القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الحادي والاربعون 41بقلم سيلا وليد حصريه

 

رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الحادي والاربعون 41بقلم سيلا وليد  حصريه  





رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الحادي والاربعون 41بقلم سيلا وليد  حصريه  

الفصل الواحد والاربعون 


"لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين


وصل إلى منزله فاستقبلته زهرة عند الباب:

_حمدالله على السلامة يا دكتور.

أومأ لها دون أن ينطق، وتحرَّك صاعدًا إلى الأعلى، لحقت به وهي تواصل الحديث:

_أستاذة ضي لسه مارجعتش و…

توقَّف فجأة وأشار إليها:

_شوفي وراكي إيه.

أومأت بسرعة وتراجعت للخلف، بينما استأنف هو سيره، ظلَّت تتابع خطواته بنظراتٍ حائرة، وهمست لنفسها بتساؤل:

_ماله، وبعدين هوَّ ماحضرش الخطوبة ولَّا إيه؟ أيوة، ده لبسه اللي نزل بيه، ياترى إيه اللي حصل؟

قطع شرودها صوتٌ حاد خلفها:

_بتعملي إيه عندك يا زهرة؟

استدارت بسرعة وأشارت نحو الأعلى:

_الدكتور جه، كنت بشوفه محتاج حاجة.

اقتربت منها الأخرى بنبرةٍ حاسمة:

_مش أنا قلتلك مش محتاجينك هنا؟ وكلِّمت والدتك في الموضوع ده، يلَّا ارجعي بيت الباشا الكبير.

التفتت زهرة إليها معترضة، وقد اشتعل صوتها:

_بس أنا حابَّة الشغل هنا، وإنتي مالِك أصلًا بتدَّخلي ليه؟ اللي ليها تقول أقعد ولَّا لأ هيَّ أستاذة ضي.

خطت الأخرى نحوها وعيناها تخترقانها بحدَّة:

_لا، أنا اللي بقولِّك، أستاذة ضي مالهاش دعوة.

رفعت زهرة صوتها بضجر:

_بقولِّك إيه..هتعملي عليَّ ريسة؟ مالكيش دعوة.

جذبتها الأخرى بعنف، وهمست في أذنها بهسيسٍ مرعب:

_اتلمِّي، بدل ماأقول للأستاذة إنِّك بتراقبيهم وهمَّا مع بعض ولَّا هتنكري؟ ماشفتيش نفسك وإنتي بتتفرَّجي عليهم في البيسين، شوفي بقى لو الدكتور عرف أو الأستاذة تعمل فيكي إيه.

نزعت زهرة ذراعها بقوَّة وفتحت فمها لتردّ، لكن دخول ضي قطع حديثهما فجأة:

_واقفِين كده ليه؟

ارتبكت زهرة وتراجعت خطوة، ثم اندفعت ناحية المطبخ:

_لا، مفيش كنَّا بس بنشوف هنعمل إيه.

لم تهتمّ ضي بكلامها، وصعدت إلى الأعلى دون أن تضيف حرفًا.


دلفت إلى الداخل تبحث عنه، جذب سمعها صوت اندفاع المياه من الحمَّام، نزعت حجابها ببطء، ثم خلعت مجوهراتها واحدة تلو الأخرى، وعيناها معلَّقتان بباب الحمَّام كأنَّها تنتظر خروجه..تنهدت وجلست تنزع حذاءها قبل أن تتَّجه إلى غرفة الملابس لتبديل ثيابها.

مرَّت دقائق، ثم خرجت متَّجهةً إلى غرفة الملابس، فتفاجأت به واقفًا عند عتبة الباب..توقَّف يتأمَّلها للحظات؛ كانت منشغلة لم تنتبه لوجوده، وحين استدارت لتغادر حدَّقت به فجأة:

_يوسف؟!

قالتها واقتربت، وعيناها تعانقان ملامحه بلهفةٍ وقلق..وقفت أمامه مباشرة:

_كنت فين، وازاي ماتردِّش على التليفون؟! إنتَ عارف أنا بموت من الخوف عليك لمَّا مابتردِّش.

خطا للداخل مبتعدًا عنها، وأجاب بنبرةٍ هادئة لا تشبه العاصفة المشتعلة داخله:

_كان عندي عمليَّة صعبة ومعرفتش أرد.

اقتربت منه وأمسكت بذراعه، أمعنت النظر في وجهه كأنَّها تبحث عن الحقيقة بين ملامحه:

_عملية!! إنتَ مش قولت مفيش عمليات، وكان المفروض تقابل الدكتور الألماني اللي هتحضر معاه عملية الطفل؟.

اختنق صوته لا يريد الحديث، لا يريد أن يضعف أمامها..قلبه يتمزَّق وصدره يحترق، كلُّ مايريده الآن والدته، يريد أن يركض إليها، أن يرتمي بين ذراعيها، أن يبثَّها شكواه من دنيا لم ترحمه.. يريد كفَّها الحنون يلامس رأسه، كأنَّها تعرف مواضع الألم واحدًا واحدًا،  تربت عليها بصبرٍ أموميٍّ لا ينفد.. تواسيه بكلماتها الحنون..

ففي حضنها لم يعد رجلًا مُثقلًا بالخسارات، ولا طبيبًا أنهكه العجز؛ بل طفلًا صغيرًا أضاعته الحياة قليلًا فعاد إليها ليجد نفسه من جديد...ولما لا ونحن نشعر بأنَّ رائحتها حنانًا، وصدرها مأمنًا، ولمستها وعدًا صامتًا بأنَّ كلَّ مايؤلم الآن سيمر.. 

فبين ذراعيها، لا يُحاسَب على الضعف، ولا يُدان على الانكسار، بل يُحتوى حتى يُشفى..فحنانها قانون كونيٌّ لا يُهزم، قادرٌ على كسر أقسى الهزائم..في حضنها لا تصبح الأزمة أخفّ، لكنَّها تصبح مُحتملة، ولا يختفي الألم لكنَّه يفقد قدرته على القتل.


فتيقنَّ عزيزاتي ربَّما الأمُّ لا تُصلح ماانكسر في الحياة، لكنَّها تُصلح أبناءها بعد الكسر، تعيد ترتيب أرواحهم بصبرٍ يشبه المعجزات، وتتركهم يعودون للعالم مرَّةً أخرى… أقلُّ خوفًا، وأكثر قدرةً على الاستمرار.

أغمض عينيه حين عجز عن الرد.. احتضنت ذراعه ومرَّرت كفَّها على وجهه بحنان:

_إيه اللي حصل معاك؟ أنا متأكدة إنِّ فيه حاجة حصلت، مش معقول ماتحضرش خطوبة أختك.

فتح عينيه بصعوبة وقال بصوتٍ متعب صادق:

_ضي، أنا حقيقي تعبان وهلكان، ممكن نتكلِّم الصبح؟

هزَّت رأسها بتفهُّم، لكنَّ القلق لم يغادر عينيها:

_تمام..أنا بس عايزة أطَّمن عليك.

جذب رأسها إليه، وطبع قبلةً سريعة على جبينها:

_أنا كويس، عايز أرتاح بس.

أومأت بهدوء:

_تمام يا حبيبي، هكمِّل لبس وأنزل أجيب لك عصير فريش.

قاطعها بنبرةٍ حاسمة خافتة:

_لا..هنام.


ارتدى ملابسه بهدوءٍ قاتلٍ لقلبها، كانت تتابعه بصمت، عينيها لا تفارق حركاته، حتى انتهى وتحرَّك إلى الفراش دون أن ينطق حرفًا.

جلس على طرف الفراش، أغمض عينيه يشعر بثقلٍ لا يطاق، كأنَّ الدنيا كلَّها ضغطت على صدره.

جلست بجانبه، ولم تستطع إلَّا أن تمرِّر أناملها بين خصلاته، وتضع جبينها على رأسه..ارتعش جسده تحت لمستها، شعرت أنَّ شيئًا ما يثقل قلبه، شعور بالخوف والصدمة.

عاد بذاكرته إلى كلمات الطبيب في ذهنه، تتردَّد كصفعة:

_مش هخبِّي عليك يا يوسف…أنا مردتش أقولَّك حاجة الزيارة اللي فاتت لمَّا أشوف التحاليل، فيه بعض الحالات اللي عندها صعوبة في الإنجاب، والسبب مش دايمًا واضح… أحيانًا الزوجة تمام، وأحيانًا الزوج تمام، لكن التوافق بين الاتنين بيكون صعب.

ارتجف وكاد قلبه يتوقَّف.

همس بصوتٍ منخفض:

_يعني إيه!! صعب نخلِّف مع بعض؟

ابتسم الطبيب ابتسامة حزن واعتدل على الكرسي:

_مش صعب، بس فرص الحمل الطبيعي منخفضة، وممكن ياخد وقت طويل، وممكن مايحصلش من غير تدخُّل..

ممكن نبدأ بخطوات علاجية: منشِّطات، متابعة دقيقة ونشوف استجابة الجسم، للأسف التحاليل اللي قدَّامي بتأكِّد فرصة اللجوء لوسائل مساعدة زي التلقيح الصناعي أو الحقن المجهري هتكون صعبة، فإحنا هنجرَّب التاني. 

رفع يوسف رأسه ببطء، وعيناه ممتلئتان بالخوف:

_ونسبة النجاح في الوسائل التانية؟.

ردَّ الطبيب بصوتٍ هادئ:

_مش مضمونة، لكنَّها واردة.

_يعني إيه ممكن توضَّح؟.

_مش عايزك تزعل، النسبة عندك ضعيفة جدًا ورغم كدا فيه فرص، لكن عايزة وقت طويل ومثابرة. 

_وممكن بعد الوقت الطويل ماتنجحش؟

_مش لازم نيأس يا يوسف، خلِّي أملك في ربِّنا كبير. 

_ونعم بالله العليِّ العظيم، سؤال كمان.. 

_مراتي معندهاش أي مانع؟

هزَّ الطبيب رأسه بالموافقة:

_مش موضوع موانع، هيَّ كويسة ونسبة الإنجاب عندها جيِّدة بس للاسف هيكون معاك صعب، لكن فيه احتمال، لازم نتمسك بيه حتى لو ضعيف


أومأ يوسف، وهو يحاول كبح ارتجاف يده على المكتب:

_شكرًا لحضرتك.

رد الطبيب بابتسامةٍ دافئة وهو يقف:

_دا العلاج نجرَّبه، مش هنخسر حاجة.

سأله يوسف بفضولٍ ممزوجٍ بالخوف:

_ونسبته كام؟

ابتسم الطبيب بحذر:

_مش محدَّدة، كلُّه بيد ربِّنا، إحنا بس نجهِّز الظروف ونحاول.

خرج يوسف من شروده، التفت إليها، لكنَّه فقد القدرة على الكلام، كلُّ مايشعر به  ارتعاش جسده، وحرارة لا يفهم مصدرها إلَّا في قلبه.

مالت عليه ضي أكثر بأنفاسها الدافئة، وهمست:

_حبيبي، مش هقدر أنام وإنتَ زعلان كدا.

أغمض عينيه وجسده يذوب تحت لمستها، مرَّرت أناملها بحنانٍ على وجهه، فتمدَّدت بجانبه تتسلَّل إلى حضنه، تهمس بعشقه السرمدي..لم تكن تعلم أنَّها توقظ البركان القابع في صدره، فما زالت كلمات الطبيب تحرقه.

دفنت رأسها بعنقه تستنشق رائحته، وتخبره بصوتٍ خافتٍ عن أحوال العشَّاق في أوجاعهم:

_لمَّا أجيب بيبي، هشكي له من بابي القاسي…

مرَّت أصابعها على وجهه، تنظر إلى عينيه المغمضتين وتكمل:

_هنعمل عليك فريق، بس ابني حبيبي هيحبِّ ماما أكتر من بابا، هنا فاق الألم قدرته،وفقد سيطرته وهي تقص له امالها بالانجاب، لحظات كفيلة ليجذبها بقوة يبثُّ لها أشواقه وحبِّه بطريقةٍ موجعة، لم يشعر بما يفعله، كلُّ مايشعر به الآن أنَّهم قادمون على مفترق طرق..دقائق مرَّت وهي صامتة مصدومة، تركته يفعل مايحلو له بعدما تيقَّنت أنَّ هناك مايؤلمه كثيرًا..ولكن فاقت قدرة تحملها، بعد فترة جلست مستندةً على الفراش تنظر لجسده الساكن..رجعت برأسها للخلف تغمض عيناها تحاول ألَّا توقظه لتعلم ماذا به، شيطانها يضرب عقلها بقوَّة لفعل ذلك، منذ متى وهو قاسي لهذا الدرجة؟! منذ متى وهو يعاملها بتلك الحالة، من هذا انها لا تعرفه، ليس زوجها، وضعت كفَّها لإيقاظه لكنَّها تراجعت، اعتدلت تلملم روبها على جسدها ونهضت بصعوبة تجرُّ قدميها للحمَّام، نزعت روبها وغاصت بالمياه تشعر بأنَّ جسدها ينتفض من الألم، نظرت لنفسها بالمرآة لترى مافعله بها، انسابت دموعها بغزارة، لم تقوَ على الصراخ أو التفوُّه بشيء، ظلَّت تتحامل معه إلى أن انتهى صراعه ليتركها وكأنَّها لا تعني له.. 

كأنَّها فتاةٌ أخرج غضبه بها وليست زوجته، ظلَّت لفترةٍ ليست بالقليلة بالمياه إلى أن نهضت تشعر ببعض الراحة، لتتَّجه للخارج، وقعت عيناها على نومه.. استغربت كثيرًا أنَّه لم يشعر بخلوِّ الفراش..


اتَّجهت إلى غرفة الملابس، دقائق قليلة وانتهت من ارتداء ملابسها. عادت بخطواتٍ بطيئة نحو الفراش، توقَّفت أمامه لحظات تتأمَّله بصمتٍ مثقل، أغمضت عينيها وزفرت أنفاسًا حبيسة، ثم تمدَّدت بجواره تضمُّ جسدها في وضع الجنين، كمن يحتمي بنفسه من وجعٍ لا يُقال.

شهقت حينما جذبها إلى حضنه، شفتيه تلامسان عنقها في قبلةٍ دافئة،  همس بصوته المبحوح الناعس:

_ نايمة بعيد عنِّي ليه؟

استدارت إليه سريعًا، تنظر بعينين تلمعان بالدموع:

_ إنتَ صاحي؟

أغمض عينيه أكثر، وردَّ بصوتٍ خافت:

_ لا…حسِّيت لمَّا نمتي على السرير، كنتي فين؟

أدارت وجهها مرَّةً أخرى، وهمست:

_ باخد شاور.

رغم أنَّه التقط الحزن المختبئ في نبرة صوتها، تظاهر بالَّلامبالاة واقترب منها أكثر يضمُّها إلى صدره:

_ لو صحيتي بدري صحِّيني، عندي عملية الساعة واحدة.

ضغطت على شفتيها بقوَّة، ابتلعت ردَّها واكتفت بالصمت، بينما أغمض هو عينيه مستسلمًا للنوم، تاركًا إيَّاها معلَّقةً بين حضنه وآلامها..استدارت بعد شعورها بنومه، مرَّرت أناملها على وجهه تهمس لنفسها:

_ياترى فيك إيه يا يوسف؟ متأكِّدة الموضوع كبير، فكَّرتني بأوَّل جوازنا.. تأفَّفت بضجر تتنهَّد ومازالت تراقب ملامحه التي تعشقها حتى غفت بنومها بين أحضانه.


بمنزل إلياس.. 

خرجت ميرال من الحمَّام، وجدت إلياس جالسًا على الفراش ولكنَّه شاردًا بنقطة وهميَّة..اقتربت بعدما نزعت منشفتها واتَّجهت إليه:

_إلياس مالك فيه إيه؟.

رفع رأسه إليها ثم توقَّف ورسم ابتسامة:

_إيه دا كلُّه في الحمَّام، أنا كنت هنام وأنا قاعد. 

رغم عدم اقتناعها بكلامه، إلَّا أنَّها تبسَّمت واقتربت إليه ضاحكة: 

_أمم..هعمل مصدَّقة لأنِّي متأخَّرتش، ولَّا الباشا كبر على السهر؟. 

حاوط جسدها وضحك بصوتٍ مرتفع:

_كالعادة بتعرفي تخرَّجيني من حالة اللاشعور. 

ضيَّقت عيناها تردِّد كلمته:

_حالة اللاشعور!! لا دا الموضوع كبير، سيبك من دا كلُّه، يوسف كان فين، وإزاي مايحضرش خطوبة أخته؟..

أنا متأكِّدة حصل معاه حاجة.

حمحم متراجعًا وتساءل:

_إنتي قولتي إنُّه كلِّمك واعتذر وقالِّك ممكن أتأخَّر، قالِّك حاجة تانية وقتها؟.

هزَّت كتفها وقالت:

_لا..كلِّ اللي قاله ماما ماتقلقيش لو اتاخَّرت عندي عمليَّة مهمَّة وقفل. 

أومأ إلياس وقال:

_دا اللي قاله، كنت بطَّمن بس. 

أمسكته من كتفه ودقَّقت النظر إليه:

_هقولَّك حاجة، بس ماتتريقش زي كلِّ مرَّة، أنا قلبي وجعني وحاسَّة إنُّه مش كويس، علشان خاطري طمِّني لو فيه حاجة إنتَ مخبِّيها، أكيد إنتَ عارف كان فين.

استدار يرمقها بذهولٍ مصطنع: 

_كالعادة يا ميرال بتكذِّبيني، ابنك كبر ودكتور يعني مش صغير إنِّي أعيَّن له حراسة. 

هزَّت رأسها بيأس من ردِّه وردَّت: 

_ماتحاولش تستغباني يا إلياس، أنا متاكِّدة إنَّك مش من النوع اللي يسيب حاجة للظروف وخاصَّةً يوسف، متأكِّدة إنَّك مراقبه، ممكن مايكونش بحراسة أكيد بطريقة تانية، بس مستحيل إنَّك تسيبه من غير حماية. 

_حماية!!.

ردَّدها بغير اقتناع، ثم سحبها واتَّجه إلى المرآة..أجلسها أمام المرآة ورفع جهاز المجفِّف: 

_يالَّه يا ميرو نشِّفي شعرك، إنتي لسَّة قايلة كبرت ومبقتش حمل سهر. 

نزعت منه المجفِّف وجزَّت على أسنانها:

_مش عايزة أعرف منَّك حاجة أنا هعرف بطريقتي، روح نام وارتاح.

زفر بغضب يمسح على وجهه:

_رجعنا لجنان ميرال الطفولي..على العموم إنتي حرَّة، تصدَّقي ماتصدَّقيش براحتك.

لم تردّ عليه، رفعت المجفِّف وبدأت تجفِّف خصلاتها بصمت، وهو يراقبها بصمتٍ مؤلم، تذكَّر حديث مالك: 

_معرفش يا إلياس هوَّ خرج المغرب من المستشفى ومحدِّش يعرف راح فين.

_شوف عربيته فين يا مالك، لازم أقولَّك تعمل كلِّ حاجة.

_للأسف عربيته قدَّام المستشفى.. يعني ياإمَّا ركب تاكسي، أو ممكن يكون مشي. 

_مالك..صاح بها بغضب وأردف:

_شوف الكاميرات، أكيد حصل معاه حاجة..النهاردة خطوبة أخته، إنتَ فاهم يعني إيه مايحضرش، أكيد حصل معاه حاجة، اقلب لي الدنيا وشوفه فين. 

_تمام..هشوف إشارة التليفون. 


أغلق إلياس الهاتف بعنف، زفراته خرجت حارقة كأنَّها تحرق صدره من الداخل، اقترب أرسلان سريعًا، وضع يده على كتفه محاولًا تهدئته:

_ اهدى…إن شاء الله خير.

هزَّ إلياس رأسه بنفيٍ قاطع، وصوته خرج مبحوحًا:

_ لا، أكيد في حاجة، الناس وصلت وابني الكبير مش موجود..أنا حاسس إنِّ في مصيبة.

_ إلياس، لو سمحت بلاش تقلقنا كلِّنا كده، كفاية ميرال برَّة على أعصابها وهتتجنِّن.

سحب إلياس هاتفه وتحرَّك بعصبيَّة ناحية الخارج، فتوقَّف أرسلان أمامه:

_ إنتَ رايح فين؟ الناس برَّة مينفعش تخرج دلوقتي.

_ ابني مش عارف أوصلُّه وتقولِّي الناس؟

_ ابنك راجل مش طفل، أكيد عنده مشوار مهمّ.

أزاحه إلياس بحدَّة وتحرَّك للخارج، بدخول مصطفى مستندًا على عكازه: 

_ إنتوا واقفين هنا بتعملوا إيه، الناس برَّة، قافلين على نفسكم ليه؟

وقبل أن يأتي الرد، دخل فاروق الجارحي بابتسامته الهادئة:

_مصطفى باشا، والله فرحت جدًّا بوجودك النهاردة.

استدار مصطفى إليه بابتسامةٍ دافئة، ودار بينهما حديث ترحيبٍ سريع؛ بينما انتهز أرسلان الفرصة وسحب إلياس من ذراعه وأعاده إلى داخل الحفل بحزمٍ خافت.

خرج أرسلان بعدها بخطواتٍ سريعة، رفع هاتفه واتَّصل: 

_ شوفلي التليفون ده فين ورد عليَّ خلال ثواني.

لم تمرّ لحظات حتى جاءه الرد: 

_في شارع على النيل يا أرسلان باشا.

_ ابعت العنوان بالتفصيل.

أغلق الخطَّ فورًا واتَّصل بمالك: 

_ إنتَ فين يا مالك؟

_ كنت رايح ليوسف، لقيت مكان تليفونه وقلت أطَّمن عليه.

_ لا، ارجع، أنا هتصرَّف..تعال هنا  مع إلياس وخلِّيك جنبه.

_ تمام.

أغلق أرسلان الهاتف، وعيناه تضيقان بقلقٍ يعرفه جيِّدًا

خرج إلياس من شروده على إحساسٍ دافئ يلامسه..وجد ميرال قد تسلَّلت إلى جواره فوق الفراش، جسدها ممدَّد بصمت، أنفاسها غير منتظمة.. نظر إليها طويلًا، ثم رفع عينيه إلى نقطةٍ مجهولةٍ أمامه..

ثم همس لنفسه بصوتٍ لا يسمعه أحد: 

_ ياترى إيه اللي حصل معاك يا يوسف؟


بمنزل يزن.. 

_جلست بجواره تشاهد بعض صور حفل الخطوبة وهو يقوم بتحميلها على جهازه؛ أمسكت الجهاز الآخر: 

_ابعتهم لي يا آسر، عايزة أنقلهم عندي.

_تمام أظبَّطهم بس يا سدن، دلف والده: 

_كلِّمت ابن عمِّتك يا حبيبي؟ 

_أيوة يا بابا هوَّ رجع من شوية..قالها وهو يتطلَّع بجهازه. 

دنا منه يزن وانحنى يستند على مكتبه:

_إنتَ كنت عارف كان فين؟.

رفع رأسه إليه وأومأ:

_أنا كلِّمته بس مردِّش، عرفت من بلال كان عنده عملية في محافظة تانية، دا اللي عرفته منُّه. 

اعتدل يهزُّ رأسه ثم قال:

_يبقى كلِّمه برضو واطمِّن عليه، أصل مش يوسف اللي ميحضرش خطوبة أخته.

_حاضر، الصبح هعدِّي عليه. 

ربت على كتفه وخرج بدخول إيمان تحمل قهوتهم: 

_فيه حاجة يا يزن؟.

_لا حبيبتي..كنت بسأل آسر عن يوسف. 

ابتسمت إليه بحنان وأشارت للخارج:

_عملت لك قهوة مع كريم برَّة؛ وأنا هودِّي القهوة للولاد وآجي لكم عايزة آخد رأيك في موضوع. 

أومأ لها وخرج دون حديث، بينما دلفت هي للداخل، تبحث بعينيها عن آسيا:

_فين آسيا يا سدن؟. 

أشارت للشرفة وقالت:

_بترسم القمر برَّة..بنتك مهووسة بعالم الطبيعة، اتَّجه آسر بنظره إلى جلوسها، كعادتها ترفع خصلاتها بقلمها، وتشرد بما تفعله بتركيز..مع الموسيقى بجوارها، وضعت إيمان قهوتهم، ورفعت فنجان ابنتها واتَّجهت إليها: 

_حبيبتي عملت لك قهوة. 

استدارت برأسها:

_ميرسي مام..كنت محتاجاها. 

وضعتها أمامها، ومسَّدت على خصلاتها: 

_أنا عارفة إنِّك بتحبِّي تشربيها دلوقتي.. 

المهمِّ بابي بيجهِّز ورقكم هنا، فكَّرتي ولَّا عايزة نرجع تاني؟. 

نهضت تحمل فنجانها ترتشف منه: 

_ماما..مصر حلوة كتير، أنا نفسي أقعد هنا، but خايفة معرفش أتاقلم. 

حاوطت أكتافها تضع رأس ابنتها على كتفها:

_مفيش أحسن من مصر وناسها صدَّقيني حبيبتي..هتتأقلمي بسرعة، المهمِّ إنِّك تحاولي، بلاش نقول خايفين..حطِّي في عقلك إنِّ دي بلدك وحياتك كلَّها هتكون هنا. 

_أوكيه مام..هحاول. 

قبَّلت وجنتيها وابتسمت تشير إلى سدن:

_اعملي زي المجنونة التانية. 

_طيب أنس هيجي ولَّا هيفضل هناك؟. 

بابا لسة هيكلِّمه، يالَّه كمِّلي علشان تنامي الوقت اتأخَّر. 

_حاضر..قالتها وتحرَّكت للخارج..بينما ظلَّت كما هي إلى أن نهض آسر وتحرَّك إليها: 

_بتعملي إيه؟

رفعت نظرها إليه ثم اتَّجهت لما تفعله وردَّت بنبرةٍ هادئة: 

_برسم..إنتَ مش شايف، أنا مبحبِّش أسئلة إجابتها واضحة.

سحب المقعد وجلس بمقابلتها:

_مالك..من وقت ماجيتي وحاسس إنِّك زعلانة منِّي. 

رفعت حاجبها تطالعه بسخرية:

_هوَّ أنا قعدت معاك علشان أزعل؟ كلِّ معرفتي بيك إنَّك ابن خالي. 

_والله..يعني كلِّ اللي يربطنا إنِّي ابن خالك؟. 

وضعت القلم بقوَّة أمامها ثم استدارت إليه بكامل جسدها:

_آسر..أنا مبحبِّش الغموض وصريحة جدًّا..قولِّي عايز إيه؟. 

نهض من مكانه ورمقها بنظرةٍ ثابتة ثم غادر الغرفة دون حديث. 

تتبَّعت تحرُّكه بصمت، ثم عادت لعملها مرَّةً أخرى.


بمنزل بلال..


بدَّلت ثيابها واتَّجهت لتجلس أمام المرآة، تضع مرطباتها المعتادة بحركاتٍ رتيبة، بينما أذنها مشدودة لحديثه مع والده في الخارج، توقَّفت يداها حين سمعت صوته :

_ خلاص يا بابا متقلقش هوَّ كويس، الصبح هقعد معاه..كلِّمته وردِّت ضي وقالت نام.

سكت لحظة، ثم أضاف:

_ خلاص حبيبي، تصبح على خير.

نهضت سريعًا وخرجت دون تفكير متناسيةً ثيابها؛ بنطال أبيض قصير فوق الركبة، وكنزة حمراء بحمَّالات تُبرز نعومة بشرتها، وشعرها المتناثر حول كتفيها بعشوائيةٍ محبَّبة، توقَّفت فجأةً حين وجدته أمامها:

_ ماله يوسف، وليه ماحضرش الخطوبة؟

توقَّف ينظر إليها بذهول، حاول أن يكبح انزعاجه من لهفتها الواضحة، فلم يُجب في البداية، عيناه خانتاه تتجوَّلان على مظهرها الذي أربك تركيزه..اقترب خطوة، فتراجعت سريعًا حتى اصطدمت بالحائط، جزَّت على أسنانها:

_ هوَّ أنا كلِّ ماأكلِّمك تعمل كده؟ بسأل ترد وإنتَ في مكانك!

حاصرها بذراعيه، وأسند كفَّيه على الحائط خلفها،  وهمس بصوتٍ منخفضٍ مشحون:

_وإنتي بتسألي ليه على يوسف..

يخصِّك في إيه؟

لكزته بقوَّة لتبعده عنها:

_ بقولِّك إيه، ماتستهبلش..إنتَ عارف إنِّ الكلِّ كان قلقان عليه، مشوفتش شمس كانت حزينة إزاي طول الحفلة؟

انحنى برأسه دون وعي، فدفعت رأسها بعيدًا عنه بانفعال:

_ إنتَ بتعمل إيه يا غبي؟ ابعد شوية!

رفع حاجبه، اقترب بوجهه منها حدَّ الاستفزاز، وهمس بنبرةٍ تحمل ابتسامةً مستترة:

_ الله، كنت هجاوبك.

تصلَّبت مكانها، وعيناها اشتعلتا غضبًا وارتباكًا، بينما هو استمتع بارتباكها.


دفعته بقدمها بقوَّة، فتراجع مترنِّحًا خطوةً للخلف.

_ علشان تحترم نفسك..إيه مابتعرفش تتكلِّم وإنتَ بعيد؟

وصل اليها بخطوةٍ واحدة يحاصر جسدها بذراعيه، فشهقت برعب، هذا الرجل سيقودها إلى الجنون:

_ بلال ابعد بقى، إحنا قولنا إيه.

ضغط على خصرها بحركةٍ جريئة، فرفعت عيناها إليه سريعًا، لترتجف نظراتها وتترقرق الدموع..

في تلك اللحظة لم ترغب في الهرب… بل تمنَّت لو يضمُّها، لو يخفِّف عن قلبها هذا الوجع المقيم...يعدها أنَّه سيظلُّ بجوارها..ولكن فاقت على كلماته التي كانت كالسيف على العنق حين نطق:


_ قلت لك مليون مرَّة اتعاملي معايا على إنِّي جوزك يا رولا، ليه الكلام اللي يحرق الدم ده؟

ابتلعت غصَّتها وردَّت بصوتٍ متكسِّر:

_ بس إنتَ مش جوزي، إنتَ جوزي قدَّام الناس بس، هنا لأ.

سقط الصمت بينهما كضربةٍ قاضية. عجز عن الرد..رفعت عينيها تعانق عينيه بثباتٍ موجع:

_ ليه بتقنع نفسك بكده؟

توقَّفت أنفاسه، فتابعت وهي لا تزال تحاصره بنظراتها:

_ هوَّ إنتَ ممكن تكون جوزي فعلًا؟

صمتٌ قاتل، لترتفع أنفاسه، فأومأت برأسها كأنَّها تفهم الإجابة قبل أن تُقال:

_رد، ممكن نكون زي أي اتنين طبيعيين؟

اقتربت خطوة وصوتها يخترق صمته:

_ قولِّي يا بلال، ممكن نعدِّي اللي حصل، ممكن تنسى اللي حصلِّي ونكمِّل حياتنا؟

تراجع فجأةً كمن لُسع من النار، واستدار موليًا ظهره لها:

_ رولا، إنتي عارفة اتجوزنا ليه، وإنتي نفسك كنتي رافضة الجواز ده.

ثم استدار بنصف جسده:

_ علاقتنا اترفضت من سنين وكمِّلنا على المنطق ده، وأنا مش الشخص اللي يبصّ وراه.

هزَّت رأسها وانزلقت دمعةً على وجنتها:

_عندك حق…

اقترب منها فجأة وانحنى قليلًا يغرس عينيه في عينيها:

_ رولا…

تاهت في نظراته، ليقول بصوتٍ منخفض لكنَّه موجع:

_ إنتي غالية عليَّّ قوي، وصدَّقيني لو مش غالية، ماكنتش وافقت على العلاقة دي.

_ علاقة؟!

ردَّدتها بذهولٍ صريح.

رفع ذقنها، ونظر لعينيها مباشرة:

_ هنوجع بعض، وممكن نكره بعض، بلاش نوصل للمرحلة دي.

زفر بقسوة:

_ إنتي مش عارفة أنا حاسس بإيه، أنا دلوقتي راجل متجوِّز…ومن مين؟ من البنت اللي كانت أقرب صديقة.

_ قصدك اللي رفضتك؟

استدار وتحرَّك نحو غرفته:

_ كلام صبياني أنا نسيته، وأظن ماكانش فارق معاكي، حتى مش فاكر منُّه حاجة.

لحقت به سريعًا:

_ خلاص، مالكش دعوة بيَّا.

هزَّ كتفه بلا مبالاة:

_ وأنا قلت لك حاجة، قلت تاخدي بالك…علشانك إنتي مش علشاني.

ثم أضاف بحدَّة:

_ ولو كلام الثانوي لسه معلم في دماغك تبقي هبلة وعبيطة..ده كلام عيال، هوَّ فيه حد بياخد على كلام العيال؟

اشتعلت عيناها:

_ ومين قالَّك إنِّي فاكرة حاجة أصلًا؟

سخرت بمرارة:

_ إنتَ لسه قايل كلام عيال، يعني وأنا عيِّلة رفضت، هوافق وأنا كبيرة وعاقلة كده؟

كلماتها كانت كالنار التي أحرقت صدره حتى صار جمرة..فرسم ابتسامةً موجوعة وقال:

_ طول عمرك عاقلة، بدليل إنِّك وصَّلتيني لكده.

قالها ثم أغلق الباب خلفه بعنف، هاربًا قبل أن ينزلق الحوار إلى جرحٍ أعمق… جرحٍ لن يبرد


ارتعش جسدها وهي تحدِّق في الباب الذي انغلق خلفه بضجرٍ صريح، بقيت في موضعها دقائق تتنازعها الحيرة:

أتتبعه أم تعود لغرفتها؟

خطوة للأمام..ثم تراجُع.

وأخيرًا استسلمت، وعادت تجرُّ أذيال خيبتها.

دلفت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، أسندت ظهرها إليه كأنَّها تستمدُّ منه توازنها المفقود، وهمست بمرارةٍ توبِّخ نفسها:

_وبعدين يا رولا، هتفضلي في الحال ده لحدِّ إمتى، فوقي..خلاص فوقي.

ولا كأنِّه يفرق معاكي، إنتي سمعتي بنفسك إنُّه بيحبِّ واحدة تانية، مستنية إيه أكتر من كده؟

لازم تفوقي، لازم.


أومأت برأسها عدَّة مرَّات، كأنَّها تقنع قلبًا يأبى الفهم، ثم تحرَّكت بخطواتٍ واهنة نحو الفراش، تمدَّدت عليه تسحب هاتفها بيدٍ مرتعشة، تحاول الهروب من أفكارها بأي شيء..أي شيء.

بينما في غرفة بلال…

كان الغضب يثور بداخله كبركانٍ على وشك الانفجار، كلماتها معه مازالت تتردَّد في رأسه تؤجِّج نيرانه أكثر..مسح وجهه بيده بغضبٍ حارق، يستغفر ربَّه أن يقوده غضبه إلى طريقٍ لا يُرضيه.

نزع قميصه بعنف حتى تطايرت أزراره على الأرض، ثم اندفع إلى الحمَّام.. وقف تحت المياه الباردة يغمض عينيه، علَّها تُطفئ شيئًا من لهيب صدره المحترق.

بعد دقائق، سحب المنشفة ولفَّها حول خصره، وخرج بخطواتٍ أثقلها الصراع.

توضَّأ ثم قضى فرض ربِّه، صلاة العشاء التي فاتته بسبب حفل الخطوبة… صلاةٌ مثقلة بالشرود، لكنَّها صادقة.


نهض بعدها واتَّجه إلى مكتبته، سحب عدَّة كتبٍ بلا وعي، عاد بها إلى فراشه، ارتدى نظَّارته الطبيَّة وفتح أحدها…

يحاول أن يقرأ، يحاول أن يفهم،

يحاول أن يهرب…لكنَّ قلبه كان في مكانٍ آخر تمامًا.

فقد اتِّزانه فجأة، نهض من مكانه بعصبيَّة، وتحرَّك إلى المطبخ ليعدَّ قهوته، أخذ يفتِّش بين الأغراض بعنف، يفتح الأدراج ويغلقها بقوَّة، وهو يحدِّث نفسه بغضبٍ مكبوت:

_مشِّت الشغالين، أهو مش عارف أشرب فنجان قهوة في بيتي.

والأستاذة عاملة ستِّ بيت، وهيَّ أخرها تغسل خيارة!

سقط أحد الأواني من يده وارتطم بالأرض بقوَّة، محدثًا صوتًا حادًّا شقَّ سكون المكان.

في الأعلى، فزعت رولا..وانتفض قلبها قبل جسدها، ظنَّت أنَّ شيئًا أصابه، نهضت سريعًا من فوق فراشها، سحبت روبها وارتدته على عجل ثم خرجت.

نزلت درجات السلُّم بخطواتٍ متردِّدة، تطوف بعينيها في المكان:

ياترى صوت إيه ده؟

وصلت إلى المطبخ وتوقَّفت على بابه..

كان بلال يجمع شظايا الزجاج المكسور ويلقيها في القمامة بعنف.

تابعته بصمت، حتى وقعت عيناها على إحدى الشظايا الكبيرة الملقاة على الأرض.

اقتربت خطوة، كان يوليها ظهره:

_بلال…

التفت إليها سريعًا، غير مكترثٍ بقطعة الزجاج التي ضغط عليها بكفِّه، فجأةً صرخ متأوِّهًا وقد اخترقت الزجاجة راحة يده... ركضت نحوه بلهفة:

_خد بالك!

لكن الدمَ كان قد سال بالفعل..

نهض متألِّمًا، فاقتربت منه تمسك كفِّه بقلبٍ ينتفض:

_جرحتك قوي، ورِّيني كده.

نزع قطعة الزجاج بعصبيَّة، ثم أبعد يدها:

_ابعدي علشان متتئذيش، مفيش حاجة طلَّعتها خلاص..

وانحنى ليلتقط باقي الشظايا، لكنَّها سحبت كفَّيه بقوَّة:

_استنى!

جذبته نحو الحوض، فتحت المياه وبدأت تغسل الدماء:

_أومال لو مش دكتور؟ استنى نشوف الجرح.

سحب منديلاً ورقيًّا، ثم تحرَّك إلى صندوق الإسعافات الأوليَّة..جلست أمامه تساعده في تعقيم الجرح بصمتٍ مشحون.

قطعت الصمت بصوتٍ منخفض:

_إيه اللي حصل..

وإزاي القزاز ده وقع كده؟

ردَّ ببرودٍ مستفز:

_كنت بلعب معاه.

نظرت إليه لحظة، ثم قالت بسخريَّة موجوعة:

_والله…وياترى بتلعب معاه ايه

_عروسة وعريس بعد نص الليل 

دفعت كفيه ثم قالت

_تصدَّق تستاهل.

استدارت لتغادر، لكنَّه أمسك كفَّها فجأة، فالتفتت إليه بدهشة..

قال بنبرةٍ تجمع بين الاستفزاز والتحدِّي:

_عايز قهوة؟

مش إنتي عاملة ستِّ بيت شاطرة؟ اعملي قهوة…ويارب تعرفي تعمليها.

رفعت حاجبها بمشاكسة

_مش لما الاقي راجل البيت علشان ابقى ست البيت

هب من مكانه، فركضت الى غرفتها سريعًا، بينما توقف يبتسم على طفولتها

_الصبح اقوم الاقي الفطار جاهز، علشان هعرفك راجل البيت 

ضحكت على كلماته، استندت على الجدار، وعيناها على جلوسه، وهو يقوم بلف الضماد على كفيه 


بمنزل طارق..

دلفت إليه تحمل قهوته، وضعتها أمامه على المكتب بهدوء، ثم سحبت المقعد وجلست قبالته، راقبته لحظة قبل أن تقول بنبرةٍ هادئة تخفي قلقها:

_ هتفضل سهران كده ولَّا إيه؟

نظر إلى ساعته، ثم رفع عينيه إليها:

_ معلش يا حبيبتي، عندي شغل مهمّ عايز أخلَّصه قبل السفر، وإنتي شوفتي الخطوبة عطَّلتني قدِّ إيه.

نهضت من مكانها واقتربت حتى استندت بكفَّيها على المكتب أمامه:

_طيب، إنتَ قلت لإلياس على اللي حصل؟

رفع الفنجان وارتشف منه ببطء، ثم قال:

_ ماقلتش، بس هوَّ أكيد عرف..إنتي ماتعرفيش إلياس، ده عارف كلِّ واحد بيعمل إيه.

_ طيب قالَّك حاجة؟

زفر بحدَّة خفيفة، وعيناه اشتعل فيهما القلق:

_ هند، أنا اللي اتصرَّف..الولد ابني أنا مش ابن إلياس.

تنهَّدت بحزن، ثم قالت بحذر:

_طيب يا طارق متزعلش منِّي، بس هوَّ إيده طايلة أكتر…غير طبعًا أرسلان، ده بتليفون هيعرف كلِّ حاجة.

شدَّ على الفنجان بين أصابعه:

_ هجيبها من تحت الأرض صدَّقيني، وهحاسبها على كلِّ اللي عملته.

اقتربت أكثر ورفعت كفَّيها تمسِّد على شعره بحنان:

_ حبيبي متقلقش…إن شاء الله هتلاقيها.

رفع رأسه إليها بعينين مضطَّربتين:

_ أنا هتجنِّن يا هند، ليه جابته، وليه عرَّفتني بيه؟ وبعد ما كتبت عليها فصِّ وملح وداب.

_ طيب ممكن تهدى وتسمعني؛ علشان كده هيَّ أكيد بتخطَّط لحاجة أكبر من موضوع اعترافك بالولد..وبقولَّك لازم تعرَّف إلياس أو أرسلان.

مرَّر كفِّه على وجهه بإرهاق:

_ لمَّا بفكَّر في نواياها، دماغي هتنفجر.

مالت وطبعت قبلةً خفيفةً على خاصَّته، وهمست بنبرةٍ حنونة:

_ طارق علشان خاطري اهدى، ولازم إلياس يعرف..هوَّ هيتصرَّف مش علشان إنتَ ضعيف، لا…بس زي ماقلت لك إيده طايلة، غير شغله مع الأشكال دي.

رفع عينيه إليها، فابتسمت ولمست وجنتيه:

_عارفة إنَّك مش عايز تدخَّل نفسك في موضوع صغير، بس أنا خايفة عليك يا حبيبي.

سحبها إليه، وأجلسها فوق ساقيه يضمُّها إلى صدره:

_ مش عارف عملت إيه كويس علشان ربِّنا يكافئني بيكي.

وضعت كفَّها على صدره فوق موضع قلبه، وقالت بدلال:

_ ده نضيف، علشان كده ربِّنا رزقك بواحدة قمر زيي.

ضحك بصوتٍ مرتفع وهو يضمُّها، قبل أن يُطرق الباب وتدخل المربية:

_علي عايزك يا مدام.

نهضت من فوق ساقيه، وقالت بشقاوة:

_ هنيِّم علي، وإنتَ خلَّص بقى علشان مش هتنازل أنام في حضنك الليلة.

ابتسم، وغمز لها وهو يرد:

_ إنتي تؤمري يا باشا.


بمنزل مالك..

داخل غرفة طفلته، كان يجلس على الأرض يلاعبها، يدور بها بين ذراعيه، وصوت ضحكاتها يملأ المكان، ضحكات بريئة كانت كفيلة بأن تُنسيه العالم كلِّه.

دلفت غادة إليهما تحمل كوبًا من اللبن، توقَّفت تراقبهما بعينٍ دافئة وقلبٍ ممتلئ:

_ يلَّا يا حبيبة مامي، نشرب اللبن علشان ننام.

تركت الصغيرة حضن والدها وأسرعت نحو أمَّها، فجلست غادة أمامها، ناولتها الكوب، بينما عيناها تلاحقان مالك الذي نهض بهدوء وخرج إلى الشرفة.

مرَّرت يدها على شعر ابنتها بحنان:

_ حبيبتي، اشربي كوبايتك كلَّها علشان تكبري وتبقي شطورة.

_ حاضر يا مامي.

خرجت غادة إلى الشرفة، توقَّفت بجواره، لاحظت شروده ونظراته المعلَّقة بلَّلاشي:

_ مالك، الدكتور قالَّك إيه؟ انشغلنا بالخطوبة ومتكلِّمناش.

التفت إليها، ورسم ابتسامةً حاول أن يجعلها طبيعيَّة، لفَّ ذراعيه حولها، قرَّبها منه، وطبع قبلةً على جبينها:

_مفيش حاجة تقلق يا حبيبتي، بس عايزك تجهِّزي الولاد، من بكرة هنروح الفيلَّا عند ماما.

طالعته بذهولٍ واضح، وصدمة ممزوجة بعدم فهم:

_ فجأة كده..إنتَ كنت رافض..وكمان عمَّك هناك، ممكن أعرف عايز توصل لإيه..أو بتخطَّط لإيه؟

تنهَّد بعمق، ونبرته خرجت مثقلة بالواجب أكثر من الرغبة:

_ ماما تعبانة، ومستحيل تسيب بيتها وتيجي هنا..هيَّ مكبَّرتنيش علشان أسيبها في الظروف دي.

أومأت بتفهُّم، رغم القلق الذي لم يفارق ملامحها:

_خلاص إن كان كده أنا موافقة، بس بنت عمَّك لو حاولت تطاول عليَّ


قاطعها بثقةٍ حادَّة:

_ ولا تقدر تعمل حاجة، وإنتي مش قليلة، متنسيش إنِّك غادة السيوفي..

بزيادة عليها بس إنَّها تكلِّمك.


قالها بصوتٍ أكثر حدَّة:

_ غادة، أنا عايزك تتعاملي معاها بالذات على إنِّك غادة السيوفي..دي واحدة مبتفهمش غير لغة القوَّة، وعايزة اللي يوقَّفها عند حدَّها.

تراجعت خطوة، تطالعه بدهشةٍ:

_هيَّ عملت فيك إيه مخلِّياك كارهها بالشكلِ ده؟

سكت طال الصمت أكثر ممَّا يجب..

عيناه شردتا بعيدًا، كأنَّ الشرفة لم تعد تتَّسع لما يراه داخله:

_ استهونت بقلبي…

قالها أخيرًا بصوتٍ منخفض، لكنَّه مثقل..

_ داست عليه، وخَلِّتني أُضحوكة قدَّام صحابي..فيه أكتر من كده؟ لمَّا الواحد يحسِّ إنِّ رجولته اتدَّاس عليها بإيد اللي وثق فيها.

اقتربت منه أكثر، لم تتكلَّم، فقط وضعت يدها فوق صدره، حيث عجز اللسان عن التفوه، لتقول بعد صمت:

_ ليه، عملت إيه لكلُّ ده؟

وقبل أن يُكمل…

جاء الصوت الذي شقَّ قلبه نصفين:

_مامي، خلَّصت اللبن كلُّه.

التفت مالك فورًا وانحنى لمستواها، حملها بين ذراعيه، قبَّل خدَّها الصغير وضحك، لكن عيناه خانتاه، راقبها بقلبٍ يصرخ هلعًا، يتذكَّر كلمات الطبيب، ونبرته المتردِّدة،ونظراته التي حاولت أن تُخفي الحقيقة.

"فيه شك، احتمال..محتاجين تحاليل تانية."

سرطان الدم…

كلمة لم ينطقها الطبيب صراحة،

لكنَّها سكنت رأسه كوحشٍ لا يرحم.

شدَّ طفلته إلى صدره بقوَّةٍ مبالغ فيها،

كأنَّه يحاول حمايتها من قدرٍ لم يُعلن بعد، لاحظت غادة رجفة يده،

والشرود الذي عاد فجأة،

والعين التي لم تعد ترى شيئًا سوى خوفٍ أسود..

— مالك، مالك يا حبيبي؟

ابتلع ريقه، رسم ابتسامةً مهزوزة، قبَّل رأس طفلته، ثم أنزلها برفق:

_مفيش..يالَّه علشان ننام.


بمنزل يوسف..

استيقظ على رنين المنبِّه، سحب هاتفه ببطء وأغلقه، لكنَّه بقي واقفًا، محدِّقًا فيها وهي تغفو في حضنه، شعرها متطاير على وجهها..ارتجف قلبه حين وقعت عيناه على آثار ليلة الأمس…آثار شهوة وغضب، وارتباكٍ خجلٍ ممزوجٍ بالذنب..لماذا فعل هذا، لماذا وصل لغضبٍ لم يعرفه من قبل؟

لفَّ جسده حولها مرَّةً أخرى، يمرِّر أصابعه برقَّة على وجهها وشعرها، يخشى أن يوقظها، كفَّيه على وجنتيها، عيناه تشرب ملامحها، تتوه بين الحبِّ والندم والحرمان..انحنى ليضع رأسه عند عنقها، تنفسها الحار يلهبه، وكلُّ نبضةٍ في قلبه كانت صراعًا عنيفًا..هل يضحِّي بسعادته ليحميها..أم يطمع بها ويجعلها تبقى معه رغم كلِّ شيء؟

ابتعد قليلاً، جمع أنفاسه، لكنَّه لم يتحمَّل الصمت بعد أن أيقظته عيناها..جمعت شعرها وهي تهمس:

_صباح الخير…

_صباح النور…

نهض، لكنَّها توقَّفت أمامه بعينين ملتهبتين:

_ممكن أعرف كنت فين إمبارح؟

قَبَّل جبينها، لكنَّه كان قلقًا ومتوتِّرًا:

_قلت لك، كان عندي شغل.

_وأنا مش غبية عشان أصدَّق دا… إمبارح كان خطوبة أختك، إزاي ماحضرتش؟

_وإنتي دلوقتي بتحاسبي، مش كفاية؟

_أنا عايزة أعرف جوزي كان فين…وليه ماردِّيتش على التليفون؟

تحرَّك بخفَّة، كأنَّ كلَّ خطوة تقطع حبل صبره:

_ضي، أنا مصدَّع من الصبح، الواحد بيقول صباح الخير، مش نكد…

لكنَّها تذكَّرت كلَّ ماحدث بالأمس، غضبها انفجر:

_وأنا مش هسكت غير لمَّا أعرف كنت فين، وليه رجعت بالطريقة دي؟

_بالطريقة إيه، إنتي عايزة تتخانقي وخلاص؟

في لحظة متهوِّرة، نزعت حمَّالة قميصها، جسدها كلُّه صرخة غضب وجرح:

_طريقة الحيوانات دي!

شعر يوسف وكأنَّ خنجرًا يغرس في صدره، صمتٌ قاتلٌ امتدَّ بينهما..صوته كان منخفضًا لكنَّه مزلزل:

_حيوان…هيَّ حصَّلت؟


اقتربت منه بجنون، غضبها لم يعد يُحتوى، خطواتها كانت متخبِّطة كقلبها:

_طيب كدِّبني يا دكتور…

قالتها بصوتٍ مرتجف، ثم انفجر دفعةً واحدة:

_راجل يطلع من البيت طول اليوم، مايحضرش يوم مهمِّ لعيلته، يرجع بعد نصِّ الليل، ويعامل مراته كأنَّها حيوانة، أو…بنت ليل!

كانت الكلمة الأخيرة خنجرًا مسمومًا..

كوَّر قبضته بقوَّة، أظافره غرست في راحته، جسده كلِّه ينتفض وهو يقاتل نفسه حتى لا يصفعها..انحنى قليلًا، صوته خرج مبحوحًا لكنَّه مشحونًا بتهديدٍ مكبوت:

_لسانك يا مدام..لسانك يا محترمة.

وقعت عيناه على قميصها الملقى على الأرض، صورة جسدها العاري من الكرامة قبل القماش، فقَبَض صدره ألمٌ حارق، كأنَّ ذنبه تجسَّد أمامه..

تنفَّس بعمق، وكسر حدَّة صوته قسرًا:

_آسف…مش هتتكرَّر تاني.

قالها بهدوءٍ قاتل، هدوء الرجل الذي يخشى أن ينفجر لو نطق أكثر..استدار متَّجهًا نحو الحمَّام، هاربًا من نظرتها، من نفسه، من ذنبه.

لكنَّ شيطانها كان قد استولى عليها.

لم تعرف لماذا هذا الغضب الجامح، لماذا كلِّ هذا الجنون..عقلها يحاول أن يهدِّئها، أن يصدِّق كذبه، أن يتمسَّك بما تبقَّى…

لكن العقل سقط في غيابات الجبّ..

وثار القلب.

غيرة قاتلة، شكٌّ شرس، إحساس مريب ينهش صدرها.

هناك شيءٌّ يحدث…شيءٌ لا تراه لكنَّها تشعر به في دمها.

الوجع لم يكن فقط ممَّا فعله بجسدها…

الوجع كان فيما تخيَّلته، فيما رسمه عقلها طوال الليل، صور لم تتخيَّل يومًا أنَّها ستراها، خيالات مزَّقت أنوثتها وكسرت ثقتها بنفسها.

كلُّ ماأرادته الآن، في تلك اللحظة،

أن يشعر…

أن يتألَّم كما تألَّمت..

أن يذوق وجعها، خوفها، نار الغيرة التي أحرقت صدرها حتى الفجر.

لم تكن تريد الحقيقة…

كانت تريد الانتقام من وجعه.


دلفت خلفه إلى الحمَّام..

توقَّف يوسف مغمض العينين، يعلم أنَّها تلحق به لتفهم…أو ربما لتضغط على جرحه أكثر، لتعصره حتى يفقد أنفاسه.

استدار إليها محاولًا التماسك، أن يبقى واقفًا رغم التصدُّع الذي ينهشه من الداخل:

_اطلعي برَّة…

قالها بجمودٍ مصطنع، ثم أضاف بصوتٍ منخفضٍ محذِّر:

_والزمي حدودك، إنتي كده بتغلطي.

اقتربت منه ببطءٍ قاتل، خطواتها كانت كسكينٍ يُسنُّ على مهل، وهو يراقبها بعينينِ متأهِّبتين.

وقفت أمامه، همست بهسيسٍ مرعب:

_مش يمكن بغريك يا باشا…علشان تكمِّل جرعة إمبارح؟

في تلك اللحظة، انهار كلَّ شيء..

لم يعد يحتمل كلمة واحدة إضافية، لم يعد يحتمل الضغط، الشك، الإهانة..

كان يكفيه مايحمله داخله.

قبض على ذراعها بقوَّة، بلا وعي، ودفعها إلى الخارج كأنَّها لعنة حياته لا حبيبته، وأغلق الباب بعنفٍ هزَّ الجدران.

وقف يتنفَّس كمن يركض في ماراثون، صدره يعلو ويهبط بجنون.

اندفع نحو المرآة، دفع كلَّ مافوقها ليسقط، ثم لكمها بقبضةٍ يائسة.

تناثرت شظايا الزجاج في المكان، واخترقت يده ليسيل الدم، لكنَّه لم يشعر بالألم، الألم كان أعمق.

مرَّت دقائق جحيميَّة، شعر فيها بأنفاسه تنسحب منه، كأنَّ روحه تُسحب ببطء.

اتَّجه إلى المياه، فتحها بعصبية، يريد أن يغسل كلَّ شيء..الغضب، الذنب، الخوف..كلُّ ماكان يريده الآن

أن يرحل عن هذا المنزل، أن يهرب منها…قبل أن يؤذيها أكثر،

وقبل أن يتحوَّل إلى الشخص الذي يخشاه.


دقائق مرَّت كعامٍ ثقيل على قلبه، كلُّ ثانية فيها كانت صراعًا بين الغضب والندم.

خرج متَّجهًا إلى غرفة الملابس، وجدها جالسةً على الفراش، عينها شاخصةً في نقطةٍ وهميَّة، كأنَّ العالم كلُّه اختفى حولها..رفعت عيناها للحظةٍ بعد خروجه من الحمَّام، لكنَّه دلف لغرفة الملابس دون أن يلتفت إليها، كأنَّها لم تعد موجودة في عالمه.

دقائق معدودة، انتهى من فريضة صلاته، جمع أشيائه الخاصة وخرج من ذلك المنزل..دعائه في سريرته كان صامتًا، متوسِّلاً الله أن لا يضطرَّ للعودة مرَّةً أخرى، أن يبتعد عن كلِّ مايذبح قلبه.

نزل درجات المنزل بسرعة كأنَّه مطارد، لا يريد أن يرى أحدًا، لا يريد أن يتحدَّث مع أحد..كلُّ مافي قلبه كان ألمًا متفجِّرًا، شعورًا ثقيلًا يوزَّع على العالم كلِّه.

استقلَّ سيارته وانطلق بسرعةٍ جنونيَّة، حتى ارتجف الحارس من هول طريقة خروجه.

أمَّا هي…ظلَّت في مكانها، تبكي بصمتٍ للحظات، ودموعها محمَّلةً بالندم والحيرة، تعلم أنَّها أخطأت، لكنَّ قلبها كان يحترق بشدَّة.

لم تعد تعرف ماذا عليها أن تفعل، كلُّ شيءٍ حولها أصبح كابوسًا…وكلُّ ماتريده هو أن يهدأ قلبها، حتى لو كان الثمن أن تخسره إلى الأبد.


بمنزل بلال.. 

استيقظت بنشاط وفتحت إذاعة القرآن الكريم، قامت برفع الصوت، ودلفت للمطبخ ترفع هاتفها:

_صباح الخير يا مامي. 

_صباح الورد حبيبتي..صاحية بدري يعني. 

_أه..عايزة أعمل رياضة من وقت الفرح وأنا قاعدة وحاسَّة جسمي زاد شوية، المهمِّ عايزة أعمل فطار لبلال قبل ماينزل الجامعة، قوليلي أعمل ايه.


_افتحي التلَّاجة وشوفي فيها إيه يا قلبي، وحاولي تعرفي هوَّ بيحبِّ إيه. 

_أممم..فيه بيض، وبسطرما، لانشون، وجبن وكمان حاجات كدا معرفش إيه هيَّ، أه ومعلَّبات غريبة. 

ضحكت رحيل وهي تضع القهوة إلى يزن: 

_حاجات غريبة يا رولا، المهمِّ هوَّ بيحبِّ إيه على الفطار؟ 

تساءلت بها لمغزى، لتجيبها سريعًا:

_دا مفجوع يا مامي، بيحبِّ كلِّ أنواع الأكل. 

ضحكت رحيل حتى يزن الذي وصله صوتها..سحبت الكرسي وجلست بجواره:

_يا بنتي قولي ماشاء الله هتحسديه.

_متخافيش مابيتحسدش، يالَّه بقى قبل ماينزل ويقولِّي يافاشلة.

ظلَّت تحادثها على ماتفعله، حتى انتهت بعمل الفطار، ثم وضعته على عربة الطعام وخرجت به الى طاولة الطعام، كانت تشعر بالسعادة فلأوَّل مرَّة تشعر بهذا الشعور، نزل وهو يشمُّ رائحة الطعام، نظر لهيئتها..يقسم بداخله أنَّها ستيصبه بالجنون: 

_صباح الخير يا نفرتيتي.

رفعت رأسها للحظاتٍ تطالعه وهو يثني كمِّه، ثم قالت:

_صباح العسل يا زوجي الحنون.

_استر يارب وجيب العواقب سليمة، شهق وهو ينظر إلى طاولة الطعام: 

_مين اللي عمل الأكل دا؟

أشارت إلى نفسها بفخر:

_أنا..إيه رأيك؟ 

جحظت عيناه ينظر للطعام:

_قولي والمصحف. 

_بس يا بارد..المفروض تقولِّي تسلم إيدك.

مسك الشوكة ووضعها بالبيض يتذوَّقه:

_تسلم إيدك، ريحة الأكل حلوة.

_الحمدلله عرفت قيمتي. 

وضع الطعام بفمه، ثم طالعها بصمت، وهي تنتظر حديثه تهزُّ رأسها:

_إيه عجبك؟ 

_أه..تسلم إيدك..هوَّ بس فيه ملاحظة صغنَّونة كدا. 

زمَّت شفتيها: 

_اللي هيَّ يا أبو جلامبو.

_الملح يا روحي بدّّلتيه بالسكر. 

قالها وهو ينفض كفّّيه:

_سكر!! أكيد بتهزَّر؟

_دوقي يا مسكَّرة، ولَّا عندك السكر والملح واحد. 

_ظريف يا خفيف.


بعد فترة بالمستشفى، دلف بلال وهو يحمل فنجان قهوته:

_صباح الفل يا جو.

رفع عيناه من فوق جهازه:

_صباح الخير.

ابتسم بلال وقال وهو يمدُّ فنجانه:

_قولت أشرب قهوتي معاك، عرفت إنِّ عندك عملية بعد ساعتين.

أومأ يوسف وهو يأخذ فنجانه:

_أه..وعندي سفريَّة لسوهاج مع الدكتور..فيه مستشفى هناك جمعت حالات، والدكتور هيعمل بنصف التكاليف.

_طيب والله كويس..العمليات دي بتكلِّف وتكون خطيرة مش كده؟

_مش كلَّها، فيه حاجات طبيعية.

ابتسم يوسف قليلًا:

_عقبالك، كلِّ ماتدخل في حالات أكتر، بتاخد ثقة وتتعلِّم أكتر.

_ربِّنا يوفَّقك يا حبيبي..أنا إمبارح ماردتش أتكلِّم معاك، لكن حالتك مكانتش كويسة خالص، فيه حاجة حصلت معاك؟

تذكَّر يوسف ماحدث بينه وبين ضي، ارتدى نظَّارته الطبيَّة واستدار لجهازه:

_مفيش، كان عمل إنساني مش عايز أتكلِّم عنُّه.

دخلت الممرضة معلنةً أوَّل كشف، جلست أمامه مريضة جديدة.

_صباح الخير..إزيك؟ بتحسِّي بأي ألم أو أعراض؟

_صباح الخير يا دكتور..قلبي بيوجعني أوي أوي.

_تمام، الألم ده مستمرّ ولَّا بيجي ويختفي؟

_أحيانًا بيجي فجأة وأحيانًا بيخفِّ شوية.

_هل بتحسِّي بضيق نفس أو زيادة مع الحركة؟

__قلبي بيوجعني أوي أوي.

قالتها بنبرةٍ هادئة، فجمع يوسف جبينه بتساؤل:

_بيوجعك إزاي يعني، وهل تقدري تتنفِّسي طبيعي ولَّا لأ؟

_بيدقّ أوي يا دكتور.

_بيدق إزاي، مش فاهم..بتخافي ولَّا حاجة؟

_لا يا دكتور..بيدقِّ لمَّا أشوف شخص كده قدَّامي، بهيبته وطوله وحلاوته.


رفع يوسف حاجبه ساخرًا وهو يكتم غيظه، بينما ارتفعت ضحكات بلال، مشيرًا بيده:

_آسف..قلبي أنا كمان بيدقِّ أوي.

استدارت المريضة إلى بلال ثم إلى يوسف، ناظرةً إيَّاه بنظرةٍ جريئة:

_قولت إيه يا دكتور؟

ابتسم يوسف:

_قولت تاخديه وتروحي للمأذون..وأنا هكون شاهد.

قالها بلال ضاحكًا، حتى انفجرت نوبة ضحكه.

ألقى يوسف القلم وضغط على الزر مستدعي الممرِّضة:

_خدي الأستاذة على أقرب مأذون.

التفت لتلك الممرضة:

_اطلعي برَّة.

نهض بلال بعدما وجد الغضب على وجه يوسف، وحاول تهدئته بالإشارة إلى الممرِّضة:

_طلَّعيها برَّة.


بالكمبوند.. 


انتهت رولا ?


تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا





تعليقات

التنقل السريع
    close