القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الرابع وخمسون 54بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات


رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الرابع وخمسون 54بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات






رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الرابع وخمسون 54بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات




 


 



ـ ٥٤ ~ رهان خاسر !!



فرقت بين أجفانها ببطء، تستقبل بيقظةٍ دافئة تلك القبلات الخفيفة والملامسات الحنونة التي كان يوزّعها فوق بطنها برقة .

ابتسمت بعاطفةٍ غامرة، ومررت يديها حول رأسه المستند إلى بطنها، تحتضنه كما لو كانت تريد أن تطمئنه بأن الحياة تنبض بين يديه.


ظلّت على هذه الحال لحظاتٍ قصيرة، قبل أن يبتعد قليلًا ويرفع رأسه نحوها، يحملق فيها بعينين يملأهما الشغف والقلق وهو يقول :

ـ نفسي أسمعه أو أحس بيه .. مش سامع حاجة خالص.


انفلتت ضحكاتها الرقيقة وهي تردّ بنبرة مرحة:

ـ هتحس ازاي يا حبيبي وهو لسه شهرين ؟! لسه حاجة صغنونة خالص ومش هيتحرك دلوقتي علشان تحس بيه .


ـ طيب نروح للدكتور وأشوفه .


نظرت إليه بنعومةٍ وحنانٍ يفيض، وقالت مبتسمة:

ـ تشوفه ؟! ده مجرد نقطة سودا يا عاصم مش هتفهم منها حاجة ..


تنهد بحرقةٍ مشتعلة ولوعةٍ تختلط بالرجاء وهو يقول:

ـ طيب على الأقل أسمع صوت نبضات قلبه ، أي حاجه بقى والنبي .


اتسعت ابتسامتها وهي تمرر أناملها برفق بين خصلات شعره، تتأمل ملامحه التي بدأ يغمرها هدوء غريب لم تلحظه من قبل، وكأن السكينة قد وجدت طريقها أخيرًا إلى ملامحه المتعبة. أخذت تتساءل في داخلها: أهو تأثير فكرة الأبوة التي بدأت تتجذر داخله؟ أم أن شيئًا آخر طرأ عليه ولم تدركه بعد؟


رفعت جسدها قليلًا، مستندة إلى مرفقها، وعينيها معلقتان به بفضول محب، قبل أن تقول بابتسامتها الدافئة معتدلة النبرة

ـ عاصم .. مش عايز تحكيلي حاجه ؟


ابتلع ريقه بتوتر وهو يحاول الإبقاء على ابتسامته الهادئة وقال :

ـ حاجة زي إيه ؟!


ـ أي حاجه.. من زمان ماتكلمتش معايا عن شغلك وخططك ونواياك .. حاسة إن في حاجة شاغلة بالك ومخلياك طول الوقت مش مركز .


تنهد وهو ينظر إليها مبتسما بهدوء، ثم قال :

ـ اليومين دول ضغط شغل علشان محتاجين نسلم المشروع اللي شغالين عليه في أسرع وقت .


ظلت تتابعه بنظراتها التي ازدادت قلقًا مع كل كلمة، تشعر أن ما يقوله ليس سوى نصف الحقيقة، وأن وراء هدوئه ما يزال قدر من التوتر الذي لم تستطع أن تحدده، إلى أن هتف هو مكملا حديثه :

ـ أوعدك أول ما أخلص هنسافر نغير جو ..


لمعت عيناها بفرح بريء، وانساق قلبها مع الحماس الذي غمر ملامحها وهتفت متسائلة:

ـ كوبا ؟!


أومأ مؤكدًا فهتفت بحماس :

ـ yeeeeees .. وأخيرا .


ابتسم ابتسامة عريضة، ثم قال :

ـ بس بعد ما نطمن على البيبي ونتأكد إن السفر في الوقت ده مش غلط عليكي ..


ـ متقلقش ، أكيد مش غلط إن شاء الله ، ما أنا سافرت أثينا ورحت وجيت وكله تمام يعني ..


وهتفت وهي تنظر إليه وتخبره بدلال :

ـ My baby resembles his father in his bravery

( طفلي يشبه والده في شجاعته )



تسلل الدفء إلى صدره. كلماتها جعلت قلبه يخفق بخفة، خاصة حين كان يرى ذلك الإيمان المطلق الذي تبديه تجاهه.


اتسعت ابتسامته على نحوٍ أسعدها وأومأ بفرح ثم قال:

ـ مش صحيح .. هو أكيد هياخد منك كل حاجه حلوة إن شاء الله ، انتي أقوى وأشجع وأجمل إنسانة قابلتها في حياتي .. علشان كده أنا واثق إن ابننا هيورث منك كل حاجة .. ووقتها أكيد هكون فخور وسعيد جدا أني بقا عندي نسخة مصغرة منك .


أصابتها كلماته بسعادة مفرطة وقالت :

ـ طيب بما إن البيبي بياخد 50% من جينات الأب و 50% من الأم.. انت تحب إنه ياخد الـ 50 ٪ منك متلخصين في إيه ..


شرد لحظة، يبحث في داخله عن إجابة لم يجدها، قبل أن يضحك باعتراف خفيف يشي بضعفه أمامها :

ـ والله ما لاقي فيا ميزة .. قولي انتي .


ـ إزاي بقا !! إنت في نظري أحسن راجل في الدنيا .. كفاية حبك ليا وخوفك وحنانك عليا ..


كان ينظر إليها وهي ترتب خصلاته بلمسات حانية، وكأنها تهدهده، فيشعر بأنفاسه تخف، وبصدره ينفتح.


وبين تلك اللمسات والكلمات، غمرته نظرتها… النظرة التي كانت تنظر إليه بها وكأنه بالفعل أحسن رجل في الدنيا؛ نظرة لم يرَ مثلها يومًا، ولم يتلقَّها من أحد سوى منها.


مال نحوها ونال من جبينها قبلة عميقة كان يحتاجها، ثم همس بصوتٍ أجش :

ـ أكيد يعني مفيش حد عاقل يبقا معاه إنسانة زيك وميحبهاش ويكرس حياته كلها علشانها ! ده يبقا مغفل وناقص عقل ..


وتنهد ثم قال :

ـ نسيم .. أنا محتاج أشكر ربنا كل يوم إنه رزقني بيكي.. انتي أجمل وأعظم رزق ربنا بعتهولي ..


مالت نحوه تطبع قبلة قوية وعميقة على وجنته، كمن يسكب دفء قلبه كله في لمسة واحدة، ثم أمسكت بيده بشغفٍ خفيف، وقد سالت دموعها دون إرادة منها، تنساب فوق وجنتيها في صمتٍ يفضح شدة ما تشعر به. كانت نظراتها إليه ممتلئة حبًا وامتنانًا، وكأنها تُمعن التأمل في ملامحه لتعقد في داخلها يقينًا جديدًا بأنه نعمة حياتها.


ـ وانت أحلى وأحن وأجمل زوج في الدنيا .. أنا اللي محتاجة أشكر ربنا كل يوم إنه رزقني بإنسان زيك .. انت اللي عرفت معاه طعم الحياة واتولدت على أيديه من جديد … أنا بحبك جدا يا عاصم .. فوق ما تتصور ، وأبعد مما تتخيل .


تعلّقت أنفاس عاصم بكلماتها، وانعكس تأثيرها على ملامحه وهو يعتدل ليحيط رأسها بين ذراعيه، يحتضنه بحنانٍ بالغ ويغمره بقبلات متتابعة، قبل أن يقول بنبرةٍ يختلط فيها اللوم بالملاطفة :

ـ طيب ممكن أعرف لزمته إيه العياط ؟


فأجابته بنبرة ناعمة :

ـ جاي على بالي أعيط مش أكتر.


هزّ رأسه بأسى خفيف وهو يقول:

ـ وليه النكد يا بابا ما احنا كنا كويسين.


لم تمهله، بل رمقته بنظرة غاضبة وهي ترد:

ـ على فكرة ده مش بمزاجي .. دي هرمونات بسبب الحمل ، لو سمحت طالما مش متفهم حالتي متتكلمش.




أسرع يحاول امتصاص غضبها، متلهّفًا لمراضاتها:

ـ أنا آسف والله .. متزعليش يا نسومه ..


ثم ضمها بقوة أكبر، وأسند رأسه إلى رأسها، يهمس بعد تنهيدةٍ طويلة:

ـ وأنا كمان بحبك يا نسيم ، أكتر مما تتخيلي .. انتي حياتي كلها .. أنا من غيرك مليش وجود صدقيني.


أغمضت عينيها تستشعر دفء قربه، لكن سرعان ما فتحتها فجأة، تنظر إليه بنبرة اتهام يكسوها القلق:

ـ عاصم .. هو أنا لما أوصل لآخر الحمل وشكلي يتغير وبطني تكبر وأبقا مفشكلة ممكن تزهق مني ؟!


هز رأسه بسرعة، مؤكدًا نفيه:

ـ مستحيل ..


ـ متأكد ؟


ـ أوعدك.


تنفست بارتياح خفيف، ثم عادت تسند رأسها إلى صدره، قبل أن ترفع عينيها من جديد وتسأله:

ـ هو انت ليه مجيبتش بابايا معاك بالليل ؟!


بدا عليه الارتباك، وقد باغته انتقالها من موضوعٍ لآخر بتلك السرعة التي لم تترك له فرصة لالتقاط أنفاسه أو ترتيب أفكاره.. وقال :

ـ أنا آسف .. راح عن بالي والله .


نظرت إليه بعتابٍ حادّ وقد انسابت دموعها من جديد وهي تهزّ رأسها بأسى حقيقي، قائلة بصوتٍ يختنق بالألم:

ـ راح عن بالك!! للدرجة دي يا عاصم! أنا مش قادرة أصدق بجد إني مش من أولوياتك… أنا والبيبي، لدرجة إنك تنسى حاجة زي دي.


ثم نهضت من جواره بخطواتٍ سريعة واتجهت نحو الخارج، فبادر يسألها بقلق:

ـ رايحة فين طيب؟


أشارت إليه بسبابتها في تحذيرٍ صارم، وقد استعاد صوتها صلابته:

ـ لو سمحت… اوعى تيجي ورايا. أنا محتاجة أقعد لوحدي شوية.


وغادرت الغرفة، تاركة خلفها هواءً مثقلاً بالانفعال. أما هو، فقبض على يديه يعضّهما في محاولة يائسة لكتم غضبه والتحلّي بقدرٍ من الصبر أمام هذا الجنون المبكر… الجنون الذي يدرك جيدًا أنه سيصيبه بمثله عاجلًا أم آجلًا.




༺═────────────────═༻


استيقظ فريد لتوّه، يشعر بالألم يتسلّل إلى عظامه بعد أن غلبه النعاس فوق تلك الأريكة منذ مغادرة نغم.

ابتسم بلا إرادة حين تذكّرها، وتذكّر أثر قبلتها التي أرهقته أكثر مما أراحته، وتركت في جسده شرارة لم تنطفئ، حتى رأى وجهها يتشكّل في حلمه ويقترب منه اقترابًا أشعل أنفاسه وأربك روحه… كأنه كان يعيش معها لحظة لم يستطع عقله أن يعترف بها، فتكفّل بها خياله بدلًا عنه .


أحسّ فجأة برائحتها قريبة منه على نحوٍ لم يستطع تجاهله، قبل أن يكتشف أنه نام وهو يحتضن شالها الذي نسيَته بالأمس عندما فرّت من أمامه كفأرٍ مذعور يطارده وحش.


أمسك بالشال وظل يتأمله بابتسامة هادئة، ثم قرّبه منه ببطء، واستنشق رائحته العالقة بأنفاسٍ متلهِّفة. أغمض عينيه في اللحظة التالية، مستسلِمًا للشعور الذي اجتاحه؛ كأن عبقها يحتضنه من جديد، يلتفّ حوله بطمأنينةٍ ودفءٍ افتقدهما طوال الليل.



ثم التقط هاتفه من على الطاولة وشرع بالاتصال بها، لكنه لاحظ تكدّس العديد من المكالمات الفائتة منها. ألقى نظرة تلقائية على الساعة، فإذا بها تشير إلى الثانية عشرة ظهرًا، فارتسم على وجهه تعجب واضح، متسائلاً كيف أمكن له أن يغفو حتى هذه الساعة.

أعاد الاتصال بها، فإذ بها تجيبه فورا :

ـ أخيرا .. أنا كنت جاية لك أصحيك بنفسي .


أجابها بابتسامةٍ هادئة :

ـ يا ريت .. يبقا كتر خيرك .


تنهدت بهدوء ثم قالت :

ـ كل ده نوم !!


أومأ وهو يمرر يده على وجهه بتعب، وقال :

ـ مش عارف في ايه .. تقريبا أول مرة أنام النوم ده من زمان .. تفتكري ليه ؟!


همهمت تفكر بدلال، ثم قالت :

ـ يمكن حلمت بيا مثلا ؟


رفع حاجبه متعجبا دقة تخمينها، وهمهم قائلا:

ـ ممم… أنا فعلا حلمت بيكي، بس في سبب تاني. الشال بتاعك اللي فيه ريحتك .


ـ أيوة صح .. أنا نسيته فعلا .


نهض متجهًا نحو غرفته وهو يقول بنبرة مازحة تحمل بين طياتها عتابًا خفيفًا :

ـ لازم تنسيه طبعا وانتي بتجري زي الجبانة محسساني إني هبلعك ..


وتمتم بعد لحظة وقد تسلل الأسف إلى صوته :

ـ مكانتش دي بوسة سطحية يعني .


هتفت متعجبةً :

ـ سطحية !!


فهتف مؤكدًا بنبرة جادة تختلط بدهاءٍ بيّن:

ـ ممم .. زي الجرح السطحي كده ..


زفرت بضيق وهتفت:

ـ فريــــد ..


أدرك مقصدها، واستوعب نبرتها الراغبة في الهروب من هذا الحديث المربِك، فتمتم من تحت أنفاسه بنبرة حانقة مشوبة بالاستسلام:

ـ فريد واللي جابوا فريد.. حاضر يا نغم هانم، سكتنا خلاص.


تسللت إلى أذنيه ضحكة خافتة رقيقة، رغم خفوتها لامست قلبه وأرخَت عليه دفئًا لطيفًا، فارتسمت بسمة على شفتيه قبل أن يقول وقد اتخذ صوته طابعًا أكثر جدية:

ـ أنا هجهّز بسرعة علشان خارج. رايح آخد عمر معايا للمحامي، وبعدها هروح أعمل الأشعة والتحاليل المطلوبة.


تنهدت بهدوء قبل أن تسأله بنبرة هادئة:

ـ وبعدين؟!


ـ وبعدين اعملي حسابي في الغدا .. هتغدا معاكم النهارده.


هتفت بحماسٍ لا تخطئه الأذن:

ـ بجد!


فأجابها ساخرًا برقة:

ـ يلا زي بعضه .. مرة من نفسك يا بنتي.


ضحكت وقالت:

ـ مش عارفة أشكرك إزاي والله على التضحية العظيمة دي.


فردّ بخفوتٍ يحمل في طيّاته معنى آخر:

ـ لما أشوفك هقولك تشكريني ازاي ..


أنهت الاتصال دون أن تمنحه ردًا، فارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة قبل أن يطلق ضحكة قصيرة ويهزّ رأسه يائسًا، فيما أخذت عيناه تشيان بوميضٍ خبيث يتوعّدها أنه سيذيقها أهوالًا لذيذة، وويلاتٍ عذبة لن تنجو منها مهما حاولت، عقابًا لها على كل ما عاناه بسببها، على كل مرّة تركته فيها واقفًا في منتصف الطريق، وعلى كل لحظة دلالٍ أغرقت قلبه فيها.



ثم ألقى الهاتف فوق الفراش ثم اتجه إلى الحمّام ليأخذ حمّامه ويتهيأ للخروج.


༺═────────────────═༻


كان عمر يجلس في غرفته، يحيط رأسه بكفّيه في إنهاكٍ واضح، يحدّق في هاتفه الذي، ولأوّل مرة منذ يومين، التزم الصمت ولم يرنّ.


لقد استيقظ اليوم دون أن يجد اتصالًا واحدًا من ميرال، ولا رسالة صغيرة كعادتها خلال اليومين الماضيين. عندها فقط أدرك أنها شعرت بجرحه لها، وأن كرامتها قد طالها ما لا تُسامح عليه بسهولة.


ضاقت أنفاسه، وشعر كأن طعنةً حادّة انغرست في قلبه، تمزّقه ببطءٍ موجع. مدّ يده نحو الهاتف في تردّد، استدعى اسمها على الشاشة، وظلّ يحدّق به طويلًا، كأنّه يحاول أن يعيد ترتيب فوضاه الداخلية قبل أن يعيد ترتيب كلماته لها؛ كيف سيعتذر؟ وكيف سيبرّر اختفاءه عنها فجأة؟


وبعد صراعٍ داخلي امتدّ لوقتٍ ليس بالقصير، ضغط زرّ الاتصال، بينما خفق قلبه بعنف كاد يفلت معه من صدره من شدّة الارتباك والخوف، وزاد ارتباكه أضعافًا حين جاءه صوتها.. هادئًا، رزينًا، خاليًا من أي انفعال، كأنها تمسّك جمرًا دون أن تُظهر حرارته:

ـ عمر!


تنفّس بصعوبةٍ وقال في اضطراب واضح:

ـ ميرال…


ـ حمدالله على السلامة.. تخيلت إنك خلاص مش هترد ولا تتصل تاني.


ابتلع غصته بصعوبة وهو يسمع نبرتها اللائمة، وتنهد قائلا:

ـ ميرال، أنا آسف.


ـ آسف؟! عمر، انت فين بقالك يومين؟! كلمتك فوق الخمسين مكالمة، وبعتلك فوق العشرين رسالة…


كانت تحاول أن تسيطر على ارتجاف صوتها، وكتمت دموعها بصعوبة، ثم تابعت:

ـ اسمع يا عمر.. مش أنا اللي تتعامل بالطريقة دي أبداً.


عقد حاجبيه وسأل بحدة خفيفة:

ـ مش فاهم قصدك؟!


ـ أقصد إنك لو متعود تتقل على البنات اللي كنت بتكلمهم وتتجاهلهم.. ومفكر إنك هتقدر تعاملني بنفس الأسلوب، فانت غلطان.


زفر بضيق، مرهقًا ومشمئزًا من نفسه، وقال:

ـ ميرال.. الموضوع مش كده أبدًا، وأنا عارف إنك مش الإنسانة اللي أتعامل معاها بالشكل ده.


صرخت بانفعال:

ـ أومّال في إيه طيب؟! ممكن أفهم كنت مختفي ليه اليومين اللي فاتوا؟! لا بترد ولا بتشوف رسايلي ولا بتكلمني.. أنا حتى كلمت نغم أسألها عليك! انت متخيل وصلتني لإيه؟!


ثم خفضت صوتها فجأة، كأن قوتها انسحبت منها دفعة واحدة، وقالت بنبرة مهزومة:

ـ عمر.. أنا مقدرش أبان قدام حد بالسخافة دي.. دي مش طريقتي ولا شخصيتي.


وهنا انفجرت نبرته بنفاد صبر، رغم محاولاته لكتم توتره:

ـ خلاص يا ميرال، عرفت.. عرفت إن دي مش شخصيتك ولا أسلوبك.. وقلتلك مكنتش متعمد. اللي حصل كله غصب عني.




ـ غصب عنك؟!


تنفس عميقًا، مسح وجهه بيده، ثم قال بصوت يخفي نصف حقيقة ويهرب من نصف آخر:

ـ ميرال.. أنا واقع في مشكلة كبيرة. ولو سمحتي، متسأليش عن التفاصيل. كل اللي أقدر أقوله إني محتاجك جنبي.. ومحتاجك تقوّيني وتصبري عليا لحد ما أحل المشكلة دي.


أقلقها كلامه وأثار فيها خوفًا لم تُجربه من قبل، فسألته:

ـ مشكلة إيه يا عمر؟! وليه مقولتليش من وقتها؟!


أغمض عينيه وقال بتعب:

ـ لو سمحتي متسأليش يا ميرال.. بس أوعدك أول ما تتحل هقولك على كل حاجة.


همست بتردد:

ـ مش فاهمة إزاي عايزني أقلق بالشكل ده ومسألش.. مش هقدر.


ـ ميرال، أرجوكي…


سكتت قليلًا قبل أن تقول بتعب:

ـ طيب.. طيب قولّي، المشكلة تخص حد من العيلة؟!


أجاب مراوغًا:

ـ يعني…


تنهدت بيأس وقالت:

ـ طيب.. بس أرجوك لازم نتكلم في أقرب وقت.


أومأ بتحفّظ:

ـ حاضر.. بس من هنا لحد ما نتكلم، اوعديني إنك هتفضلي جنبي.


صمتت طويلًا، ثم قالت بنبرة ضعيفة:

ـ ربنا معاك يا عمر.. والمشكلة تتحل قريب إن شاء الله.


ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، متوترة، وهو يدرك أنها لم تعطه الوعد الذي تمناه.


إنها ميرال.. ليست ممن يمكن خداعهم ولا التحايل عليهم.


أغلق الهاتف، ونهض من سريره.. وفجأة طرق الباب، فانفتح ببطء، ودخلت چيلان وهي تبتسم بعينيها الواسعتين قائلة:

ـ عمّوري.. بونچور يا حبيبي.


منحها ابتسامة صافية، ثم قال وهو يتقدم نحوها :

ـ صباح الخير يا چيچي ..


ـ أنا اتفقت مع مستر نجيب وشرحت له الحوار كله وهو عاوز يشوفك .. ها جاهز ؟!!


أومأ مؤكدا بعد أن زفر أنفاسه المضطربة، ونظر إليها وقال بتردد :

ـ متأكدة إن نجيب ده عنده حلول ولا هيسودها في وشي زي نادر .


مسحت على ذراعه بلطف وقالت بابتسامة :

ـ متقلقش يا حبيبي ، مستر نجيب زي ما بيقولوا كده محامي عقر، ده المستشار القانوني لشركاتنا من سنين ومفيش مشكلة عنده ملهاش مليون حل .


تنفّس عمر في محاولةً بائسة لتهدئة نفسه، ثم غادر الغرفة رفقة چيلان. وبينما كانا يستعدّان للنزول على الدرج، إذا بباب غرفة حسن يُفتح ببطء، وخرج منها بخطوات ثابتة وتلك الطلّة الواثقة التي تميّزه، يرمقهما بنظرة مشوبة بالشك والحذر، ثم قال وهو يتفحّص ملامحهما بترقّب:

ـ صباح الخير.


رد عمر بهدوء :

ـ صباح الخير .


غمز بعينه متسائلا :

ـ على فين العزم ؟! خير ؟!!


زفرت چيلان بتأفف ونفاذ صبر، ثم نظرت إلى عمر بملل وقالت :

ـ عموري أنا مستنياك تحت .. متتأخرش ها ..؟!


هز عمر رأسه بصمت، فرمقت حسن بنظرة متعالية قبل أن تغادر الطابق وتتركهما في مواجهة صامتة .


أشاح حسن بنظرها من على أثرها بعدما اختفت، وأحال عينيه ببطء إلى أخيه الذي يقف صامتا، واجما، فقال بنبرة تهكمية :

ـ على فين يا عموري ؟! هتتأخروا على إيه ؟!


نظر إليه عمر بهدوء واجم، ثم تنهد وقال بعد تردد  :

ـ رايح مع چيلان هقعد مع نجيب المحامي بتاع شركات ماما .. بتقول إنه عنده حلول كتيرة للموضوع بتاعي .


قطب حسن جبينه بتعجب ، وسأله باستهجام ورفض :

ـ حلول زي إيه ؟


رد عمر بانفعال:

ـ معرفش يا حسن .. هروح دلوقتي وأعرف .


سحب حسن نفسا عميقا ملأ به رئتيه، ثم زفره ببطء ،وقال محاولا التحلي بالصبر:

ـ هو احنا يبني مش كنا خلصنا الكلام في الموضوع ده وقلت لك فريد جاي دلوقتي علشان ياخدني أنا وانت نعمل توكيل لكريم !!


هنا غادرت نادية غرفتها بدورها، ومدت يدها تسحب الباب وهي تنظر إلى حسن بامتعاض وتقول :

ـ أنت حر في نفسك .. تعمل توكيل لكريم ولا للجن الازرق حتى براحتك ، إنما عمر عارف مصلحته فين كويس.. يلا يا عمر بلاش نضيع وقت .


نظر إليها حسن نظرةً جعلتها تتجمد في موضعها للحظة، نظرة حادة تحمل ما يكفي ليُسكت غرفة كاملة، قبل أن يقول بنبرة باردة تقطر استياءً مكبوتًا:ـ

ـ عمر مش هيجي معاكي في حتة .. عمر جاي معايا أنا وفريد مشوار مهم .


رفعت نادية حاجبها بتحدٍّ صامت، ثم قالت ببرودٍ لاذع:

ـ بعدين .. احنا مش فاضيين دلوقتي .. ابعد .


ولكن حسن لم يتحرك قيد أنملة، حيث ظل واقفا أمامها، يعترض طريقها كالجبل الراسخ وهو ينظر إلى عمر الذي يقف مهزوما بشكل مخزٍ، فطالعه باستنكار وهو يقول بانفعال :

ـ ما تنطق يا بني .. مالك واقف شبه الخيخة كده .


رفع عمر عينيه نحوه وهو يقول بغضب وانفعال مماثل :

ـ بقوللك إيه يا حسن ، خلي بالك من كلامك علشان مش ناقصاك خالص ..


ونظر إلى والدته وهتف بضيق حاد :

ـ لو سمحتي استنيني في العربية ..


ولكن نادية بدت وكأنها لم تسمعه أساسا حيث أنها ظلت ثابتة في مكانها، ترمق حسن بامتعاض، وهي تعرف في داخلها أنها لو تنحت خطوة واحدة بعيدا عن عمر فسيقفز حسن فورا إلى رأسه ويقنعه بما لا يتوافق ولا يتناسب مع مخططاتها أبدا .


اشتعلت شرارة الغضب في عيني حسن، وتقدّم خطوة كمن يوشك على الانفجار، يقطع المشهد قبل أن يشتعل أكثر وقال بصوت متعب:

ـ مش هتمشي يا عمر ، أخوك زمانه جاي وأنا أكدت عليه بالليل إننا رايحين معاه ..


وتبادل مع نادية نظرات عاصفة، وهو يهتف بحنق مكتوم :

ـ أنا مش عارف إيه اللي شقلب حالك في يوم وليله كده ؟! هو انت للدرجة دي كلمة توديك وكلمة تجيبك ؟!!



زفر عمر بضيق ونفاذ صبر وقال وهو يتحرك نحو الدرج، متجاهلا أخيه :

ـ لما فريد ييجي اعتذر له بالنيابة عني وقولله إني هتكلم معاه بعدين ..


هم حسن باللحاق به بإصرار ولكن فجأة توقفوا ثلاثتهم عند أعلى الدرج بعدما رأوا سالم وهو يستقر بمقعده عند باب غرفة المكتب ، ينظر إليهم بترقب وهدوء وهو يقول :

ـ على فين ؟!


لم يجب أحدا، فنظر سالم إلى نادية وقال :

ـ ساحبة حيلتها ورايحة فين يا نادية هانم ؟!


أشاح عمر برأسه وأخذ يمرر يده بارتباك فوق عنقه ويتمتم بكلمات ساخطة متذمرة وهو يهبط الدرج قاصدا الخروج بلا اكتراث، ولكن والده استوقفه حين هتف بصرامة :

ـ اقف مكانك يالا .


تسمّر عمر في مكانه مُحترقًا بالغيظ، ثم استدار نحو سالم ببطء، وقال بنبرة جامدة خالية من أي انفعال:

ـ اسمي عمر .. أنا مش عيل صغير عشان تقولي يالا .


هزّ سالم رأسه في سخرية واضحة، وكأنه يقول: «حقًا؟!» ثم أومأ ببطء تام وبهدوء قاتل، وقال:

ـ ولما انت مش عيل صغير بتتهرب من عملتك السودا ليه وعمال تستخبى زي الفار عشان تلاقي مهرب ؟!


ثم حوّل نظره إلى نادية التي كانت تقف في الأعلى، وقال بنبرة حادة تنبض بالاتهام:

ـ وانتي يا نادية هانم ؟ خير ؟! من يوم ما بنتك انتحرت مخرجتيش من جُحرك ! اشمعنا دلوقتي لابسة ومتأمعة وواخدة ابنك معاكي ؟! بتخططي انتي وبنتك لإيه بالظبط يا نادية ؟!


هبطت نادية الدرج بخطوات سريعة، ودمها يغلي غيظًا، وهتفت في وجهه بحدة جارحة:

ـ ناوية احمي ابني من شركم يا سالم ، ناوية أخرجه من الورطة اللي انتوا عاوزين توقعوه فيها بالعافية ؟!


في تلك اللحظة كانت چيلان على وشك المغادرة، لكنها توقفت عند الباب وقد جذبها صخب الحديث، فعادت إلى الداخل ووقفت تراقب المشهد. تبادلت النظرات مع حسن الذي قابلها بنظرة متحدّية، قبل أن تسترعي كلمات سالم انتباهها حين صاح:

ـ ورطة إيه ؟! هو احنا اللي كنا قولنا له يدور يتسرمح مع النسوان ؟!


عندها رفع عمر يده إلى جبينه وضربه بضيق وانفعال، يكاد يفقد السيطرة على أعصابه، وصاح بصوت مخنوق بالغضب:

ـ خلاص بقا كفاية .. مش لازم كل شوية تفكرني كفاية بقاااا حرام عليك .


لكن سالم تقدّم نحوه خطوات بالمقعد، وهتف بحدة لاذعة:

ـ حرام عليا أنا ؟! هو أنا اللي زنيت ولا إنت ؟! أنا اللي معنديش شرف ولا أخلاق ولا إنت ؟! ده انت عملت اللي أخوك الكبير معملوش .. لكن هنقول إيه بقا ..


ثم التفت إلى نادية ببطء محسوب، ونظر إليها نظرة مميتة، وقال بنبرة تقطر حقدًا لا يخفيه شيء:

ـ ما انت تربية نادية الصواف .


تغيّرت ملامح نادية في لحظة، وكأن أحدهم صفع روحها وكبريائها.. انزلق ريقها بلا إرادة، وامتلأت عيناها بدموعٍ أبيّة ترفض السقوط، وهتفت بذهولٍ مجروح:

ـ انت زودتها أوووووي يا سالم !!




اكتفى سالم بالرد بنظرة باردة، خاوية، خالية من أي مشاعر، لكنها حملت ألف رسالة خفية.

ظلا يحدّقان في بعضهما بصمت ثقيل، قبل أن تتنحّى نادية جانبًا وتقول ببغض:

ـ اوعى تفتكر إن كل ده هيعدي من غير حساب يا سالم !


ثم أشهرت سبابتها في وجهه مهددة:

ـ الأيام بينا وهتشوف !


وغادرت الڤيلا كمن يهرب من مكان يوشك على الانفجار. وقفت بالخارج للحظات تحاول السيطرة على أنفاسها المتلاحقة، بينما لحق بها عمر سريعًا، ووقف جوارها يسألها بقلق ظاهر:

ـ ماما انتي كويسة ؟!


اكتفت بالنظر إليه وإيماءة قصيرة، ثم قالت بصوت مضطرب لم ينجُ من ارتجافه:

ـ يلا بينا اتأخرنا .


تحرّك معها نحو سيارة چيلان، لكنه توقف فجأة حين رأى سيارة فريد تدخل من بوابة الڤيلا. ابتلع ريقه بصعوبة، وبدأت قبضته تنغلق وتُفتح بتوترٍ لا إرادي، بينما يشعر بكل ذرة في جسده تستعد للاشتعال.

كان يعرف… أن فريد لن يمرر الأمر مرور الكرام، وأن المواجهة باتت أقرب مما يحتمل.


صفَّ فريدُ السيارة وترجّل منها، متقدّمًا نحوهم بخطواتٍ واثقة تحمل هيبةً وثباتًا لا يتزعزعان، ثم وقف أمامهم يتفحّص وجوههم واحدًا تلو الآخر، إلى أن وقعت عيناه على عمر فقال:

ـ صباح الخير.


فكان عمر وحده من بادره بإجابة هادئة:

ـ صباح الخير يا فريد.. أخبارك ايه؟!


أومأ فريد بهدوء وقال:

ـ الحمد لله.. لو جاهز خلينا نمشي يلا.


تجمّدت نظرات عمر المرتبك، وقد أحاطت به والدته من جانب وأخته من الجانب الآخر، وفريد من الأمام، فشعر وكأنه محاصر وتائه، وما زاد اضطرابه هو ظهور حسن الذي انضم إلى صفّ فريد ووقف إلى جواره يتأمله بترقّب يخبره بأن الطريق قد أُغلق من كل الجهات.


نظر فريد إلى حسن نظرة متسائلة عن سبب هدوئه الغريب وقال:

ـ يلا يا حسن؟!!


أجابه حسن بنبرة متزنة:

ـ أنا معاك، لكن …..


ضيّق فريد عينيه منتظرًا التفسير، فإذا بحسن يومئ بعينيه نحو نادية وچيلان ثم نحو عمر، نظرات سريعة لكنها كافية ليقرأ فريد كل ما أراد حسن قوله دون لفظٍ واحد، وكأن بينهما لغة خفية لا يراها سواهما.


التفت فريد إلى عمر وقال بصرامة واضحة:

ـ مستني إيه يا عمر؟! يلا.


تردّد عمر، ثم نظر بطرف عينه إلى والدته التي كانت تشير إليه بتحذير واضح بأن لا يخضع لهما، ثم نظر إلى فريد الذي اشتدت نظراته حزمًا وصرامة، حتى انعكس ذلك على نبرته التي علت فجأة:

ـ يلا يا عمر.


فجأة، صاح عمر بشقّ الأنفس:

ـ أنا مش هقابل كريم ولا هعمل له توكيل!


شهقت نادية وتنفسَت الصعداء كمن ربح رهانًا كان يظنه خاسرًا، بينما ارتسمت على وجه چيلان ابتسامة خبيثة لم تحاول إخفاءها. أمّا فريد، فالتفت إليها بنظرة تخبرها أنه فهم دورها في الأمر، ثم عاد ببصره إلى عمر وسأله بحدة:

ـ والسبب؟!



مسح عمر جبينه المرتبك، وكأنه يبحث عن الكلمات في الهواء، ثم رفع رأسه وقال بنبرة هادئة:

ـ السبب إني مش واخد قرار لسه، أنا محتاج اسمع من أكتر من حد وأشوف رأيه إيه، جايز عندهم حلول تخرجني من الموضوع ده من غير ما أضطر أعترف بالولد.


أغمض فريد عينيه لحظة قصيرة، ثم حكّ ذقنه محاولًا استدعاء ما بقي من صبره وقال:

ـ إحنا قولنا إيه امبارح يا عمر؟! الله يهديك يا عمر.. الله يهديك ويرضى عنك، هو إحنا مش كنا خلاص اتفقنا؟


قاطعت چيلان بغضب:

ـ اتفقتوا على إيه يا فريد؟!


فرفع فريد سبابته في وجهها ناظرًا إليها بحدة وقال محذرًا:

ـ چيلان… لو سمحتي متدخليش انتي!


اقتربت منه بعينين تقدحان تحدّيًا وهي تقول:

ـ مستحيل.. عمر أخويا زي ما هو أخوكم بالظبط، وأنا مش هسمح لكم تخربوا حياته وتمشوها على مزاجكم وحسب رغباتكم أبدًا.


صرخ فيها فريد بغضب هادر أفزعها:

ـ چيلاااان!!!! لتاني مرة بقولك متدخليش!!


وبنظرته الحادّة التي ثبتها في عينيها، صبّ فوقها غضبًا وبغضًا متشابهَين وهو يقول:

ـ في الوقت اللي كان كل واحد فيكم عايش حياته بالطول والعرض، سواء انتي أو چوليا الله يرحمها.. محدش كان بيقوم بدوره كأخ لعمر غيري. عشان كده بقولك خليكي بعيد وما تتدخليش.


اهتزّ نفسُ چيلان، ونقلت بصرها بين عمر الواقِف مسلوب الإرادة، وفريد الذي أطلق الوحش الكامن بداخله. ثم أومأت باستسلام وتراجعت خطوة للخلف، بينما بقي فريد يحاول التماسك فوق ألمه الذي لم يخمد وهو يقول:

ـ لآخر مرة… وبعدها متلومش غير نفسك. يلا يا عمر.


وقف عمر يضم قبضتيه إلى جانبه بتوتر صريح، ثم ابتلع ريقه وهو يستمع إلى همس والدته المسموم ' إياك يا عمر ' ثم نظر إلى أخيه بجسارة واهية وهو يهز رأسه آسفًا ويقول :

ـ مش هاجي معاك يا فريد .. أنا هروح أقابل نجيب الصواف ، محامي شركاتنا .. وهعرض عليه الموقف وهشوف هيقول إيه .


هنا برز صوت سالم الذي خرج يجر كرسيه، وهتف بحدة :

ـ كالعادة هتجري وتتحامى في أمك .. بترفض مساعدة اخواتك وشبطان في ماما عشان تلاقيلك حل .. كان القرد نفع نفسه .


اتّسعت عينا نادية بذهولٍ أخرس لسانها، وانفرج فاها بغير تصديق، قبل أن تسترق نظرة خاطفة نحو حسن الذي كان يحاول كتم ضحكاته، لكنه فشل انفجارًا… ضحكته المتهكمة جذبت الأنظار نحوه، ولا سيما عمر الذي رمقه بعتابٍ مؤلم، فتمتم حسن وهو يبتعد بانضباطٍ مفتعل:

ـ أنا آسف يا عمر والله ..


أمّا فريد فلم تتغيّر ملامحه قيد أنملة؛ ظلّ يحدّق في عمر بثباتٍ وصبرٍ ثقيل، قبل أن يتقدّم نحوه خطوة أو اثنتين، ثم يميل بجسده قليلًا وهمس بنبرة لا تقبل نقاشًا:

ـ عمر .. خلصنا من المهزلة دي لو سمحت !



لكنّ عمر لم يعد يحتمل، انفجرت أنفاسه المكبوتة واشتعلت عيناه وهو يهتف محتدًّا :

ـ المهزلة اللي بجد هي اللي انتوا عاوزين تعملوه فيا .. عاوزيني أعترف بابن حرام غصب عني ؟! مع إني مش ملزم أعترف بيه أنا مضربتهاش على ايديها عشان تعمل كده ولا اغتصبتها .. هي اللي كانت بتغويني أصلا من أول ما رحت الاوتيل وعماله تحوم حواليا لحد ما وقعتني .. وبعدين أنا مكنتش اعرف إنها هتحمل ولا جه في بالي أبدا إن ده هيحصل !! ليه مصممين تخلوني أربط عيل زي ده بإسمي طول عمري وأخرب حياتي وأخسر الإنسانة اللي بحبها ؟! ليه عاوزين تدمروني ؟!!


بادله فريد صارخًا بانفعال كاد يودي بحياته:

ـ ده ابنك يا حيوان ! مفكرتش في الطفل اللي هيعيش من غير أب واحتمال من غير أم لأن واحدة زي دي أخرتها يا الموت يا السجن لو رجعت للحال اللي كانت فيه .. مفكرتش إزاي يبقا في حته منك عايشه بعيد عنك وانت مش عارف هو فين ولا بيعمل ايه ولا عايش ولا ميت .. هو انت للدرجة دي مغفل وأعمى البصر والبصيرة ؟! للدرجة دي غبي ومفيش حاجة من اللي حوالينا دي كلها أثرت فيك ؟! عايز ابنك يتربى في ملجأ زي نسيم ؟! ولا عايزه يعيش منبوذ ومجهول الهوية زي زينب ؟! ولا عايزه يكبر في الشارع ويبقا بلطجي ورد سجون زي حسن .. انت ايه ؟! انت إيــــه ؟!!!!


هتف عمر خارجًا عن طوره :

ـ يا رب يموت يا أخي ! يارب يموت وأرتاح منه ... أقوللك على حاجة ؟! يا رب أنا ذات نفسي أموت وأرتاح من القرف ده .


ارتجّ فريد، تقدّم من أخيه بخطوة قاسية حتى باتت أنفاسهما تتصادم، وردّ عليه بصوتٍ محموم:

ـ حتى لو مت هيتكتب بإسمك يا عمر .. أقسم بالله العظيم لو اضطريت إني أفتح قبرك بعد ما تموت وأثبت إن الولد ده ابنك لاعمل كده .. وهيتكتب بإسمك يا عمر يا مرسال .


اضطربت قسمات وجه عمر وأخذ يضرب جانب رأسه بقبضته بقوة وهو يهتف بجنون :

ـ ليه ؟! ليه كل الاصرار ده أنا مش فاهم ؟! خلاص طالما متمسك بيه كده خده ربيه انت !


ـ أنا مش أبوه عشان أربيه .. إنت أبوه ، وانت اللي هتشيل مسؤوليته وهتربيه .. ويا أنا يا انت .


قبض عمر على خصلاته بغضبٍ شديد، وتحرك في مكانه محاولًا ضبط أعصابه، ثم رمقهم بنظرة يحاول أن يستعيد سيطرته على نفسه وهو يتسائل بضياع :

ـ إنتوا بتعملوا معايا كده ليه ؟! انتوا مالكم أصلا بحياتي؟ ما كل واحد فيكم عايش حياته بالطول والعرض وبيعمل اللي على هواه .. اشمعنا أنا عايزين تتحكموا فيا بالشكل ده وكأني لسه عيل صغير ؟! انتوا حد منكم قبل كده خد رأيي في حاجه ؟! حد عمللي اعتبار ؟!


نظر إلى حسن وقال :

ـ انت طول عمرك بتعمل اللي انت عايزه وبالشكل اللي يناسبك ؛ يبقا ليه تضغط عليا وتحاول تاخدني لطريق مش عايز أمشي فيه .. ولا انت عاوزني أعترف بالولد ده عشان يبقا وصمة عار في حياتي كلها وميبقاش حد أحسن من حد ؟!


ونظر إلى فريد وقال بجنون :

ـ وانت ؟! انت طول عمرك صوتك من دماغك، بتعمل اللي انت شايفه صح وبس ؟! بتروح وتيجي وتسافر وتشتغل من غير ما تاخد رأي حد، كنت خدت رأيي في شغل ولا في أي قرار يخص حياتك ؟!



ثم صمت لحظة ونظر إليه بقوة وهتف ضاغطا كلماته :

ـ خدت رأي حد فينا ولا فرق معاك كلام كبير ولا صغير لما جيت تتجوز واحدة حرامية ؟!!


ألقاها وانتهى !


هل ندم ؟! نعم . لقد ندم كثيرا ، ولكن .. انتهى !


بصقها في وجه أخيه بأبشع طريقة ممكنة.


لحظة ميتة…

هوى بها كحد السيف.

انغرزت فيه… ولم ينجُ منها.


تشنّجت ملامح فريد، كأن الزمن توقف حوله، عيناه تتفحّصان وجه عمر بحثًا عن أي علامة تخبره بأنه لم يسمع ما سمع… لكن ملامح الجميع أكدت الحقيقة، الحقيقة التي صعقته.


عمر…

شقيقه..

صغيره…

يطعنه هكذا؟

أمام العالم؟

ويصف نغم — باللصة؟!


شعر فريد بوخزٍ حارق يخترق صدره، حاول أن يكبح نفسه… لكن الألم كان أكبر منه، والغضب كان أعمى.


ارتفعت يده… وهوى بها على وجه عمر بكل ما تبقى فيه من قوّةٍ وقهر.


صفعةٌ اخترقت الهواء…

ارتدّ لها قلب الجميع قبل جسد عمر.

صفعة لا يظنه سينساها أبدا، ولن يستطع تجاوزها كذلك..


صفعة جعلته يتراجع للخلف مترنّحًا، وكادت قدماه تخذلانه لولا ذراع أمّه التي أسندته.


مدّ فريد يده لا إراديًا إلى صدره، يضغط على قلبه الذي شعر أنه سينفلت من مكانه، ثم رفع سبابته ليقول شيئًا… أي شيء… لكنه لم يجد الكلمات.


ظلّ صامتًا يحدّق بعمر، نظرة طويلة… مؤلمة… مُنهزمة.

ثم قال أخيرًا بصوتٍ واهن لكنه حاسم:

ـ انت كده جبت آخرها يا عمر … خلصت خلاص.


وتراجع خطوة… ثم أخرى…

واستدار بعدها دون أن يلتفت.

توجّه نحو سيارته بخطواتٍ تُشبه رجلًا حُمِـل عمرًا كاملًا فوق كتفيه.


نظر حسن إلى عمر نظرةً امتلأت بالقرف والاشمئزاز، قبل أن يرمقه ببصقة حادة ارتطمت بالأرض أمامه، وكأنها إعلان قاطع برفض وجوده كله.


ارتسمت على وجه عمر دهشة مصحوبة بالقهر، لكن حسن لم يعطه فرصة لالتقاط أنفاسه؛ استدار سريعًا ولحق بفريد الذي كان قد أدار المحرك بعصبية واضحة، محاولًا كبح ارتجافة غضبه.


فتح حسن باب السيارة واندفع إلى داخلها كمن يهرب من حريق، وما إن أغلق الباب حتى ضغط فريد على دواسة البنزين بقوة، فانطلقت السيارة كطلقة هاربة من قيد. كان وجه فريد محتقنًا، أنفاسه متلاحقة، ورؤيته تكاد تتشوش من شدة الغضب والخذلان.


أما عمر، فظل واقفًا في مكانه، كأن الأرض سُحبت من تحته. شعر بأن الهواء صار أثقل من أن يُتنفَّس، وبأن الوجوه من حوله تتحول إلى ظلال متحركة بلا معنى. خبط بيده على فخذه بعنف يكتم به غيظه، فيما كانت أذناه تلتقطان صوت والدته وهي تهتف بغضب :

ـ وقحين .. حُقرا .. همج !


ـ نادية !!!


هتف بها سالم بغضب أهوج، وتابع :

ـ الزمي حدك واعرفي انتي بتتكلمي عن مين ! اللي انتي بتغلطي فيهم دول ولاد سالم مرسال ، والله .. أمحيكي من على وش الدنيا لو اتكررت !


زفرت بثقل، وارتسمت على ملامحها ابتسامة ساخرة يملؤها الاستهزاء وهي تقول :

ـ هتمحيني ها .. هنشوف يا سالم ، هنشوف مين فينا اللي هيمحي التاني ويشطب اسمه بأستيكة .


ونظرت إلى عمر وقالت :

ـ يلا يا عمر .


ولكن عمر نظر إليها وإذا به ينفجر غاضبا :

ـ يلا إيه ؟! كفايه بقا سيبوني في حالي !


وتركهم عمر وتوجه نحو سيارته، استقلها وانطلق بها، بينما صعدت نادية إلى غرفتها مرة أخرى، وغادرت چيلان إلى عملها. أما سالم، فجلس في مكانه، يمسك بذراعي المقعد بأنامل مرتجفة، مسترجعًا كلمات ابنه عن زينب؛ تلك العبارات التي خرجت من فمه بلا وعي. وأخذ يفكر.. هل يعقل أن يكون حسن قد أفشى السر؟ أم أنها هي من أسرعت إليه لتخبره، لتكسب تعاطفه وتحتفظ بسلاح ضده في المستقبل؟


شبك أصابعه معا، ثم أسندهما تحت ذقنه وأخذ يفكر .. ومن ثم عاد إلى غرفته وقام بالاتصال بنادر يستدعيه .


༺═────────────────═༻


كان فريد يقود السيارة محاولًا تجاهل الألم الذي بدأ ينهش صدره بلا رحمة. وضع يده اليمنى على موضع الوجع وضغط بقوة، بينما أمسك المقود بيسراه.

لكن الألم لم يهدأ… بل ازداد. وأخذ أنينه يخرج متقطعًا، وكأن نفسه يُسحب من صدره.


التفت إليه حسن بقلق مفاجئ، وقد اتسعت عيناه وهو يهتف قلقا:

ـ مالك يا فريد ؟!


حاول فريد أن يتكلم، لكن صوته انكسر في حلقه، شعر أن الطريق أمامه يتمايل. تشوّشت رؤيته، وثقلت رأسه، فصرخ متألمًا بصوت مكتوم :

ـ مش قادر…


هنا، أدرك حسن أن الأمر أخطر مما ظن. انحنى قليلا نحوه محاولًا الإمساك بالمقود معه وهو يقول:

ـ مالك يا فريد ؟! حاسس بإيه ؟!


أوقف فريد السيارة بالكاد، وأشار لحسن بيده المرتجفة أن يستبدل مكانه.

نزل حسن بسرعة، وانتقل فريد للمقعد الخلفي وهو يتنفس بصعوبة، بينما تولى حسن القيادة وقد ارتعشت يداه من فرط الخوف .


قال فريد بصوت خفيض، متقطع :

ـ روح على المستشفى بسرعة.


لم يتردد حسن لحظة. ضغط على البنزين بكل قوته، والقلق ينهش صدره. كان يقود بجنون، عيناه تتنقلان بين الطريق وأخيه الذي بدأ العرق يتصبب من وجهه الشاحب، وأنفاسه تتقطع، وآلام الصدر تمتد لذراعه وفكه.


هتف حسن حينها بخوف شديد :

ـ فريــــــــد !! انت سامعني ؟!


فتح فريد عينيه بصعوبة، يومئ دون قدرة على الكلام، ثم هتف بصوتٍ خفيض :

ـ بسرعة يا حسن ..


وصل حسن أخيرًا إلى بوابة المستشفى، وقفز خارج السيارة كالمجنون وهو يصرخ طالبًا النجدة.

اندفع طاقم الإسعاف نحوه، وسحبوا فريد الذي كان شبه فاقد للوعي، ووضعوه على النقالة ثم أسرعوا به نحو غرفة الطوارئ.


بقي خارج الغرفة كمن تجرد من روحه.

كان يتحرك ذهابًا وإيابًا، يضغط على رأسه تارة، وعلى فمه تارة أخرى، وهو يشعر وكأن كل ثانية تمر عليه كانت تعذيبًا خالصًا.


انفتح الباب أخيرًا، وخرجت الممرضة مسرعة. انقض عليها حسن يسألها متلهفًا :

ـ طمنيني… هو كويس ؟!


قالت دون تردد:

ـ للأسف الحالة حرجة. عنده انسداد حاد في الشريان التاجي ومحتاج يدخل عمليات فورًا… حضرتك قريب ليه ؟


لم يسمع حسن نصف الجملة.

تجمد مكانه، كأن نور العالم كله انطفأ حوله.


بينما عاودت الممرضة بنبرة مستعجلة: ـ

يا أستاذ… حضرتك تقرب له ؟


ابتلع ريقه بصعوبة، وقال بصوت شبه مخنوق: ـ أيوة… أنا أخوه.


ـ طيب تعالى معايا فورا لازم تمضي على أوراق مهمة محتاجة موافقتك.


مشى خلفها بخطوات لا يفهمها، قادته نحو مكتب الطواريء. ووقّع كل الأوراق المطلوبة بسرعة.


وما إن عاد معها، حتى فوجئ بطاقم التمريض يدفعون سرير فريد مسرعين نحو غرفة العمليات.

كان وجه فريد ساكنًا، بلا حركة… بلا وعي.


سقط قلب حسن وبُعثر... شعر أن رجليه لن تحملاه، فجلس على أول كرسي وجده، وأسند رأسه بين كفيه، وانفجر في بكاء مرير… بكاء رجل فقد اتزانه، فقد قوته، وفقد كل شيء إلا الخوف.


بعد قليل .. اقتربت منه ممرضة أخرى، وهي تحمل كيسًا، مدته إليه وهي تقول :

ـ اتفضل… دي متعلقات المريض. ولو سمحت امضي هنا.


وقّع بلا تركيز.

أخذ الكيس وفتحه وأخذ ينظر إليه: ملابس فريد، ساعته، محفظته، وهاتفه… ثم ذلك المحبس الفضي الخاص بخطبته .


أمسك المحبس طويلًا وأخذ يتأمله للحظات، ثم قبض عليه بين أصابعه، ومن ثم وضعه في جيبه مع هاتف وساعة وجزدان فريد، ثم أسند رأسه للخلف وهو يهمس والدموع تثقل جفناه :

ـ يا رب… ملناش غيرك.


༺═────────────────═༻


توقف عاصم بسيارته أمام المركز الطبي الخاص بطبيبة نساء شهيرة، كان قد بحث عنها طويلًا، وقرأ عشرات التقييمات حتى اطمأنّ إلى مهارتها وكفاءتها. أطفأ المحرك وترجّل، ثم مال ليفتح باب السيارة لنسيم، فطالعته بابتسامة مرحة وهي تقول بدلال:


ـ إيه الرضا ده كله يا عاصم؟!


ضحك وهو يقرص وجنتها برفق قائلًا:

ـ راضي عنك دنيا وآخرة يا ستّي…


ضحكت وهي تمسك يده وتتقدم معه نحو الباب الزجاجي للمركز. وما إن دخلا حتى استقبلتهما السكرتيرة بابتسامة، سألت عن الموعد ثم قادتهما عبر ممر هادئ إلى مكتب الطبيبة.



كانت الطبيبة في منتصف الأربعينيات، هادئة الملامح، متمكنة، نهضت بمجرد دخولهما ورحبت بهما .


جلست نسيم إلى جوار عاصم، وتبادلا مع الطبيبة بعض الأسئلة العامة المتعلقة بالتاريخ الصحي والموعد الأخير للفحص، ثم نهضت الطبيبة قائلة:

ـ طيب يا نسيم… تعالي نطمن عليكي .. ونطمن باباه كمان، واضح إنه متحمس جدا .


هتف عاصم بحماس لا يخفيه وقال :

ـ جدا ..


وقفت الممرضة إلى جوار نسيم تساعدها حتى تصعد إلى سرير الفحص، ثم غطّتها بالشرشف الأبيض وطلبت منها الاسترخاء. نهضت الطبيبة بدورها، ارتدت القفازات، واقتربت من السرير بينما وقف عاصم خلفها بخطوات قليلة، واضعًا يديه في جيبيه، وعيناه تتعقبان كل حركة باهتمام وتوتر .


بدأت الطبيبة بفحصها، فقالت نسيم بابتسامة ممزوجة بالفضول:

ـ نقدر نسمع دقّات قلبه دلوقتي؟


ابتسمت الطبيبة دون أن ترفع عينيها، كأنها تراجع شيئًا على الشاشة الصغيرة بجوارها، ثم قالت بهدوء:

ـ طبعا ممكن.. بس استني لحظة علشان أتأكد من حاجة."


رفعت الطبيبة حاجبها قليلًا، ثم غيّرت موضع الجهاز، وأعادت وضع الجل على بطن نسيم، وأخذت تحرّك المسبار ببطء وعمق، بعناية محترفة.


بينما نسيم تابعت ملامح وجه الطبيبة بتعجب حين لاحظت تركيزها الشديد.. وتبادلت نظرة متعجبة مع عاصم الذي سأل بصوت خافت متوتر:

ـ في حاجة يا دكتورة؟ في أي مشكلة ؟!


ـ لأ متقلقش.. كل حاجة تمام ..


تنهد بارتياح قليلا، ثم نظر إلى نسيم مبتسمًا، يحاول تهدئتها، ثم قال :

ـ طيب هو الصوت مش واضح ولا ايه ؟! لو مش واضح مش مشكلة .. إحنا صح مستعجلين بس عادي نصبر يعني أهم حاجة الباشا يكون كويس وصحته كويسه.


رفعت الطبيبة رأسها هذه المرة، وابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت هادئ لكنه مُحمَّل بشيء من المفاجأة الجميلة:

ـ الصوت واضح… بس مش صوت واحد.


نظرت إليها نسيم باستفهام، وقالت :

ـ يعني إيه؟!


نظرت إليهما الطبيبة وهتفت بابتسامة ودودة :

ـ صوتين.. يعني قلبين… يعني طفلين .


اتسعت عينا عاصم وهو يتقدم خطوة للأمام كأنه لم يسمع جيدًا:

ـ اتنين؟! توأم؟!


ضحكت الطبيبة وأومأت بثبات:

ـ بالظبط ..


حرّكت الجهاز قليلًا، وفجأة انبعث من السماعات صوتان صغيران، سريعين، متلاحقين… كأنهما دقات طبلة خفيفة داخل غرفة مغلقة .


ارتجفت نسيم وهي تضع يدها على فمها، والدموع تتجمع دون إرادة.. وقالت :

ـ مش ممكن ..


نظر عاصم إليها، لم يعرف كيف يحتوي المشاعر التي انفجرت في صدره. مد يده سريعًا وأمسك يدها وهو يضحك ويبكي معًا:

ـ يا بنت اللذينة يا نسيم … توأم؟!



انفجرت ضحكاتها مختلطة بدموعها كذلك، وهي تقول للطبيبة في شك :

ـ انتي متأكدة يا دكتور ؟! لو سمحتي تأكدي تاني.


ضحكت الطبيبة وهي تنظر إليهما وتشير نحو الجهاز أمامها وتقول :

ـ أيوة متأكدة طبعا .. بصوا هنا.. ده كيس، وده كيس تاني .


نظرت إليها نسيم بغير تصديق وهي تقول :

ـ بس أنا عملت سونار في أول الحمل والدكتور قاللي انه كيس واحد !! لو سمحتي اتأكدي مرة كمان .


أومأت الطبيبة متفهمة وقالت بابتسامة عطوفة:

ـ عادي جدا .. بتحصل، في بعض الحالات بيكون صعب إننا نكتشف وجود توأم في الأسابيع الأولى بسبب صغر حجم الأجنة أو وضعية الأكياس ، لكن مع تقدم شهور الحمل بيكون أوضح .


اقترب عاصم من نسيم وانحنى نحوها مقبلًا جبينها بقوة، ثم أمسك بيدها وهو يقول :

ـ نسيم .. أنا مش عارف أشكرك إزاي بجد ..


بينما هي طالعته وهتفت بهمس وهي تغزو عيناه بخاصتها  :

ـ أنا اللي المفروض أشكرك يا عاصم ..


اتسعت ابتسامته مدركًا صحة حديثها، فإذ به ينفخ صدره زهوًا وهو يوميء مؤكدا ويقول وهو يقترب منها ويقبل وجنتها بقوة :

ـ معاكي حق.. و بمناسبة المفاجأة الحلوة دي.. ليكي عندي صندوقين بابايا .. من النهارده الدلع هيبقا مضروب في اتنين .


اتسعت ضحكة الطبيبة التي نهضت وعادت إلى مكتبها وهي تعقب على كلامه قائلة :

ـ مش الدلع بس .. في الواقع كل حاجه هتبقا ضرب اتنين ، وأول حاجة هو احتياجك للراحة والغذا السليم والهدوء النفسي.. خلي بالك من نفسك كويس جدا لأن صحة التوأم بالذات محتاجة متابعة مستمرة واهتمام ورعاية ..


ونظرت إلى عاصم الذي يمسك بيد نسيم مبتسما ، ثم قال :

ـ متقلقيش .. في عنيا أكيد .


أومأت الطبيبة ثم قالت :

ـ هكتبلك على فيتامينات ومقويات تمشي عليها بانتظام، وزي ما قولتلك أهم حاجة الراحة النفسية والبدنية .. وهشوفك كمان أسبوعين إن شاء الله.


نظر إليها عاصم وهتف قائلا بمرح ممزوج بالسعادة :

ـ لعل وعسى وقتها نكتشف حاجة تالتة ..


ضحكت الطبيبة بهدوء ، وقالت :

ـ مفيش حاجه مستحيلة . 


ونظرت إلى نسيم التي نهضت ومدت يدها تصافحها بحرارة وتقول:

ـ خلي بالك من نفسك كويس ، الشهور الأولى مهمة جدا اوعي تستهتري بالتعليمات اللي اتفقنا عليها .. اتفقنا ؟


أومأت نسيم موافقة وشكرتها، ثم غادرا المركز، وما إن غادرا حتى نظر إليها عاصم وقال :

ـ نسيم .. أنا مش قادر أصدق !


وعانقها فورا بقوة، فبادلته العناق بعناقٍ أشد وهتفت :

ـ وأنا مش قادرة أصدق يا عاصم.. أخيرا ربنا حققلي أمنيتي واستجاب دعواتي ..


ونظرت إليه وقد رقت عيناها وهي تخبره بابتسامة دافئة:

ـ فاكر لما كنا في كوبا عند بير الأمنيات ؟!



أومأ مؤكدا فتابعت :

ـ يومها اتمنيت أمنيتين ، أول واحدة كانت إني أجيب توأم .


غمرها بين ذراعيه بقوة، وقبل أعلى جبينها، وعاد ينظر إليها وهو يقول :

ـ والتانية ؟!


تنهدت قليلا وأخذت تنظر إليه بهدوء، وهي تقول:

ـ هي مش بس أمنية .. هي دعوة دعيت ربنا كتير انه يستجيبها .


أومأ، ثم هز رأسه مستفهمًا بهدوء فقالت وهي تمسك بيديه بثبات :

ـ دعيت إنك تنسى موضوع الانتقام من عيلتي وتتراجع عنه .


غامت عيناه فجأة، وابتلع ريقه فتحرك بروز عنقه ببطء، فسألته بترقب، والخوف يترك أثره في عينيها :

ـ أرجوك طمني وقوللي إن ربنا استجاب دعواتي .


نظر حوله وهو يقاوم شعورًا لم يعرف تصنيفه، شرد بعينيه قليلا وهو يسمعها تقول :

ـ أرجوك يا عاصم طمني ..


وأمسكت بكفيه تضعهما فوق بطنها وتقول :

ـ لو مش علشان خاطري .. علشان خاطرهم هما .


أغمض عينيه وهو يستشعر كلماتها التي لمست قلبه وتركت داخله دفئًا لا يزول، تغلغلت إلى أعماقه بشكلٍ جميل وزرعت السكينة في نفسه والسلام في ملامحه .


ونظر إليها من جديد، ثم أومأ مؤكدًا بابتسامة حانية، فاتسعت عيناها بذهول وهتفت :

ـ قول والله .


أومأ وقال :

ـ والله صدقيني .


ـ لأ أرجوك قول الجملة كاملة على بعضها .. قول والله إنك شلت الموضوع كله من دماغك للأبد .


ابتسم ابتسامة مريرة، بها خليط عجيب ومرهق من المشاعر، ثم قال :

ـ والله شلت الموضوع كله من دماغي للأبد وقفلته تماما .


ارتخت ملامحها فجأة بارتياح، وعانقته بقوة وأخذت تتمتم بكل عبارات الحمد ، بينما هو ربت على ظهرها ومسح على شعرها ثم قال :

ـ نسيم .. على فكرة إحنا في الشارع .


انسحبت من حضنه ببطء ونظرت حولها بهدوء تتدارك الأمر، ثم نظرت إليه وابتسمت ابتسامة بلهاء وهي تقول:

ـ مش مشكلة بقا .. أصلا أكيد هيعرفوا إننا متجوزين ..


أومأ ضاحكا وقال :

ـ ولا ميعرفوش .. ايه اللي هيحصل يعني ، يلا اركبي خلينا نتمشى شوية .


تحركت خطوة للأمام ولكنها توقفت وهي تنظر إليه وتقول :

ـ أنا بقول نعمل شوبينج بقا ونشتري حاجات ليهم .


اتسعت ابتسامته على نحوٍ أسر قلبها، وأومأ وهو يقول:

ـ اللي تؤمري بيه يا روحي .


خفق قلبها بسعادة كبيرة، وتحركت خطوة للأمام، ثم توقفت مرة أخرى وانقضت فوقه تعانقه وتقبل خده بقوة وهي تقول :

ـ أنا متشكرة جدا … متشكرة على كل حاجه .


ـ نسيم .. حبيبتي لينا بيت نشكر بعض فيه للصبح .


اتسعت ابتسامتها بفرحة وانفرجت أساريرها غبطةً، ثم ابتعدت قليلا وهي توميء موافقةً وتشبك يدها بيده وهما يتقدمان نحو السيارة.


༺═────────────────═༻


مرت ساعة كاملة وهو يجلس أمام مدخل غرف العمليات ينتظر خروج فريد ، ستون دقيقة مرت وكأنها عمر كامل ، حتى انفرج الباب أخيرا وخرج الطبيب وقد بدا عليه الإرهاق قليلا، فهرول حسن نحوه يسأله بقلق :

ـ إيه الأخبار يا دكتور ؟!


تنهد الطبيب بهدوء ثم قال بإيجاز شديد :

ـ الحمد لله العملية تمت على خير ودلوقتي هينقلوه العناية، هنراقب حالته خلال أول ٢٤ ساعة ولو مرت على خير هننقله غرفة تانية ، بالسلامه إن شاء الله .


وتركه على عجل وانصرف، بينما وقف حسن في مكانه يحمد الله كثيرا أن تلك المحنة قد مرت .


حينها رأى أخيه يغادر غرفة العمليات على هذا السرير النقال فأسرع يسير إلى جواره ويتأمله بشفقة وحسرة أكلت فؤاده، إلى أن غاب عن ناظريه داخل غرفة العناية المركزة .


في تلك اللحظة رن هاتف فريد في جيبه، التقطه وأخذ ينظر إلى إسم دونت حروفه بالإنجليزية، لم يفلح في قراءته ولكن قلبه كان يحدثه أنها نغم .


تجاهل الاتصال وأعاد الهاتف إلى جيبه، ولكن المتصل لم يتراجع، أخذ ينظر إلى الهاتف بحيرة، يفكر في حالها ويشفق عليها إن رأت فريد بتلك الحالة، بالطبع ستنهار، ولكن إن كانت آخر من يعرف ستنهار أكثر وتصبح مصيبة فوق رؤوسهم جميعا .


عندما حسم قراره كانت قد أنهت الاتصال ، زفر براحة وهم بإعادة الهاتف إلى جيبه ولكنها كررت الاتصال للمرة الثالثة فاستقبل المكالمة، فإذا بصوتها يصله حانقا منفعلا وهي تقول :

ـ فريد .. قلت لك حتى لو مش فاضي لو سمحت رد وقوللي مش فاضي إنما متسيبنيش أضرب دماغي في الحيط بالشكل ده !


أغمض حسن عينيه بأسى ورفع يده إلى جبينه وهو يشعر بألم شديد يغزو رأسه .. بينما هي تسائلت بخوف عندما لم يصلها صوته :

ـ فريد .. ؟؟


فتح فمه وأغلقه كسمكة في الماء، بادر وتراجع مرات، إلى أن تنهد أخيرا وقال :

ـ نغم .. أنا حسن .


صمتت نغم للحظة عندما سمعت صوت حسن، ثم هتفت باستنكار :

ـ حسن ؟! فين فريد ؟! تليفونه معاك ليه ؟! إيه اللي حصل ؟


ـ متقلقيش مفيش حاجه.. فريد كويس ..


ـ طيب هو فين وتليفونه معاك ليه ؟! 


لم تمهله فرصة، فسحب نفسا عميقا وقال بهدوء :

ـ اهدي يا نغم وأنا هشرح لك ..


ـ تشرحلي ايه اتكلم ؟!!!


صرخت بها بنفاذ صبر … وتابعت وقد اختنق صوتها بالدموع:

ـ فريد فين يا حسن ، اتكلم .. فريد تعبان مش كده ؟!


أومأ وكأنها تراه، وهتف بصوتٍ مهزوز :

ـ أيوة .. بس هو كويس دلوقتي متقلقيش والله ..


ـ طيب خليني أكلمه .. حالا يا حسن !


اهتز صوته وهو يخبرها بتردد :

ـ مش هيعرف .. هو .. لسه خارج من العمليات دلوقتي ونقلوه على العناية .. بس الدكتور طمني والله متخافيش .. صدقيني هو كويس 


لم يصله صوتها، لا رد ولا جواب ، لم يعرف ما حدث معها بعد ذلك فظل يناديها مرات ولكنها لم تجب ، أنهى الاتصال وقام بالاتصال بزينب التي اتخذ منها الأمر دقائق حتى أجابت بهدوء:

ـ حسن .. ازيك يا حبيبي..


ـ زينب .. نغم فين ؟!


ـ نغم في اوضتها .. ليه خير ؟!


ـ شوفيها حالا ..


ـ طيب فهمني في ايه ؟!


صاح بها منفعلا وقال :

ـ اسمعي الكلام يا زينب لو سمحتي وشوفيها حالا !!


خرجت زينب من المطبخ مسرعةً ، ركضت نحو غرفة نغم وفتحتها على الفور فإذ بها تصدم برؤيتها مسجاة أرضًا فاقدةً للوعي ، وهاتفها مرمي إلى جوارها .


صرخت باسمها في فزع  وسقط هاتفها منها بدورها ، بينما شعر حسن أنه على وشك فقدان عقله .. أخذ ينادي زينب ولكن صوتها وهي تنادي باسم نغم جعله يتدارك الموقف ، بالتأكيد لقد فقدت وعيها ..


أخذ ينظر حوله بحيرة ، لا يعرف هل يبقى أم يلحق بها ، حقا لم يعد يعرف شيئا ..


لمح الممرضة تغادر غرفة العناية فأسرع يستغيث بها وهو يقول :

ـ لو سمحتي .. امتا ممكن يفوق ؟!


ـ مش قبل ساعتين تقريبا .


أومأ وهو يقول :

ـ طيب خلي بالك منه كويس جدا لازم أخرج مشوار ضروري وراجع بسرعة ، رقمي معاكم لو حصل حاجة بلغوني فورا .


أومأت بتأكيد فأسرع يغادر المشفى مستقلا سيارة فريد وانطلق بها مسرعا نحو منزل نغم .


༺═──────────────═༻


#يتبع


 تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع
    close