القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الاربعون 40بقلم سيلا وليد حصريه

 رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الاربعون 40بقلم سيلا وليد  حصريه  




رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الاربعون 40بقلم سيلا وليد  حصريه  


الفصل الاربعون 


"لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" 


في حضرة جمالها، توقّفت الدهور عند رؤيتها، وانبثقت كلمات في عيني تعجز الشفاه عن نطقها. كأن الكون كله صمت احترامًا لسحرها.


أما أنا، فرُمي قلبي بسحرها، وانسكبت مشاعري على وقع حضورها البهيّ. سبحان من وهبني نعمة رؤيتها، وأكرمني برقة قلبها.


أما الآخر، فقلُبه تائه بين صرخات الألم وصمت الشوق، لا يعرف أي الطرق تؤدي إلى الراحة. كل لحظة تمرّ تثقل روحه كحجارة الماضي، كأنّه يغرق في بحرٍ من المشاعر المتخبطة.


وفي النهاية، أيقنت أنّ الحياة قد تمنحنا أحيانًا ما يتجاوز كل توقع، وما يفيض عن حدود الوصف.


قبل شهر وتحديدًا ليلة الخطوبة…

خرجت خلفه فوجدته واقفًا أمام البيسين، ظهره مشدود وملامحه لوحة غضبٍ صامت، اقتربت بحذر وتوقَّفت خلفه، تحمحمت محاولةً كسر الصمت..التفت بنصف جسده، طالعها للحظاتٍ بنظرةٍ حادَّة، ثم عاد يحدِّق أمامه دون كلمة.

خطت خطوةً أخرى حتى وقفت بجواره:

_ ممكن أعرف إنتَ زعلان ليه؟ إحنا كنَّا في الأوضة يا يوسف، يعني الباب كان مقفول علينا..وعلى فكرة إنتَ اللي غلطان إنَّك تدخل بالطريقة دي، وبص بلال عمل إيه مع رولا.

ابتسامة لاذعة ارتسمت على شفتيه وهو يهزُّ رأسه ببطء، زفرة حارقة خرجت من صدره ثم قال بصوتٍ منخفضٍ مشحون:

_  باب مقفول؟

استدار هذه المرَّة بكامل جسده، عيناه تقدحان غضبًا مكبوتًا:


_صوتك يا مدام كان بيرنّ والكلِّ سامعه.

تراجعت نصف خطوة، لكنَّها تماسكت وقالت بتحدٍّ:


_إحنا في فرح يا يوسف، وعادي لمَّا نضحك ونرقص، أكيد مش قصدي.. 

أومال لو مكان بلال وحدِّ شافني برقص كدا. 


ضحك ضحكةً قصيرة بلا روح، واقترب خطوةً وقال بنبرةٍ مكتومة:

_ مش عارف كنت هعمل إيه، بس أكيد مادخلتش من غير ماأخبَّط..خبَّطت بس صوت الفرح والضحك كان مالي المكان، هتسمعوا إزاي؟

دنت منه واحتضنت ذراعه، وقالت بنبرةٍ صادقة: 

— والله ماقصدت أعلِّي صوتي ولا أضايقك، ولا كنت عارفة إنِّ الصوت عالي، إحنا كنَّا بنات مع بعض حبِّينا نعمل جوِّ حلو لشمس…وخصوصًا إنِّنا ماكنَّاش عاملين حسابنا.

رفعت كفَّيها إلى وجهه، تحدِّق في عينيه برجاء:

_ وحياتي عندك ماتزعل، مستحيل أكون قاصدة، أنا عارفة حدودي كويس.

طالعها بصمتٍ لثوانٍ، فارتفعت على أطراف قدميها وطَبعت قبلةً خفيفة بجانب شفتيه:

_ يارب أموت لو كنت قاصدة أزعَّلك، أو أقلِّ منَّك ومن نفسي.

رفع ذراعه وحاوط جسدها، واضعًا رأسه فوق رأسها:

_ بعد الشرِّ عليكي، يمكن أكون اتعصَّبت، وده من ضيقي وغيرتي عليكي قبل أي حاجة، فيه حدود لازم نبقى فاهمينها.

لفَّت ذراعيها حول خصره وقالت بنبرةٍ هادئة:

_ تعرف لو أنا مكانك ماكنتش هسامح.

رفع حاجبه ساخرًا:

_ بتسخَّنيني عليكي يعني؟

ابتسمت بمشاكسة:

_ تؤ، بعرَّفك إنِّي بغير عليك موت.

ابتسم وهو يضمُّ رأسها إلى صدره، ثم طبع قبلةً حنونةً فوق رأسها وقال:

_ طيب، أنا ليَّا مزاج أشوف رقص مراتي الليلة.

شهقت تنظر إليه بشقاوة:

_ قول والمصحف!

ضحك بخفَّة وهو يهزُّ رأسه:

_بس يا بت يا متخلِّفة،  من حلف بغير الله فقد أشرك.


_وأنا بحلِّفك إنَّك تنطق بالحق 

يا أخويا، بحلِّفك على الرقص يا حبيبي.

ارتفعت ضحكاته وهو يضمُّها إليه:

_ مجنونة، بس بعشقها.

ابتسمت بثقة وهي ترفع رأسها:

_ مقبولة، المهمِّ تعشقني.

وضع جبينه فوق جبينها، وأردف بصوتٍ هادي :

— إيه رأيك نخرج نتعشَّى برَّة، عايز أحتفل الليلة احتفال خاص.

ارتفعت دقَّات قلبها، فأومأت برأسها بحماس:

_ موافقة طبعًا.

لمس وجنتيها وعيناه تبحران في عينيها:

_ من غير ماتعرفي هاخدك فين؟.

ابتسمت بهدوءٍ مطمئنّ:

_ مش عايزة أعرف، أنا ائتمنتك على روحي وحياتي فطبيعي ماأسألش.

طبع قبلةً سريعةً على ثغرها، ثم أمسك كفَّها متَّجهًا للداخل:

_طيب أدخل أشوف الدنيا ونخرج، أوقفته:

_ بما إنُّه احتفال خاص، لازم أغيَّر فستاني.

دقَّق النظر في ردائها، ثم تراجع خطوةً قائلًا بإعجاب:

_ حلو الفستان.

اقتربت وعانقت رقبته وهمست:

_هوَّ حلو، بس المناسبة ماكانتش خاصَّة بينَّا، هنروح نغيَّر إحنا الاتنين علشان احتفالنا يكون كامل.

أومأ مبتسمًا:

_ تمام، روحي وأنا أشوف الضيوف مشيوا ولَّا لأ، ماينفعش أمشي من غيرهم.

ضحكت بخفَّة:

_ لسه بدري يا حبيبي، الساعة لسه تمانية.

ثم أضافت وهي تبتعد:

_ هسبقك.

أومأ لها وتحرَّك.


بشقِّة بلال.. 

جلس على طرف فراشه يحتوي رأسه بين كفَّيه..وشعور الاختناق يسيطر عليه كلَّما تذكَّر كلماتها، اعتدل سريعًا: 

_إنتَ زعلان ليه، اللي يشوفك يقول غيران.

هبَّ فزعًا من مكانه يهزُّ رأسه بالرفض مايؤول إليه عقله:

_لا..إنتَ مضَّايق علشان شكلك قدَّام الكلّ، بس دا مش أكتر.

قاطعه رنين هاتفه:

_أيوة يا يوسف؟ 

_إنتَ فين؟! 


_روحت في حاجة؟

_ماتيجي نخرج، حمزة عايز يحتفل بالخطوبة وعمَّك رافض..أنا كنت ناوي أخرج أنا وضي، بس قلت يمكن لمَّا بابا يشوفنا معاهم يوافق..هات مراتك وتعال.

أغمض عينيه، كَوَّر قبضته بعصبيَّة مكبوتة:

_يوسف، مفيش حدِّ غريب بلاش كلمة «مراتك» دي.

جاءه صوت يوسف أكثر حدَّة:

_بلال، انزل بمراتك هيَّ على اسمك دلوقتي، وطول ماهيَّ على اسمك لازم تحترم العقد اللي بينكم، أكيد فاهم قصدي..يلَّا، مستنِّيكم.

أغلق يوسف الهاتف وحدَّق أمامه بشرود، لحظاتُ صمتٍ قطعه صوت والده من خلفه:

_قالَّك إيه؟

التفت إليه، وأومأ برأسه ببطء:

_بلال رافض رولا يا بابا، بلاش تضغط عليه لو سمحت.

ربت على كتفه، وقال بصوتٍ خرج هادئًا لكنَّه مثقل:

_لو شوفت وجع خالك النهاردة كنت حاولت.

تنفّس يوسف بعمق، ثم قال بثبات:

_بس الجواز مش محاولات يا بابا، ومفيش راجل يقبل على نفسه كده.

ردَّ إلياس سريعًا: 


_أنا مابفرضش عليه، أنا بحاول أصلَّح اللي اتكسر.

رفع يوسف عينيه إليه، ونبرته حملت وجعًا صريحًا:

_وتفتكر اللي اتكسر ينفع يتصلَّح؟ الموقف صعب، وأي واحد مكانه مش هيقبل بكده.

هزَّ الياس رأسه ببطء:

_عارف..بلال راجل ومتأكِّد لو حاول هيتجاوز الموضوع.

شدَّ يوسف على كلماته، قاطعًا:

_مش في دي يا باشا، كلِّ حاجة ممكن الراجل يسامح فيها إلَّا دي.

_ليه، هوَّ كان برضاها؟ ماتعقل كلامك إنتَ كمان.

ابتلع يوسف غضبه وصمت لحظة، ثم زفر بقسوة:

_حتى ولو يا بابا، أنا كراجل هيكون صعب عليَّ..إزاي هقدر…

توقَّف، ثم أكمل بنبرةٍ حاسمة: 

_وبعدين بلال بيحبِّ واحدة تانية.. وياريت نحترم اختياره وقراراته، رجاءً يا بابا بلاش نضغط عليه..

أنا اتكلِّمت معاه، وهو قالِّي بيحبِّ واحدة تانية، وجوازه من رولا أنا اللي فرضته عليه.

اتَّسعت عينا إلياس، وخرج صوته مصدومًا:

_إنتَ بتقول إيه!! يعني مش هوَّ اللي طلبها؟

هزَّ يوسف رأسه بالنفي، واستكمل بهدوءٍ متحفِّظ:

_كنت قايلُّه هكتب عليها أنا، بس هوَّ خاف على زعل ضي.

تجمَّد إلياس لثوانٍ، قبل أن يخرج صوته متحشرجًا:

_يعني..هوَّ مش متجوِّزها علشان بيحبَّها زي ماكنت متوقِّع؟

هزَّ يوسف رأسه مرَّةً أخرى:

_لا يا بابا.

قاطعهم صوت ميرال:

_بتعملوا إيه هنا؟ فكَّرتك لسه واقف مع إسحاق.

التفت إليها إلياس:

_لا، إسحاق مشي من دقايق..كنت بتكلِّم مع يوسف في موضوع.

اقتربت منهما وقالت:

_حمزة مُصرّ يخرج هوَّ وشمس، بلاش تضغط عليهم يا إلياس.

تحرَّك للداخل دون رد.

زفر يوسف بغضب، ومسح على وجهه بيده..اقتربت ميرال منه بقلق:

_فيه إيه يا حبيبي؟

_مفيش.

قالها وتحرَّك، فأمسكته من ذراعه:

_بابا كان عايزك ليه؟

طالعها برفعة حاجبٍ ساخرة:

_إيه يا ميرو، من إمتى وإنتي حشرية كده؟ بقولِّك إيه روحي شوفي عريس بنتك هيعمل إيه مع حماه.

_عريس بنتي وحماه، ماشي يا يوسف.

قالتها بتهديدٍ خفيف وهي تراقبه يبتعد.

بالداخل قبل قليل…

كانت شمس تجلس بجوار فريدة على أحد المقاعد، حمحم حمزة واقترب منهما:

_بقولِّك يا تيتا، ماتقنعي الباشا يرضى علينا الليلة، عايز أخرج مع خطيبتي.

ضحكت فريدة بمشاكسة:

_طيب ماتقول إنتَ للباشا.

_لا، الباشا صعب، وخايف يقلب عليَّا.

ثم أضاف وهو يبتسم:

_وأنا مستحمل نفسي بالعافية علشان العسل اللي جنبك دي.

التفتت فريدة إلى شمس:

_عايزين تخرجوا يا حبيبتي؟

نظرت شمس إلى حمزة، ثم عادت ببصرها إلى فريدة:

_عادي يا تيتا، هنا زي برَّة.

_تيتا، سيبك منها دي مكسوفة.

قالها حمزة وهو يشير إليها، لتتورَّد وجنتا شمس مع دخول والدها:

_إيه يا كابتن الحفلة خلصت ولَّا لسه؟

طالعه حمزة برفعة حاجب:

_حفلة إيه يا عمُّو، حضرتك بتسمِّي دي حفلة؟

_أومال إيه الحفلة عندك يا ابن إسحاق؟

_ماقولت لحضرتك، عايز أحتفل بخطيبتي.

ثم اقترب خطوة:

_حضرتك يوم خطوبتك ماخرجتش مع طنط واحتفلتوا؟

جزَّ إلياس على أسنانه، وحدَّق فيه بصمتٍ قاتل قبل أن يقول:

_إنتوا مش كاتبين كتابكم.

دخل يوسف ومعه بلال: 

_خلاص يا بابا، نخرج كلِّنا مع بعض.

ابتسم وأضاف:

_وآسر كمان جه مع بنات عمِّته، خلِّينا نفرَّح شموسة.

قاطعتهم فريدة بحماس:

_طيب بدل ماتروحوا مكان بعيد، إيه رأيكم جاردن المناسبات.. جاهزة وفيها كلِّ حاجة، وكمان ذكرياتكم ترجع.

تمتم إلياس بضيق:

_أحسن برضه، أنا أصلًا مش عاجبني خروجهم لوحدهم.

مال عمران نحوه وهمس:

_يا ابني، إنتَ ناسي نفسك إنتَ مين؟ وفي الآخر بتتطِّرد.

ضحك بخبث:


«أنا لو مكانك كنت خطفتها.»

رمقه بصمتٍ ثقيل، وانزلقت عيناه لا إراديًا نحو شمس الجالسة على بُعدٍ منهما، قبل أن يهمس: 

_موافق، المهمِّ الموضوع يتم..وبعدين عمُّو إلياس مش سهل، وعاجبني خوفه على بنته.

قطع حديثهما صوت يوسف: 

_يلَّا يا حبيبتي، اجهزي علشان نخرج.

ثم التفت إلى والده: 

_ساعتين ونرجع إن شاء الله.

نظر إلياس إلى حمزة نظرةً ثابتة، وقال بنبرةٍ لا تخلو من معنى: 

_أختك أمانة في رقبتك…سامعني؟

حكَّ حمزة مؤخَّرة رأسه، واقترب منه بخطوة: 

_هوَّ ليه حضرتك دايمًا بتحسِّسني إنِّي مش متربِّي؟

رفع إلياس حاجبه، وشاكسه بابتسامةٍ جانبية:

_ بحسِّسك، يعني إنتَ مش حاسس؟

لكزته ميرال بخفَّة، وضحكت فريدة: _خلاص بقى يا إلياس، سيبهم بلاش تنكِّد عليهم.

التفت إليها إلياس، وقال ساخرًا: 

_حتى مدام فريدة أخدتها في صفَّك؟ ده إنتَ لسه لابس الدبلة من ساعة… أومال لمَّا نكتب الكتاب هتعمل إيه؟

ردَّ بمشاكسة: 

هطلَّعك من البيت.

ارتفعت الضحكات وتسرَّبت السعادة إلى أرجاء المنزل، ثم تقدَّم حمزة نحوه، وتوقَّف أمامه بجديَّة مفاجئة: عايزك تثق بيَّا، أنا بخاف على شمس أكتر من نفسي.

قطّب إلياس حاجبيه وقال: 

_قالوا للكدَّاب احلف.

اتَّسعت عينا حمزة: 

_يعني أنا كدَّاب؟

هزَّ إلياس رأسه بخبث: 

_لا يا حبيبي، أنا اللي كدَّاب..وعدتك مليون مرَّة أبعد عن البنت وبعدت؟

_حضرتك بتتريق؟


لوَّح إليه بيده بابتسامةٍ حازمة:

_ يلَّا يا حبيبي، روح احتفل بدل ماأرجع في كلامي.

بعد فترة، تجمَّع الشباب في حديقة الكمبوند التي أنشأها إلياس خصِّيصًا للاحتفالات العائليَّة الخاصَّة، امتدَّت الحديقة على مساحةٍ واسعة مصمَّمة بذوقٍ راقٍ يخلو من التكلُّف؛ ممرَّات حجريَّة ناعمة تتخلَّلها مساحات خضراء مشذَّبة بعناية، وأشجار زينة مصطفَّة تمنح المكان هدوءًا وخصوصيَّة، الإضاءة الدافئة كانت موزَّعة بذكاء، ترسم حدود المكان دون أن تفرض حضورها.

في أحد الجوانب، بدا المطعم كجزءٍ أصيلٍ من الحديقة، بطاولاته الأنيقة المتباعدة وخدمته الهادئة التي تحترم الخصوصيَّة، وعلى مسافةٍ غير بعيدة، انتشرت الملاعب الرياضيَّة، كلٌّ في نطاقه الخاص، تفصل بينها أسوارًا نباتيَّة تمنح التنظيم دون أن تشوِّه المشهد..أمَّا ركن الموسيقى فكان الأكثر هدوءًا؛ منصَّة صغيرة يتوسَّطها بيانو أسود لامع تحيط به مقاعد محدودة، وكأنَّ المكان خُلق ليحتضن النغم لا ليستعرضه.

جلس الجميع حول إحدى الطاولات، بينما انسحب حمزة وهو يتشبَّث بكفِّ شمس، وتوقَّف أمامهم قائلًا: 

_ هنقعد قصادكم هنا.

أومأ يوسف بصمت، وجلست ضي إلى جواره، بينما ظلَّت عيناها معلَّقتين بشمس وحمزة، تنهَّدت قائلةً بنبرةٍ خافتة: 

_ يعني السهرة وقفت على كده؟

اقترب يوسف وهمس بجوار أذنها: 

_هنعوَّضها إن شاء الله بلاش نزعَّلهم… بابا كان مستحيل يوافق غير كده.

أومأت بتفهُّم، ثم قالت:

_ معرفش عمُّو متشدِّد قوي معاهم ليه، هوَّ فيه أحسن من فترة الخطوبة.

توقَّفت لحظة قبل أن تضحك بخفَّة:

_ ياريت الزمن يرجع لورا، كنت اتشرَّطت على الخطوبة.

رغم أنَّها نطقتها بمزاح، إلَّا أنَّ كلماتها وخزت قلبه..عاد بشروده إلى مافعله معها من قبل، فمال عليها وسحبها تحت ذراعيه:

_يعني أنا مش عاجبك؟

رفعت عينيها إليه، لتلتقي بنظراته التي صارت بالنسبة لها نور الحياة، وقالت بصدقٍ دافئ، وقد ارتسمت ابتسامةً خجولةً على شفتيها:

صدَّقني مايهمِّنيش غير وجودك، أنا كنت بهزَّر.

ابتسم، وتقابلت نظراتهما كترانيمٍ صامتة، تحمل ماتعجز الكلمات عن قوله، رفع إبهامه ولمس وجنتها برفقٍ لا يكاد يُرى، فابتعدت برأسها سريعًا وهي تهمس بخجل:

_يوسف، بتعمل إيه؟

حمحم بخفَّة وتراجع خطوةً للخلف، متصنِّعًا اللامبالاة، وهو ينظر إلى الجمع من حولهما.

بينما كانت رولا تجلس بجوار بلال، تميل بجسدها نحو آسر، تُقرِّب رأسها من أخيها وهي تنظر في هاتفه، تبتسم حينًا وتعبس حينًا آخر، بينما كان بلال غارقًا في شاشة هاتفه، يتصفَّح بلا اكتراث متصنِّعًا الانشغال.

وعلى الجانب الآخر، كانت سدن وآسيا تقفان معًا، تتفحَّصان المكان بفضولٍ واضح؛ نظراتهما تدور في أرجاء الحديقة، تلمع أعينهما بدهشةٍ صامتة، فالمكان يبدو جديدًا عليهما، لأنَّهما تريانه للمرَّة الأولى.. 

ساد المشهد الهدوء إلى أن هتف يوسف:

_آسر بتعمل إيه؟.

رفع رأسه ينظر إليه:

_كنت بشوف حاجة، إيه إحنا جايين نقعد؟..دار برأسه في المكان ثم نهض وقال:

_هشوف حاجة تغيَّر المود..قالها 

وتحرَّك، فركضت خلفه سدن:

آسر…آسر، إيه البتاع ده؟

توقَّف، وضع كفَّيه في جيبي بنطاله، وحدَّق في تلك المرجوحة الضخمة، قبل أن ترتسم ابتسامة مشاكسة على شفتيه:

دي مرجوحة بتطير فوق، والبنات الهبل بيصرخوا.

اتَّسعت عيناها بدهشة:

‏What؟!

يعني إيه؟!

اقترب منها خطوة، ثم أشار إلى أحد العاملين:

شغَّلها يا عمِّ محسن.

دارت المرجوحة أمام عينيها، فصفَّقت بلهفة، وتعالت صرختها:

واو!…آسيا تعالي، أنا كده عرفت هنعمل إيه.

خطت آسيا نحوهما، وتوقَّفت تتابع بعينيها تلك المرجوحة التي ترتفع في السماء، وكأنَّها تتحدَّى الجاذبية.

في تلك اللحظة، نهضت ضي واقتربت منهم:

إيه رأيك يا آسر نلفِّف فيها بنات عمِّتك؟ ماجوش هنا من سنين..فاكر لمَّا كنت بتضحك عليهم؟

قهقه وهو يشير إلى سدن:

آه فاكر لمَّا الأستاذة جابت لي الشتيمة.

اقتربت منه تعانق ذراعه وتقول برجاء:

طب وحياتي قولِّي إيه اللي حصل.

يووووه…

نطقها هو وضي في التوقيت ذاته، فارتفعت ضحكاتهما.

لكن ضي صمتت فجأة، إذ تذكَّرت حديث يوسف، ثم أشارت إلى آسر:

هشوف يوسف لو ينفع نركب زي الأوَّل.

عند بلال…

كان يتحدَّث مع يوسف، بينما كانت رولا تتابع حديث ضي وآسر من بعيد..

دارت عيناها في المكان، إلى أن وقعتا على حمزة.

وضعت كفَّها تحت وجنتها، تراقبهم بشرود.

كان حمزة يتحدَّث مع شمس، وضحكاتهما ترتفع، بينما كانت هي تبتعد بنظراتها عنه بخجلٍ واضح.

شردت رولا في جلستهم وتخيَّلت نفسها مكانهم، ثم انساقت بخيالها بعيدًا، دون أن تشعر بنفسها إلَّا وهي تعانق ذراع بلال الجالس بجوارها..

ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ بريئة زادت من جمالها وهي تتابع شمس وحمزة متناسيةً كلَّ ماحولها.

التفت بلال فجأة، وحدَّق في كفَّيها المتشبِّثتين بذراعه.

لاحظ يوسف توتُّره، فنهض قائلًا:

هشوف ضي وأشوف آسر كان رايح يغيَّر المود، وأنا اللي مودي طفش.

أومأ بلال مرتبكًا لم يفهم تمامًا ماقاله يوسف..

كلُّ ماكان يشعر به لمساتها الحانية، ورغم ذلك، كانت نارًا تكويه من الداخل.

دقََّق النظر في وجهها القريب، ثم انزلق بصره إلى شرودها، لتقع عيناه على حمزة وهو يحتضن كفَّ شمس ويتحدَّث بسعادة.

حمحم، وتراجع بجسده خطوةً إلى الخلف.

هنا فقط فاقت رولا من أحلامها، لتنظر بدهشةٍ إلى قرب جسدها منه، بعد أن جذبها ثم ابتعد:

_آسفة شردت. 

لم يردّ عليها، بل أمسك هاتفه وتصنَّع انشغاله به، رمقته بعينٍ لمعت بالدموع، شعر بمراقبتها، فرفع رأسه إليها، تعلَّقت عيناه بعينيها، هزَّة عنيفة أصابت جسده من دموعها التي شعر بأنَّها تنفذ لصدره: 

_بتبصِّي لي كدا ليه؟

سحبت نظرها ولم ترد..وصلت إليها ضي تسحب كفَّها:

_تعالي نركب الطبق الطاير يا بت، فاكرة زمان، فرصة الليلة نرجع نتشاقى .

هبَّ من مكانه: 

_إنتي اتجنِّنتي، مفكَّرة نفسك طفلة!!

_بقولَّك إيه، خلِّيك مع صاحبك مالكش دعوة..

قالتها وسحبت كفَّها، توقَّف يوسف أمامهما:


_اهدي، إنتي مابقيتيش صغيرة.

_خلاص بقى يا حبيبي مش هيحصل حاجة، ماتيجي معانا.

رفع حاجبه ساخرًا، وعيناه تجولان في المكان:

_ نعم يا أختي؟ مش ناقصني غير أتمرجح!

سحبت ضي كفَّ رولا وهي تتمتم بغيظ: 

_خلاص، روح للنكدي اللي شبهك.

قطَّب جبينه بعدم فهم، يتابعها بنظرةٍ مستفهمة.

عند حمزة…

_على فكرة، بقالي ساعة بتكلِّم وإنتي ساكتة.

هزَّت كتفيها بلا اكتراث، وعيناها تتَّجهان نحو أخيها المتوقِّف غير بعيد، يراقب تحرُّكات ضي ورولا: 

_أقول إيه؟ مفيش حاجة أحكيها.

تأمَّلها قليلًا، ثم سأل بنبرةٍ أهدأ:

_شمس، إنتي فرحانة علشان اتخطبنا؟

صمتت، تفرك أصابعها بتوتُّر خفي:

_خلاص بقى، يعني هكون زعلانة؟

مال بجسده مقتربًا من جلستها، ينظر في عينيها بعمق: 

_طيب، مفيش كلمة حلوة في ليلة حلوة زي دي؟

تورَّدت وجنتاها، وابتعدت برأسها عن قربه: 

_حمزة لو سمحت مينفعش كده.

رفع كفَّها وقبَّله لتسحبه سريعًا، وعيناها تتَّجهان بفزعٍ نحو أخيها الذي التقط المشهد، لم تمضِ لحظات حتى اقترب منهما:

_مش عايزة تطيري إنتي والكابتن مع المجانين دول؟

ابتسمت شمس، ثم توقَّفت حين رأت ضي يساعدها بلال في الصعود إلى الأرجوحة، فقالت بعينين لامعتين:

_ آه، ياريت نفسي أركبها قوي.

اتَّجه بصر حمزة إلى مايتحدَّثون عنه، ثم نهض مقتربًا منها:

_ نعم!! تركبي إيه، اتجنِّنتي؟ لا طبعًا، أنا مش موافق.

_ليه؟ دي جميلة.

_شمس، مابحبِّش التفاهات دي.

مدَّ يده إليها بحزم:

_تعالي نتمشَّى شوية، ماخلَّصتش كلامي.

_رايحين فين؟

أشار بيده نحو المكان المخصَّص للموسيقى:

_ هنرقص، ولَّا دي ممنوعة؟

ابتسم ابتسامةً خفيفة، وقال بثبات:

_والله في قوانين إلياس لا يجوز…إنَّما في قانوني أسرق سعادتي من الدنيا، بس من غير تجاوز..

أنا بتكلِّم مع حمزة ابن عمِّي إسحاق… مش حمزة الحبِّيب.

ضحك بخفَّة:

-وإيه الفرق يا دكتور؟

-الفرق كبير يا كابتن.

ثم أشار:  

_يلَّا شوفوا رايحين فين وبلاش رقص، معلش بكرة لمَّا تبقى مراتك اعمل اللي إنتَ عايزه، متنساش لسة موضوع الفرح معلَّق مع بابا، وممكن يجي في أي وقت، وأنا مايرضنيش إنِّ أختي تبقى في حضن راجل. 

_حضن راجل غريب!! أنا كدا يا يوسف؟!

_حمزة الصحِّ صح والغلط غلط، بلاش نعمل غلط ونرجع نندم، كفاية إنِّنا مش محافظين في كلِّ حاجة. 

_خلاص فهمتك، قالها وتحرَّك للمكان المخصَّص بالموسيقى. 

بينما اتَّجه يوسف ليجلس في مكانه، منتظرًا بلال الذي كان يساعدهم على الصعود.

صعدت رولا الدرج بخطواتٍ متردِّدة، وماإن وصلت حتى فوجئت به يحملها ويضعها في موضعها برفق: 

_كده أحسن..معلش، ماهو أنا زي يوسف.

شعرت بغصَّة تخنق صدرها، وعلَّقت عيناها بعينيه تتمنَّى لو تنطق بما يجول بخاطرها..لكنَّها صمتت.

بعد قليل…

همسات وضحكات خافتة وكلٌّ يعيش لحظته بطريقته…

دون أن يدرك أحدهم أنَّ بعض القلوب كانت على وشك أن تنكشف..ولو بنظرة.


نظرت من خلف الزجاج  تتأمَّل النجوم المتلألئة في السماء:

_ السما صافية النهاردة، مع إنِّنا داخلين على الخريف.

ابتسم لها، ورفع فنجانه يرتشف منه بهدوء:

_ يمكن بتحتفل بينا.

أعادت النظر إليه، وتغيَّرت نبرتها قليلًا:

_ ماما قالتلي إنَّك هتسيب شغلك، أنا مش معاك في القرار ده.

شعر بسعادة خفيَّة، كأنَّ اعتراضها اعترافًا غير مباشر بالخوف عليه.

_ وإنتي رأيك إيه؟

_ طبعًا مش موافقة، ليه تضيَّع حلمك، ينفع بعد السنين دي كلَّها تتنازل، وعشان إيه؟

أجاب بهدوءٍ صادق:

_ عشانك.

توقَّف لحظة ثم تابع:

_ كنت مستعدّ أعمل أكتر من كده، المهمِّ تكوني معايا، أقعد جنبك زي دلوقتي وأنا مرتاح، مش حاسس إنِّي بسرق..أنا بقيت عامل زي المراهق.

مدَّ كفَّيه وسحب كفَّيها يحدِّق في عينيها:

_ ومستعد أتنازل أكتر من كده، المهمِّ أحسّ إنِّك بتدافعي عن حبِّنا.

سحبت كفَّيها سريعًا، وارتجف جسدها وعجزت عن الرد.

_ شمس..تمتم باسمها بصوتٍ رجوليٍّ هادئ.

رفعت عينيها إليه.

_ إنتي حاسَّة باللي أنا حاسس بيه؟

أنزلت نظراتها إلى الأرض:

_ معرفش إنتَ حاسس بإيه…بس أنا سعيدة إنِّنا اتخطبنا.

تنهَّد تنهيدةً ثقيلة خرجت من أعماق صدره، وعيناه تتأمَّلان ملامحها كما يتأمَّل فنان لوحته الأخيرة:

_ المهمِّ إنِّك سعيدة، ده كفاية يخلِّيني أكون مالك الأرض وماعليها.

لمعت عيناها ونطقت دون وعي:

_ «هنفضل نحبِّ بعض كده، ولَّا نرجع نندم؟»

صمت للحظات، يحاول استيعاب ماقالته..

هل نطقت فعلًا بكلمة نحب!!

أم أنَّ فرحته خانته، فرسمت له ماتمنَّى سماعه؟

رفع نظره إليها ببطء، وقال بصوتٍ خرج متردِّدًا:

_إنتي قولتي إيه؟

تلاعبت بفنجانها، ابتسامة خفيفة هاربة ارتسمت على شفتيها، تتجنَّب عينيه:

_أممم…

قطع صمتها سريعًا، كأنَّه يخشى أن تعود الكلمات أدراجها: 

_رجعنا نسكت تاني؟

ثم أضاف بابتسامةٍ جانبية:

_تعرفي، وإنتي صغيرة كنتي شقية أوي.

رفعت رأسها تنظر إليه، تنتظر تكملة حديثه.

ضحك ضحكةً رجوليَّةً صافية، كأنَّ الذكرى أعادته سنواتٍ للخلف:

_كنت بحبِّ أضايقك، بس يوسف كان مجنون خوف عليكي.

سكت لحظة ثم تابع:

_في مرَّة روحتي معيَّطة بسببي.

كانت تستمع إليه بشغفٍ واضح، ملامحها لانت، فاسترسل:

_كنا بنلعب هناك كده…

قالها وهو يشير إلى مكانٍ ما، يبدو أنَّه تغيَّر كليًّا، تحوَّل الآن بلمساتٍ حديثة وتكنولوجيا متطورة.

_كنت بلعب أنا ويوسف تنس، وإنتي كنتي قصيرة أوي، وجيتي عايزة يوسف يركَّبك العجلة.

ضحك وهو يهزُّ رأسه:

_وأنا كنت مفروس، علشان كان فايز عليَّا بالسكور.

تنفَّس بعمق، وعاد صوته أكثر هدوءًا: _كلِّ مرَّة كنت أنا اللي أكسب، بس المرَّة دي دماغي مكنتش مركِّزة..

كنت داخل على امتحانات الثانوية، وبابا كان جايبنا أجازة لمصر علشان عمُّو فاروق كان تعبان.

نظر إليها وكأنَّه يراها كما كانت: _يوميها جينا نزوركم، وكانت أوَّل مرَّة أشوفك اليوم ده..

لمَّا سألت بابا بعد رزالتك عليَّا، قالِّي إنِّك كنتي مسافرة برَّة مصر مع والدتك ولسه راجعين.

ابتسم بحنين: 

_أنا أصلًا جيت كذا مرَّة لعمُّو أرسلان، كنت بشوف ضي ورولا، بس إنتي..

هزّ رأسه نفيًا:

_مكنتيش موجودة.

لاح الحزن في ملامحها، ذكرى قديمة انسحبت إلى عينيها.

تذكَّرت حديث والدتها عن تلك الفترة، 

فصمتت واكتفت بالاستماع إليه، بينما قلبها يثقل بكلِّ مالم يُقال يومًا.

يومها ربطت شعرك في الكرسي، وإنتي عيَّطي كتير، وبلال ويوسف اتخانقوا معايا وروَّحت زعلان، فضلت سنتين ماجيش عندكم، بعدها جيت مرَّة واحدة بس ماشفتكيش غير من بعيد، كنت نسيت الموقف. 

_يعني ربطلي شعري في الكرسي، وكمان نستني!..صمتت متذكِّرة أوَّل لقاء بينهما: 


_أيوة صح، دا إنتَ مكنتش فاكرني.

اقترب بجسده منها، حدَّق داخل عينيها بنظرةٍ صادقة، صوته خرج منخفضًا لكنَّه ثابت:

_بس خطفتيني.

تنفَّس بعمق وأكمل:

_آه، منكرش إنِّي نسيت، سنين يا شموسة، وبعدين كبرنا.

ابتسم بحنانٍ موجع:

_بس بعد كده، ماغبتيش عن قلبي ثانية واحدة.

رفع كفَّيه ليعانق كفَّيها، ضغط عليهما كأنَّه يثبِّت وعدًا: 

_وأنا بوعدك، وعد حبيب خطفتي دقَّات قلبه، دايمًا هتكوني شمس حياتي، ودايمًا هكون مصدر سعادتك.

ارتعش صوتها، وخرج الاعتراف أخيرًا بلا مقاومة: 

_حمزة…أنا بحبَّك.

لحظة واحدة…

وكأنَّ الكون وماعليه توقَّف عند تلك الكلمة..ليرتجف القلب والجسد دون وعي، اندفع نحوها، ورفعها بين ذراعيه يدور بها في سعادةٍ مجنونة، وضحكاته ترتفع بلا تحفُّظ:

_وأنا بحبككك!

التفت يوسف وبلال على صوته.

ابتسم بلال على جنونه، وسرحت عيناه مباشرةً إلى تلك الجنيَّة التي تستقلُّ الأرجوحة، تطير في السماء، تتشبَّث بأخيها وتضحك بصوتٍ عالٍ..كأنَّها طفلة عادت لستِّ سنوات.

بينما يوسف، لم يرفع عينيه عن أخته..

أنزلها حمزة أخيرًا، واحتوى وجهها بين راحتيه، وأنفاسه متسارعة: 

_أنا بحبِّك أوي يا شمس…أوي.

اقترب أكثر:

_لو دقَّات قلبي خرجت لحبِّك، لأغرقت العالم.

أنزلت كفَّيه بهدوءٍ مرتجف، وتراجعت خطوة، شفتيها ترتعشان: 

_حمزة..مينفعش كده لو سمحت.

أخفضت صوتها:

_إحنا مش مكتوب كتابنا، وإنتَ سمعت بابا قال إيه.

لم يعاندها، سحب كفَّيها بلطف، ساعدها على الجلوس وجلس مقابلها: 

_باباكي دا أنا بحبُّه أوي على فكرة…

ابتسم ثم أردف بصدق:

_بس أكيد مش أكتر منِّك.

توقّف لحظة، ثم اعتدل بنبرته: _المهم…بما إنِّك اتكلِّمتي على ماينفعش.

تغيَّر صوته قليلًا:

_أنا معجبنيش قربك من بلال.

فتحت فمها لتتحدَّث، لكنَّه رفع سبَّابته، وانحنى بجسده مقتربًا، ونظرته حازمة:

_حتى لو أخوكي يا شمس.

تابع بهدوءٍ قاطع:

_بلال ابن عمِّك، حطِّي دي في عقلك..

_يعني ينفع يتجوِّزك، مش محرَّم عليكي.

سكت حمزة لحظة، ينظر إليها بعينين مليئتينِ بالمزيج بين الغيرة والحب، ثم قال بنبرةٍ أقلَّ حدَّة، كأنَّه يحاول ضبط أعصابه:

_عارف علاقتكم ببعض، بس أنا رافض القُرب ده.

نظرت إليه بثبات، لم تُجادل ولم تُدافع، فقط أومأت برأسها:

_تمام…حاضر.

اقترب خطوة، وصوته أصبح أهدأ وأكثر صدقًا:

_شمس، ماتزعليش، أنا مش هقولِّك «أنا راجل بغير» لأنِّ ده شعور طبيعي، بس متخلِّيش الموضوع يخلِّيني أوصل لمرحلة مش كويسة.

تنفَّست شمس بعمق، وقالت بنبرةٍ مستسلمة:

_حاضر يا حمزة…خلاص أنا عرفت إنِّي غلطت، وبابا كمان كلِّمني وقال مينفعش كده.

قبل أن يرد دخل يوسف يبتسم والفرحة تتلألأ في عينيه، ومعه بلال والعامل يحمل كعكةً كبيرةً مزيَّنةً بعناية، كُتب عليها بخطٍّ رقيق:

«ألف مبروك للعروسين».

التفتت شمس نحو أخيها، وعيناها تتلألآن بالدهشة والفرح، ركضت نحوه:

_يوسف!

فتح ذراعيه وضمَّها بقوة، يقبِّل جبينها بحنانٍ أخويٍّ صادق:

_مبروك يا حبيبتي، ربِّنا يسعدكم ويهنِّيكم.

رفع نظره إلى حمزة مبتسمًا بنصف ابتسامةٍ مازحةٍ ونصفها تحذير:

_وطبعًا مش هوصِّيك عليها… متزعَّلهاش، عشان لو زعَّلتها مش هتشوف ضفرها.


لحظات وتحوَّل المكان بدفءٍ مختلف، لم يكن الاحتفال صاخبًا بقدر ماكان حميميًّا، صُنع خصِّيصًا من قلب أخٍ لأخته..الإضاءة كانت دافئة تتلألأ كنجومٍ صغيرة، وطاولةٌ مزيَّنةٌ بالورود البيضاء والوردية، تتوسَّطها الكعكة بخطٍّ رقيق يحمل اسم شمس، وكأنَّها توقيع محبة لا يُخطئه سوى القلب.

تجمَّعت الفتيات حول شمس في دائرةٍ صغيرة، ضحكاتهنَّ تتعالى بصدق، بلا تكلُّف، يصفِّقن مع الموسيقى ويتمايلن بخفَّة، كلُّ واحدة منهنَّ تحاول أن تخطف لحظةً تعبِّر عن سعادتهم...سحبت سدن شمس في المنتصف وأمسكت كفَّيها تدور بها وهي تضحك بخجلٍ، ووجنتاها احمرَّت بفرحةٍ صافية، بدأت تتمايل معهنَّ وكأنَّها طفلةٌ تُحتفى لأوَّل مرَّة.

اقترب يوسف خطوة، يراقب خجلها بابتسامةِ فخرٍ لا تُخفيها، فرحته لم تكن بخطوبة أخته فقط، بل لأنَّه سبب في هذه اللحظة، في هذا الفرح الصافي الذي يليق بها..ارتفعت الموسيقى، وتعالت الزغاريد والضحكات، واختلطت بأصوات التصفيق، فيما كانت الفتيات يردِّدن الأغنية بحماس، يمددن أيديهنَّ لشمس ويجذبنها للرقص، وكأنهنَّ يقلن لها دون كلمات:

النهاردة يومك…وفرحتك دي لينا كلِّنا.


اقتربت ضي تسحب يوسف برفق، تتراقصان معًا وسط السعادة التي غمرت وجوه الجميع..دقائق من الصخب الممزوج بالبهجة الصافية، قبل أن يهدأ المكان تدريجيًّا، وتُعزف موسيقى هادئة تمهِّد الجوَّ للحظاتٍ أكثر حميميَّة.

نهض حمزة، بسط كفَّيه نحو شمس:

_مش هرتاح لمَّا أرقص معاكي.

التفتت ضي إلى يوسف، الذي زمَّ شفتيه بتردُّد..ضغطت ضي على كفِّه تحثُّه على الموافقة:

_اختمها بقى، خلِّي اليوم ينتهي بسعادة كاملة.

رفع يوسف عينيه نحو أخته التي كانت تنتظر ردِّه، وتراجعت تهزُّ رأسها رافضةً بعد صمتٍ قصير:

_خلاص بقى يا حمزة إحنا اتكلِّمنا…

لكن يوسف قطع حديثها حينما أمسك كفَّ ضي بلطف:

_يالَّه، همَّا بس اللي هيرقصوا.

ابتسمت ضي تحتضن ذراعه، وتغمز لشمس التي لمعت عيناها بالسعادة.. ثم تراجعت إلى مكان جلوس بلال ورولا:

_يالَّه، أنتوا كمان فرصة لا تعوَّض.

_نعمل إيه؟ 

–سأل بلال بتردُّد.

_هتستعبط يا دوك، دا أنتوا مفيش فرح لمَّا كنتوا بترقصوا مع بعض… عايزين فرحة البت تبوظ؟ 

قالت ضي بمزاح، ليردَّ بلال مبتسمًا:

_نعم يا أختي.

انحنت ضي لتسحب كفَّ أخيها لحظة، متوقَّفةً عن الحركة:

_هفهِّمك بعدين جوزي هيزهق منِّي، واقف لوحده ودا جنتل وخايفة يزعل.

ضحك بلال بجوارها، وتحرَّك خطوةً للأمام، ثم توقَّفت فجأة:

_إنتَ جاي ورايا وسايب مراتك…إيه الرجَّالة دي؟ لا، ودكتور، دا عايز يتعلِّم ألف باء!

قالتها ضاحكةً ثم تحرَّكت بسرعة نحو يوسف، بينما التفتت إلى رولا، فوجدتها مازالت بمكانها، وابتسامةٌ حزينةٌ تلمع في عينيها..خطا بلال نحوها، ومدَّ يده:

_اعتبريني زي آسر، وارقصي معايا.

توقَّفت رولا للحظةٍ بصمت، ثم اقتربت منه بعدما جاء آسر وآسيا وسدن وانطلقوا جميعًا في الرقص:

_رايحين فين؟! سأل آسر بدهشة.

_هنرقص، تعال إنتَ كمان.

توقَّف ينظر إلى البنات، وقال بلال مازحًا:

_كدا عايزين راجل كمان، بس عادي… ممكن أرقص مع الاتنين.

ضحك آسر عليه:

_طيب يا عريس، ارقص مع مراتك الأوَّل، وبعد كدا طول النظر.



القسم الثاني 40


سحب كفَّ رولا برفقٍ وتحرَّك بها نحو ساحة الرقص، خطت خطوةً واحدة كانت كفيلة بأن تُربكها؛ رجفةٌ خفيفة سرت في جسدها ماإن شعرت بدفء يده يلتفُّ حول أصابعها..رغم أنَّها رقصت معه كثيرًا، وكانت دائما قريبةً منه، إلَّا أنَّه الآن تغيَّر، انتفض جسدها بقشعريرةٍ حينما لفَّ ذراعيه حول خصرها، سحبها إليه دون مقاومة، كانت رقصتهما في البداية بطيئة، خجلة، لا استعراض فيها ولا تكلُّف..خطواتٌ متناسقة بينهما كعدد أنفاسهم، رفع كفَّها لتدور دورانًا خفيفًا ثم  يعيدها إلى صدره، لفحت أنفاسه وجهها ولم تعد تشعر بجسدها، ولا بالأرض من تحتها؛ كلَّ ماأدركته هو حضوره القريب، وثبات يده حول خصرها كأنَّه يعلنها أنَّها ملكه، وأمَّا عن قلبها فكان إيقاع قلبٍ لا تعرف إن كان قلبها أم قلبه.

هربت بعينيها بعيدًا عن مرمى نظره، تحاول ألا تلتقي بعينيه، حتى لا تسقط غريقةً باعترافٍ لا تملك له إنكارًا مع قلبها العنيف، كيف ومتى ولماذا؟ همست لنفسها، بالكاد تسمعها، 

إنَّه عِشق، هل أنا بحبُّه..إمتى..وإزاي؟

رفعت عينيها إليه فجأة، كأنَّ السؤال أجبرها على النظر اليه..كان يراقبها بصمت، تلاقت أعينهما للحظاتٍ بدت طويلة، فشعرت بقلبها يخون صمتها..

لتهمس، قالت بصوتٍ مكسور :

_مش قصدي أزعَّلك، متزعلش..أنا اضيَّقت من كلامك ليَّا، ومن اتِّهاماتك دايمًا.

كان يستمع إليها وهو مايزال يراقبها، لم يفلت خصرها، ولم يشدَّها أكثر..

فقط قرَّب جبينه قليلًا، وقال بهدوءٍ صادق: 

_رولا، لو سمحتي بلاش تضغطي عليَّ، مش هعيد كلامي، وزي ماقولت قبل مانخرج، نتعامل قدَّام الكلّ إنِّنا متجوِّزين. 

_آسفة، قالتها وتراجعت. 


بعد فترةٍ عاد الجميع إلى منازلهم، بينما توقَّف حمزة مع شمس أمام سيارته يستعدُّ للمغادرة..ساد صمتٌ قصيرٌ قبل أن يقطعه بصوته الهادئ:

_ هغيب أسبوع، هتوحشيني.

اقتربت منه خطوتين، ونظرت إليه بجديَّةٍ لم تُخفِ قلقها: 

_ ماردِّيتش عليَّ، هتعمل إيه في موضوع الشغل، أوعى تتنازل عن وظيفتك، سامعني؟

ابتسم بخفَّة، يحاول التخفيف:

_وظيفتي! ليه بتحسِّسيني إنِّي مش لاقي آكل؟

شدَّت على نبرتها:

_ حمزة لو سمحت ماتهزَّرش، اهتمّ بشغلك..مش عايزة أكون سبب إنَّك تنزل عن مستواك، سمعت من بابا إنَّك كنت الأوَّل على دفعتك، وده كان السبب الرئيسي في رفضه لجوازنا.

تقدَّمت خطوةً أخرى حتى صارت أمامه تمامًا، وعيناها ثابتتان: 

_ لو تهاونت أو حاولت تتنازل عن كيان حمزة الجارحي، يبقى اعتبر العلاقة اللي بينَّا منتهية، أنا جوزي لازم يتقدِّم مايرجعش ورا..قالتها دون وعي..

أضاءت ابتسامةٌ صادقة وجهه، وقال بثقة:

_ وجوزِك بيوعدك…هيشرَّفك.

اتَّسعت عيناها لوهلة؛ أدركت أنَّها نطقت بما لم تقصده وعيًا، حمحمَت وتراجعت نصف خطوة:

_ خلِّي بالك من نفسك…وبلاش تسهر كتير.

ضحك بخبثٍ لطيف: 

_ أوووه، أسراري كلَّها عندك.

رفعت حاجبها ساخرة: 

_ أسرار إيه يا كابتن؟ ده الكمبوند كلُّه عارف كلِّ حاجة عنَّك، والبركة في عمران.

— ابن الـ…، طيِّب يا شمسي، في أوامر تانية؟

هزَّت رأسها، وابتسامة رضا أنثوي تعلو ملامحها: 

" لا إله إلا الله."

" محمد رسول الله"…سلام.

قالها، واستقلَّ سيارته ليغادر المكان كلِّه، تاركًا خلفه قلبها الذي يخفق بقوَّة من الاشتياق اليه من الآن. 


مساء اليوم التالي بمنزل يوسف..

خرجت من الحمَّام تبحث عنه، فوجدته واقفًا في الشرفة يتحدَّث في هاتفه، جلست أمام المرآة تُجفِّف خصلاتها، ثم تركتها تنسدل وسحبت كريماتها تضعها برفق على يديها..دلف إلى الداخل، فالتقت عيناه بهيئتها التي تُعيده مراهقًا في كلِّ مرَّة، وقف يتابع ماتفعل بصمتٍ ثقيل.

رفعت خصلاتها إلى الأعلى وجمعتها بإحدى فيونكات الشعر ليظهر عنقها.. ثم رفعت ساقيها أمامها، وبدأت تفرد المرطِّبات عليهما، هنا نفد صبره؛ دنا منها بخطا سلحفية حتى أحاط بمقعدها، ودفن وجهه في عنقها:

_ النهاردة قلتي لو يرجع بيَّا الزمن قبل الخطوبة كنتي عملتي حاجات..

أغمضت عينيها متأثِّرة بقربه، استدار وجلس أمامها على المقعد، رفع ساقيها فوق ركبته، وأخذ منها المرطِّب يفرده بهدوءٍ ناعم..كانت تراقبه وقلبها يدقُّ بعنف، رفع عينيه إليها:

_ سامعِك…كنتي هتطلبي إيه؟

ارتجفت شفتاها، وعجزت عن الرد. صمتٌ قصير، لكن العيون كانت تتحدَّث بما يكفي، انحنى يرفع ذقنها:

_ عارف إنِّك اتظلمتي في الجواز من أوِّله، وعارف إنِّ بابا ضغط عليكي علشان توافقِي.

انسالت دمعةٌ من عينها، عادت بها الذاكرة إلى تلك الأيام وحديث إلياس يتردَّد في رأسها: 

“أنا معرفش شعورك ناحية يوسف إيه، بس نفسي تكوني مراته.”

توسَّعت عيناها بدهشة، وابتلعت ريقها: 

_ يوسف ابن عمِّي!! مفيش بينَّا مشاعر، بس بحترمه.

_ طيِّب…إيه رأيك فيه كزوج؟

_ يوسف رافض الجواز.

_ عارف، علشان كده بسأل..في مشاعر من ناحيته، ولَّا مش في دماغك؟

_ معرفش، بس هوَّ غالي عندي قوي.

نظر في عينيها طويلاً، بنبرةٍ هادئة لكنَّها حادَّة:

_ طيِّب، تزعلي لو اتجوِّز؟

تردَّدت: 

_معرفش…

اقترب أكثر، وصوته انخفض: 

_ متعرفيش، ولَّا مطمِّنة إنُّه مش هيتجوِّز؟


فاقت من شرودها على لمساته، نظرت إليه بعينين يسبح فيهما العشق:

_سرحانة في إيه؟

_ فيك، ماكنتش أعرف إنِّي هحبَّك كده.

نهض من مكانه ودلف إلى الداخل للحظات، ثم عاد وهو يحمل علبة مجوهرات أنيقة، جلس أمامها، فتحها بتمهُّل وأخرج عقدًا باهظ الثمن يتوسَّطه حجرٌ لامع..وقف خلفها، ألبسها إيَّاه، ثم طبع قبلةً خفيفة على عنقها: 

_ كلِّ سنة وإنتي في حضني، وقريبة من قلبي.

ضيَّقت عينيها، ثم شهقت حين أدركت..غدًا عيد ميلادها. 

استدارت نحوه، ودفنت نفسها بين ذراعيه:

_ وإنتَ حبيبي وحياتي.

ضحك بخفوت: 

_ لو مش عاجبك، نغيَّره وتجيبي اللي يعجبك.

هزَّت رأسها بإصرار:

_ لا، يا حبيبي حلو قوي.

نظر إلى ساعته، ثم أشار إلى فستانٍ أحمر قصير:

_ البسي ده، علشان ننزل نحتفل على مزاجي..

تردَّدت لحظة، نظرت إلى الفستان ثم إليه: 

_ هنروح فين؟

اقترب منها، ولامس خدَّها بطرف أصابعه، وصوته خرج واثقًا ودافئًا: 

_ اجهزي بس، والباقي عليَّ.

ابتسمت، وفي ابتسامتها وعدٌ صغير بليلةٍ مختلفة

دقائق وطرقت زهرة على الباب: 

_الدكتور منتظرك في الحديقة الخلفيَّة عند البيسين الخاص. 

أومأت لها ثم قالت بابتسامة: 

_ميرسي يا زهرة..ممكن تساعديني، مش عارفة أقفل العقد. 

خطت إليها وتوقَّفت خلفها، تنظر لجمالها من خلال انعكاسها بالمرآة:

_طالعة قمر أوي، حلو قميص النوم دا. 

ضحكت ضي بصوتٍ مرتفعٍ قائلة:

_دا مش قميص نوم، والله إنِّك غلبانة، هوَّ فيه قميص نوم بيكون مقفول كدا. 

شهقت تضرب على صدرها:

_ودا مقفول؟!. 

أنهت زينتها بأحمر شفاه، ثم استدارت إليها وقالت:

_انزلي يالَّه وأنا نازلة خلاص؛ قالتها وهي تسحب عطرها تضع منه ثم نظرت لهيئتها بتقييم وخرجت تشير إلى زهرة:

_لو مش هتعبك، لمِّي الحاجات دي، وظبَّطي الأوضة، مالحقتش أعمل حاجة... 


هبطت إلى الأسفل، وماإن وصلت إليه حتى وجدته ينتظرها بحلَّته الكلاسيكية الأنيقة، كعريسٍ في ليلة زفافه.

تقدَّمت بخطواتٍ متردِّدة فوق المسار الذي رسمه لأجلها بالإنارة الخافتة والزينة المتناثرة، تتلفَّت حولها بذهولٍ ممَّا يدور، كأنَّها تسير داخل حلمٍ حقيقي.

توقَّف أمامها، رفع كفَّيها يقبِّلهما برفق، فدفنت نفسها في أحضانه، والسعادة تطفو على ملامحها بصفاءِ طفلٍ عثر على لعبته المفضَّلة.

أمسك كفَّيها وجذبها إليه، تراقصا على أنغامٍ هادئة لبعض الوقت، عالمهما منغلقٌ عليهما فقط.

ثم ظهرت زهرة، تدفع عربةً صغيرةً فوقها كعكة عيد الميلاد، تتوسَّطها عبارة مضيئة:

"كلِّ سنة وإنتي حبيبتي"

اتَّسعت ابتسامتها، أغمضت عينيها وأطفأت الشموع وسط تصفيقٍ خافت منه، وماإن انتهت حتى رفعت ذراعيها تعانقه بقوَّة، طبعت قبلةً عاشقةً على خاصَّته، وهمست قرب أذنه بكلماتٍ غارقة في العشق.

مرَّ الوقت في جوٍّ من الرومانسية الدافئة، جلست بين ذراعيه يطعمان بعضهما الفواكه، حتى تنهَّدت فجأةً وقالت بنبرةٍ قلقة:

_انا رحت للدكتورة النهاردة، والحمد لله النتيجة كويسة 

كان يستمع اليها باهتمام، وهو يطعمها، توقفت عن الحديث، تنظر للمياه بحزن 

_انا خايفة اوي، خايفة ميكنش عندي اطفال 

رفع ذقنها ونظر لداخل عيناها

_حبيبتي تفائلي، وإن شاء الله الموضوع مجرد وقت، فيه ناس بتقعد سنين 

_يالهوي يايوسف، لا سنين ايه، مش هقدر اتحمل.. نفسي في بيبي اوي 

سحب رأسها الى صدره 

_ليه مستعجلة، وقت ربنا مايأذن 

اعتدلت تهز كتفها وقالت: 

_تعرف انا ممكن يحصل لي حاجة لو مخلفتش، لا لا.. مقدرش 

ضحك على حركاتها، وداعب وجنتيها 

_وايه يعني.. دي بتكون اقدار 

هزت رأسها بالنفي وقالت

_يارب لا.. صمتت للحظات ثم رفعت نظرها اليه، داعبت وجنتيه، وقبلتها 

_ممكن اطلب منك طلب 

انحنى يقبلها وهمس بنبرة عاشق حد النخاع

_انتي تؤمري مش تطلبي 

دفنت رأسها بصدره وهمست بتقطع

_تشوف دكتور، علشان اطمن، الدكتورة قالت لي خلي جوزك يكشف

صمت ينظر اليها دون رد، لمعت عيناها بالدموع واختنق صوتها

_مش قصدي ازعلك والله، بس ريح قلبي، هموت بجد لو مابقاش عندي بيبي منك، اهتم بيه واربيه ويكون شبه باباه 

لم يرد ظل كما هو ينظر للامام فقط، الى أن قال 

_حاضر، علشان خاطر العيون الحلوة دي، لاني مقدرش على زعلهم 

رفعت نفسها تقبله وهمست له

_ربنا يخليك ليا يارب 

مسد على خصلاتها وصوته خرج حنون: 

_ويخليكي ليا ياحبيبة قلبي 

دقائق ناعمة مرت عليهما الى أن قالت: 

_يوسف، هوَّ بلال بيحبِّ كارما دي فعلًا؟

شدَّها إليه أكثر، وقال محاولًا إنهاء الموضوع:

_بلاش نزعل من بعض يا حبيبتي، هوَّ حر في حياته.

اعتدلت، تنظر إليه بجديَّة:

_بس أنا مضَّايقة قوي علشانهم، مش عارفة ليه حاسَّة إنِّ فيه حاجة.

ابتسم ابتسامةً خفيفة، ثم قال بنبرةٍ حاسمة:

_ضي، دي حياتهم الخاصَّة..وبعدين الوقت اتأخَّر وعندي عملية الصبح.

_خلِّينا شوية كمان.

_لا، كفاية يلَّا، وإنتي كمان وراكي شغل.

سكتت لحظة، ثم وقعت عيناها على حمَّام السباحة، وعادت تنظر إليه بعينينِ لامعتين:

_ممكن أطلب منَّك طلب؟ بما إنِّ النهاردة عيد ميلادي.

رفع حاجبه محذِّرًا:

_لو خاص ببلال، بلاش.

اقتربت منه تعانقه بدلال:

_تؤ…عايزة أعوم معاك، نفسي أعوم معاك قوي يا يوسف.

_الجوِّ برد يا حبيبتي.

_لا، الجو حلو..يلَّا علشاني..لو سمحت.

بعد قليل، كانت تسبح معه بسعادةٍ طفوليَّة..

مرَّةً يحملها وهو يشقُّ الماء، ومرَّةً يقترب منها يقبِّلها وسط ضحكاتٍ خافتة، ينسجان لحظاتٍ خاصَّة لا يريان فيها أحدًا سواهما.

لكن…

كانت هناك عينان تراقبان..

وقفت خلف فتحة نافذةٍ صغيرة، تتابعه وهو يسبح معها برومانسيَّة فاضحة، وابتسامةٌ مشتعلة تعلو وجهه.

تجمَّدت في مكانها..

دلفت إحدى الخادمات فجأة:

_إنتي بتعملي إيه هنا؟!.

ارتبكت، واستدارت بسرعةٍ قائلةً بتقطُّع:

_ولا حاجة، بقفل الشبَّاك.

نظرت إليها الخادمة باستغراب:

_تقفلي الشباك؟!

ثم تمتمت:

_الشباك ده مبيتفتحش خالص، علشان على البيسين الخاص..مين اللي فتحه؟

_معرفش، قالتها وهي تتحرَّك للخارج مسرعة.

اقتربت الخادمة من النافذة، حدَّقت بها، وجدتها مغلقة بإحكام:

_معقول أنا اللي فتحته ونسيته؟

تقلَّصت عيناها بارتباك، استدارت لتغادر لكنَّها توقَّفت فجأةً على صوت ضحكات يوسف، استدارت مرَّةً أخرى، واتَّجهت إلى النافذة تنظر من الثقوب،  شهقت تضع كفَّيها على فمها، وهي تراهما بذلك القرب الرومانسي، ابتلعت ريقها تهمس لنفسها:

_معقولة البتِّ كانت بتتفرَّج عليهم، ياربِّي ودي أقول لأمَّها ولَّا إيه، يخربيتك يا زهرة بتتفرَّجي على الدكتور ومراته.. ابتسمت رغما عنها: 

_الله يكون في عونها، وأنتوا كمان.. حبكت تحبُّوا بعض في البيسين، راعوا حالتنا يا عالم..تمتمت بها وهي تضحك مع نفسها تهزُّ رأسها: 

_مش الموكوس جوزي اللي بينام من المغرب.


بشقِّة بلال قبل ساعات..

خرجت رولا من الحمَّام تلفُّ جسدها بالمنشفة..وجدت بلال يتحدَّث مع الخادمة بالخارج:

_ شوفي أستاذة رولا فين؟

طرقت الخادمة الباب وهي تتمتم:

_ مدام، العشا جاهز، والدكتور بيقول لحضرتك يلَّا.

ابتسمت رولا بسخريَّةٍ مُرَّة، ثم قالت بغصَّة:

_ قولي له المدام جايَّة.

سحبت بيجاما لترتديها، لكنَّها توقَّفت فجأةً على كلمات ضي :

_ بيجاما! إنتي هبلة يا بنتي!! يا عيني عليك يا خويا.

_ ضي، أنا وبلال مش متجوِّزين.

_ ماأنا عارفة يا أختي، بس هتتجوِّزوا إزاي وإنتي لابسة بيجامة؟ 

خرجت رولا من شرودها على صوت بلال:

_ هتفضلي واقفة تبصِّي في المرايا كتير؟

التفتت إليه بتوتُّر:

_ هلبس، ولَّا عايزني أخرج بالبورنس؟

ابتسم بلال بدعابة:

_ ياريت والله.

تورَّدت وجنتاها، واستدارت لتكمل ارتداء ملابسها..خرج بلال وتوقَّف خلف الباب يحاول السيطرة على مشاعره..أصبحت أمامه كالتفَّاحة  المحرَّمة.

توقَّفت وكلمات ضي كانت ترنُّ في عقلها:

_ رولا، لو عايزة بلال حاربي عشانه. مفيش راجل هيحبِّ واحدة منكِّدة حياته بالطريقة دي، فوقي وانسي اللي حصل.

_ ضي، أنا مغتصبة..فاهمة يعني إيه… أخوكي مستحيل يكمِّل معايا.

رفعت ضي وجهها وقالت:

_ اسمعيني كويس، أنا مجرَّبة وعارفة بقولِّك إيه، وحاسَّة بكسرة العروسة لمَّا تكون مرفوضة من جوزها.

_ ضي، إحنا مش متجوِّزين، ومش فارق معايا الموضوع…أنا مضَّايقة علشان بابا وجعني أووي.

احتضنت ضي وجهها وهمست:

_ وعشان باباكي مترجعيش مطلَّقة… حافظي على جوزك وبيتك.

_ هوَّ فين جوزي دا؟ إنتي بتضحكي على نفسك، أخوكي بيحبِّ واحدة تانية افهمي بقى، وأنا مستحيل أرمي نفسي عليه.

_ بصِّي، مش عايزة أعشِّمك، بس نظراته وهوَّ بيرقص معاكي في خطوبة شمس مش بتقول كدا.

_ضي ممكن تسكتي، انا تعبانة وماليش خلق 

ربتت على كتفها ونهضت قائلة: 

  أنا لازم أروح، زمان يوسف هيرجع… انا قصدي تجرَّبي مش هتخسري حاجة.

_ مش موافقة طبعًا، عايزاني أغريه؟

_ يالهوي ألطم منِّك يا هبلة، ماشوفتيش كارما عملت إيه في الفرح، ومش عارفينها لحدِّ دلوقتي.

تنهَّدت، مسكت القميص وارتدته، ثم ألقت على نفسها الروب وخرجت نحوه بخطواتٍ متردِّدة، لكن ثابتة.. 

بالخارج جلس على طاولة الطعام  ينتظرها بصمت، دقائق مرَّت وظهرت أمامه ترتدي قميصًا أسودًا شفَّافًا، وفوقه روبًا، متردِّدة في السير نحوه، رفع نظره على خطواتها الناعمة وهو يرتشف المياه، فجأةً بصق المياه وهو يراها بتلك الهيئة، طاف بعينيه عليها.. 

قميص أسود شفَّاف يصل فوق الركبة، ويغطِّيه روبًا طويلًا للكاحل، ولكن جزء منه متفتوح، لمَّت روبها وأغلقته بإحكام واتَّجهت إليه بقوَّة مصطنعة: 

_آسفة أخَّرتك. 

ظلَّ يراقب توتُّرها وعيناها الزائغة، تراجع بجسده ونظراته مازالت تراقبها: 

_إيه بتبصِّ لي كدا ليه؟ 

ابتسم بمكر 

_خايف من الشيطان 

رفعت حاجبها ساخرة

_ماله الشيطان..!! 

_خايف ليحسدك 

رفرفت اهدابها بملل من سخريته، فقال

_متبقيش واثقة فيا اوي كدا 

ضيقت عيناها بما يرمي اليه، امال بجسده

_قولت لك من يومين، انا محترم ومتربي اه بس مش قوي 

افلتت ضحكة رغمًا عنها، واشارت الى طعامه 

_اتعشى وانت ساكت تعرف 

_طيب انا خايف 

ابعدت بصرها تكبح ضحكتها

_لا فهمتي غلط، انا خايف تاخدي برد، واقعد بقى اديكي ادوية، وحاجات كدا استغفر الله العظيم 


سحبت الشوكة وقالت: 

_متخافش يارايق..هتصرف قاطعهم صوت الباب..اتَّجهت الخادمة وقامت بفتحه، لتظهر غرام: 

_مساء الخير على العرسان الحلوين. 

_ماما..تمتم بها ونهض من مكانه.. 

اقتربت منهما مع وقوف رولا:

_أهلًا طنط غرام. 

_عاملة إيه حبيبتي؟

قالتها وهي تقيم ملابسها 


_الحمدلله..

ربتت على كتفها 

تستاهلي حبيبتي الحمد، التفت إلى بلال وقالت: 

_بتَّصل بيك مابتردِّش. 

_أه نسيت التليفون مقفول. 

_طيب، أنا وباباك مسافرين الفجر علشان العمرة، جيت أسألكم لو محتاجين حاجة. 

أجابتها رولا سريعًا:

_حبيبتي مش محتاجين غير دعواتكم.

ربتت على كتفها ثم أشارت إلى بلال:

_خلِّي بالك من مراتك، اهتمِّ بيها كويس..يالَّه أسيبكم علشان رايحين بيت الجارحي. 

_تمام. 

جلست تتلاعب بالطعام بعد خروج غرام، راقبها للدقائق ثم تحدَّث:

_مابتكليش ليه؟ 

_ماليش نفس، هعمل قهوة أعملَّك معايا؟ 

_ماشي..بعد فترة خرجت للشرفة وهي تحمل فنجان قهوتها، تنظر إلى السماء الملبَّدة بالغيوم. 

تبسَّمت وهي ترى نجمةً تختفي سريعًا..التفتت على صوته:

_الجوِّ برد، ادخلي. 

_مش بردانة، اقترب منها وتوقَّف خلفها: 

_مطَّوليش، واسمعي الكلام. 


استدار وتحرَّك للداخل دون حديث اخر.

ظلَّت لفترةٍ لم تشعر بالوقت.. استمعت إلى خطوات الخادمة وهي تحمل كوبها..اعتدلت تحرِّك رأسها ثم اتَّجهت للداخل، ولكنها توقفت على همس الخادمة مع الأخرى: 

_هوَّ فيه عروسة تنام لوحدها في اوضة؟ 

_معرفش..حاسَّة إنُّهم زعلانيين من بعض.. 

أجابت الأخرى:

_أه وأنا برتِّب الشقة، لقيت هدوم الدكتور في الأوضة التانية، يا ختي بنات آخر زمن، متوقَّعتش الدكتور يتجوِّزها، كان لايق عليه بنت إلياس باشا، بسكوتاية كدا، هيَّ رولا حلوة بس مناخيرها في السما، مع إنِّ أبوها وأمَّها وأخوها ناس كومل. 


جزَّت على اسنانها، ودلفت تدفع الباب: 

_أنتوا الاتنين تلمُّوا هدومكم دلوقتي وتمشوا.

_ليه يا مدام؟ 

صرخت فيهما، حتى خرج بلال من مكتبه:

_فيه إيه؟ 

_يمشوا وبس ومش عايزة شغَّالين. 

قالتها ودلفت للداخل دون إضافة شيء. 

_والله يا دكتور ماعملنا حاجة.

_معلش..امشوا دلوقتي. 

_يا دكتور بس. 

_قولت امشوا دلوقتي. 

دقائق ودلف إليها: 

_إيه اللي حصل لدا كلُّه؟ 

نهضت من فوق الفراش وصاحت به بغضب:

اسمعني، طول ماإحنا متجوِّزين البيت دا بيتي، وأعمل اللي أنا عايزاه، سمعتني؟ وماتسألش عن حاجة.

تطلَّع إليها بصمت مذهولًا، كأنَّ الكلمات صدمت عقله وجمَّدت حركته، ثم قال:

خلَّصتي عصبية؟..

تحرَّكت نحو الفراش، وجسدها ككتلةٍ ناريَّة، كلُّ عظمةٍ فيها تصرخ بالغضب، لكنَّها شعرت بضعفها الداخلي..اقترب منها وقال بصوتٍ هادئٍ لكنَّه يحاول أن يلمس مشاعرها:

_إيه اللي حصل؟

مش عايزة خدم وخلاص.

على أساس إنتي بتعرفي تعملي قهوة أصلًا؟

_أه..هعمل، قالتها وهي تتحرَّك نحو شرفة الغرفة تحاول أن تجد مساحةً للتنفُّس، لكن كلَّ خطوةٍ كانت تثقل صدرها أكثر.

وقفت والهواء البارد من الشرفة يصطدم بها، لكنَّها شعرت بأنَّ قلبها يضرب بسرعة، وكأنَّ كلَّ شيءٍ حولها يضغط عليها..صوته في أذنيها، كلمات الخادمة، نصائح ضي، اعترافه بحبِّه لكارما، كلُّ التفاصيل الصغيرة تتحوَّل إلى صدى يوجع قلبها، حاولت التنفُّس ببطء، لكنَّ الغصَّة لم تفارق حلقها..

دلف خلفها، وأردف بصوتٍ خافت:

_ادخلي، الجوِّ برد..

مالكش دعوة، صاحت بغضب وهي تحاول أن تمنع الدموع من الانفجار، شعرت بأنَّ جسدها يهتزُّ بين الغضب والخوف والعجز.

جلس بالقرب منها محاولًا الحديث إليها: 

_وبعدين بقى، إيه..مش عارف أتكلِّم معاكي؟

جلست ساكنة، لم تردّ عليه..أمسك كفَّيها بين راحتيه:

_إيه رأيك نرجع زي الأوَّل، انسي إنِّنا اتجوِّزنا. 

_ممكن تسبني لوحدي، عايزة أقعد مع نفسي 

_رولا الجوِّ برد، وهدومك خفيفة.

_سبني لوحدي يا بلال..ولا لازم تحكُّماتك علشان تعرَّفني إنَّك مسيطر عليَّ 

نهض ينفخ بضجرٍ خانق:

_مش هردِّ عليكي. 


  مرَّت الساعات ببطءٍ مميت، كلُّ ثانية كانت كأنَّها صخرةً ثقيلةً على صدرها، كلمات الخادمة تعيد نفسها في ذهنها، ونبرة صوته وهو مليء بالحنان، شعرت بانهيار عالمها بالكامل.

رفعت كفَّيها على أذنيها، محاولةً أن توقف الضجيج من الداخل والخارج، لكنَّها شعرت بأنَّ قلبها يتقطَّع، كلُّ شعورِ مختلطٍ بين الألم والغضب والخذلان، كلُّ شيءٍ حولها أصبح ضبابيًّا كأنَّها داخل عالمٍ آخر، حيث الصوت والصمت يختلطان، والحزن والغضب يتصارعان في كلِّ خليَّةٍ من جسدها..

لتهوى على الأرضيَّة الباردة تبكي بارتجاف جسدها، دفع الباب ودلف إليها يحملها من على الأرض:

_اهدي خلاص. 

انتفض جسدها من البرد، تهمس دون وعي: 

_بلال أنا بردانة أوي. 

سحب غطاءً ثقيلًا ووضعه فوقها، وخرج سريعًا يحضر لها بعض الأدوية بعد شعوره بحرارتها..رفع رأسها بهدوء وساعدها على تناول الدواء: 

_رولا..يالَّه حبيبتي خدي الدوا جسمك سخن..مدَّت كفَّها المرتجف تأخذ الكوب، ساعدها بارتشاف المياه مع أخذ الأدوية..ارتفعت حرارتها رغم تناولها الدواء، تحرَّك وأحضر إليها كمَّادات لخفض حرارتها، جلس بجوارها يضعها على رأسها. 

همست بأنينٍ مرتجف: 

_سقعانة. 

تمدَّد بجوارها ورفع رأسها على صدره،   لفَّ ذراعيه حولها بتملُّك..همهمت من حرارتها: 

_بلال..قالتها بتقطُّع.

قبَّل جبينها وهمس بأذنها: 

_شوية وهتدفي، الدوا هياخد مفعوله كمان وهتبقي كويسة..نامي أنا جنبك. 

همست ماجعل قلبه يخترق صدره:

_بحبَّك. 


صباح اليوم التالي.. 


فتحت عيناها، أزاحت كفَّيه وقالت بنبرة صوتها المريض:

_زهقت وسَّع بقى.

_مش عايز أسمع صوتك يا بت، تستاهلي علشان تعاندين تباتي في البلكونة في الشتا يا غبية. 

اعتدلت متأوِّهة:

_وأنا أعاندك ليه؟


نهض وأحضر دواءها: 

_خدي الدوا دا كمان، هتنامي وتعرقي هتصحي كويسة.

_مش عايزة دوا. 

_مش بمزاجك، إنتي هنا مالكيش كلمة. 

طيِّب اطلع برَّة أوضتي يالَّه.

جزَّ على أسنانه ينظر بساعته:

_قدَّامك عشر دقايق لو منمتيش هنيِّمك بطريقتي، نامي، مش كفاية سهران طول الليل جنبك. 


تمدَّدت تسبُّه: 

_ربِّنا على المفتري والظالم.

_يارب يا ختي، نامي وإن شاء الله ربِّنا يتقبَّل دعوتك.

_يارب تسقط يا بلال في الرسالة.

_يارب يا ختي، علشان نمدِّد فترة جوازنا الفالصو. 

يعني إيه؟ 

اقترب يضع قياس الحرارة، ونظر لعينيها بشقاوة:


_أصلي كتبت في اتفاقيِّة الجواز.. هنطلَّق بعد ماآخد الدكتوراه، وبما إنِّي هسقط، فإنتي مش هتطلَّقي ياروليتا.

رفعت حاجبها ساخرة: 

_وياترى إنتَ شايف دا حلو ولَّا وحش؟ 

صمت ينظر إليها بهدوء: 

_إنتي شيفاه إيه؟ 

_زفت على دماغك إنتَ ويوسف، ربِّنا ياخدكم أنتوا الاتنين في ساعة واحدة. 

نهض بعدما ألقى مابيده: 

_تصدَّقي إنتي مالكيش غير حقنة العضل، وحياة رحمة أبويا لتخديها. 

جحظت عيناها، فهبَّت من مكانها:

_حقنة إيه، إنتَ هتعمل عليَّ دكتور ولَّا إيه؟. 

دفعت الغطاء تصرخ وتشير إليه بعدما أخرج من أدويتها الإبرة: 

_والله لو قرَّبت منِّي لأصوَّت وألمِّ عليك الكمبوند. 

_صوَّتي يا لولو، هيقولوا عريس بيصبَّح على عروسته..دا إنتي بدَّعتي إمبارح،  كان ناقص تخلَّعيني هدومي. 

توسعت عيناها بذهول 

_قصدك ايه 

اقترب منها وحاوط جسدها بذراعه 

_قولتي كتير ياروليتا

ارتجفت بين ذراعيه..بلعت ريقها بصعوبة 

_بلال ابعد... رغم انها نطقتها ولكن تمنت الا يبتعد، تمنت هذا القرب، فقد سيطرته وكلماته ترنو بأذنه، طالعها بنظرات تفترس ملامحها الجميلة، يمرر انامله على وجنتيها الناعمة، انحنى دون سيطرة مع ارتفاع دقاتها بصخب، تهمس اسمه بنبرة متكسرة

_بلال..


بمنزل يزن


دلفت الى غرفته ووضعت احد الثعابين المصطنعة على الوسادة وقامت بتشغيل الجهاز، ليتحرك على وجهه.. كان غارقا بنومه.. دفعه بكفه، فاعادته مرة اخرى.. كتمت ضحكاتها، فتح عيناه حينما شعر بشيئا يتحرك، هب يصرخ ظنا انه حقيقي.. ضحكت بصوت مرتفع

استدار يرمقها بغضب

_ايه دا 

اقتربت منه ومازالت تضحك، خطى اليها يشيربسبباته 

_بطلي ضحك 

هزت رأسها، وضحكاته الطفولية غطت على المكان، دنا اليها بخطوات غاضبة، لتتراجع للخلف

__خلاص.. خلاص بقى كنت بهزر 

انحنى لمستواها يتحدث بغضب

_سدن مبحبش الهزار دا 

امسكت ذراعيه 

_خلاص انا اهزر اسر

دفعها يسحب ذراعيه بغضب، لتهوى على الفراش، وهي تحاول ان تتشبث به، ولكنه سقط فوقها بدخول اسيا التي توقفت على الباب تنظر اليهما مع ارتفاع ضحكاتهما


بعد أسبوعين..


خرج يتجوَّل في الشوارع بلا هُدى، قدماه تقودانه بينما روحه تائهة خلفه.. 

مازال صدى مااستمع إليه ينهش روحه بلا رحمة، سؤال واحد يطارده بإلحاحٍ قاتل:

هل ستزول سعادتي إلى الأبد؟

جلس على إحدى الأرائك المطلَّة على النيل بعدما أنهكه التعب، يحدِّق في المياه بشرودٍ طويل..كانت حياته منذ أن كان طفلًا وحتى هذه اللحظة تتحرَّك أمام ناظريه كأنَّها مشاهد لفيلمٍ سينمائيٍّ مدمِّرٍ للروح، لا يمنحه فرصةً لإيقاف العرض أو الهروب منه.

أرجع رأسه للخلف مستندًا إلى المقعد، ارتفعت عيناه نحو السماء، كأنَّه يناجي ربَّه بصمتٍ موجوع:

لقد زهقت روحي ياالله…

لم ينقطع رنين هاتفه، لم يعد يعلم عدد المرَّات التي اهتزَّ فيها بين كفَّيه، لكنَّه لم يملك طاقةً للرد. ظلَّ على حاله لساعاتٍ حتى انتصف الليل، والمدينة من حوله تهدأ بينما العاصفة داخله تزداد شراسة.

نهض أخيرًا يجرُّ ساقيه بصعوبة، كأنَّما يتحرَّك فوق أشواكٍ ناريَّة، كلُّ خطوةٍ تؤلمه، دقائق ثقيلة حتى وصل إلى منزله ليقابله صديقه بقلقٍ واضح:

كنت فين من الصبح، الكلِّ قلقان عليك، وإزاي تختفي في يوم زي ده؟

تحرَّك مبتعدًا، ربت على كتفه بصمتٍ دون أن ينطق بحرف، بينما ظلَّ الآخر يراقب خطواته بعدم استيعاب، إلى أن أوقفه صوت والده الغاضب، يصرخ فيه:

كنت فين، اتَّصلت بيك كام مرَّة وما ردِّتش ليه؟. إنتَ عارف النهاردة كان إيه؟

آسف…

نطقها بثقلٍ شديد، وكأنَّ الكلمة أكبر من طاقته، أبعد نظراته عن والده، ثم تحرَّك خطوتين لكن والده أوقفه مجدَّدًا:

إنتَ مالك، إيه اللي حصل لك؟

عايز أنام، مرهق بس.

قالها وانسحب من أمام والده دون حديثٍ آخر، ظلَّت نظرات إلياس عليه إلى أن اختفى.

_يوسف جه يا عمُّو؟ 

_أه..شوفيه ماله.

_ليه ماله؟ قالتها وتحرَّكت متجهةً إلى منزلها


فصل طويييييييل اهو اتمنى الاقي تفاعل حلو عليه


تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا





تعليقات

التنقل السريع
    close