بكل بساطة يمد إيده: "ماجد، معيش رصيد وعايز ألفين جنيه عشان رايح قابض صحابي، طلع بسرعة". بصيت لطارق، وبصيت للورقة اللي في إيدي، وفجأة صوت سكات نهى ونظرتها الأخيرة رنوا في ودني، ولأول مرة حسيت إن كل "الخير" والعزوة اللي كنت بتمنظر بيهم، مش نافعيني بحاجة، وإن البيت اللي كنت فاكر نفسي سيده وبانيه بفلوسي، اتهد فوق دماغي وأنا واقف بتفرج. بصيت لإيد طارق الممدودة ولشكله المستفز، والدم غلي في عروقي لدرجة إني مكنتش شايف قدامي.
حسيت إن كل الغضب والضغط والمهانة اللي في ورقة المحضر دي عايزين يخرجوا في حد، وصوت زعيقي رج الشقة: "ألفين جنيه إيه يا روح أمك؟! أنت فاكرني بنك؟ فاكرني شغال عندك وبصرف على صياعتك؟! قوم غيّر هدومك ولم زبالتك دي واطلع برة بيتي!". طارق اتخض وبرق بعينيه، مكنش مصدق إن "أخوه الكبير وسنده" بيزعق له كده، وبدل ما يتلم لقيته بيتبجح ويرد بعنجهية: "بتزعق لي أنا يا ماجد عشان ست ما تسواش سابتك وخلعت؟
بقى بتطرد أخوك من لحمك ودمك عشان حتة ورقة من المحكمة؟ أنا هكلم أمي وأقولها على قلة أصلك!". "كلمها وكلم الدنيا كلها، غور من وشي!"، صرخت فيه وأنا بزقه ناحية الأوضة. ما كملش نص ساعة وكان لامم هدومه في شنطتين ونازل يرزع الباب وراه وهو بيتحسبن عليا. طارق متلحقتش أتنفس، تليفوني رن وكان المتوقع... أمي. فتحت الخط وجالي صوتها زي مدفع شغال شتايم وتأنيب: "بقى تطرد أخوك الصغير في الشارع يا ماجد؟
عشان خاطر الجربوعة اللي هربت وسابتك؟ دي أخرة تربيتي فيك؟ تنزل وتصالحه دلوقتي وتبو. س راسه، والبيت اللي مش عاجبها ده هو أولى بيه!". ساعتها، ولأول مرة في حياتي، الرد وقف في زوري. أمي مفرقتش معاها إني متدمر، ولا إن بيتي ات. خ. رب، ولا إن عليا قضايا ومحاكم تهد جبل، كل اللي كان فارق معاها إن ابنها الصغير يفضل متدلع ومتشال على كفوف الراحة حتى لو على حسابي أنا وخراب بيتي.
قولت بصوت واطي ومخنو. ق: "يا أمي بيتي اتخر. ب، مراتي رافعة عليا قضايا بمئات الآلاف، والشقة مقلب زبالة ومش لاقي أكل". ردت ببرود نشف ريقي: "تستاهل عشان اخترت واحدة مش من توبنا، اتصرف مع محاميك، بس أخوك لو بايت في الشارع لا أنت ابني ولا أعرفك!". قفلت السكة في وشها ورميت التليفون على الكنبة. قعدت على الأرض بين الكراكيب والهدوم الوسخة، حاطط راسي بين إيديا. البيت كان هادي بسكوت يخنق، مفيش ريحة أكل طازة كانت بتملا الشقة كل يوم أول ما أرجع من الشغل، مفيش قميص مغسول ومكوي متعلق في الدولاب، مفيش كلمة "حمد لله على سلامتك".
اهلى 2
أماني سيد
اللي كنت بقابلها بنفخ وزعيق. تاني يوم، ركبت عربيتي ورحت على بيت حمايا من ورا أهلي. كبريائي اللي كان ناطح السحاب اتقصقص منه كتير، بس كنت بحاول أبان متماسك. خبطت، وفتحلي حمايا... الراجل اللي كنت دايماً بقول عليه "على قده ومفيش من وراه غير وجع الدماغ". بصلي بجمود ومقاليش حتى اتفضل، وقف على الباب وقال: "خير يا ماجد؟ جاي ليه؟". بلعت ريقي وقولت: "أنا جاي أرجع مراتي لبيتها يا عمي، الخلافات دي بتحصل في كل البيوت، وميصحش نكبر المواضيع وندخل مـ،،حـ،ـا،،كـ،ـم وقـ،،ضـ،ـا،،يـــ،ـا، نهى ملهاش غير بيتي".
قبل ما حمايا يرد، سمعت صوت كعب جزمة جاي من جوة، وظهرت نهى. وقفت ورا أبوها... بس ما كانتش نهى بتاعة الترينج الباهت والشعر الملموم والوش المجهد من وقفة المطبخ وخدمة العزومات. كانت لابسة طقم شيك جداً، رافعة راسها، وشها منور، وعينيها فيها ثقة خوفتني. بصتلي وقالت بابتسامة هادية تقطع القلب: "بيتك اللي كان مقيدني بلقمة عيش وخير بتمن بيه عليا يا ماجد؟ أنا زمان مكنتش أعرف قيمتي، كنت فاكرة إني ماليش ضهر، بس لما نزلت واشتغلت وشوفت الدنيا، عرفت إني كنت دافنة نفسي مع واحد مش شايفني بني آدمة أصلاً".
قربت خطوة وقولت بترجي حاولت أداريه: "نهى... أنا طردت طارق من الشقة، ومحدش هييجي عندنا تاني، تعالي نتفاهم ونبدأ صفحة جديدة".
ضحكت باستهزاء وقالت: "طردته بعد إيه؟ بعد ما البيت خرب؟ أنت معملتش كده عشان بتحبني أو عشان حسيت بغلطك، أنت عملت كده عشان مبقتش لاقي حد يخدمك وينضف وراك ببلاش، ولا لاقي فلوس تصرف عليه. أنا طلبي واحد يا ماجد... ورقتي توصلي بالمعروف، أو الـ،،قـ،ـا،،ضـ،ـا،،يـــ،ـا تاخد مجراها في الـ،،مـ،ـحـ،ـا،،كـــ،ـم، وحقي وحق كرامتي اللي اتهانت كل يوم في بيتك هاخدهم بالقانون مليم مليم".
قفلت الباب في وشي... خبطة الباب دي حسيت كأنها ضربة قلم فوقني على حقيقتي المرة: أنا مكنتش الراجل السند، أنا كنت مجرد ديكتاتور في شقة فاضية، ضحيت بالإنسانة الوحيدة اللي كانت شيلاني بجد، عشان أرضي ناس أول ما المصلحة خلصت، باعوني. نزلت السلالم وأنا مش حاسس برجليا، السلالم اللي كنت بطلعها زمان وأنا نافخ ريشي وببص للناس من فوق، نازلها دلوقتي مكسور ومطاطي الراس. ركبت عربيتي وسندت جبيني على الدريكسيون، حاولت أتنفس، بس الهوا كان داخل صدري زي النار. روحت على المحامي بتاعي، رميت قدامه أوراق الـ،،قـ،ـا،،ضـ،ـا،،يـــ،ـا والإنذار.
الراجل فضل يقلب في الورق بتركيز، وهو بيحك دقنه، وكل ما وشه يكشر، قلبي كان بيقع في رجلي أكتر. رفع عينه وقالي بجفاء: "موقفك وحش جداً يا أستاذ ماجد. القايمة مكتوبة بحذافيرها، ومؤخر الصداق مبلغ مش قليل، غير إنها مقدمة إثباتات بشهود ومحاضر تضرر وإهانة وطرد. لو حكمت الـ،،مـ،ـحـ،ـكـ،ـمـ،ـة بالنفقة والمؤخر والقايمة، هتلاقي نفسك يا بتدفع مبالغ متقدرش عليها كاش، يا إما هتتحبس في تبديد منقولات زوجية. الحل الوحيد إنك تتصالح معاها أو تطلـ،،قـ،ـهـــ،ـا ودي وتاخد تنازل عن جزء من المبالغ دي".
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة: أتحبس؟ أنا ماجد، الراجل اللي كان بيمشي كلمته على الكل، أقف ورا القضبان عشان شوية عفش وفلوس؟
رجعت الشقة الكئيبة، كل ركن فيها كان بيفكرني بذلي. قعدت على السرير المكركب، ومسكت التليفون. اتصلت بإخواتي الكبار اللي كنت بفتحلهم بيتي كل جمعة وأصرف نص مرتبي على عزايمهم وعيالهم يكسروا ويلعبوا. رنيت على أخويا الكبير، رد ببرود: "معلش يا ماجد، طارق حكالي على اللي عملته معاه وطرده بالشكل ده، وميصحش نتدخل بينك وبين مراتك، حل مشاكلك بنفسك".
قفل السكة. اتصلت بأختي اللي كنت بجيبلها هدايا في كل مناسبة وأدلع ولادها: "والله يا ماجد جوزي حلف عليا مدخلش في حوارات الـ،،مـ،ـحـ،ـا،،كـــ،ـم دي، ربنا يفك كربك".
الكل اتبخر. العزوة اللي ضحيت بكرامة مراتي ولقمة بيتي عشانها، اتقلبوا في غمضة عين لغرباء بيتفرجوا عليا من بعيد وشمتانين. حتى أمي مكنتش بترد على تليفوناتي، معتبراني "عاق" عشان قولت لأخويا كفاية!
بعد كام شهر من الجرجرة في الـ،،مـ،ـحـ،ـا،،كـــ،ـم، وإحساس الإهانة وأنا واقف قدام القاضي، اضطريت أبيع عربيتي وأستلف فوقها من طوب الأرض عشان أسدد جزء من المؤخر والقايمة لنهى وأخلص من شبح الـ،،حـ،ـبـــ،ـس، والباقي اتكتب عليا كمبيالات هفضل أسدد فيها سنين قدام.
يوم توثيق الـ،،طـــ،ـلـ،،ا،،ق في الـ،،مـ،ـحـ،ـكـ،ـمـــ،ـة، كانت نهى واقفة بعيد، لابسة نظارة شمس وشياكة تامة، ومعاها محاميها وأبوها. مكنتش بتبصلي حتى، كأني هوا مش موجود في القاعة. لما المأذون خلص وطلب توقيعي، مسكت القلم وإيدي بتترعش. مضيت على نهايتي، نهايتي اللي صنعتها بغروري وجهلي. خرجت نهى من القاعة، مشيت وراها زي التايه، وندهت عليها بصوت مهزوم: "نهى... خلاص كده؟ كل اللي بينا هان؟".
وقفت، لفت وشها وبصتلي، وقلعت النظارة ببطء. كان في عينيها راحة عمري ما شفتها وهي على ذمتي، وقالت بصوت واثق ومحدد: "اللي هان هو اللي أنت هنتُه بإيدك يا ماجد. أنت مكنتش شايفني شريكة حياة، كنت شايفني جارية تدوس عليها عشان ترضي نرجسيتك. أنا النهاردة مش بس اتطـ،،لـ،ـقـ،،ت، أنا اتولدت من جديد. الشغل اللي كنت شايفني مش قده اترقيت فيه، وحياتي اللي كنت حابسها بين أربع حيطان بدأت النهاردة".
سابتني ومشيت، كعب جزمتها بيرن في الطرقة بثقة وقوة، وأنا فضلت واقف مكاني، مفلس، مديون، وحيد، في شقة باردة مفهاش غير صدى صوتي، بدفع تمن كل لقمة كنت بمتن بيها عليها، وكل إهانة سكتت عنها لطارق وأهلي... فهمت متأخر أوي، إن اللي بيفرط في اللي شايلاه وبتصونه، ميستاهلش غير إنه يترمي على الهامش، لوحده تماماً. تمت


تعليقات
إرسال تعليق