القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الثامن والأربعون 48بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات


رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الثامن والأربعون 48بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات





رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الثامن والأربعون 48بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات



 


 


 


٤٨ ـ ~ خيانة مكتملة الأركان!



ـ كنتي فين؟


نطقها عاصم بصوتٍ هادئٍ مهيب، يحمل بين طبقاته ما يكفي لتجميد الدم في عروق نسيم، تلك التي وقفت تحدق به مذهولة، تشعر بجسدها ينتفض والبرودة تزحف على أطرافها.


حاولت أن تفتح فمها لتبرر، لتتكلم، لكنه عاجلها بصيحةٍ غاضبة :

ـ انطقي كنتي فين؟!


اندفع نحوها في لحظة، غاضبًا، ملامحه متوترة ويده تقبض على ذراعها بقوةٍ حديدية، يهزها بعنف وهو يكرر للمرة الثالثة بحدةٍ تكاد تزلزل كيانها:

ـ اتكلمي وبلاش تخرجيني عن شعوري، كنتي فين؟ وإزاي تكدبي عليا وتقولي إنك في المطبخ؟ وازاي أصلاً تخرجي من غير إذني؟! انتي مفكرة نفسك ملكيش راجل ولا إيه؟!


ارتجفت أنفاسها وهي تحاول أن تبتلع ريقها بخوفٍ ظاهر، فصوته عاد يخفت قليلاً لكنه ظل مشحونًا بالغضب :

ـ ولا أنا عشان بحبك وحنين عليكي تفتكري إني عديم الكرامة وهقبل إنك تخرجي من ورايا وتقللي من احترامي؟!!!


ارتجف صوتها وهي تحاول أن تتكلم:

ـ عاصم أنا…


لكنه قطعها بغضبٍ متفجر، وصوته يرتفع من جديد وكأنه سيف قاطع:

ـ انتي إيه؟! انتي خيبتي ظني فيكي يا نسيم!


نظرت إليه بصدمةٍ واضحة، والخذلان يرتسم في عينيها، كأنها تخبره بصمتها أنها لا تستحق تلك الإهانة، وأنه هو من دفعها لهذا الطريق.

ترددت أنفاسها المرتبكة وهي تمرر يدها المرتجفة على بطنها بوهنٍ ظاهر، ثم رفعت عينيها نحوه وهمست بحزنٍ يخنقها:

ـ أنا كنت بقابل فريد في كافيه هنا في الكومباوند..


اشتعلت نظراته بغضبٍ أعنف، وانفجر صوته بحدةٍ تزلزل أركان الغرفة:

ـ ليه؟! هو انتي ملكيش بيت ومش في عصمة راجل؟! عايز يشوفك إيه اللي يمنعه يجيلك البيت زي حسن وعمر ما بيعملوا؟!! هو أنا كنت منعت إخواتك يجولِك البيت؟!


أومأت برأسها بهدوءٍ مستسلم، لكن نبرته لم تلن وهو يضيف بسخطٍ متجدد:

ـ اشمعنا ده اللي بيقابلك بره؟!


رفعت عينيها نحوه بعينين مشتعلة بالغضب، وردت بصوتٍ يرتجف من الألم أكثر من الغضب:

ـ لأنه مستحيل يدخل برجليه بيت الشخص اللي نصب عليه وسرق شركاته..!!! أعتقد ده سبب كافي!


اشتدت قبضته على ذراعها بعنفٍ أكبر حتى شعرت كأن عظامها تتفتت، وصوته يخرج متشنجًا بحدة :

ـ أنا مسرقتش حد ولا نصبت على حد، اللي عملته ده ميجيش نقطة في بحر اللي عملتيه انتي وأهلك في أخويا!


تسمرت مكانها، وقطبت جبينها بصدمةٍ عميقة، كأن قلبها توقف للحظاتٍ عن النبض، والدموع انهمرت من عينيها وهي تردد بصوتٍ مختنق بغير تصديق :

ـ أنا وأهلي؟!!!


حينها فقط، بدا التراجع في ملامحه، الندم تسلل إلى عينيه رغم أنه لم ينطق، لكنه كان قد قال ما لا يمكن استعادته…


بدأت قبضته تلين على ذراعها شيئًا فشيئًا، كأن الغضب الذي كان يتدفق في عروقه بدأ يفقد حرارته، وصدى كلماته يرنّ في رأسه كطعنة ندمٍ متأخرة.

خفض نظره نحو أصابع يده التي ما زالت تمسك بها، ثم أفلتها ببطءٍ دون أن يجرؤ على النظر في عينيها، وكأن الخجل من نفسه يقيّده.



أما هي، فظلت واقفة مكانها، تشعر وكأنها تلقت صفعة غادرة منه للتو، صفعة لم تمس وجهها، بل اخترقت قلبها مباشرة.

كيف يُشركها فيما حدث لحازم؟ وهو أكثر من يعرف كم تمزقت بعد رحيله، وكم ماتت مراتٍ وهي تتذكره؟ كيف يتهمها بتلك البساطة بأنها شريكة في ما حدث له؟


بينما كانت الأسئلة تتقافز في ذهنها، زفر هو نفسًا مسمومًا بالغضب، تململ في مكانه ثم تراجع خطوة إلى الوراء، وكأن الهواء بينهما صار ثقيلاً لا يُحتمل.

حدق فيها بخيبةٍ ووجعٍ وقال بنبرة حاسمة خالية من أي دفء:

ـ أنا بدي الإنسان فرصة واحدة بس يا نسيم .. بثق في الشخص مرة واحدة بس .. !! مفيش عندي فرص ولا محاولات .. حطي الكلام ده في دماغك وافهميه كويس !


تحرك بعدها بخطواتٍ سريعة نحو الباب، يفرّ من الموقف كما يفرّ من نفسه، لكنه توقف لثوانٍ والتفت إليها بحدةٍ تقطر تهديدًا:

ـ لو اتكررت تاني وفكرتي تخرجي من ورايا أيًا كان السبب إيه … متلوميش غير نفسك !


ثم غادر، وارتطم الباب خلفه بقوةٍ كأنها صرخة غضبٍ أخيرة اخترقت أذنيها وانتزعت أنفاسها.

تجمدت لحظة، ثم انهارت جالسة على أقرب مقعد، ودفنت وجهها بين كفيها.

لم تعد قادرة على تمالك دموعها، فانفجرت باكية بحرقةٍ مكتومة تحولت إلى نحيبٍ متقطع،

احتضنت بطنها بذراعيها بانكسارٍ غريزي، كأنها تحاول أن تحمي ما تبقى منها،

وانحنت للأمام تبكي بانهيار، بينما صوته ما زال يتردد في أذنيها كجُرحٍ لا يندمل.


༺═────────────────═༻


ما إن غادر حسن، أسرع فريد إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه بإحكام، كان قلبه يخفق بعنف، وعقله يضج بالأسئلة، لكنه لم يتوقف.


التقط الحاسوب المحمول بسرعة، وأدخل القرص الذي وجده حسن في خزنة والده. للحظةٍ ظل يحدق في الشاشة منتظرًا أن يتضح أمامه أي شيء، ثم ظهر مجلد يحمل اسمًا غريبًا: “NADER_BACKUP_23”.


انعقدت ملامحه في ذهول، لم يفهم ما الذي يمكن أن يكون داخله، لكنه ضغط عليه دون تردد، ليجد نفسه أمام مجموعة مجلدات مرتبة بعناية، كلها تحمل أسماء لا تمت بصلة إلى العمل الذي يعرفه. جذب انتباهه مجلد بعنوان “GERALD_CASE”، ففتحه على الفور. لم تمر سوى ثوانٍ حتى امتلأت الشاشة بعشرات الملفات والمستندات الرسمية، كانت عبارة عن صور ضوئية لمحاضر تحقيق، ومراسلات بين محامين، وأوراق مختومة بأختام محكمة أجنبية.


بدأ قلبه يضطرب شيئًا فشيئًا وهو يقرأ أولى الأسطر، لم يكن ما يراه مجرد مستندات عادية، بل كانت أوراق قضية جنائية تخص شخصًا يُدعى جيرالد أندروز، كان متهمًا في قضية اختلاس أموال من شركة استثمار وهمية، والمتولي الدفاع عنه لم يكن سوى نادر شاهين، محامي العائلة !


في البداية ظن أنه مجرد تشابه أسماء، لكن التواريخ، والأرقام، وصورة جيرالد المرفقة في أحد الملفات كانت كفيلة بأن تنفي هذا الظن تمامًا.



ظل يحدق فيها لثوانٍ طويلة، كأنما يستوعب للمرة الأولى كمّ الخداع الذي وقع فيه. تابع التصفح، فوجد مجلدًا آخر يحمل اسم “AGREEMENT”، وبداخله مذكرة تفاهم مؤرخة قبل عدة أسابيع من بدء شراكته هو وجيرالد. كانت الوثيقة عبارة عن اتفاق مكتوب بين نادر وجيرالد، ينص على أن يتقمص الأخير شخصية مستثمر أجنبي مقابل مبلغ مالي محدد، وأن يتم ذلك ضمن خطة متفق عليها مسبقًا مع سالم باشا مرسال، والده.


تجمدت أصابعه فوق لوحة المفاتيح، أحس ببرودة تعتري أطرافه، فمد يده المرتجفة وفتح مجلدًا آخر ظنّه تكملة للوثائق. لكنه لم يكن مستعدًا لما رآه…

على الشاشة ظهرت مجموعة من الصور، صوره هو وسيلين، تلك التي التُقطت وهي تعانقه أمام باب منزله، نفس الصور التي نشرتها الصحف وأرفقتها بعنوان مسموم " بعد فضيحة فتاة الدار، هل يقع فريد مرسال في الحب من جديد ؟! " صور بدت مأخوذة بزوايا خفية، وكأنها التُقطت عمداً لتشويه سمعته وإثارة بلبلة وفوضى حوله .


حدق في الشاشة مذهولًا، كأن الأرض انسحبت من تحت قدميه، وبدأ الدم يتراجع ببطء من وجهه حتى صار شاحبًا كالأشباح. اشتعلت الصدمة في عينيه، وبدأت خيوط الحقيقة تتضح أمامه بوضوحٍ قاتل.


لم يعد هناك أي مجال للشك الآن؛ كل شيء كان مُدبرًا بإتقان.


مذكرة التفاهم المزيفة، وجيرالد الذي لم يكن سوى واجهة لشراكة وهمية، والقرص الذي يحوي الأدلة الكاملة ضده… ثم تلك الصور التي أكملت المشهد الملعون.

كلها خيوط متشابكة تنتهي عند يدٍ واحدة، يد نادر ووالده… هما وحدهما من نسجا هذه اللعبة القذرة بحرفية تامة، وأوقعاه فيها دون أن يدري.


في تلك اللحظة، شعر فريد وكأنه يتلقى ضربة في صدره، ضربة حادة لم تترك له مجالًا للتنفس. كل شيء صار واضحًا فجأة.  أدرك أن والده لم يكتفِ بالتدخل في حياته العملية، بل تآمر عليه ليدمر سمعته ويُقصيه تمامًا ، عن نغم تحديدًا.


جلس للحظة مشلول الحركة، يتأمل شاشة الحاسوب المضيئة أمامه كأنها شاهد على خيانةٍ مزدوجة. أحس أن الغرفة تدور من حوله، وأن الهواء صار أثقل من أن يُستنشق. حاول استجماع أنفاسه، لكنه شعر وكأن صدره يضيق أكثر مع كل محاولة. كان الغضب يتصارع داخله مع الانكسار، والخذلان يأكل ما تبقّى من اتزانه.


لم يعد الأمر مجرد صراع عائلي أو سوء تفاهم، بل خيانة مكتملة الأركان، مدروسة بعناية، موقعة بأيدي أقرب الناس إليه.


أغلق الحاسوب ببطء، ثم أسند رأسه إلى المقعد وترك يديه تتدليان بجانبه، كمن انتهى من معركة خسر فيها كل شيء. لم يكن يدري ما الذي عليه فعله الآن، هل يواجه والده؟ أم نادر؟ أم يلتزم الصمت لحين الانتهاء من التفكير في حل ؟


كان الشيء الوحيد المؤكد في تلك اللحظة أنه لم يعد كما كان قبل دقائق، وأن الحقيقة التي كُشفت له الآن لن تُمحى أبدًا من ذاكرته، ولا من قلبه الذي انكسر للمرة التي لا يعرف عددها على يد أبيه.



دق عمر على باب الغرفة بخفة، فجاءه صوت فريد من الداخل، باهتًا، خاليًا من أي حياة. دفع الباب ببطء ودخل، عيناه تمسحان وجه فريد بقلقٍ واضح، وهو يقول بصوتٍ متردد:

ـ فريد.. إنت كويس؟


رفع فريد نظره إليه بصمتٍ ثقيل، ثم تنهد ببطء وهز رأسه نافيًا، كأنه لا يملك حتى طاقة للكلام. اقترب عمر بخطوات مترددة، وجلس بجواره وهو يسأله في حيرة:

ـ في إيه؟


أشار فريد إلى الحاسوب أمامه دون أن ينطق، ففهم عمر الإشارة، فمال بجسده للأمام وسحب الحاسوب نحوه، وبدأ يقرأ الملفات واحدًا تلو الآخر. وما إن تعمق أكثر حتى تجمدت ملامحه، اتسعت عيناه وهو يرى العقود والصور، ثم التفت إلى فريد مذهولًا وهو يقول:

ـ إيه ده؟! نادر وسالم مرسال هما اللي ورا جيرالد وسيلين؟


أومأ فريد برأسه بمرارةٍ صامتة، بينما نهض عمر واقفًا، يضرب كفًّا بكفٍّ في انفعال ويهز رأسه بذهول قائلاً:

ـ لأ… كده كتير! أقسم بالله كده كتير فعلاً! ده مش أب ده، مفيش أب يعمل كده في عياله أبدا .


أما فريد، فبدا كمن انسحب من الواقع تمامًا، عيناه غائرتان، وجهه شاحب كأنه استنزف كل ما بداخله من قوة…


أسند جبينه إلى كفه يفكر في حلّ، لكن الألم منعه  حيث شعر بشيء ثقيل يجثم على صدره، ينهش قلبه ببطء. فمد يده نحو جانبه الأيسر وهو يشعر بوخزٍ حادٍ، وكأن قلبه يصرخ بانفعال .


اقترب منه عمر على الفور، قلقه يزداد وهو يسأله:

ـ انت ناوي على إيه؟ مش هتواجهه؟


زفر فريد نفسًا طويلاً مثقلًا بالوجع، وقال بصوتٍ خافتٍ متعب:

ـ قبل ما أواجهه لازم أحسبها كويس.. لازم أكون سابق بخطوة، وأضمن إني أخرج من الشراكة دي بأقل الخساير.


نظر إليه عمر بعدم تصديق، ورفع صوته متسائلًا بانفعال:

ـ شراكة إيه؟!! دي كلها نصب وتزوير يا فريد!


هز فريد رأسه مؤيدًا، لكن صوته خرج متعبًا، مستسلمًا وهو يقول :

ـ أنا عارف.. بس لازم على الأقل أشوف محامي تاني وأعرض عليه الوضع علشان يشرحلي تبعات الموقف الأول وأقدر أأمن نفسي قبل ما أكشف لهم إني كشفتهم .. وفي نفس الوقت لازم أتصرف بسرعة قبل ما يكتشف إن السي دي مش موجود ويتحرك قبلي ..


ـ مين اللي جابلك السي دي ؟


ـ حسن .


ألقاها فريد باقتضاب، بنبرةٍ متوترة لا تخلو من انكسار، ثم مد يده إلى جيب سترته وسحب هاتفه، فتح قائمة الأسماء بسرعة، إلى أن توقف أمام اسمٍ واحد: "د. رؤوف خلف"، طبيبه النفسي السابق، وطبيب والدته وشقيقته ذات يوم  .

ضغط على الاسم وأجرى الاتصال، وما إن سمع صوت الطبيب على الطرف الآخر حتى حاول أن يستجمع هدوءه، وقال بصوتٍ متماسك قدر استطاعته:

ـ صباح الخير يا دكتور رؤوف.


جاءه صوت الطبيب دافئًا، مليئًا بالدفء والقلق في آنٍ واحد:

ـ فريد يا ابني.. إزيك؟ وإزي حالك؟


أغمض فريد عينيه لثوانٍ، كأنه يخفي خلفهما وجعه، وتنهد ببطء، وصوته خرج مثقلاً بالحسرة:

ـ الحمد لله على كل حال يا دكتور... أنا كلمت حضرتك علشان موضوع مهم.


رد الطبيب بسرعة وباهتمامٍ واضح:

ـ أؤمرني يا فريد، أنا سامعك.


تردد فريد للحظة، ثم فتح عينيه ونظر إلى الفراغ أمامه، وصوته جاء جادًا، يحمل في طياته رجاءً خفيًا:

ـ متشكر جدًا يا دكتور… في الواقع.. أنا كان عندي علم إن ابن حضرتك مستشار دولي…


ابتسم الدكتور رؤوف بخفوت وقال:

ـ آه فعلاً، ابني كريم بقى مستشار قانوني دولي في دبي، مالك يا فريد؟ حصل إيه؟


سكت فريد لحظات، ثم برز صوته مترددًا لكنه مفعمًا بالثقة :

ـ بصراحة يا دكتور، أنا في ورطة كبيرة.. ورطة قانونية وشركات وعقود وشبهات تزوير. الموضوع كبير وأنا مش عايز أتكلم كتير في التليفون، بس كنت عايز أعرف لو ممكن أقابل كريم أو حتى أكلمه فيديو، يمكن يساعدني أو ألاقي عنده حل .


أخذ الطبيب نفسًا عميقًا وقال بهدوء :

ـ طبعًا .. على العموم كريم في دبي بس بييجي مصر كل نهاية أسبوع، ولو عايز أكلمه دلوقتي أظبط لك مكالمة معاه على ما ينزل .


ـ  أكون شاكر جدًا.. الموضوع له علاقة بشراكة وقّعت عليها واتضح إنها مزيفة، واللي وراها ناس قريبين مني للأسف، بس أنا مش عايز أشتكي دلوقتي، عايز أعرف أخرج منها بدون خسائر إزاي .


صمت الطبيب لحظات، قبل أن يجيبه :

ـ تمام، هبعتله رقمك حالًا وهو هيتواصل معاك، بس خليك عارف إن أول خطوة إنك تجمع كل المستندات والعقود اللي عندك، وأي مراسلات بينهم وبينك. كريم هيحتاج يشوف كل حاجة بعينه.


هز فريد رأسه وكأنه يراه، ثم قال بصوتٍ واهن:

ـ أكيد .. متشكر جدًا يا دكتور ..


ـ الشكر لله يا ابني ، ربنا معاك إن شاء الله ، وياريت تخليني أشوفك وأطمن عليك قريب .


تنهد فريد وهو يمسح على وجهه بضيق، ثم قال :

ـ ضروري .. مع السلامه يا دكتور .


أنهى فريد المكالمة ثم تنهد تنهيدة طويلة، وهو يشعر بأن أول خيط نجاة بدأ يتشكل أخيرًا وسط فوضى خانقة من الخداع والمؤامرات.


ثم نظر إلى عمر الذي كان يتابع ما يحدث بصمت وقلق، وتنهد ثم قال :

ـ مش لازم حد أبدا يعرف عن اللي حصل ده لحد ما نتكلم مع كريم ونشوف هنوصل لإيه ..


أومأ عمر مؤكدا وقال :

ـ أكيد متقلقش .


هزّ فريد رأسه في صمتٍ متوتر، عيناه تائهتان في فراغٍ يزداد عمقًا كل لحظة، وكأنه يُحاول أن يرى القادم من خلال ضباب القلق الذي يملأ صدره. لم يكد يستفيق من شروده حتى دوّى رنين الهاتف على الطاولة، التقطه بسرعة، وبمجرد أن لمح اسم نغم على الشاشة، شعر كأن نسمة دافئة تسللت إلى قلبه المنهك.



ـ دي نغم.


قالها بنبرةٍ خافتة وهو يلتفت نحو عمر، الذي نهض من مكانه قائلاً:

ـ طيب أنا رايح الدار.. كنت متوقع إنك هتيجي معايا.


أجابه فريد بصوتٍ باهت:

ـ لأ، روح انت.


ربت عمر على كتفه برفقٍ صامت، كأنه يترك له طاقة دعمٍ غير مرئية، ثم غادر الغرفة.

ضغط فريد على زر الاتصال، محاولًا أن يُخفي اضطرابه خلف نبرةٍ هادئة، وقال :

ـ أيوة يا نغم؟


أتاه صوتها العذب متدللًا كعادتها:

ـ فريــــد...


ـ هِممم؟


ـ وحشتني.


أغمض عينيه، وسحب نفسًا طويلًا كأنها نسمة تعيده للحياة وسط اختناقٍ قاتل، ثم قال بصوتٍ متعبٍ :

ـ وانتي كمان يا حبيبتي... وحشتيني .


ضحكت بخفةٍ كأنها تُعيده إلى واقعٍ أبسط، ثم قالت:

ـ أنا كلمتك علشان أقولك إني نازلة مع خالتي، علشان تعرف بس إني شاطرة وبسمع الكلام.


ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة خرجت رغمًا عنه، وقال:

ـ برافو يا جميل ... أوعدك ليكي عندي مكافأة .


فابتسمت بحماس، وقالت :

ـ ماشي... يلا أنا نازلة.


ـ خلي بالك من نفسك.


ـ حاضر.


كان على وشك إنهاء المكالمة، لكنها أوقفته بنغمةٍ أكثر دفئًا:

ـ فريد...


ـ نعم يا نغومة؟


ـ أنا بحبك جدًا... بحبك أكتر مما تتخيل.


ساد صمتٌ قصير بعد كلماتها، لكنه كان صمتًا مفعمًا بالسكينة. شعر كأن شيئًا ثقيلًا أزيح عن صدره، وكأن نبضها عبر الهاتف امتد ليهدّئ اضطراب قلبه.


ـ وأنا بحبك يا روحي .


إنها نغم ؛ دائمًا تعرف متى تأتي، كأن قلبها مربوط بقلبه بخيطٍ خفي، تشعر باضطرابه قبل أن يبوح به.


تعرف كيف تمسح على قلبه بلطفٍ نادر، تزيل عنه غبار الخذلان والقلق بكلمةٍ واحدة، بنبرةٍ دافئة تجعل آلامه وأوهامه تتلاشى ببطء .


وجودها في حياته يشبه المطر حين يهطل بعد جفافٍ طويل، لا يغير كل شيء فورًا، لكنه يُعيد للروح رغبتها في البقاء.


༺═────────────────═༻


نظرت نغم إلى زينب التي ابتسمت وهي تقول بهدوء:

ـ برافو يا حبيبتي .. الراجل فعلًا بيحب الست اللي تقدّره وتحسّسه بقيمته، اللي تشاركه تفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة، وتخليه دايمًا جزء من يومها حتى لو بكلمة بسيطة.


تنهدت نغم بهدوء وقالت :

ـ معاكي حق .. أنا فعلا حسيت إنه فرق جدا مع فريد لما كلمته ، بس مش عارفه صوته ليه مش مطمني ؟


أفلتت زينب تنهيدة طويلة وهي تقول بانهمام :

ـ فريد يا حبيبي شايل هموم كتير فوق كتافه ، أكيد بيفكر في اللي حصل بينه وبين أبوه.. وبيفكر في مستقبله ، ونفسه يتجوزك النهارده قبل بكره .. ربنا يكون في عونه، طول عمره شايل فوق طاقته .


وتنهدت ثم نظرت إلى نغم وغمزت بمكر، ثم قالت:

ـ مهمتك بقا لما تتجوزيه تدلعيه كده وتخليه ينسى مشاكله وهمومه كلها ..


هزت نغم رأسها بيأس وهي تغالب ضحكة خجولة تسللت إلى شفتيها، وقالت مشيرةً نحو الباب :

ـ قدامي يا خالتي ..


ضحكت زينب ضحكةً رنانة أثارت ضحك نغم بدورها، ثم تحركتا سويًا متجهتين نحو أحد المولات التجارية .


اصطحبتها زينب إلى متجرٍ راقٍ للملابس النسائية، تفوح منه رائحة عطور فاخرة وأنغام موسيقى هادئة تملأ المكان. كانت نغم تمشي خلفها بخطواتٍ مترددة، تطالع القطع المعلقة على الواجهات بعينين متسعتين ووجهٍ يغمره الخجل، بينما زينب تتنقل بخفة وجرأة بين الأرفف كمن يعرف ما تبحث عنه بالضبط.


توقفت زينب فجأة أمام قطعة شفافة من الدانتيل الأحمر، رفعتها بمرح وهي تلوّح بها أمام نغم قائلة بغمزةٍ مشاغبة:

ـ إيه رأيك في دي يا عروسة؟


اتسعت عينا نغم أكثر، ورفعت يديها بسرعة كمن يصدّ شيئًا محرّجًا وهي تقول مذهولة:

ـ يا لهوي يا خالتي! لأ أنا مستحيل ألبس حاجة زي دي، دي قلة أدب !


قهقهت زينب بخفة وقالت وهي تتفحص القطعة:

ـ مالها يعني؟ جميلة ولونها هيبقى نار عليكي يا نغومة.. طب تعالي جربيها بس.


هزت نغم رأسها بعناد وهي تهمس بخجل واضح:

ـ لأ ! مش ممكن ألبس حاجة زي دي ولا أحطها عليا أبدا.


زفرت زينب بيأس وهي تلوّح بيدها قائلة:

ـ طيب زي ما تحبي .. تعالي شوفي غيرها ..


تحركت خطوتين حتى توقفت أمام قطعة طويلة من الحرير الأسود، بحمّالات دانتيل رفيعة، وقالت بابتسامة هادئة:

ـ أهو ده مقفول وطويل كمان.. ملكيش حجة بقى.


اقتربت نغم بخجل ومالت نحوها هامسة:

ـ بس ده ضيّق أوي يا خالتي.. لا لا شوفي غيره بالله عليكي.


رفعت زينب حاجبيها بدهشة وقالت بسخرية :

ـ ضيق ومكشوف! أومال ناوية تقعدي مع فريد بإسدال الصلاة؟! ده إيه الغلب ده؟ لا والله فريد ما يستاهل واحدة هبله زيك أبدا ..


ضحكت نغم بخجل وهي تتشبث بذراعها قائلة برجاء:

ـ خلاص يا خالتي اللي تشوفيه.. بس اشتريهم انتي، أنا مش هدخل جوه واوعي تقولي للبنت اللي هناك إنهم ليا!


ضحكت زينب وهي تضرب كفًا بكفّ قائلة بمزاحٍ ممتعض:

ـ يا رب الصبر من عندك.. حاضر يا ستي اللي تشوفيه.


ثم دخلت المتجر بخطواتٍ واثقة، وبدأت بانتقاء بعض القطع الأخرى بذوقٍ أنثوي رفيع. وبعد أن دفعت الحساب وغادرت، شعرت زينب بسعادةٍ خفية لم تفهمها في البداية.


كانت كل مرة تدخل فيها متجرًا كهذا، تقف أمام الواجهات الزجاجية وتتأمل القطع المعروضة بحسرةٍ صامتة..

تحلم فقط، دون أن تمتد يدها إلى شيء.

دائمًا كان هناك ما يمنعها: حياء، أو خوف، أو إحساس أن تلك الأشياء لا تليق بها، بل بنساء أخريات أكثر حظًا في الحياة.. أما هي فبعد أن تعدت سن الأمل، والحياة، والأحلام.. لا يليق بها سوى أن تتفحص هذه الأشياء من بعيد.



لكن هذه المرة كانت مختلفة.

حين اختارت القطع لنغم، شعرت كأنها تُرضي شيئًا قديمًا بداخلها..

كأنها تشتريها لنفسها التي لم تُدلَّل يومًا، وتمنح ماضيها فرصة صغيرة للتنفس من جديد.


أما نغم، فكانت البسمة تملأ وجهها، تسير متوترةً وخجلة، لا تعلم أهي خجل من الملابس التي اشترتها خالتها، أم من فكرة أنها ستخصّ فريد وحده .


༺═────────────────═༻


وقف حسن أمام والده مطرقًا، تتنازعه مشاعر الغضب والكبرياء، بينما كان سالم ينظر إليه بعينين تقدحان شررًا، يعلو صوته بالانفعال وهو يقول:

ـ إنت اللي شهدت على جوازهم؟! إزاي تعمل كده وإزاي متقوليش؟! بتكدب عليا يا حسن وتفهمني إنك مشغول في المزرعة بتاعتك، وانت مسافر وواخد اللي اسمها زينب معاك؟! بتستغل قعدتي وإني بقيت قليل الحيلة ومش هعرف أدور وراك، ولا بتستغل ثقتي فيك؟ بقا دي جزاتي إني خليتك المقرب مني ووثقت فيك تقوم تضحك عليا بالشكل ده؟


نظر إليه حسن بصمتٍ طويل، ثم قال ببرودٍ متماسك يخفي وراءه بركانًا يغلي داخل صدره :

ـ مش فاهم أنا عملت إيه غلط يستاهل كل ده؟! هو لو عمر اللي كنت شهدت على كتب كتابه كان ده هيبقى موقفك برضو؟! إشمعنا فريد؟ ولا هو علشان متجوز نغم؟!


اشتعل وجه سالم غضبًا، ولوّح بيده في الهواء صارخًا:

ـ متجيبش سيرة البت دي قدامي؟!


تنفس حسن بعمق، محاولًا كبح انفعاله، ثم قال وهو يقترب منه بخطى هادئة وصوتٍ منخفض:

ـ نغم.. اسمها نغم.


رفع يده يدلك عنقه في محاولة للسيطرة على أعصابه، ثم تابع بنبرةٍ أكثر حدة:

ـ ممكن أفهم ليه بتكرهها بالشكل ده؟! علشان فقيرة وغلبانة وملهاش حد؟!


نظر إليه سالم نظرةً قاسية، وقال بحدةٍ لا تخلو من ازدراء:

ـ لأنها أُلعبان ومش سهلة.. دي دخلت حياة أخوك بلعبة رخيصة زيها.. عايزني أوافق إزاي إنه يتجوزها ويخلف منها ويخليها بكل بساطة تشيل اسم العيلة!


هز حسن رأسه ساخرًا، وقال بنبرةٍ ممزوجة بالغضب والمرارة:

ـ قول كده بقى.. كل اللي فارق معاك اسم العيلة، كل اللي مضايقك إنها هتتحسب على عيلة سالم مرسال، مش كده؟!


أومأ سالم بإصرار، وقال بوضوحٍ لا يحتمل التأويل:

ـ أيوة كده.. واحدة زي دي متليقش بعيلة زي عيلتنا، ولا تستاهل واحد زي فريد.. واحد خريج هندسة معمارية من الجامعة الأمريكية.. يتجوز حتة بت نشالة زي دي؟ بعد ما كان أكبر رجال الأعمال بيتوددوا لي علشان يخطب بناتهم؟! أخرة المتمة يتجوز دي!!!


تصلبت ملامح حسن، وأطبق قبضته حتى ابيضت مفاصله، ثم قال بصوتٍ حاد يكتم وراءه غضبه:

ـ أفهم من كلامك إني لو أنا اللي كنت اتجوزت نغم كنت هتوافق بسهولة؟! ماهو أنا وهي مشردين زي بعض! كان عادي بالنسبة لك إن ابنك الجاهل الصايع يتجوز واحدة مش من اللي هي من وجهة نظرك..



اقترب أكثر، حتى كاد وجهه يلامس وجه أبيه، وقال بانفعالٍ مكبوت وحسرةٍ دامية:

ـ ولا إنت مش واخد بالك إني كنت بلطجي ورد سجون وفيا العِبر.. اللي قدامك ده.. ابنك اللي إنت فرحان بيه مسابش حاجة غلط إلا وعملها. لو على النشل فانا اللي علمتها، أنا اللي خليتها كده، أنا اللي لوثتها بإيديا، وأنا اللي لازم أدفع التمن مش هي...


ثم اعتدل في وقفته، ونظر إلى والده بثباتٍ متحدٍ وقال بصرامةٍ قاطعة:

ـ أنا قولتها لك قبل كده وهقولها لك تاني.. لو حاولت تأذي نغم، أنا اللي هقف لك.. حتى لو وصلت لأني أحط الكلبشات في إيديا هعملها، ومش هسيبك تقرب منها.


استدار ليغادر، لكن صوت والده لحقه من خلفه، غليظًا حادًا كالسوط:

ـ اللي بيخرج عن طوعي بيندم يا حسن.. خليك فاكر.


لم يلتفت حسن، وغادر الغرفة بخطواتٍ سريعة لا تعبأ بتهديداته. وما إن اختفى صدى خطواته حتى التقط سالم الهاتف من على المكتب، وضغط الأزرار بعصبية، ثم قال بصوتٍ متوترٍ غاضب:

ـ أيوه يا نادر، ابدأ فورًا في تحضير المستندات القانونية اللازمة لحرمان عمر وفريد من الميراث، وتأكد إن كل الإجراءات رسمية وسليمة من الناحية القانونية، بسرعة وبسرية تامة .


ثم أنهى سالم المكالمة وهو يضع الهاتف على المكتب بقبضة مشدودة، وتنهد ببطء كمن يحمل قرارًا لا رجعة فيه. في الصمت الذي تلا المكالمة بدا وجهه أشد برودًا، وكأن ذلك القرار قد منحه لحظة نصرٍ قاسية لم يشعر بها منذ زمن .


༺═────────────────═༻


ما إن ترجل عمر من سيارته ودلف إلى الدار، حتى وقعت عيناه عليها واقفة في مدخل القاعة، كأنها مشهدٌ خرج من لوحةٍ سماوية، تتلألأ بجمالٍ هادئٍ لا يشبه أحدًا، يملك القدرة على أسر العقول قبل القلوب.


توقف للحظةٍ يلتقط أنفاسه، ثم استعاد توازنه وتقدم نحوها بخطواتٍ متأنية، يحمل في يديه عدة حقائب ورقية تضم هدايا للأطفال، وفي إحداها هدية صغيرة اختارها خصيصًا لها، دون أن يُفصح عن ذلك.


وما إن التقت نظراتهما، حتى أضاءت ملامحها بابتسامةٍ دافئة أذابت ما بينهما من صمت، فبادلها ابتسامةً تشبهها وهو يقترب أكثر، وقال بصوتٍ منخفضٍ مفعم بالشوق:

ـ وحشتيني…


ظلت تحدق فيه بعينين واسعتين، يتمازج فيهما الخجل بالدهشة، وكأنها تحاول أن تُخفي ارتباكها خلف هدوءٍ مصطنع.


كرر كلمته بابتسامةٍ طفيفة، بصوتٍ أقرب إلى الرجاء:

ـ بقولك وحشتيني…


قالها بأسلوبٍ مازح جعل الضحكة تفلت من بين شفتيها رغمًا عنها، لكنها سرعان ما تماسكت، وأعادت ترتيب ملامحها لتبدو صارمةً وغاضبة، فحدق فيها عمر متذمرًا وقال بنبرةٍ خفيفة المزاح:

ـ ما إحنا كنا بنضحك وحلوين.. ليه بقى القلبة دي؟


استدارت محاولة الابتعاد عنه، لكنه باندفاعٍ عفوي مد يده يمسك رسغها ليمنعها، غير أن نظرةً واحدةً منها كانت كفيلة بأن تجعله يُفلتها في الحال، وكأنه تذكّر المسافة التي يجب ألا يتخطاها.


نظر إليها بعدها بعينٍ يملؤها الندم، وقال بصوتٍ خافتٍ يحمل اعتذارًا حقيقيًا:

ـ خلاص، أنا آسف… مش هتتكرر تاني.


كانت تنظر إليه بنظراتٍ ما بين العتاب والتعب، ثم تنهدت ببطء بعدما خفّ وهج الغضب في عينيها قليلًا، وأومأت برأسها إشارةً لقبول اعتذاره. عندها تابع هو الحديث بنبرةٍ مفعمة بالصدق، وكأنه يحاول إصلاح ما كُسر:

ـ صدقيني… إنتي فاهمة غلط.. والله كنت أقصدك يومها.


تأملت وجهه لبرهة، ثم أطلقت زفرة متعبة وقالت بنبرةٍ تجمع بين الألم والواقعية:

ـ أنا عارفة يا عمر .. الفكرة مش في كده وبس.. الفكرة في انك أصلا كنت قاعد مع واحدة زي دي وأكيد عينك جت عليها، وأكيد بصيت لها،


تبدلت ملامحه إلى شيء من التحدي وهو يرد باقتضاب:

ـ طيب ؟؟


رمقته بعدم تصديق، وصوتها ارتفع بنفاد صبر:

ـ طيب إيه يا عمر ؟! أنا مش هقدر أتأقلم في الوسط بتاعكم ده!! مش هقدر أحضر معاك حفلاتكم ومناسباتكم اللي كلها بنات بالمنظر ده، احنا بعاد أوي عن بعض يا عمر ..


ابتسم بخفة محاولًا التخفيف من حدة الموقف وقال بنبرةٍ مازحةٍ لم تلقَ قبولًا منها:

ـ خلاص بلاش تحضري.. هحضر أنا ..


تصلبت ملامحها، ونظرت إليه بغضب وهي تهتف:

ـ إنت بتهزر يا عمر ؟! أنا بتكلم جد على فكرة ..


تنهد بضيق وهو يمرر يده في شعره بعصبيةٍ خفيفة وقال بنبرةٍ متوترة:

ـ ميرال يا حبيبتي.. انتي ليه غاوية نكد وتضخيم لأبسط الأمور ..


نظرت له بدهشةٍ غاضبة وردّت بانفعال:

ـ أنا غاوية نكد ؟!


رفع حاجبيه متبرمًا وهو يقول:

ـ أيوة .. وبعدين انتي ليه محسساني إننا عيلة منحلة لاسمح الله .. ما عندك أختي نسيم مثلا ، ونغم مرات فريد .. عمرك شفتيهم لابسين لبس مكشوف أو أوفر ؟!


أطرقت قليلًا ثم هزت رأسها بعدم اقتناع، قبل أن تقول بحدةٍ أكبر:

ـ لكن اختك چيلان لبسها مكشوف جدا ومثير للفتنة .


تبدلت ملامحه إلى حرجٍ واضح، وحك ذقنه بتوترٍ خفيف ثم ابتسم محاولًا تهدئة الأجواء قائلاً بملاطفةٍ ظاهرة:

ـ والله ده جمالك هو اللي مثير للفتنة .. !


نطقت اسمه بتحذيرٍ حازم جعل صوته يهبط قليلًا وهو يرد بانفعالٍ مكبوت:

ـ هعمل إيه يعني يا ميرال ؟ چيچي مش صغيرة ، چيچي عندها ٣٣ سنة يا حبيبتي.. يعني فاهمة هي بتعمل إيه وبتلبس إيه .. مش محتاجة حد يوجهها .


زفرت بعمق وهي تشيح بوجهها عنه بخيبة أملٍ ظاهرة، فحدّق فيها بقلقٍ وضيق ثم قال محاولًا تهدئة الموقف من جديد:

ـ وبعدين يا حبيبتي كفاية انتي ماشاء الله جميلة وملتزمة وزي السكر كده .. يمكن لما يشوفوكي يحبوا يكونوا زيك وربنا يهديهم ويلبسوا الحجاب زيك .. انتي ليه بتسبقي الأوان يا ميرال ؟!



ساد بينهما صمت ثقيل، واكتفت بالنظر للأرض دون رد، فمرر يده على وجهه بعصبيةٍ ظاهرة قبل أن يقول بنبرةٍ حاسمةٍ حاول أن يخفي خلفها ضيقه:

ـ على العموم اللي اسمها سيلين دي مش هتكون موجوده تاني في أي مناسبة تخصنا اطمني .. يعني مش هكون مجبر أقعد معاها ولا أبص عليها تاني ..


رفعت رأسها فجأة ونظرت إليه بحدةٍ قائلةً بغيظٍ صادق:

ـ يعني بتعترف أهو انك بصيت عليها !


رفع كتفيه مستسلمًا، وقد علت ملامحه علامات الضجر، وهو يرد بلهجةٍ حاول أن يُدخل فيها بعض المزاح لتخفيف التوتر:

ـ أكيد يعني نظرا لقانون الجاذبية لازم عنيا هتقع عليها غصب عني..


وارتسمت على شفتيه ابتسامة صافية، تابع بنبرةٍ هادئة تحمل مزاحًا خفيفًا:

ـ بس اللي في القلب مين؟ ده المهم.


لانت حدة ملامحها قليلًا، ثم نظرت إليه نظرة مترددة وسألته بصوتٍ خافتٍ يحمل شيئًا من الفضول والغيرة في آنٍ واحد:

ـ عمر.. إنت مكانش ليك أي علاقة قبل ما تعرفني مش كده؟


قطّب جبينه بدهشةٍ حقيقية، ورفع حاجبيه متسائلًا وهو يحاول فهم مقصدها:

ـ وليه بتسألي؟


تنفست بعمق، ورفعت عينيها نحوه بثباتٍ وقالت بجديةٍ تامة:

ـ لأني لازم أكون عارفة عنك كل حاجة بما إننا هنتجوز! لازم أكون متأكدة إني أول واحدة في حياتك زي ما إنت كمان أول واحد في حياتي.


ارتبك قليلًا، وانعكس ذلك في نظراته المترددة وحركته المضطربة، ثم قال محاولًا تبرير الأمر بنبرةٍ يغلب عليها الدفاع:

ـ وافرَضي إنك مش أول واحدة في حياتي يعني؟! هو مش المفروض إن دي حاجة مليش يد فيها؟! هو أنا كنت أعرف منين إني هقابلك وأحبك يعني علشان أحافظ على نفسي لحد ما انتي تيجي؟


هزّت رأسها بإصرارٍ وعيونها تلمع بعاطفةٍ جادة وقالت بحزم:

ـ لأن ده الطبيعي.. طب ما أنا كمان مكنتش أعرف إني هقابلك ولا هحبك لكن حافظت على نفسي علشان الإنسان اللي هرتبط بيه.


شعر بالاختناق وكأنها حاصرته في زاويةٍ ضيقة لا مفرّ منها، فحك ذقنه ببطءٍ ونظر بعيدًا ثم عاد يسألها بنبرةٍ متوترةٍ يحاول بها الخروج من الموقف:

ـ أيوة يعني انتي عايزة إيه دلوقتي يعني؟


قالت بإصرارٍ واضح ونبرةٍ تفيض بالفضول والغيرة معًا:

ـ عايزة الحقيقة، الصراحة يا عمر.


نظر إليها نظرة جانبية ماكرة، وقال بنبرةٍ مازحةٍ حاول أن يخفف بها حدة الموقف:

ـ وافرَضي قلتلك إني كنت مقطّع السمكة وديلها مثلًا؟


اتسعت عيناها بدهشةٍ واضحة، فبادر سريعًا وهو يضحك محاولًا تصحيح الموقف قبل أن ينفجر الخلاف:

ـ مالك تنحتي كده ليه؟ بقولك افرَضي!!


خفضت نظرها نحو الأرض، وأخذت عيناها تتقلبان بحيرةٍ ظاهرة، وكأنها تحاول تصديق ما سمعته أو تكذّبه، فتنهد هو بمللٍ طفولي وقال مازحًا:

ـ يااه.. كل ده تفكير؟! على العموم اطمني.. أنا لا عرفت قبلك ولا بعدك. يعني حضرتك هتاخدي واحد pure متقلقيش.



ارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة امتزجت برضاٍ وطمأنينة، فأومأت برأسها في هدوء، فقابلها بابتسامةٍ مماثلة، لكن ملامحه حملت ظلّ قلقٍ دفين. ثم سألت بنبرةٍ أكثر جدية:

ـ طيب؟! المفروض هتعرف أهلك عليا إمتى؟


رفع حاجبيه بدهشةٍ حقيقية وقال متعجبًا:

ـ أعرّف أهلي عليكي؟


نظرت إليه بعينين مستغربتين، وقالت بنبرةٍ تجمع بين الاستنكار والاستغراب:

ـ أيوة طبعًا.. مش المفروض أشوف والدك ووالدتك وأتعرف عليهم ويتعرفوا عليا؟!! أومال إحنا هنتجوز إزاي!


مرّر يده على ذقنه بتفكيرٍ عابرٍ وقال بنبرةٍ خفيفةٍ تميل إلى اللامبالاة:

ـ ممم.. تصدقي مجاتش في بالي! وبعدين يا حبيبتي إحنا عيلة مفككة ومحدش فينا طايق التاني، لا أبويا طايق أمي، ولا أمي طايقة أبويا، ولا أنا طايق حد.. ده حتى عبده الجنايني بينه وبين السواق خناقة لرب السما! ليه أدخلك في الصراعات الأسرية دي وأوجع دماغك؟


هزّت رأسها رافضةً كلامه، وقالت بإصرارٍ واضحٍ ونبرةٍ هادئةٍ لكنها قوية:

ـ لأن ده الطبيعي، لأني هكون جزء من العيلة دي علشان كده لازم أتعرف عليهم كويس وهما كمان يعرفوني، مش جايز يكون لهم اعتراض عليا؟


رفع حاجبيه بدهشةٍ خفيفة، واقترب منها خطوة وهو يحدق في وجهها بإعجابٍ صادقٍ وقال مبتسمًا:

ـ يعترضوا عليكي إيه؟ هما يطولوا أصلًا؟


ابتسمت هي الأخرى بخجلٍ جعل ملامحها أكثر إشراقًا وجمالًا، ثم قالت بنبرةٍ رزينةٍ عادت بها إلى الواقع:

ـ لازم نكون واقعيين يا عمر، الحب والكلام المعسول مش كل حاجة.. في واقع لازم نواجهه.


أومأ ببطءٍ موافقًا، وقد بدا عليه لأول مرة أنه يستوعب مسؤولية جديدة تُفرض عليه، وهو الذي اعتاد أن يعيش مدللًا، بلا قيودٍ ولا التزاماتٍ حقيقية.


ونظر إليها مبتسما وقال :

ـ معاكي حق يا حبيبة قلبي .


نظر عمر إلى الحقائب التي يحملها بين يديه، ثم التقط إحداها وقدّمها لها بابتسامة دافئة قائلًا:

ـ اتفضّلي… دي ليِكي.


تسلّمتها منه بابتسامة خجولة، وقالت بلطفٍ عذب:

ـ شكرًا جدًا… ربنا يخليك ليا يا عمر.


ارتسمت على وجهه ابتسامة أوسع، وتلألأت عيناه بنظراتٍ تنطق بالمحبة والدفء، وكأن قلبه يعبّر عنها قبل لسانه. ثم سار إلى جوارها وهما يوزّعان الهدايا على الأطفال، الذين غمرت وجوههم سعادة بريئة تشعّ في المكان كضوءٍ صغيرٍ من الفرح.


وبعد أن أنهى زيارته، عاد إلى سيارته، أدار المحرك وأخذ يحدق حوله شاردًا ، كانت حيرته في ذلك الوقت تُرهقه كدوّامة لا مفرّ منها، فقد كان يرى في علاقته بميرال أنّها علاقة عادية، لا تختلف كثيرًا عن سواها، غير أنّ ما ميّزها هو صدقه في مشاعره نحو ميرال، وإحساسه بأنها مختلفة عن جميع من عرف من قبل. كان يحبها حقًا، ويرى فيها امرأة تستحق أن تُكمل معه الطريق، لكنّه لم يضع في حسبانه أن الأمر لن يكون بتلك البساطة.



لم يفكّر يومًا أن الحبّ وحده لا يكفي، وأن الزواج لا يقوم على المشاعر فقط، بل على المسؤولية والتنازل والصبر. كانت ميرال بالنسبة إليه ملاذًا دافئًا، لكنه في الوقت ذاته كان يخشى فكرة الالتزام الكامل، يخشى أن يكون مسؤولًا عن حياةٍ لا تخصّه وحده، بل عن اثنين معًا.


كان يحمل في قلبه همّ مواجهة والديه، وهو يدرك تمامًا أنهما لن يوافقا على اختياره، فكلٌّ منهما سيجد من الأسباب والاعتراضات ما يبرّر رفضه، لكنه لم يكن ليأبه لذلك.

يكفيه أن يُصارحهما برغبته الصادقة في الزواج من تلك الفتاة، ثم يترك الأمر كما هو… فقد حسم قراره بالفعل.


༺═────────────────═༻


كان فريد ممددًا على سريره، جسده ساكن لكن ذهنه يضج كخلية نحل لا تهدأ.

عيناه تحدقان في السقف دون تركيز، وذراعاه ممدودتان إلى الجانبين كأنهما استسلما لثقل لا يُرى، فيما أنفاسه بطيئة متقطعة، تُشبه أنينًا صامتًا من الداخل.


الأفكار تدور في رأسه بلا توقف — دوامة من الخوف، الشك، والتوجس من الغد.

كلما حاول أن يُهدئ نفسه، انبثق صوت في عقله يذكّره بفشلٍ قديم أو احتمالٍ كارثي قادم.

ماذا لو خسر كل شيء؟ ماذا لو كان المرض أقوى منه هذه المرة؟ ماذا لو لم يعد طبيعيًا أبدًا؟


انقبض صدره، وشعر بأن الأرض تميد من تحته.

لم يعد يجد شغفًا لأي شيء، حتى الأشياء التي كانت تبهجه صارت بلا معنى.

كأن الحياة فقدت لونها ورائحتها، وكأن عقله أصبح سجنًا لا يملك مفاتيحه.


وفي لحظة صمت خانقة، تردد في الغرفة صوت الهاتف


أجفل قليلا، ثم أدار رأسه ببطء نحو الشاشة المضيئة.

كان اسم "نغم" يلمع أمامه، فقطع اتصالها خيط أفكاره المتشابكة كطعنة نور في ليلٍ كثيف.


حدّق في الهاتف طويلًا، لا يعرف أيردّ أم يتركه يرن…

صوته الداخلي يهمس له بالهرب، بينما شيء في داخله يصرخ أنه بحاجة إلى صوتها ليحيا من جديد.


أجاب فريد الاتصال بصوتٍ واهن، كأن الكلمات تُسحب من داخله بصعوبة:

ـ ألو..


جاءه صوتها عبر الهاتف دافئًا قلقًا في آن:

ـ فريد.. اتأخرت ليه يا حبيبي؟! زينب مستنياك.


أغمض عينيه بتعب، وزفر أنفاسه المهمومة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الاستياء والإنهاك، ثم قال:

ـ مش قادر يا نغم.. اعتذري لها بالنيابة عني..


لكنها قاطعته بسرعة، ونبرتها تمزج بين الرجاء والعتاب:

ـ لأ.. مش هينفع أبدًا..


ثم خفضت صوتها وهي تقول بحنو خافت:

ـ حرام، دي مستنية ومتعشمة، وواقفة على رجليها بقالها أربع ساعات بتجهز لك الأكل اللي بتحبه.. علشان خاطري، بلاش تكسر بخاطرها.


ظل صامتًا لحظة، وكأن صراعًا داخليًا يحتدم بين تعبه ورغبته في إرضائها، ثم زفر بعمق ومسح على وجهه بتعبٍ ظاهر، وقال باستسلامٍ هادئ:

ـ حاضر.. هقوم أجهز وجاي.


ارتسمت ابتسامة رضا في صوتها وهي تقول:

ـ تمام. واحنا في انتظارك.


أنهى الاتصال ببطء، وبقي الهاتف بين يديه للحظات، ينظر إلى الشاشة المظلمة وكأنها تعكس تعبه.

ثم جلس على حافة السرير، يمرر أصابعه في شعره المبعثر، يحاول أن يجمع ما تبقّى من طاقته ليواجه هذا المساء، وليُخفي عنها ما لا يستطيع إخفاءه عن نفسه.


نهض فريد من فوق السرير متثاقل الخطى، كمن يحاول الهروب من نفسه. ارتدى ملابسه على عجل، ثم استقل سيارته، وانطلق بها في طريقه إلى زينب. كان الليل صامتًا والطريق خالٍ إلا من أضواء السيارات البعيدة، أما رأسه فكان يعجّ بالضوضاء.

الهواجس كانت تلاحقه كظله، تخبره أن عليه ألا يذهب، أن يتراجع، أن يختفي فقط عن كل شيء. لكنه سرعان ما نفض تلك الأفكار عن رأسه بعنف، وأمسك هاتفه من جيبه ليتصل بنسيم، لعل صوتها يخفف قليلاً من اضطرابه.


وما إن أتاه صوتها عبر الهاتف، متعبًا وواهنا، حتى قال بقلقٍ واضح:

ـ مالك يا نسيم، انتي تعبانة؟


جاء ردها بنبرة ناعسة:

ـ أنا كويسة يا فريد.. كنت نايمة بس.


أطلق تنهيدة خفيفة وهو يشعر ببعض الراحة، ثم قال:

ـ معلش، مكنتش أعرف..


فأجابته بهدوء:

ـ ولا يهمك.. انت كويس؟


مرر كفه على مؤخرة عنقه في تعبٍ ظاهر، وقال بصوتٍ منخفض:

ـ الحمد لله على كل حال.. على العموم أنا كلمتك علشان أقولك على حاجة..


سألته باستغرابٍ خفيف:

ـ حاجة إيه؟


صمت لبرهة، كأنه يختار كلماته بعناية، ثم قال بهدوءٍ حذر:

ـ أنا عارف إنك كنتي شاكة في عاصم.. كلامك وارتباكك كانوا بيقولوا كده..


شعرت دقات قلبها تضطرب خوفًا، بينما تابع هو بلهجةٍ حاسمة:

ـ بس اطمني.. مش عاصم.


ارتفع صوتها بذهولٍ مرتبك:

ـ إيه!! اومال مين ؟!


قال بتهكمٍ مرير، وهو يشيح بنظره عن الطريق للحظة:

ـ السيد الوالد ومحاميه المخضرم.


ثم تابع بمرارةٍ أشد:

ـ دي الحقيقة اللي اكتشفتها واتأكدت منها.. سالم مرسال ودراعه اليمين هما اللي ورا جيرالد وسيلين من البداية..


ازدادت دقات قلبها عنفًا وهي تقول بلهفة:

ـ انت متأكد؟؟


أجابها بحزنٍ ثقيل:

ـ للأسف..


سألته بصوتٍ خافتٍ قلق:

ـ طيب.. طيب وناوي على إيه؟


زفر أنفاسه العميقة، وقال بأسى:

ـ بحاول أتواصل مع مستشار قانوني، وهشوف خبير أزمات موثوق منه أعرض عليه الموضوع وأشوف هوصل لإيه.. مش عايز أواجههم دلوقتي غير لما أأمن نفسي الأول.


بدا صوتها أكثر ارتياحًا واطمئنانًا وهي تقول:

ـ أيوة طبعًا، معاك حق.. إن شاء الله تقدر تحلها بأقل الخساير..



ابتسم بخفوتٍ، وقال:

ـ إن شاء الله.. يلا أنا هقفل دلوقتي لأني سايق، خلي بالك من نفسك كويس جدًا، اتفقنا؟


ابتسمت هي الأخرى، وصوتها يتهادى في أذنه كدفءٍ ناعم:

ـ اتفقنا. مع السلامة.


ابتسم فريد ابتسامة خافتة وهو يضع الهاتف بجانبه، وكأنه يراها أمامه الآن، بملامحها المطمئنة وابتسامتها الهادئة. كان يعرف جيدًا أنها في هذه اللحظة تطير من الفرح، لأن شكوكها في عاصم لم تكن في محلها، وأن قلبها المذعور وجد أخيرًا راحة كان يفتقدها بشدة .


كان يشعر بها رغم المسافة، وكأن بينهما خيطًا خفيًا لا ينقطع، ينقل إليه ملامحها ونبرات صوتها وارتعاش أنفاسها. يعلم أنها لم تكن تخشى الحقيقة بقدر ما كانت تخشى فقدانه، تخاف أن تخسره بسبب وهمٍ زرعه الخوف في رأسها.


ابتسم وهو يزفر براحة، كان فرحًا من أجلها، فرحًا كأنما نجا هو نفسه من دوامةٍ مظلمة، وكأن ضوءًا دافئًا تسلل إلى قلبه المرهق، فقط لأنه تخيّل وجهها الآن وهي تبتسم في سكونٍ راض ..  !


كان قد وصل إلى البناية التي تقع فيها شقة حسن، وصعد درجات السلم بخطواتٍ مثقلة، كأنها تحمل فوقها همّ الدنيا بأكملها. وما إن دق جرس الباب، حتى فُتح بعد لحظاتٍ قصيرة، لتطل حبيبته بملامحها المضيئة، وما إن وقعت عيناها عليه حتى أسرعت نحوه، تعانقه عناقًا صادقًا كان له وقع السحر على قلبه المرهق.


ترك ذراعيه تستسلمان لذلك العناق لثوانٍ، قبل أن يُرخي قبضته عنها على مضض، ثم انحنى ليقبّل أعلى رأسها قبلة امتنانٍ خفيّة تحمل كل الشكر والدفء. أمسكت يده برقة وهي تقوده نحو الداخل، حيث كانت زينب منشغلة بإعداد المائدة.


وما إن وقع بصرها عليه حتى أشرق وجهها بفرحةٍ حقيقية، وبادرت نحوه تعانقه بحرارة وهي تربت على ظهره وتقول بحنانٍ أمومي:

ـ ربنا يجبر بخاطرك يا حبيبي ويروق بالك.


نظر إليها في صمتٍ مفعم بالامتنان، وكأن كلماتها كانت البلسم الذي يحتاجه قلبه المرهق… دعوةٌ بسيطة، لكنها كانت كفيلة بأن تمنحه شيئًا من السكينة التي افتقدها طويلًا.


بعدها استأذن بهدوء متعللًا برغبته في غسل يديه، واتجه نحو الحمّام بخطواتٍ متوترة. أغلق الباب خلفه، وأسند كفيه على الحوض، يحدّق في وجهه المنهك في المرآة، وعيناه تفضحان قلقًا متجذرًا لا يفارقه.


فتح صنبور الماء، وبدأ يغسل يديه بعنفٍ مبالغ فيه، وكأنّه يحاول محو أوساخٍ غير مرئية، ثم أخذ يكرر الغسل مراتٍ ومرات .


مدّ يده بعدها والتقط زجاجة الكحول الموضوعة بجيب سترته، وراح يعقّم كفيه بإصرارٍ قاسٍ، يراقب القطرات وهي تنزلق على بشرته وكأنها تمنحه وهم الأمان.


ثم نظر إلى وجهه في المرآة مرةً أخرى، وهز رأسه بيأس وهو يتناول حبّة الدواء من جيبه، ثم ابتلعها مع رشفة ماء، وهو يعلم جيدًا ما ستفعله به بعد ساعاتٍ قليلة… ستجعله يتقيأ كل ما تناوله ..



هو في تلك اللحظة لم يكن يكره الأكل، بل كان يخافه، يخاف أن يمرض، أن يختنق، أن يتلوث… يخاف من فكرة أن يكون شيء بسيط كقطعة طعام سبب نهايته.

وساوسه كانت كالسجّان، لا ترحمه لحظة، ولا تترك له فرصة للنجاة من نفسه.


غادر الحمام أخيرا، وعاد بخطوات هادئة رزينة نحو المائدة حيث تنتظره كلا من زينب، ونغم، جلس على رأس المائدة، فبدأت زينب بإعداد طبقه كما يفضل، وبالمقادير التي يفضلها تماما، ثم وضعته أمامه فابتسم وشكرها، ومن ثم بدأت زينب بإعداد طبق نغم، فنظر إليها فريد وقال مبتسما ممازحا :

ـ اتوصي بيها لو سمحتي يا زينب ..


رمقته نغم بنظرة تحمل حنقًا مصطنعًا وابتسامة مدللة، ثم بدأت بتناول طعامها في صمتٍ هادئ، لم يقطعه أحدهما حتى قالت بنبرةٍ خفيفة مليئة بالدلال:

ـ على فكرة يا فريد، خالتي علمتني كل الأصناف دي بتتعمل إزاي علشان لما نتجوز أطبخ لك بإيديا.


رفع فريد نظره إليها مبتسمًا، تلمع في عينيه نظرات حبٍ خالصٍ وهو يقول:

ـ يا خبر ! ده أنا أكيد أمي الله يرحمها كانت داعيه لي.


تمتمت زينب بابتسامة هادئة يكسوها حزنٌ خافت:

ـ الله يرحمها .. كانت ست البنات وست الستات كلهم.


أومأ فريد في صمت، حملت ملامحه شيئًا من الشجن، ثم عاد لتناول طعامه بهدوءٍ وتأملٍ حتى انتهى، لتُحضر زينب بعد ذلك أطباق الفاكهة والحلويات التي تعلم أنها المفضلة لديه.

ورغم قلقه وتردده الداخلي، إلا أنه تناول منها قدر استطاعته مجاملةً لها ومحاولةً لإرضاءها .


وبينما يدور الحديث بينهم في دفءٍ عائليٍّ بسيط، رفع فريد رأسه فجأة وقال:

ـ عندك مانع يا زينب لو تيجي تعيشي مع نغم في البيت؟


اتسعت عينا نغم بفرحٍ طفولي، ثم مالت نحو خالتها تمسك بذراعها بحماسٍ وهي تقول برجاءٍ محبب:

ـ أيوة بالله عليكي يا خالتي.. أنا محتاجة لك معايا أوي.


نظرت إليهما زينب بترددٍ ظاهر، وقالت بعد تفكيرٍ قصير:

ـ بس ..


قاطعتها نغم متوسلة بنغمةٍ حالمة:

ـ علشان خاطري يا خالتي وافقي .. بدل ما تقعدي لوحدك وأنا لوحدي أهو نونس بعض.


أومأ فريد مؤيدًا حديث نغم بابتسامةٍ مشجعة، بينما بدت على وجه زينب علامات التردد وهي تقول بصوتٍ واهن:

ـ بس أنا يبني مش عايزة أعمل لكم مشاكل .. أنا أهو قاعدة في بيت حسن لحد ما ربنا يصلح الحال.


نظر إليها فريد بنظرةٍ حاسمة وقال بنبرةٍ تحمل دفئًا وصرامة:

ـ مشاكل من أي نوع ومع مين يا زينب؟!! محدش له عندنا حاجة .. متقلقيش .. وبعدين على أساس إنك هتخلي بالك من نغومة وتخليهالي بطة بلدي!! ماهو أكيد مش هجيبهالك كل يوم يعني!!


أطرقت نغم رأسها بخجلٍ خفيف، بينما اتسعت ابتسامة زينب وهي تقول بمرحٍ ممزوجٍ بالاستسلام:

ـ خلاص طالما مصممين .. أمري لله.


ـ عظيم .. يلا اتفضلي جهزي حاجتك علشان نمشي.


ابتسمت زينب وهي تردّ برفقٍ:

ـ لأ .. خليني النهارده هنا، في حاجات محتاجة تترتب قبل ما أمشي، وبكرة إن شاء الله هاجي.


ـ تمام زي ما تحبي .. بكرة هبعتلك عمر ياخدك.


ثم نهض فريد من مكانه وقال وهو ينظر إلى نغم:

ـ يلا يا نغم؟


نطقت زينب برجاءٍ خافتٍ يفيض دفئًا:

ـ خليكوا شوية كمان ..


لكن فريد وضع كفه الحاني على كتفها وقال بابتسامةٍ مطمئنة:

ـ معلش .. الجايات أكتر إن شاء الله وهنقعد مع بعض كتير.


أومأت برضا وقالت بحنانٍ أمومي:

ـ إن شاء الله .. خلي بالكم من بعض.


ابتسم فريد وهو يطالعها بصمتٍ صادقٍ، ثم قال بنبرةٍ خافتة مليئة بالامتنان:

ـ أنا متشكر جدًا يا زينب .. متشكر لوقفتك جنبنا دايمًا برغم كل شيء .. انتي إنسانة عظيمة.


ارتعشت شفتاها من التأثر، وترقرقت الدموع في عينيها، ثم ربتت على يده وهي تقول بصوتٍ مرتجفٍ مفعمٍ بالعاطفة:

ـ انت مش محتاج تشكرني .. انتوا ولادي. أقصد يعني زي ولادي.


تسربت إلى ملامحه ابتسامة دافئة وهو يردّ عليها بهدوءٍ صادق:

ـ لأ احنا فعلًا ولادك .. انتي طول عمرك أم لينا وأكتر من أم كمان .. طول عمرك بتحبينا بإخلاص وعمرك ما أخدتينا بذنبه أبدًا.


تجمدت ملامح زينب للحظة، وشحب وجهها وهي تحدق فيه بصدمةٍ مكتومة، كأنها تحاول التأكد إن كان ما تفكر به صحيحًا… ثم امتلأت عيناها بالدموع.

اقترب منها فريد، وضمها إلى صدره بحنان، ثم قبّل أعلى رأسها في تقديرٍ عميق وقال بهدوءٍ مؤثر:

ـ أنا آسف ليكي بالنيابة عن كل شيء.


انفجرت زينب في بكاءٍ صادقٍ حار، وارتجف صوتها وهي تقول من بين نحيبها:

ـ متتأسفش يا حبيبي .. أنا راضية بكل شيء والله، كفاية إن ربنا عوضني بيكم وبحبكم ليا.


ابتعد عنها قليلًا، ثم تنهد وهو يمسح دموعها بأنامل حانية قائلاً بنبرةٍ مطمئنةٍ رغم غموضها:

ـ أوعدك كل حاجة هتتغير من هنا ورايح، وكل واحد هيرجع لحجمه الطبيعي .. بس الصبر.


التقطت من كلماته شيئًا لم يطمئنها، فرفعت نظرها إليه بعينين متسائلتين، فأجابها بصمتٍ مطمئنٍ قبل أن يقول بهدوءٍ حاسم:

ـ أحنا لازم نمشي دلوقتي. وأكيد هنكمل كلامنا بعدين.


أومأت موافقة، ثم قالت بصوتٍ مبحوحٍ يغلفه الدعاء:

ـ ربنا معاكم يا حبايبي .. مع السلامة.


خرج فريد ممسكًا بيد نغم، وغادرا المكان. وما إن استقلا السيارة حتى وضعت نغم الحقائب التي كانت بيدها في المقعد الخلفي، فالتفت إليها فريد متسائلًا وهو يقود:

ـ إيه الحاجات دي؟


ـ دي حاجات اشترتها لي خالتي زينب.


قطب جبينه متعجبًا، وقال بنبرةٍ مستنكرة:

ـ وليه زينب تشتري لك؟! ليه مطلبتيش مني اللي انتي محتاجاه؟!

ـ لأ يا حبيبي أنا مطلبتش حاجة من زينب .. هي اللي حبت تجيبهم لي هدية منها يعني.


تأمل وجهها بتدقيق، ولاحظ توترها الواضح ومحاولاتها للهرب من نظراته، فحدّق فيها بعينين تضيقان شيئًا فشيئًا وهو يقول بنبرةٍ فاحصة:

ـ طيب ينفع أشوفهم؟


هتفت على الفور بخوفٍ ظاهر:

ـ لأ طبعًا.


ابتسم فريد بخفةٍ ماكرة، وهز رأسه في هدوءٍ وهو يقول بنغمةٍ غامضة:

ـ أوكي .. الظاهر إن زينب هتنفعنا كتير اليومين الجايين.


التقطت المغزى من حديثه، لكنها تصنعت غير ذلك، ونظرت إليه قائلةً :

ـ هو أنا ممكن أفهم ليه انت وهي كنتوا بتتكلموا بالألغاز وأنا مفهمتش منكم حاجة؟


عاد شروده إلى وجهه، وبدت نظراته غارقةً في التفكير، ثم قال بهدوءٍ مائلٍ للحزن:

ـ بعدين يا نغم هحكيلك كل حاجة .. في أكتر من حاجه عاوز أقولهالك لكن الموضوع طويل ومحتاج طاقة وأنا حاليا تعبان جدا ..


نظرت إليه بقلق، وهتفت برجاء:

ـ خلينا نروح لدكتور علشان خاطري .. مش هتخسر حاجة لما نطمن !


هز رأسه بهدوء وقال :

ـ هيحصل .. بس حاليا عندي أكتر من حاجة شغلاني لازم أخلص منها الأول وبعدين نشوف الدكتور .


قطبت جبينها بحيرةٍ، لكنها لم تلحّ في السؤال، وأومأت باستسلامٍ، بينما هو استمر في القيادة غارقًا في صمته.

ذلك الصمت لم يكن هدوءًا، بل كان عاصفةً داخليةً صاخبةً تكتم أنفاسه وتثقل صدره أكثر من أي وقتٍ مضى.


بعد طريق قطعوه في الصمت، توقف أخيرا بسيارته أمام المنزل، فنظر إليها وهو يبطء المحرك ويقول:.

ـ لما أفوق كده من الدوشة اللي في دماغي دي محتاج أعلمك السواقة ونمشي في إجراءات الرخصة.. على الأقل تشغلي العربية اللي صدت من الركنة في الجراچ .


رفعت حاجبيها بحماس وهتفت :.

ـ موافقة.


أومأ بابتسامة فقالت:

ـ انت هتخرج تاني ؟


هز رأسه نافيا وقال :

ـ على الأغلب لأ .. حاسس أني محتاج أرتاح .


طالعته بقلقٍ من جديد، ثم هزّت رأسها في استسلامٍ صامت، قبل أن تفتح باب السيارة وتترجل بخطواتٍ متوترة، وقد نسيت أخذ أغراضها من المقعد الخلفي.


أطلق فريد صفيرًا خافتًا ليلفت انتباهها، فاستدارت تنظر إليه بتساؤل، فوجدته يشير برأسه نحو الحقائب بابتسامة ماكرة وهو يقول:

ـ هتاخديها ولا أخليها عندي بما إنها كده كده راجعة لي؟


حدجته بنظرةٍ حانقة أثارت ضحكاته، ثم فتحت الباب الخلفي بسرعة، التقطت الحقائب دون أن تنطق بكلمة، واتجهت نحو باب منزلها بخطواتٍ متعجلة.


ظلّ فريد يتابعها بعينيه، وابتسامة باهتة تتلاشى تدريجيًا عن وجهه، لتحل محلها ملامح ضيقٍ مكتوم أعادته إلى صمته المألوف.



༺═────────────────═༻


في المساء ..


كانت نسيم لا تزال جالسة على الأريكة، تضم جسدها بذراعيها وكأنها تحاول احتواء ارتجافٍ داخلي لا يهدأ، تنظر أمامها بذهول تام بعد المكالمة التي جمعتها بفريد. كلماته كانت كفيلة بأن تخلخل كل ما بداخلها من يقينٍ وريبة، إذ قال لها إن شكّها في عاصم لم يكن في محلّه.


كانت تشعر بحيرةٍ تامة، تتجاذبها مشاعر متضاربة بين الفرح والحزن؛ فرحة خفية لأن فريد أكد لها أن عاصم بريء، وأنها لم تخسره، وحزن دفين بسبب ما قاله عاصم لها ، كلماتُه الجارحة كانت ما تزال عالقة في ذاكرتها كطَعنة نافذة لم تلتئم بعد.


ظلت لدقائق طويلة غارقة في شرودها، تتأمل تفاصيل ما جرى، ثم أخذت نفسًا عميقًا كأنها تحاول طرد كل ما يثقل صدرها. تمتمت لنفسها محاولة تبرير كلماته، تمنحه العذر من جديد كما فعلت في كل مرة، لتُقنع نفسها بأنه لم يقصد إيذاءها..


أرادت أن تُقنع نفسها بأنه يحبها بجنون، بأن نظراته وقلقه وحنانه دليل لا يخطئ، لكنها في قرارة نفسها كانت تدرك أن في أعماقه شيء لم يُشفى بعد، جرح قديم لا يزال ينزف مهما حاول إنكاره.

فبالرغم من كل ما يقدمه لها من حب واهتمام، كان ما زال متشبثًا بحزنه، أسيرًا لذاك الفقد الذي سرق منه أخاه، وكأن جزءًا منه ما زال هناك.. عالقًا بين الندم والذكريات.


وبينما ينساب الصمت في أرجاء الغرفة، نهضت ببطء، ومسحت دمعاتها، ثم اتجهت نحو المرآة. نظرت إلى وجهها الشاحب للحظة، ثم مررت يدها على بطنها وقد عقدت العزم على إتخاذ القرار الذي أجلته طويلا ..


قبل أن تفتح خزانتها وتختار ثوبًا قصيرا هادئ الألوان، ومن بعدها بدأت تتزين أمام المرآة بحركاتٍ مترددة، كأنها تحاول استعادة أنوثتها التي اختبأت خلف الحزن.


وبعد أن انتهت من التزيّن، وقفت أمام المرآة تتأمل ملامحها وقد بدت كامرأة في غاية الفتنة، حيث كان بريق عينيها يخفي خليطًا من الشوق والتوتر.

ثم تنهدت بخفوت، واتجهت نحو الأريكة وجلست تنتظره، تداعب أصابعها بطنها في قلقٍ خفي، وقلبها يخفق باضطرابٍ لا تدري أهو خوفٌ من اللقاء أم شوقٌ إليه.


بعد لحظاتٍ من الانتظار، دوّى صوت الباب في أرجاء المكان، فانتفض قلبها بقوة، وتشبثت أنفاسها بين لهفةٍ وخوفٍ وارتباك. لم تحتج أن تراه، يكفي أنفاسه وعطره الذي تسلّل إليها ليوقظ فيها كل الشوق الجامح .


دخل بخطواتٍ مترددة، متجهمة الملامح، ولكن ما إن وقعت عيناه عليها، بتلك الهيئة التي جمعت بين الجمال والأنوثة المفرطة، حتى شعر بشيءٍ يهتز في أعماقه بعنف، كأن جدارًا صلدًا داخله بدأ يتشقق ببطء.

حاول أن يتجاهلها، أن يسيطر على تلك الرغبة الجامحة في أن يركض نحوها ويضمها إليه، لكنه تشبّث بثباتٍ مزيّف يخفي وراءه اضطرابه.



كانت تعرفه جيدًا، تفهم ما يدور في ذهنه، تدرك أن الغضب ما زال يسيطر عليه، لكنها أيضًا تعلم أن بداخله اشتياقًا لا يقل عن اشتياقها. وبالرغم من أنها كانت غاضبة مثله وربما أكثر، إلا أنها لم تستطع إنكار أنها هي من أشعل فتيل هذه النار بينهما.


أدار لها ظهره بصمتٍ ثقيل، وبدأ في خلع سترته ثم قميصه، حتى بان ظهره العاري أمامها، مفتول العضلات، يشهد على رجلٍ متعبٍ من صراعه مع ذاته.


توقفت أنفاسها لوهلة، تتأمله كما لم تفعل من قبل، نظراتها تحمل خليطًا من الحنين والرغبة والندم.


نهضت، سارت نحوه، اقتربت منه ببطء، ثم أسندت رأسها على ظهره، وأحاطت خصره بذراعيها برقةٍ مرتجفة، كأنها تستجدي الدفء منه بعد غيابٍ طويل.

أغمضت عينيها في صمتٍ مطبق، تتنفس وجوده بكل ما فيها من شوقٍ وارتباك، بينما شعر هو بلمساتها كجمرٍ يذيب ثلج قلبه المتجمد.


تنفس بعمق، وترك يده تستقر فوق يديها برفق، دون أن يلتفت إليها، وكأن صمته اعتذار، وكأن لمستها غفران.


كانت تترجاه بصمتٍ موجع أن يقول شيئًا، أي شيء، أن يبادر كعادته ويمد لها خيط النجاة من هذا التوتر القاتم، لكنه ظلّ صامتًا، يحمل في صمته ألف سؤال وألف وجع.

شدّت ذراعيها حوله أكثر وكأنها تخشى أن يتلاشى من بين يديها، وقالت بصوتٍ خافتٍ مرتجف:

ـ عاصم.. أنا آسفة.


أغمض عينيه بإرهاقٍ عميق، وكأن أنفاسه تختنق داخل صدره، الصراع الذي ينهشه منذ أيام عاد يفتك به من جديد.. عقلٌ يصرخ فيه بأن يبتعد، وقلبٌ يجرّه إليها رغمًا عنه.


وفي تلك اللحظة بالذات، وهي بهذا القرب منه، قرر أن يخرس صوته الداخلي، أن يضرب بعرض الحائط كل ما كان يقيّده.

فلتفنى الأرض بمن عليها، وليصمت العالم بأسره.. ولتنهار كل مخاوفهما من الماضي وما كان، والمستقبل وما سيكون ..


ما عاد يقوى على المقاومة…. !!!


استدار إليها ببطء، ونظر في عينيها نظرة طويلة متعبة، لكنها مشبعة بكل ما لم يُقل.

رفع يده ومسح على وجنتها برفق، ثم همس بصوتٍ خافت:

ـ مش قادر أعمل حاجه غير إني أحبك يا نسيم ..


تساقطت دموعها بصمت، وأجابت برجفةٍ خافتة:

ـ وأنا مش قادرة أعيش من غيرك… أنا مليش غيرك يا عاصم .


اقترب منها أكثر، حتى صار بين أنفاسهما مسافة نفسٍ واحد، ثم ضمّها إليه بقوةٍ، كمن يخشى أن تضيع من بين يديه ..


كانت ترتجف بين ذراعيه، وهو يُطبق عليها بذراعيه في استسلامٍ تام، كأنهما يحاولان النجاة ببعضهما من غرقٍ وشيك.


صمتٌ كثيف خيّم على المكان، لا يُسمع فيه سوى دقات قلبيهما المتلاحقة، كأنها حوارٌ خفيّ بين روحين أنهكهما الفقد والاشتياق.


ثم أبعدها عنه قليلًا، ونظر في عينيها اللتين اشتاق إليهما حدّ الوجع، قبّلهما برفقٍ واحدةً تلو الأخرى، ثم أخذ وجهها بين كفّيه يُقبّله في لهفةٍ، وهمس من بين أنفاسٍ متقطعة:

ـ أنا آسف.. سامحيني، مش هتكرر تاني .


انفجرت بالبكاء، تتناثر دموعها على صدره، فيما هو أمسك يديها وقبّلهما بحرارةٍ قائلاً بصوتٍ مرتجف:

ـ عارف إني جيت عليكي وقلت كلام ميتقالش ، أوعدك مش هيحصل تاني .. صدقيني اللي قلته كان في وقت غضب مش أكتر.


أسندت رأسها إلى صدره باطمئنانٍ غامر، كأنها وجدت أخيرًا مأمنها بعد عاصفةٍ طويلة.

ضمّها إليه بقوةٍ، يحتضنها كما لو أنه يخشى أن تتبدّد بين ذراعيه.


وفجأة، حملها عن الأرض برفق، كمن ينتزع قلبه من ظلمةٍ إلى ضوء، وأغرقها بحنانه ودفئه، يسكب بين يديها كل ما اختزنه من حبٍ واشتياقٍ وولهٍ دفين، يؤكد لها من دون كلمات أنها وحدها خلاصه، ومهلكته في آنٍ واحد.


اقترب منها حتى لم يعد بينهما سوى أنفاسٍ تختلط كهمسٍ على وترٍ خافت.

كانت النظرات بينهما وعدًا غير منطوق، يتجاوز حدود الجسد إلى ما هو أبعد، إلى مساحاتٍ لا يبلغها إلا العاشقون حين تفيض قلوبهم بالشوق.


مدّ يده نحو وجهها برفقٍ كأنه يخشى أن يوقظ حلماً ناعساً، تتبّع بأنامله ملامحها كما يتلو شاعرٌ قصيدته الأولى، فارتجفت بين يديه ارتجافة من وجدٍ، لا من خوف.

ضمّها إليه، فانطفأت كل الأصوات، لم يبقَ إلا صدى أنفاسهما يتعانق في سكون الليل، وكأنهما يخلقان من اللحظة عالماً جديداً لا يعرف الفقد.


كانت روحه تمتزج بروحها في صمتٍ مهيب، كأنهما يعودان إلى أصلٍ واحدٍ.. يتبادلان أسمى معاني الحب، يهمسان بأعذب كلمات الشوق، وبينما هو منغمسًا في نعيم قربها، وجدها تمسك بيده، تسحبها وتسندها فوق بطنها بهدوء..


توقّف الزمن لوهلة، شعر بقشعريرةٍ تجتاح جسده دون أن يدرك السبب، حتى رآها تضع يدها فوق يده، وتغمر وجهه بيدها الأخرى وهي تمسح على وجنته بنظرةٍ تحمل كل الحنان، ثم همست بصوتٍ مرتجفٍ دافئ:

ـ عاصم... أنا حامل.


༺═──────────────═༻

#يتبع

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع
    close