رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثاني والاربعون 42بقلم سيلا وليد حصريه
رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثاني والاربعون 42بقلم سيلا وليد حصريه
الفصل الثاني والأربعون
"لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
أحبّها…
وأعرف أن الحب أحياناً لا يكفي.
أراها تبتسم، وأشعر بثقل صامت يلتصق بصدرى.
العالم يصرخ بأسئلته البريئة،
وأنا أجيبها في صمت، كل جوابٍ هو كذبة صغيرة، وكل كذبة تقطعني من الداخل. أخفي عن عينيها ما أستحي منه، أخفيه عن نفسي قبل أن أخفيه عنها.
أنا هنا، بجانبها، أرى مستقبلاً يرفض أن يكون لنا، وأحاول أن أتنفس، بينما قلبي ينهار بلا صوت.
لستُ مُهزوماً بالآخرين…
بل أنا مهزوم من نفسي، من جسدٍ لا يطيق، ومن قلبٍ يصر على الحب رغم المستحيل.
أحياناً أنظر إلى الليل، وأحلم بأن أحدًا يقرأ أفكاري، فيعرف كم هو مؤلم أن تحب، وتبقى بلا قدرة، على تحقيق أبسط الأحلام.
دلفت رولا بهدوء، تُلقي التحيَّة بصوتٍ خافت:
_آسفة…فكَّرتك لوحدك.
استدار إليها وابتسم ابتسامةً ودودة:
_تعالي يا رولا…مفيش حدِّ غريب.
تقدَّمت بخطواتٍ محسوبة، وقلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها، وكأنَّ رؤيتها معه بعد اعترافه بحبِّها جدَّد الألم كطعنةٍ مباغتة..اقتربت منها كارما وقالت:
_عاملة إيه؟
ابتسمت ابتسامةً ناعمة، مصطنعة، ردَّت بنبرةٍ هادئة تُخفي مايعصف بها:
_كويسة الحمد لله.
خطت بعض الخطوات ثم أضافت سريعًا وهي تستدير:
_يلَّا أسيبكم بقى علشان عندي شغل..
التفتت إلى بلال:
_يبقى شوف اللي يناسبك وابعتلي، تمام؟
أومأ برأسه:
_تمام…خدي بالك بقى، لو في أي غلطة هتتجازي يا دكتورة.
ضحكت بخفَّة تهزُّ رأسها:
_موافقة…بس خلِّيك رحيم عندي أقساط.
ضحك بصوته الرجولي:
_يبقى أسلِّفِك.
كلُّ ذلك ورولا واقفة تراقبهما بصمت، تمنع دموعها من الانزلاق، تشعر بأنَّها غريبة عنه...تآلفهما أدمى قلبها.
خرجت كارما وأغلقت الباب خلفها، فاستدار إليها ينظر بتساؤل:
_دخلتي بزعابيب وفجأة سكتِّي…مالك في حاجة، آه في حاجة جايَّة ليه؟
ابتلعت غصَّتها، وأبعدت بصرها عنه، تحاول السيطرة على ارتعاش صوتها:
_مفيش، ضي جت وقالت نغيَّر جو، فجيت معاها.
ثم خفضت رأسها:
_وسكتّ علشان اتكسفت لمَّا دخلت ولقيت اللي اسمها إيه دي عندك.
_اللي اسمها إيه؟!
قالها مستغربًا، ثم أكمل بهدوء:
_مش عارفة اسمها؟ دي كارما..على فكرة شخصية لطيفة، وهيَّ في كليِّة صيدلة، وعيَّنتها هنا في المستشفى، في الصيدلة تحت…تاخد خبرة و..
قاطعته بنبرةٍ حادَّة، خرجت دون قصد:
_أنا ماطلبتش أعرف عنها حاجة.
رفع حاجبه بتعجُّب وهو يقترب منها:
_عادي، دخلتي وإحنا بنتكلِّم، طبيعي أقولِّك شغلها إيه، إنَّما لو...قاطعته حينما استدارت نحو الباب، قالت بوجعٍ مكتوم:
_أنا ماشية…آسفة إنِّي عطَّلتك.
_استني هنا.
قالها بنبرةٍ آمرة، ثم تابع:
_هوَّ إنتي جيتي في إيه وماشية في إيه؟
ضغطت على حقيبتها بقوَّة، تحاول كبح ارتعاشة قلبها:
_واضح إنَّك مش فاضي، وأنا هشوف ضي عند يوسف.
وصل إليها بخطوةٍ واحدة، وأطبق على كفَّيها، انخفض صوته وهو يحدِّق بعينيها:
_تعالي…مفيش ضي ولا يوسف دلوقتي.
ثم أردف بنبرةٍ مشدودة:
_وبعدين هيَّ عنده، إنتي رايحة ليه؟
قاطعهم دخول الممرِّضة:
_اطلبي فنجان قهوة للأستاذة.
أومأت له وقالت باحترام:
_الدكتور وصل مكتبه، حضرتك كنت قايل أوَّل ماييجي أعرَّفك.
_تمام.
خرجت الممرِّضة، فالتفت إلى رولا:
_خلِّيكي هنا خمس دقايق، في حاجة الدكتور لازم يشوفها قبل ماأسجِّلها في الرسالة، الممرِّضة هتجبلك قهوتك، مش هتأخَّر.
_براحتك.
تحرَّك للخارج بعدما سحب الملف، واتَّجه إلى مكتب الدكتور.
دنت رولا من مكتبه ببطء، جلست على مقعده وأخذت تدقِّق النظر في أغراضه..مدَّت يدها تتحسَّس سمَّاعته الطبية، ثم اتَّجهت إلى جهازه المحمول، حاولت تشغيله لكنَّها فشلت بسبب إغلاقه برمزٍ خاص.
وقعت عيناها على هاتفه الموضوع فوق المكتب، رفعته تتحسَّسه، ضغطت على زرِّ التشغيل، فأضاءت الشاشة بصورةٍ له بجوار يوسف يوم مناقشة رسالته، حاولت فتحه هو الآخر لكنَّه كان مغلقًا برمزٍ أيضًا.
تأفَّفت، وجالت بعينيها في المكان وهي تتمتم بسخريَّةٍ متوتِّرة:
_بيحسِّسني ظابط مخابرات خايف على السريَّة.
دلف فجأةً وهي مازالت في مكانها.. توقَّف يطالعها بصمت.
حمحمت ونهضت سريعًا:
_قولت أجرَّب شغل الدكاترة.
ابتسم واقترب، فتح الدرج وأخرج بعض الأوراق، ثم قال:
_أحسن دكتورة، صدَّقيني إنتي ماكنتيش بتاعة علوم.
ابتسمت بخفَّة:
_أيوه، مابحبِّش العلوم، كنت بحبِّ الرياضة أكتر، غير ميولي للهندسة وأنا صغيرة.
توقَّف فجأة، وكأنَّه تذكَّر شيئًا:
_نسيت الورق، مخلصتش لسه.
_خد راحتك، بس ممكن تفتح اللاب؟ أسلِّي نفسي عليه لمَّا ترجع.
_افتحيه طيب…
تمتم بها وهو يتحرَّك للخارج، لكنَّه توقَّف على صوتها:
_مقفول بباسورد! إيه إنتَ شغَّال في المخابرات؟
تراجع نحو الجهاز، وبحركةٍ سريعة ضغط على بعض الحروف وسط ذهولها، ثم خرج دون أن يضيف كلمة.
نظرت إلى الجهاز…ثم إلى سرابه خلف الباب.
ارتجفت شفتيها:
_معقولة؟
هزَّت رأسها نافية:
_لا…أكيد أنا اتخيَّلت..لا، أكيد مش صح.
انسلَّت دمعة مع دخول الممرِّضة، فمسحتها سريعًا.
بمكتب يوسف قبل قليل..
توقَّفت أمام الممرِّضة، تسألها بصوتٍ خافت:
_ الدكتور جوَّا؟
نهضت الممرِّضة بابتسامةِ ترحيب:
_ أهلًا يا مدام، أيوه جوَّا عنده كشف، اتفضلي أكيد الكشف خلص.
دارت عيناها بالمكان، فلاحظت وجود شخصٍ آخر في الانتظار، تراجعت بخطوة ثم جلست على المقعد القريب:
_ هستنَّاه يخلص.
_ حضرتك لو حابَّة تدخلي؟
أشارت بيدها بالرفض، وقالت بهدوءٍ متعب:
_لا…بعد الكشف ده، وبلاش تعرَّفيه إنِّي برَّة.
_ حاضر.
مرَّت دقائق ثقيلة وهي بالخارج، تتابع خروج المرضى ودخول آخرين، تنهَّدت بضيق وهمست لنفسها:
_ شكلي هعطَّله ولَّا إيه…
قاطع شرودها صوت الممرِّضة وهي تُنظِّم المواعيد:
_ الحجز لبكرة، آخر كشف دخل.. الدكتور مسافر وهيرجع بعد بكرة، تحبِّ تحجز لبكرة؟
أومأ الرجل بالموافقة، وتكرَّر الأمر مع غيره.
بعد قليل خرج آخر مريض، فأشارت إليها الممرِّضة:
_ اتفضلي يا مدام، كده الدكتور خلَّص كشف النهاردة علشان مسافر عملية برَّة المحافظة مع دكتور حمدي.
أومأت دون تعليق..
دلفت للداخل بساقين مرتعشتين. فتحت الباب بهدوء وقلبها ينتفض بالألم، تقدَّمت بخطواتٍ ثقيلة، بينما كان يوسف منشغلًا بجهازه، تحدَّث ظنًّا أنَّها الممرِّضة:
_ هدى، تعالي جهِّزي الشنطة وخدي الحاجات دي ودِّيها عند دكتور بلال.
اقتربت منه في صمت، وعيناها ترسمان ملامحه، استدار بمقعده مستكملًا حديثه:
_ وشوفي دكتور…
توقَّف فجأةً حين وجدها أمامه..همس اسمها دون وعي.
انسابت دموعها فورًا.
نهض من مكانه واقترب:
_ بتعيَّطي ليه، في إيه؟
لم تجبه، ألقت بنفسها بين ذراعيه وبكت بصوتٍ مرتفع..سحبها إلى الأريكة الموجودة في أحد أركان المكتب، وضمَّها إليه:
_ اهدي وبطَّلي عياط، فهِّميني إيه اللي حصل؟
لم تنطق..فقط نشيجٌ مكتوم يهزُّ جسدها.
احتضن وجهها بين كفَّيه، ومسح دموعها بأنامله:
_بطَّلي عياط، ليه بتقلقيني عليكي؟
همست بصوتٍ مكسور:
_ زعلان منِّي؟
صمت للحظات، بينما كلمات الصباح ترنُّ في أذنه، رفعت كفَّيها إلى وجهه، ونظرت في عينيه:
_ أنا آسفة سامحني..مكنش قصدي، بس إنتَ…
وضع إصبعه على شفتيها:
_ إش…خلاص.
ابتعد خطوة، والتفت ليلتقط بعض أوراقه:
_ قومي روحي، لازم أخرج دلوقتي.
تعلَّقت به بنبرةٍ مرتعشة:
_ يعني إنتَ زعلان منِّي؟
توقَّف، ثم ابتعد قليلًا ناظرًا أمامه دون أن يلتفت:
_ مش زعلان، الموضوع انتهى وقت ماخرجت من البيت.
أدارت وجهه إليها، وعيناها تلمعانِ بالدموع التي لم تستطع حبسها:
_ يوسف…إيه اللي حصل معاك إمبارح؟ ومتقولش عمليات، لأنِّي مش مصدَّقة.
تجمَّد للحظة، لم تكن المشكلة في السؤال..بل في نظرتها.
تلك النظرة التي تخترقه كأنَّها ترى مايدفنه في صدره منذ الأمس.
نهض من مكانه سريعًا، كأنَّ الجلوس أمامها صار خطرًا، واتَّجه إلى مكتبه يجمع أشيائه بيدٍ متوتِّرة:
_ ضي، أنا مش فاضي لازم أمشي دلوقتي.
كان يهرب..يعرف ذلك جيِّدًا.
لكنَّ البقاء أمامها يعني أن ينهار، وهو لا يملك رفاهية الانهيار.
استدار بنصف جسده إليها، محاولًا أن يبدو ثابتًا:
_ هغيب تلات أيام، في عمليات في سوهاج مع الدكتور…وطبعًا مش هينفع نرجع قبل كده.
هبَّت من مكانها دون تفكير:
_هاجي معاك.
التفت إليها فجأة، حدَّق فيها بذهولٍ حقيقيّ، شعر بانهياره، لأنَّها تمسُّ أعمق نقاط ضعفه:
_ تيجي معايا فين؟ إنتي اتجنِّنتي مينفعش!
اقتربت منه وحاوطت خصره، أسندت رأسها إلى صدره كأنَّها تتشبَّث به:
_خدني معاك يا يوسف علشان خاطري، مش هقدر تبعد عنِّي تلات أيام.
في تلك اللحظة، شعر أنَّ صدره ينهار،
أنفاسه ضاقت، وقلبه ارتجف بعنف..
كم تمنَّى أن يحتضنها بقوَّة، أن يقول لها أنَّ البعد يقتله قبلها…لكن الحقيقة كانت أقسى.
أطبق على جفنيه وهمس بصوتٍ بالكاد خرج:
_ لازم تتعوِّدي..قالها وهو يطعن نفسه.
يعلم أنَّها ستوجعها، لكنَّه لم يجد جملةً أخرى تحميها من مصيرٍ يخشاه.
رفعت رأسها تنظر إليه، تهزُّ رأسها برفضٍ عنيد:
_ مش موافقة، ولا حتى يوم واحد..هاجي معاك.
اعتصر فؤاده..ياالله، ماهذا الشعور الذي يكاد يخنقه ويدفنه وهو مازال حيًّا؟
شعور رجلٍ يحبّ، ويخاف أن يكون حبِّه سبب الألم.
رفع كفَّيه وحاوط وجهها، محاولًا السيطرة على رجفة قلبه..
أراد أن يصرخ، أن يعترف، أن يقول:
أنا اللي مكسور، مش إنتي…
أنا اللي خايف…
لكنَّه الرجل الذي تعلَّم أن يبتلع أوجاعه في صمت..
_ ضي، أنا معايا دكاترة، يعني مش لوحدي، هتيجي معايا إزاي؟ ده شغل مش فُسحة..
العمليَّات دي بكتسب منها خبرات، ولازم أحضرها وأشارك فيها كمان…
ولَّا عايزاني أفضل زي ماأنا؟
كانت كلماته منطقيَّة…
لكن قلبه كان ينزف مع كلِّ حرف.
ارتفعت على أطراف قدميها، حاوطت عنقه وقبَّلته..قبلةً بسيطة، لكنَّها كانت كافية لتزلزل ماتبقَّى من ثباته.
أغمض عينيه، يدعو الله أن يُبقيه متماسكًا.
لا يريد أن يؤذيها، لا يريد أن يكسِر قلبها..يعرف كم تعشقه، ويعرف أنَّ القدر هذه المرَّة أقوى منهما معًا.
ابتعد عنها أخيرًا، كأنَّ الاقتراب أكثر سيُسقطه..
أشار إلى حقيبته دون أن ينظر في عينيها:
_ يلَّا، لازم أخرج دلوقتي.
قالها وقلبه معلَّق بها، ووجعه مغلقٌ عليه بإحكامٍ كعادته، ظلَّت تنظر إليه في صمتٍ موجع، حتى تلك القبلة التي رفضها مازالت تحترق فوق شفتيها..
ماذا تفعل، هل تهدر كرامتها أمامه..
أم تخرج وتتركه وحيدًا كما يحاول أن يكون؟
لم تُبعد عينيها عنه وهو يجمع أدواته داخل الحقيبة، يتحرَّك كأنَّ شيئًا لم يُكسر بينهما.
اقتربت منه أخيرًا، بعدما ضربت كلَّ قراراتها بحائط العجز، واحتضنته من الخلف، وضعت رأسها على ظهره كطفلةٍ تستنجد:
_ يوسف، أنا تعبانة أوي، مش قادرة.
تجمَّد لثانية..ثم التفت إليها سريعًا وحاوط جسدها، يضمُّها بقوَّةٍ كأنَّها الشيء الوحيد الذي يُبقيه واقفًا.
كان يعلم، يعلم أنَّه يضغط عليها دون ذنب، وأنَّه هو السبب في هذا الوجع:
_ مش زعلان…خلاص، صدَّقيني مشغول علشان العمليات زي ماقلتلك.
عانقت عيناها عينيه، مع ارتجافة جسدها التي ترجوه أن تصدِّق.
أرادت أن تطمئن…لكن هروب نظراته كان يخنقها.
مال بجسده، وطبع قبلةً سريعةً على شفتيها، ثم رسم ابتسامةً متكلِّفة:
_ إحنا في المكتب…ينفع كده؟
للمرَّة الأولى لمعت عيناها بسعادةٍ خجولة.
رغم أنَّ قلبها لم يطمئن، إلَّا أنَّ تلك اللحظة أراحت وجعها قليلًا.
رفعت نفسها وهمست قرب أذنه:
_ بحبَّك لدرجة الموت.
اجتاحته رجفةٌ عنيفة.
ضاع مع همسها، ووضع جبينه فوق جبينها، يتمنَّى لو يستطيع أن يضمَّها ولا يتركها حتى تذوب بين ذراعيه:
_وإنتي نور قلبي الوحيد…مش عايز منِّك غير إنِّك تتمسِّكي بقلبي يا ضي… قلبي وبس.
هنا، فاق الاحتمال قدرته..
رفعت ذراعيها حول عنقه وقبَّلته، وقلبها ينتفض بحبِّه.
أخيرًا، رفعها قليلًا يضمُّها إليه، وغاب في قبلتها لثوانٍ معدودة…
كأنَّها قبلة حياة، لا يريد بعدها فراقًا.
ابتعد سريعًا حين استمع إلى طرقاتٍ على الباب:
_ دكتور…دكتور حمدي بيقول هنتحرَّك بعد خمس دقايق.
أومأ دون حديث، فخرجت الممرِّضة بهدوء.
اقتربت ضي منه بدلالٍ طفوليٍّ تبتسم:
_ خلِّي بالك من نفسك، وعيونك الحلوة دي ماتبصِّش غير على حاجتين، قلب مريضك وصورتي على التليفون.
ابتسمت عيناه على شقاوتها، وأشار لها محذِّرًا:
_ طيب يلَّا…شوية وهتفضحيني.
_ نعم..فضيحة إيه إن شاء الله؟ جوزي وبصالحه، محدِّش له حاجة عندي.
قاطعهم دخول بلال دون طرق، التفتت إليه ضي وهي تضحك:
_ كده أنا بقول الحمد لله إنِّ الممرضة اللي دخلت.
ابتسم يوسف وهو ينظر إلى بلال:
_ مليون مرَّة أقولُّه خبَّط قبل ماتدخل…بس عمِّي معرفش يربِّيه.
_ شوف إزاي! أنا لازم أروح لأبويا وأحاسبه إنُّه مربَّنيش..
وأخبَّط ليه يا أخويا؟ دي أوضة كشف للمرضى، مش أوضة في ديسكو.
قالها وهو يقترب من ضي، يضمُّها تحت ذراعه ويقبِّل جبينها:
_ المستشفى نوَّرت يا روحي، فيه حدِّ ييجي للدكتور البارد ده؟
كنتي تعالي لي، على الأقل بفهم في الحلاوة دي.
رفع يوسف حقيبته وهو يردُّ عليه:
_ سايب لك المستشفى كلَّها يا أخويا، يبقى اعمل فيها عريس المولد.
_ هوَّ المولد له عريس؟
توقَّف يوسف عند الكلمة، وغمز له: _إنتَ…بلاش أتكلِّم.
_ لا والله!
اقترب منه، لكن يوسف تحرَّك نحو الخارج ثم توقَّف عند الباب، التفت إليها:
_ خلِّي بالِك من نفسك.
ثم نظر إلى بلال:
_ خد بالك منها يا ابني.
— ده إنتَ توصِّيها عليَّ؟
خرج يوسف…
لكنَّ قلبه ظلَّ واقفًا عندها.
تبِعته بعينيها وهو يتحرَّك بجوار الممرِّضة، يتحدَّث إليها بنبرةٍ هادئة، عمليَّة، كأنَّ الرجل الذي كان بين ذراعيها منذ دقائق لم يكن هو ذاته.
تحوَّل فجأةً من شخصٍ دافئ، قريب، إلى آخر جامد، رسمي، بارد حد القسوة.
شعرت بالغربة عنه وهي مازالت على بُعد خطوات.
حاوط بلال كتفيها بحركةٍ أخويَّةٍ خفيفة:
_ قالِّك كان فين إمبارح؟
هزَّت رأسها نفيًا، تحاول عبثًا أن تحاصر تلك الدمعة التي لمعت بعينيها وهدَّدتها بالسقوط..استدارت إليه تسأله بنبرةٍ مكسورة:
_ إنتَ مش مخبِّي عليَّ حاجة؟
تنهَّد بلال وقال بثبات:
_ والله أبدًا…حتى عمُّو إلياس فاكرني عارف حاجة.
أومأت ببطء، ثم قالت وكأنَّها تقنع نفسها قبل أن تقنعه:
_ تمام يا بلال…هعمل مصدَّقة، بس لو عرفت أي حاجة قولِّي.
سكتت لحظة، ثم أضافت بصوتٍ أخفض:
_ يوسف مش سليم خالص…فيه حاجة كبيرة مخبِّيها.
قطَّب بلال حاجبيه مستغربًا:
_ ليه بتقولي كده!! علشان اتأخَّر شوية يعني؟
ابتسم ابتسامة باهتة وهو يكمل:
_ وبعدين لو على الخطوبة، هوَّ عوَّضها قبل كده، شايف الموضوع مش مستاهل القلبان ده كلُّه.
أغمضت عينيها..
مشاهد الأمس القاسية تعصر صدرها عصرًا مؤلمًا... ذلك لم يكن زوجها…
كان شخصًا آخر، إمَّا يحاول قتل أشياء بداخله، أو يقسو على نفسه بشيءٍ يحرقه من الداخل…أو ربَّما…
تاه عقلها في احتمالاتٍ تلسعها كسياط، حتى أفزعها صوت بلال:
_ رولا في المكتب…هتيجي ولَّا تنزلي؟
رفعت عينيها إليه فجأة، وكأنَّ سؤالًا ظلَّ عالقًا في صدرها وآن له أن يخرج:
_ بلال، إنتَ ناوي تعمل إيه مع رولا؟
استدار وهو يجيب بنبرةٍ حاسمة:
_ أعمل إيه مش فاهم؟
ثم أضاف بحدَّةٍ خفيفة:
_ لو قصدك موضوع الجواز، فده مش جواز..ولو فتحتي الموضوع تاني هزعل منِّك.
توقَّف فجأةً واستدار إليها، يرمقها بنظرةٍ ذات مغزى، وقال بوضوحٍ لا يقبل النقاش:
_ عمري مادخلت بينك وبين يوسف.
خفض صوته وهو يكمل:
_ فأتمنَّى تحترمي قراراتي، ومتلعبيش بدماغ رولا…
ثم ختم بجملةٍ قاطعة:
_ لأنِّنا عمرنا ماهنتقابل في طريق واحد.
كانت بالخلف…
تستمع إلى كلماته و قلبها ينخر ببطءٍ وحشيّ، كأنَّ كلَّ حرفٍ منه يقتطع جزءًا حيًّا من روحها.
لم تبكِ…لم تصرخ…فقط شعرت بذلك الصوت الخافت داخل صدرها، صوتُ شيءٍ جميلٍ يتكسَّر.
استدار متحرِّكًا، لكنَّه توقَّف حين اصطدم بها.
ابتلع ريقه وهو يتأمَّلها؛ ملامح شاحبة تخفي إعصارًا، عينانِ متعبتان تحاولان التماسك بالقوَّة.
ورغم أنَّ كلماته كانت صفعةً بلا يد، إلَّا أنَّها ابتسمت…ابتسامةُ من يودِّع نفسه، لا من يجامِل الآخرين.
اقتربت خطوة وكأنَّها تجمع ماتبقَّى منها:
_ مش قادرة أقعد أكتر من كده مع ريحة المطهِّرات والبنج.
صوتها خرج ثابتًا، لكنَّ صدرها كان يختنق:
_ الله يكون في عونكم.
اتَّجه نظرها إلى ضي، وابتسامتها مازالت معلَّقة بوجهها كقناعٍ ثقيل:
_ يارب تكوني صالحتي يوسف ونمشي.
سكتت لحظة، ثم أضافت بخفَّةٍ مصطنعة كسكِّينٍ مغروس:
_ عايزة أعدِّي على الشركة أقطع إجازتي، زهقت من القعدة.
كانت ضي ترى انكسارًا صامتًا، امرأة تحاول الهروب من شخصٍ كان يفترض أن يكون ملاذها.
شعرت بإشفاقٍ موجع، فاكتفت بهزِّ رأسها، ثم استدارت للمغادرة.
في اللحظة التي تحرَّكت فيها، أمسك كفَّي رولا.. تجمَّد جسدها…
ذلك اللمس الذي كان يومًا أمانًا، صار الآن حملًا ثقيلًا يضغط على جرحٍ مفتوح.
_ رولا…أنا كنت بقول..
رفعت عيناها إليه ببطء، كانتا تلمعانِ بدمعةٍ محبوسة، والابتسامة الباردة مازالت قائمة، لكنَّها كانت ترتعش:
_ إنتَ ضحِّيت…
توقَّف صوتها للحظة، تشعر بأن صدرها ينهار، ثم تابعت بقسوةٍ على نفسها:
_ وأنا لازم أدفع تمن التضحية يا دكتور.
كلمة الدكتور خرجت منها كمسافة، كحاجزٍ أخير بينهما.
تنفَّست بصعوبة، وأضافت بصوتٍ واهنٍ متماسك:
_ يومك سعيد…بعد إذنك.
سحبت كفَّيها من يده، وكأنَّها تنتزع آخر خيطٍ يربطها به..
تحرَّكت خلف ضي بخطواتٍ مترنِّحة…
تعدَّها واحدةً تلو الأخرى،
وتتوسَّل إلى ربِّها ألَّا تسقط الآن،
ألَّا تبكي أمامه، ألَّا يرى كيف ماتت ببطءٍ وهي مازالت واقفة.
بمنزل إلياس..
ترجَّل من سيارته، وقعت عيناه على ميرال وهي تتَّجه نحو منزل يوسف. أغلق باب السيارة خلفه وتحرَّك إليها بخطواتٍ متوتِّرة..كانت قد وصلت بالفعل، تزامن وصوله مع فتح الخادمة للباب:
_الدكتور صحي ولَّا لسه؟
أجابتها الخادمة باحترام:
_الدكتور خرج من بدري يا مدام، من الساعة عشرة.
_الساعة عشرة!.
تمتمت بها ميرال بصوتٍ خافت، في اللحظة التي وصل فيها إلياس، فأشار للخادمة بالدخول:
_خلاص.
ثم التفت إليها:
_يوسف نزل المستشفى، وهيسافر سوهاج النهاردة.
رفعت عينيها إليه، والحزنٌ واضح يكسو ملامحها:
_من غير مايعدِّي عليَّ!! أوَّل يوم يروح الشغل ومايعدِّيش عليَّ؟
سحب ذراعها بلطف، وتحرَّك بها في اتِّجاه منزله:
_ممكن يكون متأخَّر على شغله، بلاش تخنقيه..إنتي عارفة لو كان عنده وقت كان عدَّى عليكي.
توقَّفت فجأة، وسحبت ذراعها من يده:
_إلياس…أنا قلبي مش مرتاح، ريَّحني وقولِّي ابنك ماله؟
زفر بضجر، ثم صاح بنبرةٍ غاضبة لم يستطع كبحها:
_هوَّ ابنك طفل، الولد كويس..ابنك راجل يا مدام ودكتور، مش عيِّل علشان تخافي عليه بالشكلِ ده!
ثم تابع بنبرةٍ أكثر حدَّة:
_قال كان عنده عملية مهمَّة، ينفع يسيب مريض بيتألِّم وييجي علشان خطوبة؟
هزَّت رأسها ببطء، ووضعت كفَّها على صدرها كأنَّها تحاول تهدئة وجعٍ لا يُرى:
_بتمنَّى يكون كلامك صح، بتمنَّى ماتكونش مخبِّي عليَّ حاجة.
رفعت عينيها المبلَّلتين إليه:
_علشان قلبي وجعني أوي، ومش عارفة المرَّة دي الدنيا هتعاندني مع مين فيكم.
اجتاحه الألم من نبرتها، ذلك الوجع الخفيّ الذي يعرفه جيِّدًا..هو الآخر يشعر بأنَّ هناك شيئًا ما…شيءٌ غامض، حاول الوصول إليه مرارًا، لكنَّه كان كسرابٍ يبتعد كلَّما اقترب.
_وبعدين معاكي يا ميرال، ليه تخرَّجيني على شعوري؟ متكبَّريش الدنيا، يوسف كويس بلاش نعامله كطفل، سبيه يعمل اللي عايزه..والله أنا شلت المراقبة من عليه، لو مش مصدَّقة اسألي مالك، مينفعش أراقب راجل ودكتور.
رفعت رأسها إليه، والدموع متكدِّسة تحت جفنيها:
_مابقولش راقبه، بس أكيد عارف بطرقك هوَّ كان فين.
_كان في المستشفى، مخرجش منها.. ودا عرفته من الكاميرات علشان قلبي يطمِّن، يعني هوَّ كويس.
أومأت قائلةً بصوت ٍخافت:
_يارب دايمًا كويس…يارب.
حاوط أكتافها وتحرَّك بها تجاه منزله، وهو يتحدَّث بطريقةٍ تمزج بين التدخُّل واللطف:
_فيه أمِّ عروسة تعيَّط كده على الصبح..طيب لو شمس شافتك تقول إيه، ماما زعلانة علشان اتخطبت.
أزالت دموعها وهي تنظر أمامها، تتحدَّث :
_هيَّ عارفة إنِّي كنت قلقانة على أخوها.
قطع حديثهما دخول سيارة ضي من البوَّابة الرئيسية..توقَّفت وهمست:
_هشوف ضي.
ضغط إلياس على ذراعها:
_وبعدين معاكي، ليه عايزة تقلقيها؟ ميرال، بطَّلي شغل الأطفال دا.
وصلت ضي بجوار رولا بابتسامةٍ عريضة:
_مساء الخير يا عمُّو، مساء الخير يا طنط.
_مساء الخير على الصبايا…إيه كنتوا فين؟
_كنَّا في المستشفى عند الدكاترة، وبعدين رولا عدِّت على الشركة علشان تنزل شغلها بكرة.
طالعها إلياس بنظرةٍ تقييميَّة ثم قال:
_ليه يا حبيبتي تنزلي الشغل؟ لسة مكمِّلتيش الشهر.
_مفيش يا عمُّو زهقت.
ربت على كتفها وقال بنبرةٍ حنونة:
_لو حاسَّة إنِّك زهقتي انزلي.
أومأت له ثم انسحبت معتذرةً إلى منزلها، بينما اقتربت ميرال من ضي رغم تحذيرات إلياس وتساءلت بقلب الأمِّ الذي يهفو من الخوف على فلذة كبدها:
_جوزك فين، وإيه اللي حصل معاه إمبارح؟.
تأفَّف إلياس وتركها ورحل وهو يقول بنبرةٍ غاضبة:
_مش هتتغيَّر أبدًا.
بينما اقتربت ضي منها وأمسكت ذراعها وحاولت رسم ابتسامةٍ مطمئنة:
_كويس، أنا لسة راجعة من عنده.
طالعتها ميرال بتقييم متسائلة:
_وليه رايحة له المستشفى، هوَّ مش مبيِّت في البيت؟.
ارتبكت في بادئ الامر ولكنَّها سيطرت سريعًا على ارتبكاها وقالت:
_مشي وأنا نايمة، ومعرفتش إيه اللي أخرَّه إمبارح، فروحت أطمِّن عليه.
_يعني هوَّ كويس؟
_جدَّا والله، وسافر كمان، ادعي له بقى
ربِّنا يوفَّقه ويبعد عنُّه الأذى يارب.
_يارب، تمتمت بها ميرال واستأذنت متحرِّكةً إلى منزلها.
بمنزل يزن..
طرق على غرفة مكتب والده ثم دلف للدَّاخل وهو يحمل بعض الأوراق، وجده يجلس مع كريم:
_فاضي يا بابا؟
أشار إليه يزن بالدخول، واستدار إلى كريم:
_شوف المساحة وعرَّفني، إلياس مش هيعترض، وكمان طارق قالِّي لمَّا يرجع من السفر هيرجع بيته، عايز ولاده يتربُّوا هنا.
نهض كريم وقال:
_تمام هشوف إيمان الأوَّل، أنا عجبني الكمبوند، لكن لازم موافقة إيمان.
_شوفوا اللي يريَّحكم، بس من رأيي تفضلوا هنا، اللمَّة حلوة، وزي ماإنتَ شايف، ماتعرفش بيت مين.
أومأ ورد:
_ودا اللي عجبني، بيفكَّرني بحياة والدي الله يرحمه.
_الله يرحمه، معتقدش إنِّ إيمان ترفض خلِّي بالك..وكلِّم أنس ابنك برضو وخد رأيه، هوَّ هيفضل مسافر طول حياته.
_رافض مصر خالص يا يزن، بنحاول أنا وإيمان يرجع، لكن رافض قطعًا.
_ربِّنا يهديه حبيبي.
_هعدِّي على المستشفى.
جلس آسر يمدُّ يده ببعض الأوراق لوالده بعد خروج كريم:
_دي ميزانية الحفلة اللي هنعملها الأسبوع الجاي، عايز حضرتك تلقي نظرة عليها.
أخذها يزن يتطلَّع إليها ثم أومأ له:
_كويس حبيبي، وخلِّي أختك برضو تشوفها، عرفت إنِّ عمَّك إلياس كان رشَّحها إنَّها تتابع مع منظِّمة الحفل.
_اتحرجت الصراحة يا بابا، دي لسة عروسة ومينفعش نشغلَّها.
_كلِّمها وعرَّفها لو فاضية مش هتعترض.
_حاضر..هعدِّي عليها دلوقتي، فيه حاجة كمان عايز أتكلِّم مع حضرتك فيها.
أنصت إليه فقال:
_مش عايز حضرتك تتدخَّل في المكتب رجاء، ولا حتى رواتب الموظفين، عايز أعتمد على نفسي.
نهض يزن من مكانه وهو يطالعه بفخر:
_حبيبي أنا فخور بيك، وكلامك دا بيسعدني، لكن أوعدني لو فيه أي مشكلة أنا أوَّل واحد يعرف، مفيش حد هيخاف عليك قدِّي، حطِّ دي في دماغك.
_من غير ماتقول حضرتك.
قاطعهما دخول رحيل:
_هنخرج ولَّا إيه؟ الاجتماع هيبدأ بعد نصِّ ساعة.
توقَّف يزن وهو يطالع ابنه:
_شوف اللي محتاجه في الأوَّل وبعد كدا نتكلِّم.
_تمام..اقتربت منه رحيل:
_فيه مشكلة حبيبي ولَّا حاجة؟
هزَّ رأسه بالنفي وقال:
_لا، كنت باخد رأي بابا في الحفلة.
ربتت على كتفه بحنانٍ أموميّ وأردفت:
_أنا موجودة وشاطرة في الحاجات دي، لو بابا مشغول عرَّفني محتاج إيه.
_حبيبتي يا ماما متحرمش منِّك، كلِّ حاجة تمام.
أومأت مبتسمة وتحرَّكت خلف يزن، وهي تتحدَّث إلى نجلها:
_هتخرج ولَّا عندك حاجة في البيت؟
_لا، حبيبتي هخرج عندي كام مشوار يخصُّوا المكتب، وصلت إليهم سدن:
_ممكن توصَّلني لعند مامي في طريقك يا آسر.
_حبيبتي محتاجة حاجة؟
_لا أنطي، بس كنت متِّفقة مع مامي نخرج بعد شغلها نعمل شوبينج.
_تمام..التفتت إلى ابنها:
_عندك وقت توصَّلها ولَّا أخلِّي السوَّاق ياخدها.
نظر بساعته وأومأ لها:
_هاخدها في طريقي، بس ادعي لي الطرق متكنش زحمة دلوقتي.
ابتسمت رحيل وغادرت، بينما اقتربت سدن منه وهي تنفث أنفاسها بضيق:
_ ليه هنا عربيات بتطلَّع دخان وريحتها وحشة؟
_ مش بالظبط، فيه عربيَّات لسه مااشتغلتش بالغاز، فطبيعي البنزين بيتحرق مع زحمة القاهرة.
_ أوبس يا أَسِر، أنا مابحبِّش الزحمة، ولا الريحة دي.
ارتدى نظَّارته الشمسيَّة وأشار لها أن تتحرَّك، ثم توقَّف فجأةً وعيناه تستقرَّان على ملابسها بثباتٍ أربكها:
_ إنتي هتخرجي كده؟
نظرت إلى نفسها ثم أومأت بلا اكتراث:
_ آه…ماله؟ ده جيب.
_ لا، ده مش جيب يا سدن، ده شورت، وما ينفعش تخرجي بيه.
انحنت تلتقط حقيبتها، ونبرتها خرجت حادَّة:
_ مابحبِّش التدخُّل في حاجتي الخاصَّة، آسِر هتوصَّلني ولاَّ أشوف تاكسي؟
زفر ببطء، كأنَّه يحاول كبح شيءٍ أعمق من الغضب:
_ أنا مش بتدخَّل أنا بنصح..
إحنا مسلمين وربِّنا لمَّا كرم الستّ، ماكرمهاش إنَّها تبقى معروضة..فيه حدود للمسلمة ماتتخطَّهاش.
_ إيه هيَّ الحدود عندك أستاذ محامي؟.
جاء صوتها من الخلف..
التفت آسِر سريعًا، لتقع عيناه على آسيا التي وصلت تحمل كوب مشروبها.
لمعت عيناه بلا وعي، وكأنَّ حضوره أمامها يخلخل توازنه.
استند إلى الجدار، ونظر إليها بنظراتٍ صقريَّة ثابتة:
_ لا يا باشمهندسة مش عندي..
ربِّنا قالها صريحة:
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَاظَهَرَ مِنْهَا﴾
وقال كمان:
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾
ده مش تقليل من الستّ، ده حفاظ عليها.
ابتسمت آسيا بسخريَّةٍ خفيفة:
_ حفاظ، ولَّا خوف من جمالها؟
اقترب خطوة، وصوته ازداد عمقًا:
_ بالعكس…
ربِّنا كرم الستِّ بجمالها،
وعلشان كده طلب الحفاظ عليه..
الجوهرة مابتترميش في الشارع،
ولا بتتحطِّ في إيد أي حد..
الجمال في الإسلام نعمة…
والستر احترام للنعمة، مش إنكار ليها..
يعني ستر، مش استعراض…
وحدود، مش أذواق شخصية..
_ بس ربِّنا بيحاسب القلوب مش الأقمشة.
قالتها آسيا بثقة.
_ صحيح، بس هوَّ نفسه اللي قال:
﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾
يعني الشكل رسالة مش تفصيلة مالهاش قيمة، القلب اللي فاهم بيحافظ…مش بيجادل.
_ يعني اللي مش محجبة قلبها فاسد؟
قالتها بنبرةٍ متحدِّية.
هزَّ رأسه نفيًا بعنفٍ مكبوت:
_ لا، بس اللي عارفة إنِّ ربِّنا أمر،
وتحوَّل الأمر لنقاش علشان ترتاح،
دي مش حريَّة.
الحريَّة إنِّك تختاري نوع لبسك، مش تتناقشي في أساسيات في الإسلام، مش إنِّك تغيَّري معنى التكريم علشان يناسب مزاجك.
زمَّت شفتيها باستخفاف:
_تخلُّف جهل، عند الستِّ تحكُّمات، إنَّما الراجل براحته.
_يعني مامتك متخلِّفة وجاهلة؟!
تدخَّلت سدن وهي تلوِّح بيدها بضجر:
_ يوووه…shut up بقى، أنا عايزة أخرج.
لكن آسِر لم يبعد عينيه عن آسيا، واستكمل وكأنَّه يخاطبها وحدها:
_وبالمناسبة…
ربِّنا ماحمَّلش الستِّ الذنب لوحدها..
قال للراجل قبلها:
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
وبعدها مباشرة:
﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾
يعني احترام متبادل، مش ستِّ بتستخبَّى…
ولا راجل بيتفرَّج.
رفعت آسيا ذقنها، لكن نبرتها فقدت حدَّتها الأولى:
_ الزمن اتغيَّر يا آسِر.
ابتسم ابتسامةً قصيرة، موجعة:
_ دي مش تكنولوجيا يا باشمهندسة، دا دينَّا، وأظن معظم الأديان بتدعي للتكريم، والتكريم مابيتغيَّرش..
إحنا بس اللي بقينا فاكرين
إنِّ كشف الجمال حريَّة..
ونسينا إنِّ الحفاظ عليه كرامة..افهمي الحرية يا باشهمندسة مش يمكن حضرتك اللي فاهمة الجهل والتخلُّف بطريقة المكان اللي حضرتك اتربِّيتي فيه
سحب نظره منها أخيرًا، والتفت إلى سدن:
_ براحتك…تاكسي أو أوصَّلك.
سحبت آسيا نظرها من عينيه وهي تقول ببرود متعمَّد:
_ اتأخَّرت أستاذ محامي.
وغادرت…بينما ظلَّ واقفًا،
يشعر أنَّ الجدل لم يكن عن اللبس فقط، بل عن معنى أعمق…لم تحسمه الكلمات بعد.
صاحت سدن:
_تفضل واقف كدا؟
بمنزل أرسلان..
كانت قد انتهت لتوِّها من ارتداء ملابسها، تُعدِّل حجابها أمام المرآة، دلف إليها مبتسمًا يراقبها وقال:
_حضرة الناظرة خارجة ولَّا إيه؟
التفتت إليه مبتسمة، وهزَّت رأسها وهي تُحكم لفَّ حجابها:
_أيوه، بقالي كام يوم مارُحتش المدرسة، عايزة أعمل كبسة عليهم شوية.
اقترب ضاحكًا، ثم توقَّف خلفها يضمُّها من الخلف:
_أحلى ستِّ ناظرة تعمل كبسة.
رفعت وجهها إليه بنظرةٍ متصنِّعة الغضب:
_بتتريق يا باشا، الله يرحم.
لفَّها إليه، وتعمَّق النظر في عينيها بنبرةٍ صادقة:
_تعرفي أكتر مهمَّة حبِّيتها في حياتي إيه؟
ضيَّقت عينيها تنظر إليه باستفهام، فرفع ذراعيه فوق كتفيها وقال:
_مهمِّة شقِّة الإرهابي اللي اتقابلنا فيها، فاكراها؟
حاولت التذكُّر، ثم هزَّت رأسها نفيًا:
_مش فاكرة الصراحة.
لفَّ ذراعيه حول جسدها أكثر مقرِّبًا إيَّاها منه، وتحدَّث بنبرةٍ مصطنعة الاستياء:
_معقول ناسية؟! ده أنا المهمَّة دي في قلبي، وحضرتك بتقولي مش فاكرة؟
ضحكت بنعومة، وتشبَّثت بذراعه:
_لا طبعًا فاكرة، بس مش دي أوَّل مرَّة نتقابل فيها يا باشا، شكل الباشا كِبر وبينسى كتير.
انحنى يهمس، وعيناه تخترقان عينيها:
_والله الباشا لسه شباب، بس إنتي اللي ظلماه، ولو عايزة تعملي تجربة معنديش أي اعتراض.
ضحكت بصوتٍ مرتفع، دفنت وجهها في صدره ولكزته بخفَّةٍ محبَّبة.
حاوطها بذراعيه، يضمُّها إلى صدره وهمس:
_ربِّنا يخلِّيكي ليَّا يا غرامي يارب.
_ويخلِّيك ليا يا حبيبي…يلَّا لازم أخرج دلوقتي واعمل حسابك النهاردة هنسهر عند إلياس.
ابتسم بطاعةِ عاشق:
_إنتي تؤمري يا جميل.
سحبت حقيبتها واتَّجهت نحو الخارج، لكنَّها توقَّفت عند الباب، التفتت إليه قائلة:
_بقولَّك إيه، إيه رأيك تعدِّي على رولا وتشوفها عاملة إيه؟ معرفش حاسَّة إنَّها بقت تتكسف منِّنا أوي، دي ماكنتش كده قبل الجواز.
هزَّ رأسه بتفهُّم:
_تمام، يلَّا علشان ماتتأخَّريش.
بغرفة شمس،
كانت تجلس بشرفة غرفتها، تتفحص صور خطوبتها عبر هاتفها. ابتسامة رقيقة شقت شفتيها حينما وقعت عيناها على حمزة، وهو يسحب كفيها ليُلبسها الدبلة، وكأن اللحظة تُعاد من جديد.
قطع شرودها رنين الهاتف، التقطته سريعًا حين رأت اسمه يُنير الشاشة.
_صباح الخير
صمت قصير، وأنفاس هادئة تسبق صوته الدافئ
_صباح الحب يا حبيبي…
ابتسمت وهي تقول بنبرة هادئة:
_لسه صاحي ولا إيه؟
_آه… بكلمك من على السرير، لسه ما فوقتش. لازم أسمع كروان حياتي الأول
أفلتت ضحكة خافتة وهمست
_فوق بقى، الضهر أذن أصلًا… إيه الكسل ده؟
اعتدل في جلسته، مرر يده بين خصلاته وتنهد بحب
_لما تيجي عندي، وعد مش هنام غير كام ساعة بس
ارتجف قلبها، وقالت بجدية لطيفة
_حمزة، لو سمحت بلاش الكلام ده
ضحك بصوت عالٍ
_نفسي أكون قدامك دلوقتي
_ليه بقى؟
_علشان أشوف العيون البريئة… والفراولة اللي على الخدود
اتسعت ابتسامتها وقالت بلهجة محذرة
_طيب يا كابتن، كده هضطر أقفل
تحدث سريعًا
_وأهون عليكي؟ مش هصعب عليكي؟
تنهدت، ثم قالت بحنان حاسم
_طيب بطل بقى كلامك ده، ويلا قوم، صلي الضهر. ومتنساش بعد كده تظبط المنبه على صلاة الفجر في المسجد.
سكتت لحظة، ثم أضافت بابتسامة
_ما بحبش الكسل… وعلى فكرة، هتلاقي نفسك نشيط قوي، ووقتك فيه بركة، وهتنام زي الملاك
ابتسم صوته قبل كلماته
_والله إنتِ اللي ملاك قلبي. حاضر. وعلى فكرة، أنا في الشغل بصلي الفجر دايمًا…ثم أضاف ضاحكًا
_إنما في بيت إسحاق الملايكة بتتطفش
ضحكت شمس بخفة، تهز رأسها وهي تضم الهاتف إلى أذنها
_بيت إسحاق إيه بس؟ ده أنا جاية أعمل فيه غزوة صلاة، واحد واحد هتقوموا على الأذان
تنهد بحب
_ماشي يا شيخة شمس، خلاص استسلمت… بس أوعديني تيجي تصحيني بنفسك
_أصحّيك ازاي؟
_لا دا مابيتقلش ياروحي، وعد هتكوني منبهي الوحيد اللي بيخليني أقوم من غير ما ألعن اليوم
ضحكت من قلبها، فابتسم وهو مغمض عينيه.
ساد صمت قصير، صمت مريح، يتقاسم فيه القلبان نفس الإحساس رغم المسافة.
_حمزة…
_نعم يا روحي
_خليك دايمًا قريب من ربنا… علشاني، وعلشانك
جاء رده بلا تردد
_قريب منه والله … علشان يفضل جامعني بيكي
اغرورقت عيناها، لكنها ابتسمت وهي تنظر إلى صورتهما على الهاتف…
ثم همست قبل أن تُغلق المكالمة
_قوم بقى… وأنا هشوف مذاكرتي
_ماانا قومت وتحت على فكرة، انتي اللي كسولة
ارتفعت ضحكاتها وهي تقول بمشاكسة
_بتفكرني بيوسف وبلال… نفس الرد
تذكر شيئًا، فسأل باهتمام
_اطمنتِ على يوسف؟
هنا تسلل الحزن لقلبها مع ذكرى أخيها الحنون، فأجابت بنبرة دافئة
_آه يا حبيبي، كان عنده عملية برّه المحافظة، علشان كده جه متأخر
_الحمد لله، المهم يكون كويس
شردت قليلًا، تستعيد حديثًا دار بينهما منذ فترة، ثم قالت
_آه الحمد لله… هسيبك بقى علشان تقوم تصلي الضهر، وأنا كمان أصلي وأشوف مذاكرتي، الامتحانات على الأبواب خلاص
_بالتوفيق يا حبيبي
_خلي بالك من نفسك
_حاضر
أنهى المكالمة، ونهض من فراشه، دقائق قضاها في الحمام، ثم خرج ليؤدي فريضته. بعدها هبط إلى الأسفل، ليتزامن خروجه مع خروج عمران من غرفته، مطلقًا صفيرًا عاليًا
_الله أكبر! الكابتن صحي بدري؟ هي الشمس هتنزل الأرض في الشتا ولا إيه؟
رد حمزة بثقة
_الشمس في السما، محدش يقدر يلمسها يا ابني
رفع عمران حاجبه بسخرية
_قول والله؟
_من غير ما أحلف يا ابني… دي حاجة مش بيفهمها غير الأذكياء
هبط حمزة بخطوات سريعة وخلفه عمران، فوجد والدته تشرف على الخدم وهم يضعون الطعام على الطاولة. رفعت عينيها إليه بدهشة
_معقول إنت صحيت؟
اقترب منها، قبّل وجنتيها
_صباح الخير على أحسن ماما في الدنيا
ابتسمت وردت:
_صباح الخير يا حبيبي… إنما إيه النشاط ده؟ ده إنت في أجازتك بتقوم الساعة ستة، وممكن المغرب
_خلاص بقى يا دينا، هسحب البوسة
ضحكت، تداعب خصلاته
_ربنا يسعدك يا حبيبي
_اللهم آمين
دخل إسحاق، يتفحصه بعين مازحة
_لا حد يقولي إن اللي قاعد ده الكابتن… على رأي الشمس والقمر
انحنى حمزة للأمام مبتسمًا
_والله يا إسحاق، والأجرام السماوية كلها كمان… ومش بس كده، لا صليت الضهر كمان، وهفطر وأنزل المزرعة، من زمان ما شفتش ريحانة
قهقه عمران
_أوووه… لا حد يقول الخطوبة بتعمل كده، أنا ماليش دعوة! عايز أخطب… هو خطب الشمس، حد يخطب لي القمر
ضحكت دينا وهي تسكب القهوة
_يلا شدّوا حالكم
التفت حمزة لوالده الذي رفع فنجانه
_مش تقول لابنك مبروك يا إسحاقو؟ على الدراسات العليا
_مبروك… وإنت فاكر إني ما عرفتش؟
_يعني إنت اللي نجحتني؟ أصلّي ما ذاكرتش.. قالها عمران بسماجة، بينما رد حمزة
_أنا اللي كلمتهم، ولما عرفوا إنك أخو كابتن حمزة نجحوك يا أهبل… أي مكان تدخله قوله أنا أخو كابتن حمزة، هتلاقيهم اتكهربوا
ضحك عمران
_كده أنا تمام… طب ما تقول لحماك يخلف لي بنت كمان
شهق حمزة متصنعًا
_وهتستناها يا أهبل؟
_لا، هاخدها أربيها… المهم يسموها قمر
قاطعتهم دينا بصرامة محببة
_هتاكلوا إنتوا الاتنين ولا تقوموا؟ صدعتوني
حمحم حمزة، وسحب فنجان القهوة
_بابا، كنت عايز أطلب منك طلب
رفع إسحاق عينيه إليه
_اتكلم
_كلم القائد عرفان… عايز أرجع لطيارتي اللي اتدربت عليها، مش حابب المكان التاني
_بس التاني أريح
_بس مش أنا اللي رُحته يا بابا، حضرتك اللي نقلتني. عايز أرجع مكاني تاني، فريقي محتاجني، وليه حضرتك بتدخل في شغلي؟
تأمله إسحاق لحظة، ثم قال
_تمام… عندك شغل إمتى؟
_هنزل السبت إن شاء الله
تدخلت دينا
_إيه رأيك نعزم آل الشافعي الجمعة قبل ما حمزة يرجع شغله؟
_أنا موافق يا ماما
التفتت إليه
_وهي بتسألك إنت يا حلوف
استدار حمزة نحوها
_الأول كلمي ميرال، شوفي ظروفهم
أومأت دينا بهدوء…
مضت عدَّة أيام…
في منزل يوسف..
عاد صباح يوم الحفل الخاصّ بافتتاح مكتب آسَر للمحاماة، فتح الباب ودلف إلى الداخل، فاستقبله سكونٌ ثقيل، سكونُ بيتٍ اشتاق لصاحبته.
التقطت زهرة صوت المفتاح فخرجت مسرعة، توقَّفت أمامه بلهفةٍ صادقة:
_حمد الله على السلامة يا دكتور.
_الله يسلِّمك يا زهرة.
ردَّ بصوتٍ هادئ، لكنَّه يحمل إرهاقًا لا تخطئه عين، اقتربت منه وأخذت حقيبته:
_أطلَّعها فوق لحضرتك؟
_لو مش هتعبك…
تحرَّكت تصعد الدرج بخفَّة:
_تعب إيه بس يا دكتور.
صعد خلفها بخطواتٍ بطيئة، رأسه مثقل، عيناه تحاربان النوم، أشارت إلى باب الغرفة، فأوقفها بنبرةٍ خافتة لكنَّها آمرة:
_هاتيهالي وانزلي إنتي.
_أدخَّلها لحضرتك.
_لا…انزلي.
_بس يا دكتور…
قاطعها وهو يسحب الحقيبة من يدها:
_اسمعي الكلام.
دلف للداخل وأغلق الباب خلفه بهدوء.
توقَّفت زهرة مكانها تنظر للباب المغلق، تشعر بوخزة حزنٍ لا تعرف لها سببًا؛ ثلاثة أيامٍ كاملة لم تره، ولم تعرف عنه سوى سفره، وضعت كفَّها على قلبها الذي ينبض بعنفٍ حدَّ الألم
أمَّا هو…
فما إن وضع الحقيبة جانبًا حتى اتَّجه لغرفة النوم، كانت هناك غارقةً في النوم.
توقَّف عند عتبة الغرفة، كأنَّ قدميه تجمَّدتا، نظر إليها طويلًا، اشتاقها حدَّ الوجع، اشتاق دفأها، صوتها، حتى أنفاسها المنتظمة.
اقترب ببطء، جلس على طرف الفراش يتأمَّل ملامحها كمن يخشى أن تختفي. مرَّر عينيه على وجهها، على شعرها المنسدل، وهمس داخله:
_وحشتيني، انحنى وطبع قبلةً بجوار شفتيها.
_ آسف هكون أناني وهفكَّر في سعادتنا وحبِّنا، واللي ربِّنا كتبه لينا هنجنيه.
دفن رأسه للحظات بصدرها:
_مش هقدر أبعد، كام يوم وحاسس إنِّي بموت من غيرك.
رفع رأسه ينظر لملامحها الساكنة المحبَّبة لقلبه:
_ربِّنا بيحاسبني على اللي طلبته منِّك، بس الحساب عسير ومؤلم قوي قوي، بحاول بس مش قادر..
ظلَّ يتابع سكونها للحظات ثم نهض و
نزع جاكيت بدلته وألقاه بإهمال، خلع قميصه وكأنَّ ثقله كان فوق قلبه لا جسده واتَّجه إلى المرحاض.
خرج بعدها، توضأ ثم وقف يصلِّي…
صلاةُ رجلٍ لم يعد يملك من نفسه شيئًا، إلَّا قلبًا مثقلًا وذنبًا يخشى ثمنه.
ماإن سجد حتى انهار..
سجدةٌ لم تكن كسائر السجدات…
كانت اعترافًا، وكانت رجاءً، وكانت استسلامًا كاملًا.
ناجى ربَّه بصوتٍ مخنوق، لم يخرج حرفًا، لكن صدره كان يصرخ:
"يارب…
إن كان في قلبي ذنب، فاغسله،
وإن كان في قدري تأخير، فصبَّرني،
وإن كان في رحمها حرمان، فارفعه برحمتك لا بعدلك.
يارب لا تجعل خطئي سدًّا في وجه عطاياك.
ولا تجعل خوفي القديم سببًا في كسر قلبها.
هب لنا من لدنك ذريَّةً طيِّبة،
تُرضي بها قلوبًا تعبت، وتجبر بها خاطرًا طال انتظاره.
ربِّ لا تذرني فردًا وأنتَ خيرُ الوارثين.
إن كان المنع ابتلاءً، فامنحنا الرضا،
وإن كان العطاء قريبًا، فاجعل فرحته كاملة، ولا تحرمنا لذَّة الدعاء ولا جمال الرجاء.
يارب…
نستودعك حلمًا خبَّأناه في القلب
فلا تردَّه مكسورًا.»
تشبَّث بالأرض كأنَّها آخر مايملكه، كأنَّ توسُّله لربِّه في السجود وحده يمنعه من السقوط الكامل...ولما لا قرائي ألم يقل ربِّي عزوجل:
" ادعوني أستجب لكم"
ظلَّ يوسف يناجي ربَّه
وها هو يدعو بقلبٍ لم يعد يملك إلَّا الرجاء.
توسَّل ألَّا يُؤاخذه بما اقترفت يداه، ولا بما قصَّر فيه قلبه، ولا بما ظنَّ أنَّه صواب فاكتشف متأخِّرًا أنَّه كان ظلمًا.
انهمرت دموعه رغمًا عنه، ثقيلة، حارقة…
دموع رجلٍ طال صمته، وطال احتماله، حتى فاض..وماأثقل بكاء الرجال…
فإذا بكى الرجل، فاعلموا أنَّ كلَّ الحوائط التي بناها حول نفسه قد انهارت، وأنَّه لم يعد يملك رفاهية التماسك.
وخاصَّةً إن كان رجلًا بقوِّة يوسف…
رجلٌ اعتاد أن يُخفي وجعه،
أن يقف حين يسقط غيره.
أمَّا الآن…
فقد سقط بين يدي ربَّه فقط،
لا شاهد عليه، ولا قناع، ولا قوَّة…
سوى عبدٍ يرجو سترًا ورحمةً وألَّا يُكسر أكثر.
ظلَّ ساجدًا طويلًا…
حتى هدأ بكائه،
وماهدأ وجعه..اعتدل وجلس بعض الوقت، ثم نهض..عاد للفراش بجسدٍ مرهق وروحٍ أثقل، تمدَّد بجوارها، أغمض عينيه، يريد فقط أن يغفو…أن يهدأ.
استنشقت رائحته..
ابتسمت وهي نائمة، ظنَّت أنَّها تحلم. تمتمت باسمه بخفوتٍ حنون.
استدار برأسه نحوها، قلبه انقبض..
رفع كفِّه، مسَّد على خصلات شعرها بحنانٍ افتقده، وهمس بالكاد يُسمع:
_أنا هنا…
شعرت به..فتحت عينيها ببطء، لتجده غافيًا أمامها، ملامحه مرهقة لكنَّها مطمئنَّة، اقتربت دون تفكير، دفنت نفسها بين أحضانه وكأنَّها وجدت موطنها.
فتح عينيه بتعبٍ فهمست وهي تقبِّله:
_حمد الله على السلامة، كنت بتقول هتوصل الضهر.
دفن رأسه في شعرها، يختبئ من آلامه:
_جيت بدري يا ستِّي…زعلانة؟
رفعت رأسها، وضعت كفَّيها على وجنتيه، تنظر إليه بعينينِ مليئتين بالاشتياق:
_لو قولت لك وحشتني قدِّ إيه… هتصدَّق؟
نظر إلى عينيها…
تلك العيون التي أنهكها غيابه بقدر ماأنهكه بعدها، صوته خرج صادقًا، عاريًا من أي تماسك:
_لا، مش مصدَّق.
ثم أضاف هامسًا:
_عشان إنتي كمان وحشتيني أكتر ماتتخيَّلي..لم يُكمل..
اقتربت تهمس باسمه، كلماتها ناعمة، دافئة، كأنَّها تُربت على قلبه المتعب..
ذاب بين همساتها، وذابا معًا…
تحت مظلَّة عشقٍ أبدي لا يعرف الغياب طريقًا إليه.
بمنزل بلال…
طَرق الباب ولم ينتظر الرد.
كانت تقف أمام المرآة تُنهي زينتها، حين دلف إلى الداخل:
_إنتي نازلة ولَّا إيه؟
التفتت إليه بنظرةٍ سريعة، ثم عادت تنظر إلى انعكاسها في المرآة:
_أه، نازلة شغلي..قلت لك من كام يوم، بس واضح إنَّك مكنتش مركِّز.
ثم أضافت ببرودٍ متعمَّد:
_وعلى العموم ماتفرقش.
اقترب منها، وتوقَّف خلفها مباشرة:
_بقالك يومين قافلة على نفسك، حتى ماخرجتيش تاكلي معايا.
رفعت أحمر الشفاه، مرَّرته على شفتيها بعناية، وقالت دون أن تنظر إليه:
_عملت نظام لنفسي علشان وزني.
مواعيدك مش مناسبة معايا.
التفتت إليه فجأة، غرست عينيها في عينيه بقسوة:
_مش علشان كام شهر مع بعض أضيَّع حياتي.
تقدَّم خطوة، كأنَّه لم يسمع كلماتها أصلًا.
وقعت عيناه على أحمر الشفاه، فاشتعل غضبه:
_إيه ده؟
أنا مش موافق إنِّك تخرجي كده.
ابتسمت بسخريَّةٍ لاذعة:
_إنتَ مين بقى إن شاء الله؟
_جوزِك يا أستاذة.
قهقهت بمرارة:
_على ورق وقدَّام الناس بس.
أشارت إلى الباب بعصبيَّة، وصوتها يرتجف من الغضب:
_برَّه الأوضة دي..
أه، جوَّه البيت ده إنتَ زيك زي أي شخص، حتى اللي ماأعرفوش.
اشتعلت نيران غضبه، واقترب منها كالمجنون:
_برَّه وجوَّه؟
ولو مش عاجبك، اخبطي دماغك في الحيطة!
أطلقت ضحكةً باردة، موجوعة:
_في أحلامك يا بلال.
اقتربت منه خطوة، غرست إصبعها في صدره:
_بلاش تحلم أحلام مش هتتحقَّق..
تمام؟
وأظن إنتَ عارف الموضوع ده من سنين.
ابتسم ابتسامةً مظلمة:
_لا متخافيش يا أستاذة…
دي مش أحلام، دي بالنسبة لي كوابيس سودا.
كانت كلماته كالسكاكين.
أحرقت أنوثتها، دهست كرامتها.
تكوَّرت الدموع في عينيها رغم مقاومتها:
_طلَّقني يا بلال.
جحظت عيناه وكأنَّها صفعته.
استدار بسرعة متَّجهًا إلى الخارج، لكنَّها صرخت خلفه:
_قلت لك طلَّقني..
مش عايزة أقعد مع واحد زيك دقيقة واحدة!
عاد إليها بخطوةٍ واحدة، أمسك ذراعها بعنف، جذبها حتى اصطدمت بصدره.
انحنى يهمس قرب أذنها بهسيسٍ مرعب:
_في كوابيسك إن شاء الله.
أنا مش متجوِّزك علشان عيونك…
أنا متجوِّزك علشان أبوكي وأخوكي.
إنتي ماتهمِّنيش.
رغم أنَّها تعلم الحقيقة،
إلَّا أنَّ الكلمات كانت نارًا أحرقت صدرها من الداخل.
صرخت به فاقدةً السيطرة:
_لو إنتَ راجل أوي…
طلَّقني!
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق