القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سكريبت كامل رووووعه وحصري 




كان كلما تقدم خطوة وهو يحمل باقة الورد، ازداد قلبها فرحًا، وهي تختلس النظرات إليه، ثم تخبئ وجهها خجلًا داخل طرحتها. يا لفرحتها! كأن العالم بأسره قد اختُصر في تلك الخطوات، وكأن الورد الذي يحمله لم يكن سوى حكاية حب تتفتح بينهما.

كانت تحاول أن تبدو هادئة، لكن قلبها كان يفضحها في كل مرة تقع عيناها عليه. ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، سرعان ما أخفتها خلف كفيها، بينما راحت تتظاهر بانشغالها بأطراف ثوبها. لم تكن تدري أن خجلها ذاك كان أجمل من كل كلمات الحب التي يمكن أن تُقال.

اقترب منها، يحمل الورد وكأنه يحمل بين يديه شيئًا من روحه، ثم توقف أمامها.

• جبتلك الورد ده.

قالها بصوت خافت، يحمل من الحنان أكثر مما تحمل الكلمات.


• عشان إيه؟


سألته وهي تحاول أن تخفي ابتسامتها.


• عشان كل وردة فيه بتفكرني بحاجة حلوة فيكي.


ابتسمت، وانحنت برأسها قليلًا، بينما كانت أصابعها ترتجف وهي تتلقى الباقة منه. لم تكن الوردات وحدها من ارتجفت، بل قلبها أيضًا، ذلك القلب الذي ظل طويلًا ينتظر لحظة كهذه.


ظلت تتأمل الورد بين يديها، وكأنها تخشى أن تكون تلك اللحظة مجرد حلم عابر، يوقظها منه صوت الحياة. مررت أصابعها على بتلاته برفق، ثم رفعت عينيها إليه، وفي نظرتها ألف سؤال لم تجرؤ على البوح به.


• هو إنت عارف إنك بتفرحني أوي؟


ابتسم وهو يراقب ارتباكها.


• يمكن مش عارف قد إيه، بس نفسي أفضل أشوف الضحكة دي على وشك.


خفضت رأسها، وشعرت بحرارة تسري في وجنتيها. كان الخجل يطاردها كلما حاولت أن تنظر إليه، بينما كان هو يستمتع بتلك اللحظات الصغيرة التي تمنحه شعورًا بأنه أصبح جزءًا من عالمها.


لم تكن تحتاج إلى كلمات كثيرة، ولا إلى وعود كبيرة، فقد كان يكفيها أن يأتي، أن يسأل عنها، أن يتذكر الأشياء التي تحبها، وأن يمنحها شعورًا بأنها ليست مجرد عابرة في حياته.


جلسا تحت شجرة وارفة الظلال، تتدلى أغصانها فوق مقعد خشبي قديم، أكلت الشمس بعض ألوانه، وامتلأت جوانبه بخطوط الزمن. تسللت خيوط الضوء من بين الأوراق، ورسمت بقعًا ذهبية على الأرض، بينما راحت نسمة عابرة تحرك أطراف ثوبها وتداعب خصلات شعرها.


كانت رائحة العشب الأخضر تملأ المكان، وصوت نافورة صغيرة في وسط الحديقة ينساب بهدوء، كأنه موسيقى خافتة اختارت أن ترافق حديثهما.


قال لها وهو يتأمل وجهها:


• تعرفي؟ المكان ده جميل أوي النهارده.


نظرت حولها، ثم ابتسمت:


• هو المكان اتغير؟


• لأ، بس يمكن عشان إنتِ هنا.


خفضت عينيها، وراحت تعبث بأطراف الوردة الحمراء، تخفي ابتسامتها التي فضحتها أكثر من أي اعتراف.


راحت تتحدث إليه عن يومها، وعن أحلامها الصغيرة، وعن خوفها من الأيام القادمة. استمع إليها دون أن يقاطعها، حتى انتهت، ثم قال:


• تعرفي؟ ساعات الواحد بيلاقي نفسه محتاج حد يسمعه، مش حد يديله حلول.


نظرت إليه مبتسمة:


• وأنت لقيت الحد ده؟


أجابها وهو يمعن النظر في عينيها:


• أعتقد إني لقيته.


سكتت قليلًا، ثم ضمت باقة الورد إلى صدرها، وكأنها تحاول أن تحتفظ بدفء اللحظة داخل قلبها.


لم يكن الحب في تلك اللحظة اعترافًا صريحًا، ولا وعدًا أبديًا، بل كان شيئًا أعمق؛ كان طمأنينة تسللت إلى روحها دون استئذان، وابتسامة لم تعرف كيف تمنعها من الظهور.


لكنها، رغم كل ذلك الفرح، كانت تخشى شيئًا واحدًا؛ أن تصبح هذه اللحظات الجميلة يومًا ما مجرد ذكرى، وأن يأتي وقت تنظر فيه إلى الورد فلا تجد صاحبه.


كانت الشمس تميل نحو الغروب، وتلقي بأشعتها الذهبية على الطريق المرصوف بالحجارة الصغيرة، فتنعكس على النوافذ الزجاجية للمباني المحيطة. كان النسيم خفيفًا، يحمل رائحة التراب المبتل من سقاية الحديقة القريبة، ممزوجة بعبير الياسمين المتسلل من خلف السور الحديدي العتيق.


تراقصت أوراق الأشجار فوق رأسيهما، وأخذت العصافير تتنقل بين الأغصان، تصدر زقزقات متقطعة، بينما كان صوت السيارات البعيد يختلط بضحكات أطفال يلعبون في آخر الطريق.


كانت تحمل باقة الورد إلى صدرها، وتستنشق عبيرها بين الحين والآخر. لمست إحدى الورود بأطراف أصابعها، فشعرت بنعومة بتلاتها ورطوبة قطرات الماء العالقة عليها.


نهض من مكانه، ونفض بعض أوراق الشجر التي علقت بملابسه، ثم قال:


• يلا، أوصلك.


ترددت قليلًا، ثم وضعت يدها في يده. كان ذلك التلامس البسيط كافيًا ليجعل قلبها يخفق بعنف، وكأنها لم تعرف الحب من قبل.


سارا بمحاذاة السور الحديدي، وكانت خطواتهما تتناغم مع صوت حبات الحصى الصغيرة تحت أقدامهما.


• إنت بتبصلي كده ليه؟


قالتها بخجل.


• بحاول أحفظ ملامحك.


توقفت خطواتها للحظة.


• ليه؟


ابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال:


• عشان لو الأيام فرقتنا، أفضل فاكر كل حاجة فيكي.


تغيرت ملامحها، وانطفأت ابتسامتها قليلًا.


• هو إنت بتفكر في الفراق؟


تنهد، وأشاح بنظره نحو الطريق.


• مش بفكر فيه، بس الحياة مش دايمًا بتمشي زي ما إحنا عايزين.


شعرت بشيء غريب يعتصر قلبها. لم تكن تريد أن تسمع تلك الكلمات، ولم تكن مستعدة لأن تتخيل عالمًا لا يكون فيه.


• طب ما توعدنيش بحاجة... بس خليك صادق معايا.


نظر إليها طويلًا، ثم قال:


• أوعدك إني عمري ما هكدب عليكي.


ابتسمت من جديد، رغم تلك الغصة التي تسللت إلى صدرها.


وعند البوابة، توقفت فجأة، ثم التفتت إليه:


• ممكن أسألك سؤال؟


• اسألي.


• إنت بتحبني بجد؟


لم يُجب على الفور. ظل ينظر إليها، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه يبحث عن كلمات لا تظلم ما يشعر به.


• هو الورد محتاج يشرحلك ليه بيتفتح؟


ضحكت، لكن عينيها ظلتا معلقتين به.


• أنا بتكلم بجد.


اقترب خطوة، ثم قال:


• وأنا كمان. أنا مش عايز أكون مجرد شخص بيعدي في حياتك، أنا عايز أكون الشخص اللي لما تتعبي تلاقيه جنبك، ولما تفرحي يكون أول واحد تحكيله.


سكتت، وراحت تنظر إلى الباقة التي تحملها. كانت إحدى الورود قد انحنت قليلًا، فرفعتها بأطراف أصابعها وأعادتها إلى مكانها.


• طب خليك قد كلامك.


ابتسم:


• هحاول كل يوم.


استقلت سيارة الأجرة، وجلست بجوار النافذة. وقبل أن تتحرك السيارة، أخرجت رأسها قليلًا ولوحت له بيدها. رد التحية، وظل واقفًا حتى ابتعدت السيارة واختفى ضوء مصابيحها بين السيارات العابرة.


جلست إلى جوار النافذة، ووضعت باقة الورد على المقعد المجاور، ثم راحت تنظر إليها وكأنها تتأكد أن ما حدث قبل قليل لم يكن حلمًا جميلًا مر بها في غفوة عابرة.


كانت السيارة تشق طريقها بين الشوارع المزدحمة، وأضواء المحال تتسلل عبر الزجاج، فتنعكس على وجهها لحظات ثم تختفي. مر بائع متجول يحمل سلة مناديل، وتبعته فتاة صغيرة تبيع الورود، بينما كان صوت مذياع السيارة ينساب بأغنية قديمة عن الحب والاشتياق.


لكنها لم تكن تسمع الكلمات كاملة؛ فقد كان صوت آخر يملأ رأسها... صوته هو.


راحت تستعيد تفاصيل اللقاء واحدة تلو الأخرى؛ طريقته وهو يقترب حاملًا الورد، ابتسامته حين لمحها، نبرة صوته وهو يناديها، وتلك النظرة التي أطال فيها التأمل بوجهها.


ابتسمت دون أن تشعر، ثم أخفت ابتسامتها حين لاحظت انعكاس وجهها في المرآة الأمامية للسيارة.


يا إلهي، ماذا فعل بها هذا الرجل؟وا


كيف استطاع أن يجعلها طوال الطريق تعيش اللحظة نفسها مرات ومرات؟ كيف تحولت خطواته القليلة نحوها إلى مشهد تعيده في خيالها، كأنها تخشى أن تنساه؟


مدت يدها إلى الباقة، وأخذت وردة حمراء بين أصابعها. قربتها من أنفها، فاستنشقت عطرها ببطء. كانت رائحتها رقيقة، لكنها أعادت إليها صورته وهو يقدمها لها، وابتسامته التي بدت لها في تلك اللحظة أحنّ من كل الكلمات.


ثم فجأة، تبدل شيء في داخلها.


تسلل إليها سؤال صغير، لكنه كان ثقيلًا على قلبها: هل يشعر بما تشعر به؟ هل يعودت هو الآخر إلى بيته محملًا بتفاصيلها، أم أن هذه اللحظات تعني لها وحدها كل هذا القدر؟


أخرجت هاتفها، وفتحت صورته التي التقطتها له دون أن ينتبه. تأملتها طويلًا، ثم أغلقت الهاتف بسرعة، وكأنها ضُبطت متلبسة بسر صغير.


وضعت كفها على صدرها، وضحكت بخجل.


كانت تشعر بأنها عادت فتاة صغيرة، تخجل من نظرة، وتفرح برسالة، وتنتظر كلمة، وتحتفظ بوردة كما يحتفظ المرء بكنز ثمين.


لكن خلف هذه السعادة كان يسكن خوف خفي؛ خوف من أن تتعلق أكثر مما ينبغي، وأن تمنح قلبها كله لشخص قد لا يعرف كم أصبح وجوده مهمًا في أيامها.


أسندت رأسها إلى النافذة، وبرودة الزجاج لامست وجنتها الدافئة. راحت تراقب الشوارع وهي تتراجع خلفها، والمصابيح الصفراء تتناثر على جانبي الطريق مثل نجوم صغيرة هبطت إلى الأرض.


كانت المدينة مزدحمة كعادتها، لكنها شعرت أنها وحدها في عالم آخر؛ عالم لا يسكنه سوى وجهه، وصوته، وباقة الورد التي تفوح منها رائحة اللقاء.


اهتز هاتفها فجأة.


رسالة منه:


«وحشتيني، رغم إننا لسه متقابلين من شوية».


قرأت الرسالة مرة، ثم أعادتها ثانية، وثالثة. شعرت بشيء دافئ يصعد إلى قلبها، وراحت ابتسامتها تتسع دون إرادة منها.


كتبت:


«وأنت كمان... بس متقولش لحد إني قلت كده».


ثم أتبعت الرسالة بضحكة صغيرة.


وضعت الهاتف على صدرها، وأغمضت عينيها.


للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم تكن تفكر في الغد، ولا في ما ينتظرها من أعباء ومسؤوليات. كانت تريد فقط أن تطيل الاحتفاظ بهذا المساء، أن يبقى عطر الورد عالقًا في ذاكرتها، وأن تظل نبرة صوته تتردد في أذنها.


وحين اقتربت السيارة من منزلها، شعرت بانقباض خفيف. لم تكن تكره الوصول، لكنها كانت تكره أن تنتهي اللحظات الجميلة بهذه السرعة.


نظرت إلى باقة الورد وهمست لنفسها:


«يا رب، ما تكونش دي فرحة عابرة... يا رب يفضل موجود، وأفضل أشوف الضحكة دي في عينيه كل ما أقابله».


ثم مسحت بطرف إصبعها قطرة صغيرة تجمعت عند زاوية عينها، وابتسمت.


لم تكن دموع حزن، بل كانت تلك الرعشة الغريبة التي تصيب القلب حين يمتلئ بشعور أكبر من قدرته على التعبير.


وعندما توقفت السيارة أمام البيت، حملت باقة الورد بحرص، ونزلت بخطوات هادئة.


كانت قد عادت إلى منزلها بالفعل، لكن قلبها... قلبها ظل هناك، عند بوابة الحديقة، في المكان الذي وقف فيه يحمل الورد وينتظر ابتسامتها.


صعدت درجات السلم ببطء، وكانت أصوات خطواتها تتردد في الممر الهادئ. أخرجت المفتاح، وفتحت الباب برفق حتى لا توقظ أحدًا. استقبلها سكون المنزل ورائحة القهوة القديمة العالقة في أرجائه.


دخلت غرفتها، وأضاءت المصباح الصغير بجوار سريرها. خلعت حذاءها، ثم وضعت حقيبتها على المقعد، واتجهت نحو النافذة.

بحثت عن إناء زجاجي، وملأته بالماء، ثم رتبت الورد بداخله بعناية، كأنها تعتني بشيء أثمن من مجرد باقة زهور.

وقفت تتأمله طويلًا.

كانت كل وردة تذكرها بتفصيلة؛ واحدة بابتسامته، وأخرى بكلماته، وثالثة بتلك النظرة التي جعلتها تخفض رأسها خجلًا.

جلست على طرف السرير، وأخرجت دفترها الصغير. فتحت صفحة بيضاء، وأمسكت قلمها، ثم كتبت:

«بعض الأشخاص لا يأتون إلى حياتنا ليمنحونا السعادة فحسب، بل ليعلمونا كيف نخاف فقدانها. ولعل أكثر ما يؤلم القلب ليس الفراق نفسه، بل تلك اللحظات التي نعيشها ونحن نعلم، في أعماقنا، أن الأشياء الجميلة لا تدوم».

أغلقت دفترها، وأسندت رأسها إلى الوسادة.

كانت عيناها معلقتين بباقة الورد، وعلى شفتيها ابتسامة هادئة.

لم تكن تعلم أن الأيام تخبئ لها حكاية أخرى، وأن تلك الباقة التي أضاءت مساءها ستصبح يومًا شاهدًا على حب لم يكتمل.

لـــ نادر ابراهيم

تعليقات

التنقل السريع