القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية وصية حب الفصل السادس عشر والسابع عشر بقلم نسرين بلعجيلي حصريه

 

رواية وصية حب الفصل السادس عشر والسابع عشر بقلم نسرين بلعجيلي حصريه 








رواية وصية حب الفصل السادس عشر والسابع عشر بقلم نسرين بلعجيلي حصريه 


*وصيّة حب*


بقلم نسرين بلعجيلي

Nisrine Bellaajili 


_الفصل السادس عشر_


النهار بدأ هادي، بس في البيت ده مافيش هدوء حقيقي من يوم ما رجعت سارة من المستشفى. صوت النفس وهو بيطلع منها بقى محسوب، وكل حركة بتتعمل بحساب.

ياسر كان بيعدّ أنفاسها من بعيد كأنه بيتأكد إنها لسه هنا.


الدكتور جِه الصبح بدري. شاب محترم، صوته ناعم وفيه هدوء بيخوّف أكتر من إنه يطمن. فتح شنطته الصغيرة، بصّ في الورق، وبعدين في سارة اللي كانت قاعدة على الكنبة ملفوفة في ببطانية خفيفة.


قال بهدوء : 

التحاليل وصلت، يا أستاذة سارة، الأنسجة لسه ضعيفة جدًا، ومؤشر الكولاجين ناقص عن الطبيعي. الضغط كمان منخفض، ولازم ننتبه لأي دوخة أو خمول.


ياسر سأله بسرعة : 

يعني الوضع خطر؟


الدكتور هزّ راسه وقال بصوت طبي متزن : 

مش خطر لو التزمتوا بالراحة. لكن لازم تعرفوا إن المرض دا من النوع اللي محتاج حذر طول الوقت. أي مجهود أو انفعال ممكن يأثر على الأوعية الدموية. الموضوع أشبه بإن جسمها بقى هشّ.. زي الزجاج.


سارة بصت له بابتسامة صغيرة :

يعني لو وقعت أتكسّر؟


ضحك الدكتور بلُطف وقال: 

بالظبط، بس إنتِ مش لوحدك. فيه حالات كتير بتعيش سنين، أهم حاجة الهدوء والمراقبة. وطبعًا… الدعم النفسي.

نسرين بلعجيلي 


ياسر شكر الدكتور، وهو بيحاول يخبي رعشة صوته. ولما الباب اتقفل ورا الطبيب، سارة قالت بهدوء : 

كل ما الدكتور يتكلم عنّي، بحس كأني برواز بيتكلم عن نفسه، من برّه باين سليم، وجوّاه بيتفتّت.


ياسر قعد جنبها، مسك إيدها بحنان وقال : 

طالما النفس طالع، يبقى لسه فيه معركة، ولسه فيه أمل.


إبتسمت بخفة : 

وأنا حاسة إنك بتتعلم تقول الكلام اللي كنت أنا دايمًا بقوله.


روايه حصري   روايات نسرين بلعجيلي 


بعد الظهر، كانت سارة قاعدة لوحدها في أوضتها. النوت بوك مفتوح قدامها، والقلم في إيدها. بس المرة دي ما كتبتش “وصيّة” ولا “حكاية”. كتبت سطر واحد :


“كان نفسي أعيش عادي… مش بطلة، ولا مريضة. بس ستّ بتحب وتتحب.”


دموعها نزلت على الورق، فمسحتها بسرعة كأنها خايفة الحبر يبوح بسرها. سمعت صوت خفيف، كانت “ملك” واقفة على الباب، ماسكة عروستها في إيدها :

ماما، هو الوجع بيروح لما نبصّ للسما؟


سارة ضحكت رغم الدموع : 

أوقات السما بتفكرنا إن فيه ناس فوق مستنيانا، بس كمان بتفكرنا إن لسه فيه عمر تحت لازم نعيشه.


ملك قالت ببراءة : 

  مش فاهمه يا  ماما يعني مش هتمشي؟


– لا يا حبيبتي، مش دلوقتي… لسه عندي حكايات ليكِ.


حضنتها، والعروسة وقعت منهم على الأرض. بس الحضن فضل ثابت، زي وعد بين قلبين صغيرين.


المساء نزل، ومعاه خطوات روان. الباب خبط خبطتين خفاف، ولما فتحت سارة، شافتها واقفة ووراها ورد أبيض.

– إيه ده يا روان؟ تاني ورد؟


– المرة دي مش عشانك.. عشان البيت يفتكر ريحة السلام.


دخلت، والهدوء اتكسر شوية. سارة ضحكت وقالت : 

أنا بقيت بخاف لما أشوفك داخلة، بحس إنك هتشيليني من على الأرض.


– ولا يوم من غيرك، يا سارة. قالتها روان وهي بتحاول تخبي تعبها. عيونها فيها سهَر، وشها باين عليه إنها بتنهار من جوّا ومش عايزة تبين.


سارة بصتلها لحظة طويلة. صمت.. بعده ابتسامة خفيفة : 

– إنتِ بتحبيّهم بجد.


روان اتلخبطت : 

– بحب مين؟


– الناس… البيت ده، ملك، حتى ياسر. نظرتك ليهم كلها حنية، وده بيطمني إن لو أنا مشيت، مش هيبقوا لوحدهم.


الكلمة وجعت روان، قامت بسرعة وقالت بحزم : 

– ما تقوليش كده، مش هتمشي من هنا غير وإنتِ سليمة.


سارة هزّت راسها وقالت بهدوء مرّ : – يا روان.. مش كل اللي بيمشي بيروح. فيه ناس بتفضل في كل زاوية، في كل نفس.


الباب اتفتح فجأة، ياسر داخل وشه مرهق، ولحيته طولت شوية، عيونه فيها سواد التعب، مش نايم من أيام. لما شافهم، حاول يضحك : 

– شكل الجو هنا ناقصني.


سارة قالت له بخفة : 

– وإحنا قاعدين نستناك علشان نكمل الحياة.


ضحكوا التلاتة، بس بعد دقيقة سكتوا. سارة كانت بتبصّ لهم بعين فيها حزن غريب. ياسر بقى أضعف من الأول، صوته مش واثق، حتى ضحكته بقت مكسورة.

وروّان بتتحرك بخفة حواليه، تساعد من غير ما يتكلم، كأنها بقت تفهمه من غير كلام.


سارة شايفاه، وشايفها. وشايفة حاجة جديدة بتتكوّن من بعيد، مش حب، بس رابط خفي، زي خيط من نور بين تعبهم المشترك.


وفي لحظة صمت، قلبها كلمها :

“يمكن أنا السبب… يمكن وجعي خلّاهم يقربوا من بعض، وأنا اللي علمتهم الحب الحقيقي من غير ما أقصد.”


حاولت تاخد نفسها، بس الصدر تقل فجأة. إيديها اتشبكت في بعض، والنَفَس بقى قصير.


ياسر لاحظ بسرعة :

– سارة؟ مالك؟


إبتسمت بصعوبة : 

– مافيش، يمكن فرحت زيادة.


لكن عينيها قالت غير كده. الدموع لمعت، والنور في وشها بقى أضعف.


روان مسكت إيديها وقالت بخوف : – أناديله يا سارة؟ أنادي الدكتور؟


سارة حركت راسها نفيًا :

– لأ… كل حاجة تمام. بس نفسي أقولكم حاجة قبل ما الليل ييجي.


بصت ليهم هما الاثنين، ووشها مليان طيبة وسلام : 

– لو في يوم الدنيا بعدي وجعتكم، إفتكروا إن الحب مش بيخلص، هو بس بيتبدّل مكانه.


سكتت لحظة، ضحكت وهي بتبص على ياسر : 

– وأنا مش هسمحلك تبطّل تحبني، حتى لو في السما.


نزلت دمعة من عينه وهو بيحاول يخبيها : 

– ماقدرش أعيش من غيرك.


قالت وهي تمسح دموعه بإيديها الضعيفة : 

– لأ، هتعيش، عشان أنا بحبك كفاية للعُمرين.


سكتوا الثلاثة، والليل دخل على مهل، صوت الأجهزة في الخلفية بقى شبه موسيقى هادية.


في اللحظة دي، سارة ابتسمت وهي تبص ليهم :

“أنا مطمنة… الحب لسه هنا، حتى لو جسمي تعبان.”


البيت كله نام إلا ياسر، قاعد في الصالة ماسك ورقة من النوت بوك القديم، مكتوب فيها بخط سارة المائل :

“لو جي يوم ما قدرتش أكمل، خلي الناس تعرف إن الحب الحقيقي مش بيحتاج بقاء، بيكفي إنه كان صادق.”

قراها، وبكى بصوت واطي. روان كانت بتبص عليه من بعيد، دموعها نازلة في صمت. ومن بعيد، حسّت إن البيت كله بيتنفس وجع، بس كمان بيتنفس حب.


الليل كان هادي بطريقة غريبة، زي ما تكون الدنيا كلها واقفة على نَفَس واحد. المطر بينزل خفيف على الإزاز، وصوته بيمشي في الشقة كأنه موسيقى حزينة حافظاها الجدران.


سارة قاعدة على الكنبة، ملفوفة في بطانية خفيفة، وياسر جنبها على الكرسي، مش قادر يبعد عينه عنها. كل شوية يمد إيده يطمن إنها بتتنفس، وبعدين يرجع يسند ظهره، يقول لنفسه : 

"الحمد لله… لسه هنا."


هي ابتسمت وقالت بصوت واهي :

– شكلك نسيت طعم النوم.


– أنام إزاي وأنا خايف أصحى وما الاقيكيش ؟


ضحكت، لكن ضحكتها طلعت معاها سُعال بسيط.

مدّ لها الكوباية بسرعة، وقال بحنية :

– إشربي يا سارة.


أخذت نفس خفيف وقالت :

– عارف يا ياسر، بقيت بحب المطر.

ليه؟ يمكن علشان بيغسل الحزن. كل نقطة بتنزل، كأنها بتقول : لسه فيه حياة.


قعدوا ساكتين شوية، صوت المطر بيملأ الفراغ بينهم. عين سارة كانت شايفة كل حاجة حوالين البيت :

صورهم القديمة، رسمة ملك على الحيطة، وردة نشفت في فازة على الرف، بس في قلبها كان في دوشة مش قادرة تسكتها.


قالت فجأة :

– لو في يوم ما قدرتش أكمل…


قطع كلامها بسرعة :

– بلاش الكلام ده.


– إسمعني بس، أنا مش بخوّفك. بس كل واحدة بتوصل لمرحلة تبقى عارفة خلاص. مش بحس الموت.. بحس السلام.


ردّ وهو ماسك إيدها :

– لو فيه سلام من غيرك، أنا مش عايزه.


إبتسمت وقالت :

– يا مجنون، السلام مش اختيار، ده وعد من ربنا للناس اللي تعبِت كفاية.

Nisrine Bellaajili


سكتوا تاني، والمطر زاد. الضوء الخافت كان بيخلي وشها شبه ملاك نايم، صوت نفسها بقى أهدى شوية.

قالت وهي مغمضة عينيها :

– عارف، يمكن ربنا خلاني أمرّ بكل ده علشان أفهم يعني إيه حب. الحب اللي يخليك تفضل قاعد، مش مستني مقابل، ولا نهاية سعيدة، مجرد وجودك جنبي كفاية.


ردّ عليها بصوت متكسر :

– وجودي جنبك هو اللي مخليني عايش.


الصبح دخل على استحياء، ضوء الشمس إتسلل من الشباك زي خيط دفا. سارة كانت نايمة، ملامحها هادية كأنها في حلم بعيد.

ياسر ما نامش ولا دقيقة، قاعد يراقبها بخوف وامتنان في نفس الوقت.


رنّ الجرس..

قام بسرعة وفتح الباب، كانت روان واقفة، وشها قلقان وفي إيديها كيس فيه فطار خفيف :

– صباح الخير، حاولت أكلمكم امبارح وما حدش رد، خفت.


إبتسم رغم تعبه :

– كانت تعبانة شوية، بس الحمد لله أحسن دلوقتي.


دخلت بهدوء، وبصّت على سارة اللي كانت نايمة. قربت منها ولمست إيديها بلُطف :

– صباح النور يا جميلة.


سارة فتحت عينيها بابتسامة صغيرة وقالت :

– إنتِ لسه بتعرفي توقيت القلق،


ضحكت روان وقالت :

– ده أنا قلبي مربوط بيكِ، باحس بيكِ من بعيد.


قعدت جنبها، السكوت بينهم ما كانش مزعج، كان فيه دفء غريب، زي راحة مؤقتة وسط معركة طويلة.


سارة قالت بهدوء وهي تبصّ عليهم هما الاثنين :

– أنتوا الاثنين، شكل التعب غيّركم. 


ياسر لحيته كبرت، والهالات سوادها زاد، وروان وشها بقى باهت من كتر السهر، بس في عينيهم نفس الطيبة اللي دايمًا كانت شايفاها.


قالت لنفسها في سِرّها :

“يا ترى أنا السبب؟ هو وجعي اللي سرق منهم الراحة؟ ولا الحب هو اللي بيخلق الوجع ده لما يبقى صادق زيادة؟”


مدّت إيدها ولمست وش ياسر بحنية :

– إوعى تسيب التعب يكسرك.


ردّ عليها بهدوء :

– إنتِ اللي علمتيني أقاوم.


إبتسمت، وبصّت ناحية روان وقالت :

– خلي بالك منه لو تعبت.


روان حاولت تضحك وقالت :

– هو اللي بيشيل الكل، مش العكس.


سارة بصتلها بنظرة عميقة، فيها أكتر من كلمة، كأنها كانت بتوصيها من غير ما تنطقها.


بعد شوية، الدنيا سكتت، سارة غفلت وهي ماسكة إيد بنتها الصغيرة. ياسر و روان قاعدين في الصالة، كل واحد فيهم تايه في تفكيره. المطر وقف، بس ريحته لسه على الشبابيك.


وفي النص، كان فيه إحساس واحد مالي المكان :

حبّ حقيقي… مش كلام، ولا مشهد. حبّ ساكت بيتنفّس ما بين الخوف والوجع، وبيحاول يعيش، حتى لو العمر خلاص بيقصر



*وصيّة حب*


النهار دخل بخيوط شمس ناعمة، بس البيت كان تقيل. سارة نايمة على الكنبة، النور بيلمس وشها الشاحب، والكهربا اللي كانت في عظمها بقت خمول في أطرافها. كل مرة تحاول تقوم، تحس إن جسمها مش بيسمع الكلام. صوابعها بتبرد، ورجليها تحسّها غريبة عنها، زي ما تكون بتتفرج على نفسها من بعيد.


ياسر كان واقف في المطبخ بيجهز القهوة، كل حركة بيعملها فيها تعب وسكوت طويل. حط القهوة على الترابيزة وقال :

– أنا قررت أرجع الشغل بكرة.


صوتها خرج واهي وهي تحاول تقوم :

– هتسيبني لوحدي؟


– لأ طبعًا، أنا هجيب بنت تساعدك في البيت.


– بنت؟


– أيوه، تنظّف، تطبخ، تفضى لك وقتك ترتاحي.

سكت لحظة وقال وهو بيهرب بنظره :

– وأنا هرجع من الشغل على طول.


سارة بصّت له، وعينيها فيها خوف صغير مش عايزاه يبان :

– يعني خلاص؟ حياتنا بقت بالورديات؟


– لأ يا سارة، بس لازم أشتغل، الدنيا مش واقفة.


– والدنيا اللي بينا؟ وقفت هي كمان؟


ياسر اتفاجئ بالكلمة، حاول يضحك :

– إنتِ بتقولي إيه؟


– بتكلم عنّنا، مش عن الشغل.


قامت بصعوبة، وقربت منه، لمست وشه بإيدها الضعيفة :

– بقالك شهور ما لمستنيش…


– سارة، بالله عليكِ، إنتِ عارفة إن ده مش وقت الكلام ده.


– وقت إيه؟ أنا عايشة على الوقت، ياسر. كل يوم بصحى مش عارفة إذا كنت هكمّله ولا لأ. مش عايزة أموت وأنا ناسية حضنك.

نسرين بلعجيلي 


ياسر مسك إيديها بحنان وقال بهدوء :

– أنا مش قادر…


– مش قادر عليّ ولا مش قادر ليا؟


– ليه تقولي كده.


– قل إنت بقى، إيه اللي مخلّيك تبعد؟ خايف أتعب؟ ولا خايف تشوفني مش زي الأول؟


صوته نزل درجة :

– أنا بحميكِ من نفسك يا سارة، جسمك مش مستحمل.


– وجسمي مش مستحمل الهجر كمان. 

صرخت الكلمة، بس صوتها كان ضعيف، ضعيف زيها، بس بيطلع من وجع كبير.


– أنا ستّ، مش مجرد حالة طبية. عايزة أحس إن لسه فيا حياة، إنك لسه شايفني أنثى مش مريضة. أنا بحارب الموت كل يوم، بس نظرتك ليا هي اللي بتقتلني.


ياسر سكت، عينيه مليانة دموع، قرب منها وقال بصوت واطي جدًا :

– أنا بحبك يا سارة، بس لو حصلك حاجة وأنا السبب…


– ساعتها هاكون مبسوطة، لأني هموت وأنا حاسّة إنك لسه ليا.


سكتوا.. الهواء بينهما بقى تقيل، كأنه شاهد على حاجة أكبر من الكلام. مدّ إيده يلمس شعرها، بس سحبها تاني. دموعها نزلت على إيديها وهي تهمس :

– حتى اللمسة بقت حرام عليّا.


مشيت بخطوات متعبة للمطبخ، وقف ياسر مكانه مش قادر يتحرك، وفي ودنه صدى آخر كلمة قالتها :


“أنا لسه عايشة يا ياسر، بس لحد إمتى.”


سارة كانت قاعدة على الكرسي، إيديها متشابكة قدامها، وصوت نفسها متقطع من كتر الزعل. دخل ياسر بعد ما لفّ في الصالة عشر دقايق يحاول يهدى، لكن وشه كان بيقول كل حاجة.


قال بهدوء وهو واقف عند الباب :

– سارة، كفاية كده بقى…


– كفاية إيه؟

رفعت عينيها ليه، فيها وجع أكتر من العتاب وكملت :

– كفاية إني بقيت غريبة عنك؟ ولا كفاية إني بقيت بمد إيدي علشان حضن جوزي ومش بلاقيه؟


إتنهد وهو بيقرب منها خطوة بخطوة :

– يا سارة، بالله عليكِ إفهميني…


– أفهم إيه؟ إنك نسيتني؟ ولا إنك بطّلت تشوفني أنثى؟


صوته ارتجف، قال بحزن واضح :

– أنا مش ناسيكى، أنا بخاف عليكى.


– من إيه؟


– من نفسي...

صرخ الكلمة فجأة، وبعدين كمل بصوت مكسور :

– من نفسي لما أبوسك وأنا عارف إن ماينفعش أكمّل، من نفسي لما أقرب منك وأوجعك بدل ما أريحك، من نفسي لما جسمي يفكر وقلبك يتعب.

Nisrine Bellaajili 


سكت لحظة، حطّ إيده على وشه، وقال :

– إنتِ متخيلة إحساسي لما أحبك وممنوع ألمسك؟ كل مرة بتقربي، بحس إني بخونك… بخون وجعك، بخون خوفك، بخون دعواتي إنك ترجعي سليمة.


سارة كانت بتسمع، بس دموعها كانت نازلة من غير صوت. قالت بهدوء موجوع :

– بس أنا محتاجاك، يا ياسر، محتاجاك مش كزوج، كأمان. أنا مش عايزة وجع، أنا عايزة حضن ينسّيني إني خلاص قربت أمشي. لما بتبعد كده، بتحسسني إن الموت أقرب منك.


مدّ إيده ناحيتها، بس وقّف نفسه تاني، قال بصوت مبحوح :

– يا سارة، أنا كل يوم بموت وأنا شايفك بتتألمي. بس اللي بينا مش ناقص لمسة علشان يثبت، اللي بينا خلاص بقى روحين مش أجساد.


رفعت وشها وبصت له بنظرة حادة لأول مرة :

– لأ، اللي بينا لسه جواز، ولسه حياة، ولسه حقي فيك. أنا مش هاقبل تبصلي كأخت ولا كمريضة. أنا مراتك يا ياسر… اللي بينا حب، مش رحمة.


كلامها وجعه أكتر من العتاب. قرب منها، قعد جنبها على السرير، مدّ إيده على وشها وقال بصوت رايح :

– مش عارف أعمل إيه. كل مرة تبصيلي بالشكل ده بحس إن قلبي بيتقطع، بس برضه ماقدرش أكمّل المشهد، ماينفعش ألمسك وأنا عارف إني مش هقدر أكمّله للآخر. هتبقى دي لحظة وجع، مش لحظة حب.


سكتِت، ونظرت له بنظرة فيها استسلام حزين، وقالت بخفوت وهي تبصّ في الأرض :

– يعني خلاص؟ بقيت أخاف أقرب من جوزي؟ بقيت أستأذن علشان حضن؟


ما قدرش يرد. هو نفسه كان عايز يصرخ، بس كل الكلام اتحبس في صدره.


قامت بصعوبة، وقفت قدامه وقالت آخر جملة قبل ما تدخل أوضتها :

– أنا ما طلبتش المستحيل، أنا طلبت حقي قبل ما أموت، وأنا حاسة إني مش مراتك .


دخلت الأوضة وسابت الباب مفتوح، بس اللي اتقفل فعلاً كان بين قلوبهم. كانت واقفة قدامه، عينيها فيها دموع مكبوتة وغضب مكشوف. هو كان بيحاول يهرب بنظره ناحية الشباك، لكن صوتها شدّه بالعافية :


ـ طب قولّي يا ياسر، هو إنت مش راجل؟ مش ليك رغبة؟ ولا خلاص؟


إتجمد في مكانه، بصّ لها بحدة :

ـ سارة، بلاش الأسلوب ده.


ـ لأ، مش هسكت المرة دي. كل يوم تبصلي كأني زجاجة هتتكسر، كأني مش مراتك، مش لحمك ودمك. هو أنا فقدت إيه بالظبط؟ أنوثتي؟ ولا نظرتك؟


مدّ إيده على شعره، وابتسم ابتسامة وجع :

ـ إنتِ مش فاهمة حاجة.


ـ لأ، فاهمة جدًا. فاهمة إنك بقيت تهرب مني كأني عيب. حتى البوسة، يا ياسر… البوسة اللي كانت بتفوقني من كل وجع، بقت مستحيلة ليك. مش عايز تبوسني ليه؟ مش بتشتهيني خلاص؟


إتنفس بصعوبة، صوته خرج عالي من كتر الكتمان :

ـ آه.... باشتهيكِ يا سارة، كل يوم، كل لحظة، وأنا بشوفك قدامي وبموت بالعجز. بس تعرفي إيه اللي بيمنعني؟ مش عدم رغبة.. الخوف. الدكتور قال إن الضغط عندك ممكن ينهار من أي مجهود، قاللي كلمة واحدة وأنا عمري ما نسيتها :

"العلاقة خطر على حياتها."

يعني لو لمستك غلط، لو قلبك تعب، لو نفسك إنقطع… هتموتي في حضني، إنتِ فاهمة يعني إيه الكلمة دي؟


دموعها كانت نازلة، بس عنادها أقوى من الخوف. قربت منه خطوة، ومدّت إيدها على صدره :

ـ طيب موتني في حضنك. بس موتني وأنا حاسّة إني لسه أنثى ليك. مش عايزة أموت وأنا ناقصة حاجة.


رجع خطوتين لورا، صوته مبحوح، مليان وجع :

ـ بتطلبي مني إيه؟


ـ حقي.


ـ حقك؟ ولا حكم إعدامك؟


ـ يمكن الاثنين.. بس على الأقل أموت وأنا حاسّة إنك لسه راجلّي. مش مجرّد راعي بيمشي دوا لمريضة.


نسرين بلعجيلي 

سكوت تقيل سيطر على الغرفة. كل كلمة نطقت بيها كانت زي طعنة في ظهره، بس هو كمان كان بينزف من خوف مش بيخلص.

مسك إيديها بإصرار، وقال بصوت مكسور وغاضب في نفس الوقت :

ـ سارة، أنا كل يوم بصحى على كابوس إنك ممكن تموتي، وانا مش ناقص كمان أكون أنا السبب. أنا بحبك… بس مش هسمح للحب ده يبقى سلاح ضدك.


قالتها وهي بتبكي :

ـ وأنا بحبك أكتر، بس إنت بتقتلني بالحرص ده. أنا مش هعيش كده، بين الخوف والحرمان. أنا ستّ يا ياسر، ومش هخجل من حقي.


سكت، وبصّ فيها بعينين فيها وجع ودموع وخوف وذنب في نفس اللحظة.

ـ يا سارة، إنتِ بتطلبي مني أختارك على حساب حياتك. وانا ماقدرش أختارك ميتة.


سكتت فجأة. الدموع على خدها، بس في عينيها كبرياء عنيد، قالت بصوت متكسر :

ـ يبقى خلاص، يا ياسر، ما تبصليش تاني كأنك بتحبني. اللي يحب ما يهربش.


خرجت من  الأوضة وسابت وراها ريحة وجع ما بتتمسحش. هو قعد على الكنبة، دفن وشه بين إيديه وصوته خرج خافت كأنه بيكلم نفسه :

ـ يا رب، إزاي الحب يتحوّل لعقاب بالشكل ده؟


سكت البيت بعد صوت الباب ما اتقفل، كأن كل نفس في الحيطان وقف. الهدوء اللي نزل على المكان ما كانش راحة، كان وجع بينادي بصوت واطي.


سارة بعد ما ياسر طلع فضلت في  الاوضه و  قعدت على الأرض جنب السرير، صدرها بيطلع وينزل بصعوبة، دموعها بتجري من غير صوت، مش بكاء خناقة، بكاء ستّ حست إنها بتتسرق منها الحياة جزء، جزء، حتى من اللي بتحبّه.


على الناحية التانية، ياسر قاعد في الصالة، إيده على راسه، وصدره بيتهز من كتم الغضب والخوف. حاول يقنع نفسه إنه صح، إنه بيحميها، بس كل ما يفتكر نظرتها، يحس إنه هو اللي كسرها بإيده.


الدقيقة بقت ساعة، والساعة بقت وجع.

وفي نص الليل، قام بهدوء وراح عند باب أوضتها، وقف يسمع نفسها الضعيف من ورا الباب. فتح الباب على مهل، شافها نايمة على السرير، ملفوفة في بطانيتها، وشها باين عليه التعب والدموع اللي ما نشفتش.

قرب منها، قعد جنبها، مدّ إيده ومسح على شعرها بهدوء، وقال بصوت مبحوح بين بكاء ورجاء :

– سامحيني يا سارة، أنا مش عارف أكون راجل ولا ملاك، بس كل اللي عارفه، إني بحبك.

روايات نسرين بلعجيلي Nisrine Bellaajili  

ما ردتش، بس إيديها تحركت خفيف، كأنها بتحسّه من بعيد. حطّ راسه على طرف السرير، وهي نايمة، والليل غطاهم هما الاتنين بصمت تقيل.


صوت المطر بدأ تاني على الإزاز، كل نقطة بتنزل كأنها بتعدّ وقت لحدث كبير جاي.


والسطر الأخير من الليلة دي كان بيقول :

“مافيش حب بينجو من الخوف، بس فيه حبّ بيعيش رغم الموت.”


وهنا…

خلصت الليلة..

وبدأ القدر يكتب فصل جديد من "وصيّة حب".


ايه رايكم في اللي طلبته ساره ؟؟


يتبع ..... 

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملة من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا




تعليقات

التنقل السريع
    close