القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الحادي وستون 61بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات

 

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الحادي وستون 61بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات






رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الحادي وستون 61بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات



 


 


 


٦١ ـ ~ تحت سقف واحد ~


في صباح اليوم التالي، كان فريد يستعدّ أخيرًا لمغادرة المشفى، بينما وقفت نغم إلى جواره في صمتٍ دافئ، تساعده بحركاتٍ هادئة تنمّ عن عنايةٍ صادقة. وحين ناولته سترته الجلدية، راحت تُعدّلها قرب ذراعه ليرتديها، فإذا به يفاجئها حين جذبها من خصرها لتقف أمامه مباشرة، وأحاط خصرها بذراعيه باحتواءٍ عميق.


رفع ناظريه إليها مبتسمًا، فبادلته ابتسامة مشرقة، وبقي يتأمل ملامحها في صمت؛ عيناه الدافئتان تتجولان على وجهها بحنوٍّ بثّ في قلبها شعورًا غامرًا بالأمان. عندها رفعت يدها وأحاطت عنقه، وقالت بابتسامةٍ خفيفة:

ـ خلاص… هانت.


أومأ فريد وهو يطالعها بشغفٍ متّقد، وقال:

ـ هانت جدًا.


ثم تابع، وهو يمرّر نظراته على معالمها الباسمة:

ـ مش قادر أستوعب إن بعد يومين بس هتبقي معايا في بيت واحد… هتنامي في حضني كل يوم…


وأحاط وجهها بكفّيه، وتابع بنبرةٍ دافئة:

ـ وأصحى ألاقي الجمال ده جنبي كل يوم.


امتزجت ابتسامتها بإشراقٍ أعمق، وأحاطت وجهه بكفّيها بدورها، وهتفت بنبرةٍ صادقة:

ـ أنا كمان مش قادرة أصدق… فرحانة أوي، وفي نفس الوقت خايفة أوي.


هزّ رأسه متسائلًا، وهو يتفحّص ملامحها بعينٍ قلقة:

ـ خايفة من إيه يا حبيبي؟ متخافيش أبدًا وأنا معاكي.


تنفّست نغم بعمق، وأطلقت زفيرًا مرتابًا. راودتها رغبةٌ في الإفصاح عمّا يثقل صدرها ويؤرّق نومها، لكنّها آثرت أن تحبس مخاوفها داخلها، حتى لا تعكّر صفوه منذ الصباح


وفي تلك اللحظة، دوّت طرقاتٌ خفيفة على الباب. تنحّت نغم جانبًا، ثم انفرج الباب وظهر عمر، وقال بنبرةٍ عملية:

ـ فريد… يلا بينا، كل حاجة جاهزة.


أومأ فريد بهدوء، وفي نفس اللحظة رن هاتفه برقم والده، فنظر إلى نغم وتنهد قبل أن يجيب وقال :

ـ أكيد هيطلب مني اروح له وأنا مش قادر بصراحة .


وتنهد وهو يجيب بهدوء :

ـ ألو .. صباح الخير .


ليجيبه والده بصوتٍ رخيم :

ـ صباح الخير يا فريد ، أخبارك إيه دلوقتي ؟


ـ الحمدلله أحسن .. ازي حضرتك ؟


رد والده بثبات:

ـ أنا كويس .. قاعد مستني أهو علشان أشوفك .. اتكلمت مع حسن وقولتله تيجي على الڤيلا .


أغلق فريد عينيه للحظة، وتنهد بإرهاق، ثم قال محاولًا التهرب بلطف:

ـ الحقيقة أنا كنت ناوي أروح على البيت أرتاح وممكن بالليل أجيلك .


لكن صوت والده جاء هذه المرة أكثر صرامة، لا يقبل النقاش :

ـ أنا عايزك تيجي وتقعد معانا في الڤيلا ...


لم يمهله فريد فرصة للاسترسال، فقاطعه على الفور بنبرة حاسمة تخفي توترًا واضحًا:

ـ مش هينفع ، أنا خلاص فرحي بعد يومين ..




ـ وإيه المانع ؟! اوضتك موجودة عاوز تجددها وتغيرها في ظرف ساعتين زمن كل حاجة تبقى محلولة وتجيب مراتك وتعيشوا فيها .


ضحك فريد ضحكة قصيرة متعبة، ثم قال :

ـ أكيد ده مش هيحصل .. إذا كنت قبل الجواز عايش لوحدي، يبقى بعد الجواز هعيش في الڤيلا ازاي ؟!


قال سالم بمجادلة :

ـ وإيه اللي يمنع ؟! أكبر العائلات ده نظامهم ، وبعدين انت عارف إنك طول ما انت موجود في الڤيلا اخواتك هيبقوا حواليك، ولا انت عاجبك إن كل واحد منكم في مكان كده وأنا قاعد بطولي مع اللي اسمها نادية دي!


كبح ضحكاته، وقال :

ـ حضرتك مش لوحدك ولا حاجة، حسن وعمر موجودين.


قاطعه سالم بحدة، وقد ارتفعت نبرته ساخطًا:

ـ النهارده موجودين بكره لأ . ما البركة فيك أقنعتهم إن كل واحد يبقى له بيت لوحده، ده حتى عمر التافه بقاله بيت وكان قاعد فيه اليومين اللي فاتوا .


اشتدت ملامح فريد، وردّ بحزم واضح:

ـ أولا عمر مش تافه ، ثانيا من حقهم طبعا كل واحد يبقى له مساحته الخاصة اللي توفر له الخصوصية اللي هو محتاجها  .


تنفّس سالم بنفاد صبر، وقال وهو يهز رأسه بعصبية:

ـ مفيش فايدة ، فيك اللي فيك ومصمم تعاند وتجادلني.


ثم زفر باستسلام، ولانت نبرته قليلًا وهو يضيف بنبرةٍ متعبة:

ـ ما علينا .. أنا تعبان وأنت تعبان أكتر مني فياريت تسمع الكلام ولو لمرة واحدة في حياتك من غير جدال كتير .. وبعدين يا أخي أنا قولتلك عاوز أشوفك ، ده مش كفاية عندك عشان تسيب اللي في ايديك كله وتجيلي ولا إيه ؟!


ساد الصمت لثوانٍ، بينما تردّد فريد وأخذ يفكّر. كان يدرك أن هناك شيئًا غير طبيعي في الأمر؛ فلم يقتنع لحظة أن والده تحوّل فجأة إلى أبٍ حنونٍ مراعي. هذا القالب لا يشبه سالم مرسال أبدًا.

ومع ذلك… يظل والده. وقد صرّح صراحةً برغبته في رؤيته، حتى وإن لم تخلُ طريقته من عنجهيته المعهودة وصلابته المعتادة.


شعر أن عليه أن يحترم ذلك، وأن يراعي حاله مهما كان.

لكن فريد، ابن سالم مرسال، لم يكن ليفوّت فرصة كهذه. فإن كان والده قنّاص فرص، فابنه ليس أقل دهاءً منه. لذا، وبعد لحظات من التفكير، قال بنبرةٍ محسوبة:

ـ تمام… موافق، بس على شرط.


جاءه صوت سالم سريعًا، متحفّزًا:

ـ إيه هو؟


أجاب فريد بثبات:

ـ طالما هاجي وأعيش في الڤيلا أنا ونغم، يبقى زينب تيجي معانا، وتقول قدّام الكل إنها أختك، ومكانها الطبيعي في الڤيلا من هنا ورايح.


هتف سالم فورًا، مستنكرًا وغاضبًا:

ـ لأ… مستحيل!


عندها جاء صوت فريد أكثر هدوءًا، لكنه أشدّ حسمًا، بنبرة رجل يعرف جيدًا كيف يختار كلماته:

ـ إذًا أنا آسف… برفض الشرط يسقط الاتفاق.




تنهد سالم بعجزٍ واضح، وقال بنبرةٍ تجمع بين اللوم والتعب:

ـ فريد… عيب عليك تساومني علشان عايز أشوفك، وتحاول تجبرني آخد خطوة زي دي؟


هزّ فريد رأسه بهدوء، وأجابه دون انفعال:

ـ لو سمحت، متحاولش تودّي الموضوع في حتة تانية خالص. الموضوع كله عرض وطلب. حضرتك عرضت عليّا أجي أعيش في الڤيلا، وأنا وافقت بشرط إن زينب تيجي معانا. أكيد مش هنسيبها تعيش لوحدها في حين إن العيلة كلها متجمعة .. وبعدين زينب أختك، ودي حقيقة لا مفر منها، وعاجلا أم آجلا لازم تعترف بيها وترد لها حقها ..


وتابع بحزم :

ـ كفاية أوي لحد كده ..


تنفّس سالم بعمق، ومرّر يده على وجهه، ثم قال بانفعالٍ حاول كبحه ولم يفلح :

ـ انا عاوز اعرف.. مش كده كده كلكم عرفتوا الحقيقه وعرفتوا انها تبقى عمتكم.. عاوزين ايه تاني؟


فأجابه فريد بانفعال طفيف:

ـ عايزين حضرتك ترد لها كرامتها، عاوزين أقل ما فيها نصون كرامتها اللي باقي من عمرها. عاوزين الكل يعرف إنها مش مجرد خدامة في البيت، وإذا كانت سكتت قبل كده وتغافلت عن حقها، فده كرم منها وخوف علينا وعلى مصلحتنا. عاوزينك ترد لها حقوقها. كفاية عمرها اللي راح وانت راهنها جنبك، لا اتجوزت ولا خلفت ولا عاشت حياتها زي أي حد، وكل ده علشان غلطة مش غلطتها. يبقى على الأقل تعوضها دلوقتي، اديها فلوسها، اديها مكانتها اللي تستحقها، لازم تحط حد قدام أي شخص يفكر يقل منها بعد كده. زينب مش أقل من حضرتك. لو انت تعبت علشاننا 1%، فزينب تعبت علشاننا مليون في المية، و ضحت بكثير جدًا علشان خاطرنا احنا، مع إنها مش ملزمة بكده وكانت تقدر تنتقم منك عن طريقنا، لكنها ما عملتش كده.


وتنهد بتعب وقال :

ـ وأكيد انت عارف الكلام ده كويس .


زفر سالم زفرةً مستاءة، ثم تنهد وقال :

ـ طيب .. أمرك يا سيدي لما اشوف أخرتها معاك.. بس خليك عارف إني عمري ما سمحت لحد يتشرط عليا أبدا، لكن مراعاةً لحالتك أنا هنفذ لك طلبك .


ـ متشكر جدا ..


ـ في انتظاركم .


أنهى فريد الاتصال، وبقي الهاتف في يده لثوانٍ قبل أن يرفعه عن أذنه تمامًا. التفت إلى نغم، وعيناه تلمعان باعتذارٍ صريح، وقال بصوتٍ منخفض :

ـ نغم.. أنا آسف ..


توقف لحظة، كأنه يبحث عن الكلمات، ثم تابع:

عارف إن ده مش قراري لوحدي وكان لازم أناقشك فيه بس كل حاجة جت فجأة زي ما انتي شايفة.


لم تُجب. اكتفت بتنهدٍ صامت، انعكس على ملامحها حيرةٌ واضحة، ممزوجة برفضٍ مكتوم وضيقٍ لم تحاول إخفاءه. لاحظ فريد ذلك، فأحاطها بذراعيه في محاولة لاحتوائها، وقال بنبرة هادئة مطمئنة:

ـ صدقيني الوضع ده هيكون مؤقت.. أنا متفهم طبعا إنك مش حابة تعيشي هناك، وهيكون عندك بعض المخاوف لكن أوعدك إني هضمن لك إن محدش هيضايقك أبدا من هنا ورايح ..



تنفست بعمق، ثم قالت بصوتٍ يحمل خيبة أمل أكثر من اعتراض:

ـ بس أنا كنت حابة نبقى براحتنا يا فريد.. كنت حابة يبقالي بيت لوحدي وأنا المسؤولة عنه .


ابتسم ابتسامة خفيفة، محاولًا التخفيف عنها، وقال وهو يربّت على يدها ويقول بثقة :

ـ هيحصل طبعا يا بابا .. أساسا ده وضع مؤقت زي ما قلت لك.. وبعدين إحنا كده كده مسافرين أثينا بعد الفرح على طول، وهنقعد هناك قد ما نحب.. أسبوع، شهر، سنه.. ولما نرجع يحلها ربنا.

أكيد مش هنقعد في مكان غصب عننا يعني..


صمت قليلًا، ثم أضاف بصدقٍ لا يخلو من مرارة:

ـ كل الحكايه إني محتاج امشي معاه للاخر علشان أحقق هدف واحد وهو وجود زينب في الفيلا بصفة رسمية.. للأسف هو مش بيعمل حاجه بدون مقابل فأنا مضطر أقبل بالمساومة دي علشان خاطر زينب.. هي تستحق مننا التضحية دي .


أومأت بصدق وقالت:

ـ طبعا.. معاك حق.


ابتسم، ومد يده ليمسح وجنتها بحنان، وقال بنبرة واثقة:

ـ وبعدين خطوه زي دي هتفرق جدا معانا ومع الكل.. لازم الكل يعرفوا إن مكانك جنبي بصفتك مراتي، لازم يتقبلوا اننا في أي وقت هنكون موجودين معاهم لأن ده مكاني ومكانك مش مكانهم هم.


نظرت إليه قائلة بفهمٍ هادئ:

ـ قصدك على نادية هانم مش كده.


زفر بضيق، ثم أومأ مؤكدًا بنبرة ساخرة بعض الشيء:

ـ مش هي بس .. نسيم كمان محتاجة تفهم ده لأن من الواضح ان في حاجات كتير فايتاها ..


ثم نظر إليها وقطب جبينه وهو يضيف بحزم :

ـ وبعدين إيه نادية هانم؟! حبيبتي انتي مراتي يعني مفيش هانم عليكي ..

أنا بقولها نادية هانم لأن دي مرات أبويا ولازم من باب اللباقة أحترمها غصب عني حتى لو هي متستحقش الاحترام ، لكن انتي مش مطالبة بده .


هزّت رأسها وكأنها ترى في حديثه شيئًا مبالغًا فيه، وكادت ترد، لكن الباب انفتح فجأة، وظهر عمر بنبرة مستعجلة:

ـ يلا بقا يا فريد ..


التفت فريد إليه بنفاد صبر وقال:

ـ ما خلاص يا ابني متبقاش زنان إنت كمان ..


أغلق عمر الباب سريعًا. عاد فريد ينظر إلى نغم وقال بصوتٍ أقرب للرجاء :

ـ مش عايزك تضايقي مني إني وافقت من غير ما أخد رأيك .. ممكن ؟


تنهدت، ثم اقتربت منه واحتضنته بقوة، وقالت بصوتٍ صادق:

ـ مش مضايقة أبدا .. كفايه إننا نكون مع بعض بغض النظر عن المكان .


شدّها إليه أكثر، مستشعرًا دفء عناقها، وقال بهدوء:

ـ معاكي حق، كفاية إننا نكون مع بعض .


فابتعدت بعدها خطوة وهي تنظر إليه وتقول :

ـ يلا بينا ؟!


أومأ، ونهض معها متجهين نحو الباب. غادرا المشفى حيث كان حسن وزينب بانتظارهما في السيارة.

جلس عمر في المقعد الأمامي بجوار حسن، بينما استقر فريد في الخلف إلى جوار نغم وزينب.




التفت حسن إليه بابتسامة وقال:

ـ حمدالله على السلامه يا كبير .. ربنا ما يعيدها إن شاء الله.


أومأ فريد بهدوء وقال :

ـ يارب إن شاء الله ، متشكر يا حسن، ربنا يخليكم ليا .


انطلق حسن بالسيارة، وما إن همّ بالانحراف إلى الطريق المؤدي إلى المجمع السكني الذي يقطنه فريد، حتى تنهد الأخير بعمق، ثم قال بصوتٍ حاسم:

ـ على الڤيلا يا حسن.


التفتت الأنظار إليه في آنٍ واحد، فتنهد مرة أخرى، قبل أن يوضح بهدوء:

ـ الباشا كلّمني وطلب إننا نروح نقعد فترة هناك، وأنا… وافقت بس بشرط واحد: زينب تكون معانا.


اتسعت عينا زينب، وهتفت على الفور بنبرة رفضٍ صريح:

ـ لأ… مش هينفع أبداً يا فريد.


نظر إليها بثبات وقال:

ـ ده الصح يا زينب، ولا يصحّ إلا الصحيح.


هزّت رأسها بخفة، وصوتها خرج مكسورًا:

ـ معلش… أنا مش هقدر أرجع الڤيلا تاني.


تدخل حسن بهدوءٍ لا يخلو من حزم:

ـ فريد معاه حق، مكانك الطبيعي في الڤيلا معانا.


وأومأ عمر موافقًا وهو يقول:

ـ بالظبط… وأنا كمان رأيي من رأيهم.


أما نغم، فنظرت إلى زينب بعينين دافئتين، وتشبثت بذراعها، وأمالت رأسها نحوها قائلة بنبرةٍ صادقة:

ـ وأنا رأيي معروف طبعًا… ياريت توافقي، على الأقل ماحسش إني لوحدي.


تنهدت زينب بتردد، وقالت بصوتٍ يحمل خوفًا قديماً:

ـ بس… أنا مش عايزة أعمل مشاكل. وجودي في الڤيلا مش هيرضي كل الأطراف.


ردّ فريد هذه المرة بنبرة قاطعة لا تقبل الجدل:

ـ انتي أهم من كل الأطراف. انتي عمتنا يا زينب، يعني مكانتك بعد الباشا مباشرة. أرجوكي اقتنعي بده.


وأضاف حسن بابتسامةٍ واثقة:

ـ فريد معاه حق… انتي أهم من أي حد، واللي مش عاجبه يشد في حواجبه.


وتابع عمر ضاحكًا:

ـ بالظبط… وأنا رأيي من رأيهم برضه.


ابتسمت زينب ابتسامةً واهنة، تخالطها رعشة خفيفة، فيما لمع الدمع في عينيها وهي تتأمل وجوههم واحدًا تلو الآخر. في تلك اللحظة أدركت، بيقينٍ هادئ، أنها لا تندم على شيء؛ لا على عمرٍ أفنته في خدمتهم، ولا على شبابٍ مضى وهي تؤثرهم على نفسها، ولا على سنواتٍ ظنّت يومًا أنها ذهبت هباءً.




اليوم فقط فهمت… ما زرعته بالأمس لم يضع، بل أثمر محبةً صادقة ووفاءً نقيًّا. رأت في أعينهم امتنانًا حقيقيًا، وفي كلماتهم انتماءً لم تطلبه يومًا، واحتواءً جعلها تشعر أخيرًا… أن كل شيء، أصبح على ما يرام.


ـــــــــــــ


بينما على الطرف الآخر، كان سالم جالسًا وحده في مكتبه الواسع، غارقًا في صمتٍ ثقيل لا يقطعه سوى دقات ساعته القديمة. نظره شارد، وعقله يعجّ بالأسئلة أكثر مما يحتمل. لم يكن يفكّر في فريد وحده، بل في أولاده جميعًا… وفي نفسه أيضًا، وفي ما آل إليه حال العائلة التي طالما ظنّ أنه يمسك زمامها بقبضةٍ لا تُفلِت.


كان يدرك منذ البداية أن إقناع فريد بالعودة والاستقرار في الفيلا لن يكون سهلًا.


إذ أن فريد لم يكن يومًا ابنًا يُقاد، ولا رجلًا يقبل الحلول الوسطى بسهولة. ومع ذلك، لم يكن سالم يتوقّع أن يفاجئه اليوم، لا بالرفض، بل بالمساومة؛ مساومة ذكية، محسوبة، تشبهه هو إلى حدٍّ أربكه.


عندها فقط، شعر بشيءٍ غريب يتسلل إليه… خليط من الضيق والفخر.


وأدرك — رغماً عنه — أن فريد ابنه حقًا. يحمل جيناته، يرث دهاءه، ويعرف تمامًا من أين تُؤكَل الكتف، كما كان هو دائمًا يفعل.


لم يكن طلب فريد في حسبانه. لم يتخيّل أن تكون زينب هي الثمن، ورقة الضغط التي يستخدمها فريد لكي ينصاع لطلبه ويُجبر على الاعتراف بها أختًا لا خادمة.


الاعتراف كان ثقيلًا، أشبه بحجرٍ وُضع فوق صدره، لكن سالم — رغم كل شيء — عرف أنه لا يملك رفاهية الرفض.

فعودة فريد إلى الفيلا أثمن من أي كبرياء .


عودته لم تكن مجرد عودة الابن الضال … بل تعني عودة التوازن. فهو يعرف، ويعترف في قرارة نفسه، أن وجود فريد يعني استقرار العائلة بأكملها. فريد هو حجر الأساس، هو المركز الذي يدور الجميع في فلكه، هو النقطة التي تستقيم بها الفوضى.


بوجود فريد يتحقق استقرار العائلة، ومن دونه، تتبعثر وتتناثر، وتضعف قبضته، ويتسلل الفراغ إلى مكانٍ اعتاد أن يملأه بالصوت والهيبة.



وبرغم ما يظهره من قسوة وسيطرة، كان سالم يدرك حقيقة لا يجرؤ على النطق بها:

أن قوته ليست مطلقة… هي مستمدّة منهم.

من أولاده تحديدًا.

فبدونهم، لا نفوذ حقيقي، ولا سلطة مكتملة، ولا أمان.


نعم، كان يرى في نادية خصمًا يجب كسره، وكان يؤمن أن في يده ما يكفي لإنهائها إن أراد، لكنه في العمق يعلم أن سيطرته لا تكتمل إلا بوجود أولاده إلى جواره، وأن إحساس الأمان الذي يطارده لن يتحقق إلا حين يراهم مجتمعين تحت سقف واحد… سقفه هو.


أسند سالم ظهره إلى المقعد، وأغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما ببطء وقد استقرت ملامحه على تلك الصرامة المألوفة.

لقد قبل الصفقة… لا ضعفًا، بل اختيارًا.

ففي معركة السيطرة، لا يهم ما تقدّمه اليوم، طالما ستبقى أنت في النهاية صاحب الكلمة الأعلى.


༺═────────────────═༻


كانت نسيم مستلقيةً فوق فراشها، جسدها ساكنٌ، لكن عينيها المفتوحتين كانتا تشي بأن النوم لم يزرها منذ زمن. حدّقت طويلًا في السقف، كأنها تبحث عن إجابة ضائعة، أو تحاول أن تفرغ ثِقل الأفكار المتراكمة في صدرها.


ملامحها بدت شاحبة، متعبة، يعلوها وجومٌ لم تفارقه منذ عادت إلى البيت.. ويدها تمسد بطنها بهدوء .


منذ أن عادت من مواجهة والدها بالأمس وهي على حالها هذا؛ الصمت يلفّها، والشرود ينهش ذهنها بلا رحمة. كلمات أبيها تتردّد في رأسها بإلحاحٍ قاسٍ، الحوار الذي دار بينهما يعاد مشهدًا مشهدًا، جملةً جملة، وكأن عقلها يرفض أن يتركه يمضي. كانت تستحضر نبرته، نظرته، المعاني المبطّنة خلف كل كلمة قالها، وتعيد محاكمتها واحدةً تلو الأخرى.



تنفست ببطء، وزفرت زفرةً ثقيلة لم تُسمع، كأنها تخشى أن توقظ عاصم أو أن تفضح اضطرابها. صدرها يعلو ويهبط بإيقاعٍ غير منتظم، وقلبها معلّق بين خوفٍ لم تُسمِّه بعد، وقلقٍ لم تجد له مخرجًا. لم تكن تبكي، لكن عينيها كانتا ممتلئتين بشيءٍ أقسى من الدموع؛ امتلاء امرأةٍ أُثقلت بالأسئلة، ولم تُمنح بعدُ شجاعة الإجابة.


أفاق عاصم من نومه للتو، فاستدار على جانبه كعادته، باحثًا عنها. مدّ ذراعه ليضمّها إلى صدره، واقترب منها ليطبع قبلةً هادئة على وجنتها، كما يفعل كل صباح، غير أنّه فوجئ بها تنتفض فجأة، وتبتعد عنه بحركةٍ حادّة، وقد انعكس على ملامحها نفورٌ واضح وغضب مكتوم.


تجمّد عاصم في مكانه، وحدّق فيها بدهشةٍ لم يستطع إخفاءها، ثم قال بصوتٍ خافت امتزج فيه القلق بالاستغراب:

— مالك يا نسيم؟


أدارَت وجهها بعيدًا عنه، وأجابت بنبرةٍ متوترة حاولت أن تُخفي بها اضطرابها:

— مفيش حاجه .


لم يقتنع. اعتدل في جلسته، وأمعن النظر في ملامحها المتشنّجة، ثم قال بهدوءٍ حذر:

— لا في .. واضح إنك متضايقة من ساعة ما رجعتي امبارح !!


ومالت نبرته إلى البرود أكثر وهو يتسائل :

ـ حصل حاجة في الڤيلا ؟!


ما إن سمعت كلماته حتى التفتت إليه فجأة، واتّسعت عيناها بصدمةٍ خاطفة، وقد أدركت في اللحظة ذاتها أنّ الأمر لم يمرّ خفيًا كما ظنّت. تلاحقت أنفاسها، وسألته بانفعالٍ لم تستطع كبحه:

— عرفت ازاي ؟!


تردّد لحظة، ثم قال بصراحة:

— السواق قاللي .


اشتعل الغضب في عينيها، وارتفع صوتها رغم محاولتها السيطرة عليه:

— انت بتخلي السواق يراقبني يا عاصم وينقل لك تحركاتي .. ؟ بذمتك شكلي يبقى إيه قدامه وهو عارف انك مفيش عندك ثقة فيا بالشكل ده ؟!


تنفّس عاصم بضيق، ثم قال محاولًا كبح حدّة صوته:

ـ نسيم اعقلي واعرفي انتي بتقولي إيه، الموضوع مش كده أبدا ، وبعدين ما هو لازم يقوللي لما يحصل تغيير مفاجيء في خط سيره ، ماهو لو حضرتك اهتميتي إنك تبلغيني ومتسبنيش أتفاجأ من السواق اكيد مكانش ده حصل .


لم تُجبه. نهضت من الفراش بعصبية واضحة، التقطت منامةً أخرى، واتجهت نحو الحمّام بخطوات سريعة. أغلقت الباب خلفها بقوة، ثم ما لبثت أن فتحته فجأة، وصرخت بانفعال:

ـ اعمل حسابك إني هجيب عربية .. و النهارده .


قال من مكانه، وقد ازدادت دهشته:

ـ لزمتها إيه العربية وانتي مش بتخرجي أصلا ؟!


عادت تسير نحوه، ونبرتها تحمل تمرّدًا صريحًا :

ـ ليه ؟! هو أنا هفضل طول العمر محبوسة هنا في البيت إيه ؟!


أجابها محاولًا التماسك لئلا ينفلت زمام غضبه :

ـ أنا مقلتش إنك محبوسة، بس الخروجات اللي بتخرجيها أنا بكون معاكي سواء للدكتور أو خارجين للشوبينج مثلا .. ثم إنك مش بتعرفي تسوقي أصلا!



زفرت بنفاد صبر، وقالت بحدّة:

ـ لو على السواقة بسيطة ، كورس في أسبوعين وهبقا بيرفكت .. انما بقى موضوع إني مش بخرج فانا من هنا ورايح هخرج كتير .


عقد حاجبيه بدهشة، وسأل:

ـ هتخرجي فين ؟!


هزّت كتفيها بلا مبالاة ظاهرة، وقالت:

ـ هشتغل .


رفع حاجبيه في ذهولٍ لم يُخفه، وردّد:

ـ تشتغلي ؟!


أومأت، وأخذت تُعدّل خصلات شعرها كأنها تستمدّ من الحركة قدرًا من الثبات، وقالت بثقة متكلّفة :

ـ أيوة .. أنت ناسي إني درست إدارة أعمال ؟!


ضمّ شفتيه في هدوء، وعقد ذراعيه أمام صدره، وقال:

ـ لأ مش ناسي.


ثم عاد يتساءل :

ـ هتشتغلي معايا في الشركة يعني ؟!


هزّت رأسها نافية، وقالت بعد أن التقطت أنفاسها:

ـ لأ .. هنزل الدار .


قطّب جبينه في دهشة، ولم يُعلّق، فتابعت:

ـ أنا عملت سيرش عن مدام كارولين النجار مديرة الدار وعرفت إنها دارسة إدارة أعمال زيي ، يبقى ليه لأ ؟! أنا محتاجة أشتغل وأشغل وقتي بحاجة مفيدة، أكيد مش هفضل قاعدة في البيت طول الوقت يعني .


كان يراقب ملامحها المشدودة، شاعراً وكأنه يراها للمرة الأولى. ثم قال بهدوءٍ حذر، وذراعاه لا تزالان معقودتين:

ـ ممكن أعرف إيه سبب التحول ده ؟! اهتمامك المفاجيء بالشغل ده ظهر إمتا ؟! طيب تصرفاتك العجيبة بقالك فترة وقادر أبررها إنها بسبب الحمل وتغيير الهرمونات والكلام ده كله .. بس القرارات الغريبة دي مصدرها إيه ؟!


تساءلت باستهجان وهي تنظر إليه بثبات :

ـ قراري إني أستغل وقتي في حاجه مفيدة وأحاول أنجح وأثبت نفسي ده قرار غريب بالنسبة لك ؟!


ـ أيوة.. لأني كنت معتقد إن موضوع الشغل ده مش من أولوياتك ..


قالت بلهجةٍ حاسمة:

ـ الأولويات بتتغير يا عاصم .. وأنا أولوياتي دلوقتي إني أثبت إني ناجحة وقادرة أقف على رجليا بعد كل اللي حصل لي .


نظر إليها نظرةً فاحصة، وسأل وكأنه يجرّدها أمام نفسها :

ـ تثبتي لمين بالظبط يا نسيم ؟!


ارتعشت حدقتاها، وراوغته بنظراتها وهي تقول:

ـ أثبت لنفسي، مش شرط أثبت لحد .


وتركته واقفًا كشجرة غرست في مكانه، ودلفت إلى الحمام، بينما ظلّ عاصم يراقبها في صمتٍ مثقل بالأسئلة، يدرك أنّ ما يحركها لم يعد مجرّد مزاجٍ عابر، بل شيء أعمق… شيء وُلد هناك، في تلك الفيلا، بالأمس تحديدا وعاد معها محمّلًا بما لا يُقال.


دخلت نسيم الحمّام وأغلقت الباب خلفها بهدوءٍ متعمَّد، كأنها تحاول أن تفصل العالم الخارجي عنها، ثم وقفت أمام المرآة.

تأملت انعكاس وجهها طويلًا، وجهٌ تعرفه… لكنه لم يعد مألوفًا كما كان.

ملامحها بدت أكثر حدّة، عيناها تحملان قسوةً لم تعتدها، وخط فمها فقد تلك الليونة القديمة التي كانت تمنحه طابعًا وديعًا. شعرت، للمرة الأولى، أنها تتعرّف على نفسها من جديد، أو ربما تكتشف نسخةً لم تسمح لها الحياة سابقًا أن تراها.



عادت إلى ذاكرتها كلمات أبيها، صوته وهو يقول بلهجةٍ قاطعة أنها متمردة منذ نعومة أظفارها، وأنها ـ لسوء الحظ ـ أكثر من حملت چيناته في اخوتها .


انقبض صدرها، وارتفع داخلها إحساسٌ جارح بالرفض. لم يكن التشبيه في ذاته هو ما آلمها، بل ما يحمله من حكمٍ مبكر، وكأن تمرّدها لم يكن سوى عيبٍ متأصّل لا محاولة بائسة للنجاة.


تسلّل ذلك الوجع إلى أعماقها، لكنه لم ينكسر… بل تحوّل.

تحوّل إلى رغبةٍ جامحة في الإثبات، في أن تقول للعالم – ولنفسها أولًا – إن ما مرّت به لم يهزمها، وإن كل ما انكسر داخلها يومًا لم يمنعها من الوقوف.

أرادت أن تثبت أن الماضي، بكل قسوته وخيباته، لم ينجح في تشويهها، وأنها قادرة على النجاح لا رغم ما حدث، بل بسببه.


اقتربت من المرآة أكثر، وأسندت كفيها إلى حافتها، وحدّقت في عينيها بثبات.

في تلك اللحظة، لم تكن ترى امرأةً خائفة أو مترددة، بل نسيم جديدة… تولد من تحت الركام.


نسيم لا تطلب الإذن، ولا تعيش على هامش أحد، نسيم قررت أخيرًا أن تعلن ميلادها، لا كتحدٍّ للآخرين، بل كتصالحٍ أخير مع نفسها.


༺═────────────────═༻


وصلت السيارة إلى بوابة الڤيلا، فتوقّفت بهدوء. ترجلوا منها واحدًا تلو الآخر؛

نزل حسن أولًا، تبعه فريد، ثم عمر، ثم نغم.

وبقيت زينب الأخيرة، متسمّرة في مقعدها، تحدّق إليهم بتردّدٍ ثقيل، فيما كانت نظراتهم جميعًا تتجه إليها مشجّعة، صامتة لكنها حاسمة، تحثّها على النزول.

وبعد لحظةٍ بدت أطول مما هي عليه، أخذت نفسًا عميقًا، وغادرت السيارة، لتسير إلى جوارهم حتى عبروا جميعًا بوابة الڤيلا.


ما إن دخلوا، حتى فوجئوا بسالم جالسًا على مقعده المتحرّك في منتصف الحديقة، يرمقهم بنظرة ثابتة لا تقرأ بسهولة، كأنها كان في انتظارهم .


في تلك اللحظة، كان فريد ممسكًا بيد نغم بإحكام. لم يغب عنه الارتجاف الخفي الذي تسلّل منها إليه، فشدّ على يدها أكثر، كأنما يبعث إليها دعمًا صامتًا وطمأنينة غير منطوقة.


أما زينب، فقد توقفت في المنتصف؛ إلى يمينها فريد ونغم، وإلى يسارها حسن وعمر، في تشكيلٍ غير معلن، لكنه واضح الدلالة: وقوفٌ واحد، ودعمٌ لا يتزعزع، ورسالة صريحة بأنها ليست وحدها، ولن تكون، مهما كان القادم.


حانت من عمر التفاتةٌ سريعة نحو والدته، التي كانت تقف في شرفة غرفتها تراقب المشهد بعينٍ تتنازعها نيران الغضب والرفض، ثم حوّل بصره إلى والده.

أخذ سالم نفسًا عميقًا، ثم أطلق كلماته بنبرةٍ أقرب إلى التهكم، تلك النبرة التي اعتاد أن يلوّن بها كل شيء:

ـ ماشاء الله .. دخلتكم مع بعض كده تشرح القلب .


تقدّموا نحوه واحدًا تلو الآخر.

كان فريد أولهم، وإلى جواره نغم. وحين وصلا أمامه، مدّ فريد يده يصافح والده بهدوء، وقال بنبرة متزنة:

ـ أخبار حضرتك إيه ؟!



رفع سالم عينيه إليه، صافحه، ثم وضع يده الأخرى فوق كف فريد في ربّتةٍ بدت حانية على غير عادته، وقال:

ـ أنا بقيت كويس لما شفتك ..


وأشار إليه ليجلس وهو يقول :

ـ اقعد ارتاح ..


التفت فريد إلى نغم التي ظلت واقفةً إلى جواره في صمت، وقال بنبرةٍ تحمل ظلًّا من سخرية أبيه:

ـ سلّمي يا نغم على حماكي .


نظرت إليه نغم، فأومأ لها إيماءةً خفيفة مطمئنة. تنفست بعمق، ثم مدّت يدها إلى سالم وقالت:

ـ ازي حضرتك ؟!


أدار سالم نظره من فريد إليها. لم تخفَ عليه ملامح ارتباكها، لكنه لم يترك يدها معلّقة في الهواء؛ مدّ يده يصافحها وقال:

ـ حضرتي زي الفل أهو .. انتي ازيك ؟


أومأت بهدوء وقالت :

ـ كويسة .


أومأ وهو يشير اليهما ويقول :

ـ واقفين ليه ..


التفت خلفهما إلى البقية وأضاف بصوتٍ آمِر:

ـ وانتوا واقفين عندكم ليه ؟!


نظر فريد خلفه، وتوقفت عيناه عند زينب التي كانت تراقب المشهد بتوترٍ واضح، فقال:

ـ اتفضلي يا زينب .. الباشا عنده كلام مهم عاوز يقوله .


تقدّمت زينب بخطواتٍ محسوبة. أسرع حسن يسحب لها مقعدًا فجلست، ثم جلس الجميع في المقاعد المجاورة.

في تلك اللحظة، رفع حسن بصره نحو نادية الواقفة في الأعلى، ورمقها بنظرةٍ ذات مغزى، كأنه يذكّرها بما دار بينهما سابقًا، فاهتزّ شيءٌ من ثباتها، وانطفأ بعض يقينها.


أما فريد، فحوّل نظره إلى والده، في صمتٍ يحمل طلبًا غير مباشر بأن يدخل إلى صلب الموضوع، ثم قال:

ـ اتفضل حضرتك احنا سامعينك .


ثبت سالم نظره في الفراغ لثوانٍ، كأنما يجمع شتات أفكاره، ثم رفع رأسه، تنهد، وأصدر أمره لحسن بنبرة لا تقبل النقاش:

— اجمع اللي في الڤيلا كلهم يا حسن.


أومأ حسن فورًا، نهض، وأخذ يبلّغ الحراس والخدم أن الباشا يطلبهم لأمرٍ عاجل.

ثم رفع رأسه إلى نادية التي ما زالت تقف في علوّ الشرفة، وقال بصوتٍ هادئ يخفي حدّته:

— بعد إذنك يا خالتي أم عمر… في كلمتين مهمين لازم تسمعيهم.


احتشد الجميع في الحديقة، وجاءت نادية أخيرًا، تجرّ خطواتها على مضض، لا يدفعها سوى فضول ثقيل لمعرفة سبب هذا الجمع المفاجئ، ولماذا عادت زينب إلى الفيلا، وما الذي ينويه سالم على وجه التحديد.


وقفوا جميعًا في صمتٍ مترقّب، بينما كانت زينب تنقل بصرها بينهم وجسدها ساكن، لكن قلبها يرتجف بعنف. لم تكن تعرف ما الذي سيقوله سالم، غير أنها كانت على يقينٍ بأن ما سيُقال بعد لحظات سيعيد رسم ملامح حياتها من جديد، إما رفعًا أو كسرًا.


أخذ سالم نفسًا عميقًا، وكأنه يستجمع ما تبقّى من حسمه، ثم تحدث دون إطالة أو التفاف على التفاصيل، مشيرًا بيده نحو زينب، متجنبًا النظر إليها مباشرةً:

ـ اللي محدش فيكم يعرفه إن زينب تبقى أختى ..


ثم أردف بنبرةٍ رسمية قاطعة:

ـ يعني من النهارده تنادوها زينب هانم ..


ساد الصمت للحظة، قبل أن تتبادل العيون نظراتٍ مذهولة، واتجهت الأنظار جميعها نحو زينب، التي تماسكت بصعوبة، تحاول أن تظل واقفة بثبات رغم الارتعاشة التي اجتاحت أعماقها.


وفي تلك اللحظة ذاتها، كانت جيلان قد دخلت إلى الفيلا بسيارتها، فتسللت الكلمات إلى سمعها، فتوقفت في مكانها فجأة، وقد انعقد الذهول على ملامحها هي الأخرى.


ابتلع سالم ريقه، ثم تابع بصوتٍ أكثر صرامة:

ـ زينب هانم من هنا ورايح اوضتها هتبقى في الدور اللي فوق .. وهيكون ليها صلاحيات أكتر من الأول بكتير ، يعني اللي تقول عليه يتنفذ .. ده أولا .


ثم تنهد قليلًا، والتفت مشيرًا إلى نغم:

ـ ثانيا بقى.. نغم هانم عروسة فريد بيه .. هي كمان هتبقى فرد من العيلة من هنا ورايح .. ومش محتاج أقول لكم طبعا إن لازم الكل يحترمها ويعاملها على الأساس ده .


كانت نادية تستمع، والنار تتصاعد ببطء في صدرها، تزحف إلى حلقها، حتى لم تجد وسيلة للاعتراض سوى أن تطلق ضحكة ساخرة وتقول بتهكمٍ جارح:

ـ بس الغرف كلها كومبليت تقريبا.. يا ترى بقى نغم هانم وزينب هانم هيقعدوا فين ؟!


التفت إليها سالم بهدوءٍ محسوب، وقال بنبرة حاسمة لا تحمل انفعالًا:

ـ اوضة چوليا مقفولة .. تاخدها زينب .


اتسعت عينا نادية بصدمة، وهتفت فورًا وقد خرج صوتها مشحونًا بالاعتراض:

ـ لأ.. انت بتهزر.  اكيد مش هفضي اوضه بنتي علشان زينب تقعد فيها !


ولكن سالم تجاهلها وكأنه لم يسمع شيئا، وتابع :

ـ أما نغم فمكانها مع جوزها أكيد .


هنا برز صوت جيلان أخيرا حين تشدقت قائلة بهدوء :

ـ الأوضه بتاعتي أنا خلاص مبقتش محتاجاها، مساحتها أوسع والڤيو بتاعها أحسن لو محتاجينها .


نظرت إليها نادية وهتفت بقوة:

ـ إيه اللي بتقوليه ده انتي كمان ؟!


بينما نظر سالم إليها، وقبل أن ينطق كان عمر قد سبقه إليها وهو يقول :

ـ ممنوع طبعا .. اوضتك هتفضل زي ما هي لأنك لازم ترجعي تعيشي معانا زي الأول .


نظر إليها حسن ببطء، وقال بنبرة هادئة وكأنها مجرد ملاحظة عابرة:

ـ عمر معاه حق على فكرة .


لم يفوت فريد تلك النظرة من حسن إلى چيلان، وكذلك والده الذي قطع ذلك الجدال وهو يقول :

ـ خلى اوضتك زي ما هي جايز تحبي ترجعي في أي وقت..


ونظر إلى نادية وقال :

ـ خلي حد يساعدك تنقلي حاجة چوليا منها بسرعة .


نظرت نادية إليه بعينين متقدتين بالغضب، ثم هتفت بغضب :

ـ محدش يمد ايديه على أي حاجه في الاوضة، أنا وچيلان هننقلها .


أومأ سالم بهدوء ثم أشار للجمع بالانصراف، ثم وجه نظره بهدوء نحو زينب :

ـ من بكره نادر هيمشي في الإجراءات اللازمة ويخلص الورق ويجيبلك البطاقة، وكمان يفتح لك حساب في البنك هحط لك فيه ٥٠ مليون جنية تعويض .. أما بقية الأصول والأراضي اللي في العزبة والحاجات التانية فبعد موتي إن شاء الله هيوصلك نصيبك كامل مكمل .


وأنهى حديثه بنظرة موجهة نحو فريد، وهتف بسخرية واضحة ولكن بحذر :

ـ أي أوامر تانية ؟!


حينها نظر فريد إلى زينب وقال بهدوء :

ـ زينب هي اللي تحدد ؛ عندك طلبات تانية يا زينب ؟!


ارتجف صوتها بينما كانت تمسك بحافة المقعد بكلتا يديها، متحدثة بنبرة مفعمة بالارتباك:

ـ أنا مش عاوزة حاجة خالص ، لا فلوس ولا غيره .


هتف فريد بحسم :

ـ ده مش حقك… ده أقل من حقك بكتير وأقل من التعويض اللي تستحقيه .


حينها تنهد سالم وقال :

ـ طيب .. بما إن الكلام منتهي. كل واحد يتفضل يشوف مصلحته لأني عاوز أتكلم مع فريد كلمتين .


نهض حسن أولا، ونظر إلى عمر وهو يقول :

ـ يلا بينا يا عمر .. عايزك معايا في كم مشوار مهمين .


حينها نظر إليه فريد وقال :

ـ لا يا حسن.. عمر عنده مشوار مهم .


أومأ عمر موافقا وقال وهو ينظر إلى حسن :

ـ صح .. بعد ما أخلص مشواري هجيلك على هناك ..


ثم أخذ ينظر إليهم مترددّا وقال :

ـ بس قبل ما أمشي، لازم أستغل إننا كلنا متجمعين وأعتذر لنغم .


تفاجأت نغم حتى إنها اعتدلت في مقعدها على الفور، وارتسمت الدهشة على ملامحها، ثم التفتت نحو فريد، فبادلها نظرة هادئة مطمئنة، ومد يده يضم يدها بحنوٍ صامت، كأنه يزرع فيها بعض الثبات.


في تلك اللحظة، تحدث عمر وهو ينظر إليها مباشرةً، بصوت خالٍ من الادّعاء:

ـ أنا آسف يا نغم… حقك عليّ. اللي قلته مكانش يصح أبدًا. إنتِ قيمتك غالية عندي، وبعتبرك زي چيلان ونسيم، ويا ريت تقبلي اعتذاري.


ابتسم حسن وهو يتابع المشهد، ثم مد ذراعه يحيط كتف عمر في حركة عفوية، تحمل تشجيعًا صامتًا وامتنانًا لخطوة لم يكن يتوقعها.

أما نغم، فابتلعت ريقها بتوتر، ثم قالت بنبرة حاولت أن تبدو متزنة ومرنة:

ـ حصل خير يا عمر.


لم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد؛ بدا وكأن اليوم قرر أن يكشف عن وجه آخر غير معتاد. إذ ارتفع صوت چيلان بنبرة هادئة محسوبة:

ـ وأنا كمان حابة أعتذر لنغم عن موقفي ضدها، وعن إني كنت attention معاها زيادة عن اللزوم. يمكن حكمت عليها حكم مسبق، وده غلط.


وألقت نظرة سريعة نحو والدتها التي كانت تتابعها بغضب مكتوم، ثم أكملت بثبات:

ـ في النهاية إحنا مش ملايكة، وأيًا كان الغلط اللي بنقع فيه، لازم نبقى فاهمين إن في غيرنا أخطائهم أبشع بكتير.


ثم عادت بنظرها إلى نغم وتابعت:

ـ علشان كده محدش له حق يحاكم حد، ولا ينصّب نفسه قاضي على غيره.


تنهدت قليلًا، ثم أضافت:

ـ So, I’m sorry يا نغم… أتمنى تنسي أي حاجة ضايقتك مني قبل كده، ونبدأ صفحة جديدة.


شعرت نغم أن ما يحدث يفوق قدرتها على الاستيعاب؛ كل شيء يأتي متتابعًا وبثقل غير متوقع. أخذت نفسًا عميقًا، ثم أومأت بهدوء وقالت بإيجاز:

ـ ولا يهمك.




بدت الراحة على ملامح چيلان، وفي المقابل اندفع عمر نحوها يعانقها بقوة، كأنه يتشبث بآخر خيط يجمعهم، وقال بصوت متوسل:

ـ خليكي علشان خاطري…


أبعدته بلطف وهي تقول بنبرة حاسمة دون قسوة:

ـ أرجوك يا عمر متضغطش عليّ. أنا جيت آخد حاجات ضرورية ناقصاني، وهفضي الأوضة تمامًا، وماشية.


لكنه عاد يقول بإلحاح:

ـ چيلان… أنا عندي محكمة بكرة، ومحتاجكم كلكم معايا. أرجوكي.


تنهدت، وتسلل الأسى إلى عينيها، ثم أجابت بنبرة محايدة لا تحمل وعدًا ولا رفضًا صريحًا:

ـ متقلقش… كلنا جنبك.


أومأ بهدوء، ثم ودعها وانصرف، بينما هي استأذنت وهمت بالتحرك نحو الداخل، لكن حسن استوقفها عند البوابة وقال :

ـ چيلان .. استني .


ـــــــــــ


انصرف عمر على عجل، بينما نهضت زينب ونغم في هدوءٍ مشوب بالتوتر، ولحق بهما فريد وهو يقول بنبرة حاسمة:

ـ هوصلهم وراجع.


أومأ سالم موافقًا، ثم أخرج من جيبه مفتاح غرفة چوليا، ناوله إلى فريد وهو يقول بنبرة تحمل ما يشبه التمهيد:

ـ وبعدها تعالى لي على المكتب… عايز أتكلم معاك .


أومأ فريد باحترام، ثم اصطحب زينب ونغم صعودًا إلى الطابق العلوي.


أومأ فريد بالموافقة، ثم اصطحب زينب ونغم إلى الطابق العلوي. وقبل أن يبتعد، لم تفته تلك الوقفة الصامتة بين حسن وچيلان؛ نظرة حسن، وضعية جسده، وتوتره الخفي… كل شيء كان يشي باهتمام لا يمكن إنكاره.

استوقفه المشهد لحظة، شاعراً بغرابة تتسلل إلى صدره؛ لم يخطر بباله يومًا أن يحمل حسن أي مشاعر تجاه چيلان، أو أن تكون لها تلك المساحة في اهتمامه. فكرة أربكته، وأثارت داخله تساؤلًا ملحًّا.

وحين ابتعد، كان قد حسم أمره؛ سيسأله مباشرة، بلا مراوغة ولا مواربة، فبعض الأمور لا تحتمل التخمين.


صعد الثلاثة الدرج في صمت، حتى توقفوا أمام غرفة چوليا. عندها التفتت زينب إلى فريد، وقالت بصوتٍ يحمل اعتراضًا خافتًا:

ـ فريد، أنا مش موافقة على اللي حصل ده… مكنش له لزوم آخد الأوضة دي، كنت أفضل في أوضتي اللي تحت وخلاص.


ابتسم فريد ابتسامة خفيفة، محاولًا تهدئتها، وقال بنبرة ودودة:

ـ يعني يرضيكي يا زينب هانم تقعدي في أوض الخدم؟! مبقاش ينفع خلاص يا زوزو… مكانك جنبنا من هنا ورايح.


تنهدت زينب بضيق، بينما مد فريد يده يدير المفتاح في الباب. وما إن انفرج الباب حتى استقبلتهم صورة چوليا المعلّقة فوق الفراش. توقّف فريد لحظة، وحدّق في الصورة بأسىٍ صامت، أما زينب فارتبكت ملامحها وقالت على الفور:

ـ لا… لا، مش هقدر.


التفت إليها فريد وقد نفد صبره قليلًا، وقال بنبرة صريحة:

ـ زينب، أنا خارج من عملية وتعبان، ومش مستحمل جدال… وبعدين الحي أبقى من الميت.



وأشار بيده إلى داخل الغرفة وهو يقول:

ـ اتفضلي.


ثم التفت إلى نغم وقال:

ـ خليكي معاها يا نغم، على ما أشوف الباشا عايزني في إيه.


تركهما، وأغلق الباب خلفه، ثم هبط الدرج متجهًا إلى مكتب والده في الطابق السفلي، بينما بقيت زينب واقفة في منتصف الغرفة، تحاول أن تتصالح مع واقعٍ جديد يُفرض عليها للمرة الأولى…


ــــــــــــــــــــ


وقف حسن وچيلان متقابلين، يتبادلان نظرات صامتة بدت أطول مما ينبغي، إلى أن قطعت هي ذلك الصمت كعادتها، بنبرة مباشرة لا تعرف المواربة:

ـ خير يا حسن؟! نادتني علشان نفضل واقفين كده؟


تنحنح قليلًا، ثم قال:

ـ أكيد لأ..


أومأت برأسها بخفة، وقالت بنفاد صبر:

ـ طيب اتكلم.


ـ عاملة إيه؟


ارتفع حاجبها بدهشة خفيفة وهي تلتقط محاولته للمراوغة، وارتسمت ابتسامة صغيرة في عينيها قبل شفتيها:

ـ كويسة… إنت عامل إيه؟


بادلها ابتسامة أوسع، وقال:

ـ أنا كويس.


هزّت رأسها ببطء، وكأنها تُنهي حديثًا لا بداية له:


ـ كويس. عن إذنك، أشوف اللي ورايا عشان مستعجلة.


استدارت لتغادر، لكنه استوقفها سريعًا، بنبرة غلبت عليها اللهفة:

ـ چيلان، متمشيش.


التفتت إليه من جديد، وزفرت بهدوء قبل أن تقول:

ـ معلش يا حسن، بس عندي meeting الساعة ٢. لو في حاجة عايز تقولها، اتفضل.


تردد لحظة، ثم قال بصوت أكثر خفوتًا :

ـ لا… أنا قصدي متمشيش من الڤيلا. خليكي معانا.


لمحت في عينيه شيئًا أبعد من مجرد الطلب، مراوغة خفية فهمتها دون أن يُصرّح بها، فأجابت بهدوء حاسم:

ـ للأسف مش هينفع. أنا خلاص خدت قرار إني مش هقعد هنا تاني… الموضوع بقى عبء عليّ.


ثم استعادت نبرتها الجادة، وأضافت:

ـ وبعدين الكل اتجمعوا: فريد ونغم وزينب… أعتقد هتقضوا أوقات لذيذة مع بعض ..


تنهد طويلًا، كأن الهواء خرج من صدره دفعة واحدة، ثم أومأ دون أن يلح عليها :

ـ طيب… اللي يريحك.


أومأت بدورها وهمّت بالانصراف، لكنه استوقفها للمرة الأخيرة:

ـ على فكرة… أنا احترمتك أوي لما اعتذرتي لنغم.


نظرت إليه نظرة سريعة، وقالت بهدوء:

ـ الاعتراف بالحق فضيلة… مش كده ولا إيه؟


أومأ وقال :

ـ معاكي حق .


أومأت مرة أخيرة، ثم تركته خلفها وصعدت إلى غرفتها لتجمع أغراضها. غير أن خطوتها تجمّدت فجأة حين استوقفها باب غرفة چوليا المفتوح على مصراعيه.


بالداخل، كانت والدتها تقف تجمع ثياب ابنتها الراحلة بأيدٍ مرتعشة، كأن كل قطعة قماش تحمل ثِقل فاجعة كاملة.



انقبض قلب چيلان بحزنٍ حاد، وهي تتأمل أغراض أختها التي كانت يومًا تملأ المكان حضورًا وضحكًا، قبل أن ينتهي بها المطاف تحت التراب، وتبقى ذكراها حبيسة هذه الجدران.


اندفعت إلى الداخل دون وعي، كأن قدميها تقودانها قسرًا. توقفت في منتصف الغرفة، تتأملها بعينين دامعتين؛ غرفة كانت تنبض بالحياة، أصبحت الآن صامتة، مهجورة، كأن الروح انسحبت منها مع صاحبتها.

التفتت نحو والدتها، فرأتها ترفع يدها إلى جبينها محاولة التماسك. تمايل جسدها وكادت أن تهوي، لولا أن چيلان هرعت إليها في اللحظة الأخيرة وأسندتها بقوة.


رفعت نادية عينيها إليها، ونظرة مثقلة بالكلمات العالقة تسكن ملامحها. كانت تريد أن تعتذر، أن تقول أي شيء قد يُخفف من تلك النظرة القاسية المشتعلة في عيني چيلان… أي شيء.


لكن چيلان لم تمنحها الفرصة. شدّت على ذراعها، واصطحبتها بهدوء صامت إلى غرفتها .


༺═────────────────═༻


دخل فريد إلى مكتب والده، حيث كان سالم يجلس في انتظاره. تقدّم نحوه بخطوات هادئة، ثم جلس على المقعد المجاور له. تبادلا نظرة صامتة قصيرة، قبل أن يكسر سالم ذلك الهدوء بنبرة بدت متزنة أكثر مما تحمل في باطنها:

ـ يارب تكون ارتحت بعد ما نفذتلك اللي طلبته.


تنفّس فريد بعمق، وأسند ظهره إلى المقعد كمن تخلّص لتوّه من حمل ثقيل، ثم قال بثقة هادئة:

ـ أكيد مرتاح… لأن ده الصح.


أومأ سالم ببطء، وكأنه يزن كلماته قبل أن يتابع:

ـ طيب… اطمنت بخصوص زينب، واطمنت إنها هتاخد حقها تالت ومتلت. مش حابب تطمّن بقى بخصوص نغم؟


انعقد حاجبا فريد بدهشة، ومال بجذعه للأمام في حركة تلقائية تعكس حذره، وقال:

ـ مش فاهم قصدك؟!


تنهد سالم، ثم قال بنبرة أقرب للاعتراف منها للنقاش:

ـ إنت عارف إني من البداية كنت عايزلك جوازة تشرف… واحدة بنت عيلة وأصل، تتباهى بيها قدام الناس….


قاطعه فريد على الفور، وقد تسللت الحدة إلى صوته دون أن يقصد:

ـ نغم بالنسبة لي أحسن من أي واحدة في الدنيا. وبعدين مش كل العائلات تشرف زي ما حضرتك فاكر… ساعات التربة بتكون مايلة والفرع مستقيم، والعكس بالعكس.


تابع سالم حديثه بعد لحظة صمت قصيرة، وقد بدا صوته أثقل:

ـ معاك حق… بس أنا مكنتش عايزك تكرر غلطتي وتتجوز أي حد. أنا غلطت لما اتجوزت عيشة ونادية بعد أمك الله يرحمها، ولسه لحد دلوقتي بدفع تمن الغلطات دي. للأسف مش أنا لوحدي… إنتوا كمان بتدفعوا التمن معايا.


تنهد فريد بإرهاق، ومرر يده على جبهته كمن يحاول ترتيب أفكاره، ثم قال بنبرة حاسمة لا تقبل الشك:

ـ يمكن حضرتك غلطت، لكن أنا مقتنع إني مغلطتش. جوازي من نغم هو أكتر قرار صح أخدته في حياتي.


أومأ سالم برأسه وقال بنبرة حاول أن تبدو محايدة:

ـ ما علينا .. سواء قرار صح ولا غلط مبقاش ييجي منه الكلام بما انك خلاص جهزت لفرحك .


أومأ فريد مؤكدًا، فتابع سالم بنبرة متلاعبة تخفي ما وراءها:

ـ لكن قبل ما تفتح صفحة جديدة ، مش واجب عليك تقفل القديمة الأول ؟!


نظر إليه فريد متعجبا وقال :

ـ مش فاهم ؟!


تنهد سالم ببطء، وهو يختار كلماته بحذر، مدركًا أن ما سيقوله سيشعل غضب فريد، لكنه لم يعد يملك رفاهية التراجع :

ـ الفيديو بتاع نغم .. والشيكات اللي خدتها عليها أول ما جت الڤيلا من سنة، والشيكات اللي كانت وخداها عليها علياء القاضي .. مش لازمينك ؟!


تبدلت ملامح فريد فجأة، واشتعل الغضب في عينيه وهو يهتف بنفاد صبر:

ـ لو سمحت جيب من الآخر ..


اعتدل سالم في جلسته وقال بنبرة مباشرة:

ـ تتنازل عن القضية اللي رفعتها ضد نادر .. اديك اللي يخص نغم ، ومش بس كده ، أوعدك لو حصل واتنازلت .. نغم هتكون في حمايتي أنا شخصيا .. يعني محدش هيقدر يطرف عينيها بكلمة  ..


توقف لحظة، ثم قال بصوت منخفض :

ـ شوف انت بقا لما حد ينول رضايا ده هيفرق معاه ازاي !


هتف فريد بحدة غاضبة :

ـ برغم كل شيء إلا إنك مصمم تثبتلي إن حضرتك مش هتتغير أبدا ..


ثم تابع وهو يرمقه بنظرة مشتعلة: :

ـ لحد آخر نفس بتساومني ..


ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وهو يهز رأسه:

ـ أنا بجد مش قادر أصدق .


نظر إليه سالم وقال :

ـ أنا مش بساومك، لكن في نفس الوقت مينفعش يبقى في ايديا فرصة وماستغلهاش ..


ـ معاك حق، لازم تستغل كل الفرص حتى لو حساب ولادك ..


تنهد سالم بعمق، محاولًا احتواء الغضب المتصاعد أمامه:

ـ انتوا ولادي لكن نادر بردو عشرة عمري ، دراعي اليمين اللي لا يمكن أسمح لك ولا أسمح لحد يعمل فيه كده..


ضحك فريد ضحكة قصيرة خالية من أي بهجة، ثم قال بحدّة:

ـ دراعك اليمين ده اللي استخدمته علشان يسبب لي مشاكل لا حصر لها ، مش كده ؟!


ـ مكانش بمزاجه ، نادر مجرد عبد مأمور ، أقولله يمين يمين ، شمال شمال .. بينفذ اللي بيطلب منه مش أكتر ، يعني ملوش ذنب تسجنه أو تخليه يخسر شغله .. الذنب ذنبي أنا، عايز تنتقم ؟! اتفضل خد حقك مني .


أسقط فريد رأسه بين كفيه في عجزٍ ثقيل، وكأن الكلمات التي يسمعها أثقلت صدره أكثر مما يحتمل، ثم هتف بضيقٍ خانق:

ـ أنا مش قادر أستوعب اللي بسمعه… يعني مش كفاية دمرتني أكتر من مرة؟! دلوقتي بتساومني علشان أتنازل عن حقي؟


نظر إليه سالم بثباتٍ حاول أن يبدو عقلانيًا، وقال:

ـ حقك هيجيلك، بس بطريقة تانية. التعويض اللي هتطلبه أنا ملزم بيه، ومش هقصّر فيه.. وبعدين عندك جيرالد وسيلين اعمل فيهم اللي انت عايزه ..



ثم تنهد وأضاف بنبرة أكثر حذرًا:

ـ ثم متنساش إننا محتاجين نكسب محبة نادر دايمًا… لأنه عارف عننا كل حاجة. لو خسر شغله أو حس إننا عاديناه، محدش يضمن ساعتها ممكن يعمل إيه أو يحكي لمين.


ساد صمت ثقيل، غاص فيه فريد داخل أفكاره، يتقلب بين غضبه وواقعه، إلى أن طال التفكير وأرهقه. أخيرًا، رفع رأسه وأومأ باستسلامٍ موجع:

ـ أنا موافق… فين الفيديو والشيكات؟


تنفس سالم الصعداء، وكأن حملًا ثقيلاً أزيح عن صدره، ثم قال بنبرة حاسمة:

ـ تتنازل الأول، وأشوف المحضر بعيني. بعدها أديك كل حاجة تخص نغم.


نهض فريد بعصبية واضحة، نفاد صبره يسبق خطواته، ثم غادر المكتب دون أن يلتفت، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من أي حوار.




༺═────────────────═༻


صفَّ عمر سيارته أمام الدار، وترجّل منها ببطء، كأن الخوف هو من يقود خطواته لا قدماه. كان صدره مثقلاً بتردّدٍ لم يعرفه من قبل، ولا يدري إن كان مستعدًا حقًا لما هو مُقبل عليه، أو لما قد يترتّب على تلك المواجهة. كل ما كان يعلمه يقينًا أنه لم يعد يملك رفاهية التأجيل؛ فقد حانت لحظة الصدق، كما أخبره فريد، ولم يعد الهروب خيارًا.


دلف إلى الداخل، وعيناه تفتّشان المكان بحثًا عنها، حتى وقعتا عليها أخيرًا. كانت تقف كعادتها وسط الأطفال، توزّع اهتمامها بينهم، تبتسم لهذا، وتربّت على رأس ذاك، بحنانٍ فطريّ يُشبهها. اقترب منها بخطوات متردّدة، وقدماه تكادان تخونانه من شدّة الارتجاف، وما إن تأمّل ملامحها عن قرب حتى اشتعل قلبه دفعةً واحدة، كأن نارًا أوقدت داخله بلا إنذار.


توقّف على بُعد خطوات، يحدّق فيها بصمت، وقلبه يخفق بعنفٍ يكاد يفضحه. تسلّل السؤال إلى رأسه بإلحاحٍ مؤلم: ماذا لو لم تتقبّل الحقيقة؟ هل يُعقل أن يُحرم منها الآن، بعدما ظنّ أنه أخيرًا وجد الفتاة التي تستطيع أن تعيده إلى الطريق الصحيح، لا أن تتركه تائهًا فيه؟


وفجأة، التفتت نحوه، كأن إحساسًا خفيًا ناداها. وما إن التقت عيناها بعينيه حتى اتّسعتا بصدمةٍ واضحة، وسكنت ملامحها للحظة، قبل أن تمتلئ عيناها بدموعٍ أبيّة، دموع لم تنهمر بعد، لكنها قالت كل شيء.


تمالكت نفسها بصعوبة وهي تراه يقترب منها. شدّت ملامحها في قناعٍ جامد، حاولت أن تجعله صلبًا بما يكفي ليُخفي ما يعصف داخلها. وحين توقف أمامها مباشرة، انفتحت أبواب الذاكرة دون استئذان، وعادت كلمات والدته تضرب رأسها واحدةً تلو الأخرى، قاسية، مهينة، متعمدة أن تجرحها .


تذكّرت نبرتها، نظراتها، وكيف تعمّدت أن تُشعرها بأنها أقل، بلا قيمة، مجرد شخص عابر في حياة لا تليق بها. عندها فقط أدركت حجم الخطأ الذي ارتكبته في حق نفسها، وكيف سمحت لقلبها أن يتقدّم خطوة قبل كرامتها.



شعرت بنارٍ صامتة تلتهم صدرها، فمالت بوجهها بعيدًا، لا هربًا منه، بل اتقاءً لما قد ينفضح في عينيها من ضيق واشمئزاز.


أما هو، فقد التقط ذلك النفور الخاطف، لمحه في انكسار نظرتها وانحراف وجهها، لكنه فسّره بطريقته؛ ظنّه غضبًا من غيابه، أو جرحًا خلّفه اختفاؤه المفاجئ.


وقف إلى جوارها، أدخل يديه في جيبي سترته كمن يبحث عن ثباتٍ مفقود، حدّق أمامه للحظة، ثم تنفّس بعمق قبل أن يقول :

ـ أنا آسف .


وقفت ثابتة بجانبه، محافظة على مسافة تفصل بينهما، عينها محدقة إلى الأمام. عقدت ذراعيها أمام صدرها وكأنها تحاول التمسك بشيء من الثبات الهش.


بدت على ملامحها ابتسامة خافتة تنضح بسخرية عندما سمعت كلماته المعتذرة، لكنها لم ترد. تركته يتحدث كما يشاء، إذ بدا أن صمتها شجّعه على الاسترسال:

ـ عارف طبعا إن أسفي جاي متأخر وإن شكلي قدامك زي الزفت ..


والتفت نحوها، رمق ثباتها المريب ، وتابع :

ـ بس كان لازم أجي وأتأسف لك لأن ده حقك .


تنهد بعمق، ثم استجمع شتات أفكاره، وقال:

ـ أنا عارف إني اختفيت فجأة، من غير ما أشرح لك ولا أبرر أي حاجه.. بس أنا وقتها كنت مصدوم ومشتت وتايه.. مكنتش عارف أتصرف ازاي، لكن دلوقتي قلت كفاية لحد كده لازم أجي واتكلم معاكي..


مرر يده على وجهه بارتباك، وزفر بتعب قبل أن يقول:

ـ وأقول لك إيه هو سبب اختفائي المفاجئ ده لأن من حقك تفهمي وتعرفي كل حاجه .


التفتت نحوه بهدوء، وقد استوعبت في تلك اللحظة أنه لا يعلم أن والدته سبقته إليها وكشفت لها كل شيء. إذن هو هنا الآن بإرادته، جاء أخيرًا ليقول الحقيقة بنفسه، لا مدفوعًا بكلام أمه ولا هربًا من ضغطها.


لكن ذلك وحده لم يكن كافيًا.

فقد تأخر… وتأخره كان خطيئة لا تُمحى، وحتى اعترافه الآن لن يكون طوق نجاة.


ورغم ذلك، قررت أن تتظاهر بالجهل. شيءٌ غامض دفعها إلى ذلك؛ ربما رغبتها في أن ترى كيف سيحكي القصة، كيف سيجمع شجاعته ليضع ماضيه المشين أمام عينيها.


هل سيواجهها بالحقيقة كاملة؟ أم سيقتطع منها ما يظن أنه سيُنقذه؟ هل سيقولها عارية بلا مواربة، أم سيزوّرها ليخفف وطأتها؟


في داخلها، كانت تعرف أن موقفها محسوم لا رجعة فيه، سواء صدق أو كذب.

ومع ذلك، كانت تتمنى—ولو لآخر مرة—أن يختار الصدق. أن يعترف بقبحه دون تزيين، وبخطاياه دون تبرير. لم تكن تريد سببًا إضافيًا لاحتقاره؛ يكفيها ما نالته منه .


قال بصوتٍ خافت متردّد، كأنه ينتزع الكلمات من صدره انتزاعًا:

ـ الحقيقة .. مش عارف أبدأ منين .


توقّف لحظة، ثم أضاف وهو يشيح بعينيه عنها:

ـ حاسس إني جبان أوي ومهزوز لأني مش قادر أواجهك.


كانت تنظر إليه في صمت، تحاول أن تلتقط من ملامحه شيئًا واحدًا صادقًا، لكنه بدا لها مكسورًا أكثر مما ينبغي، ضعيفًا أكثر مما توقعت وهو يقول :

ـ أنا كدبت عليكي .. كنت بحاول أتهرب منك الفترة اللي فاتت لأني مكنتش عارف أصارحك ازاي بعد ما خدعتك وفهمتك حاجات كلها غلط ..


أخفض رأسه وأضاف بصوتٍ أكثر انكسارًا :

ـ كنت محتاج وقت أستجمع فيه شجاعتي وأعرف إذا كنت مستعد للمواجهة دي ولا لأ ..


ضيّقت عينيها قليلًا، ونبرة صوتها جاءت هادئة على غير ما يعتمل بداخلها

ـ ويا ترى شايف إنك مستعد للمواجهة دلوقتي ؟!


رأسه نفيًا، بحركة بطيئة مترددة، وقال :

ـ الحقيقة أنا مش مستعد بس مجبر أتكلم لأن خلاص مبقاش ينفع أتهرب منك أكتر من كده، كده كده هتعرفي، يبقى تعرفي دلوقتي أفضل من بعدين .


لمعت في عينيها دموع ساخرة، دموع كانت أقرب للمرارة منها للحزن. كادت تقول له إن كل شيء انكشف بالفعل، وإن هذا الاعتراف جاء متأخرًا، لكنها تماسكت وأومأت فقط:

ـ اتفضل، أنا سامعاك .


ابتلع ريقه، وسحب نفسًا عميقًا، ثم بدأ صوته يرتجف وهو يقول:

ـ مع الأسف يا ميرال أنا كنت أضعف من إني أواجهك بالحقيقة، لما سألتيني عن حياتي قبلك وإذا كنت ليا ماضي أو لأ .. خفت أصارحك بالحقيقة تسيبيني..


توقّف لحظة، ثم قال بنبرة دفاعٍ عاجزة:

ـ مش ببرر لنفسي طبعا، وعارف أني مهما قلت مفيش حاجة هتبرر كدبي عليكي، لكن والله ده السبب .


ساد صمت ثقيل، قطعه هو من جديد وهو يزفر بضيق:

ـ أصل انتي أنضف حد أنا شفته في حياتي..


والتفت نحوها بعينين مثقلتين بالندم:

ـ إنسانة مهما عشت عمري ما هشوف زيها، انتي بالنسبة لي كنتي حلم بعيد وكنت عارف من جوايا إني مش هوصل له بالساهل، أول ما شفتك حسيت إني شايف نجمة عالية في السما وصعب أطولها، ومن جوايا كنت عارف إنك كتير عليا أصلا .


شعرت بقشعريرة باردة تزحف إلى أطرافها، بينما هو يستطرد بصوتٍ متهدّج:

ـ كنت خايف لو عرفتي العك اللي كان في حياتي قبلك تبعدي عني وأخسرك، وأنا مقدرش أخسرك .


لم تلتفت إليه. لم تتحرّك. حاولت أن تظهر أن كلماته تمرّ بجوارها دون أن تمسّ شيئًا بداخلها. فواصل هو، وقد بدا أكثر اضطرابًا:

ـ كنت بين نارين صدقيني، كان نفسي أصارحك، لكن في نفس الوقت كنت واثق إنك مش هتقبلي تكملي معايا وأنتي عارفة عني كل ده .. علشان كده خبيت عليكي إن الماضي مكانش فله ولا حاجة، واني مش بيور ولا زفت .. بالعكس أنا أسوأ إنسان في الدنيا .


قال الأخيرة وكأنها حكم نهائي على نفسه. أسقط رأسه أرضًا، وشعر أن الاعتراف لم يخفف عنه شيئًا، وأن الجبل ما زال جاثمًا على صدره.


وبعد لحظة صمت، قال بصوتٍ أثقل:

ـ  ميرال أنا وقعت في غلط كبير .. للأسف مكنتش أعرف إن هييجي اليوم اللي أندم فيه على اني كنت إنسان مستهتر ومعنديش ضمير ..


وتابع:

ـ لو كنت أعرف إني هحبك في يوم من الأيام أكيد كنت عملت كل حاجه تخليني جدير بيكي .


صمت قصير، ثم بدأ يسرد، وهو ينتقي كلماته بحذر:

ـ السنة اللي فاتت كنت بقضي ليلة رأس السنة في مدريد .. وقتها اتعرفت على بنت اسمها لاتويا .. وللأسف الشديد ..


رفعت كفّها فورًا بإشارة حاسمة ؛ فتوقّف، وشعر في داخله براحةٍ مشوبة بالخزي، لأنه أصلًا لم يكن يملك الشجاعة ليستكمل.


أغمضت هي عينيها، تقبض على دموعها بقوة، بينما تابع بصوتٍ مكسور:

ـ للأسف كنت فاكر إنها غلطة وهتعدي ، كنت فاكر إن كل شاب طبيعي بيكون في حياته تجاوزات يعني ..


ثم تابع بسخرية مريرة:

ـ بس اكتشفت إني كنت سطحي وجاهل ومعنديش أخلاق .


نظر إليها، وعيناه امتلأتا بالدموع:

ـ المشكلة مش في كل ده، كل ده ممكن يعدي، إنما المشكلة الحقيقية في اللي ترتب على الغلطة دي..


خفض صوته حتى كاد يختفي، وهمس بكلماتٍ طعنت قلبها في مقتل:

ـ بقى عندي ابن .


أغلقت عينيها بقوة،

وانفجرت بالبكاء. بكاء لم تحاول كبحه هذه المرة.


أما هو فابتلع غصته وتابع بصوتٍ مضطرب :

ـ أنا مش عارف أقولك إيه .. أنا نفسي مش مستوعب ازاي ، رافض ومستنكر ومش قادر أتقبل الحقيقة دي .. حاولت أرفض وأتهرب لآخر لحظة لكن في النهاية مش نافع ..


نظر إليها برجاء، وتابع :

أنا عارف إنك دلوقتي مستحقراني ومش طايقة تبصي في وشي، لكن ده ماضي قبلك والمفروض تسامحيني.


التفتت إليه فجأة، والغضب يشعل عينيها:

ـ أسامحك ؟! أنا عمري ما هسامحك لأنك خدعتني، كدبت عليا لما سألتك أكتر من مرة وانت كنت مصمم تكمل في كدبك عليا وتخدعني .


اقتربت خطوة، وكلماتها تنهمر عليه كالسياط اللاذعة :

ـ حاولت أوصل لك أكتر من مرة لكن مكنتش بترد عليا ، وصلتني إني رحت المستشفى أشوف مستر فريد وأنا في الأساس رايحة علشان أشوفك .


وتنهدت بمرارة ثم قالت :

ـ خلتني أتصرف تصرفات ساذجة مش شبهي ولا تليق بيا ..


واحتلت عيناها مرارة خفية وهي تهمس بقسوة:

ـ عرضتني لموقف مهين قدام والدتك وخليتها تعاملني وكأني نكرة وتبص لي بمنتهى الاستعلاء وترمي الحقيقة في وشي وكأنها بتعرفني إني في حياتك ولا شيء .. مجرد أداة للتسلية أو لعبة ..


كانت كلماتها تخرج ببطءٍ مؤلم، كأنها تنتزعها من صدرها انتزاعًا، فيما ظل هو جامدًا في مكانه، يحدّق فيها بذهول. شُلت ملامحه، واتّسعت عيناه بصدمةٍ خالصة؛ لم يستوعب للحظة ما سمعه، ولم يخطر بباله أبدًا أن تكون والدته قد سبقته وكشفت كل شيء.

خرج صوته مهزومًا، كأن السؤال أثقل من أن يُقال:

ـ والدتي ؟!!


أومأت بتأكيد، وقالت بصوتٍ ثابت على عكس ما يعصف بداخلها:

ـ قابلتها في المستشفى… ولما سألتها عنك قالتلي.



اندفع يسألها بلهفة مرتبكة:

ـ قالتلك إيه بالظبط؟!


التفتت نحوه بحدة، لم تعد تحتمل التأجيل، وألقت في وجهه دفعة واحدة كل ما قيل لها، دون تلطيف أو مواربة:

ـ قالتلي إنك عندك ولد، وإن مامته رافعة عليك قضية نسب علشان مش عاوز تعترف بيه. قالتلي بلاش أتوهم وأرفع سقف طموحاتي على الفاضي، عمر لو فكر يتجوز لازم يتجوز واحدة تليق بيه… مش واحدة طمعانة في فلوسه وبتستغل اسمه.


رفع عمر يده إلى جبينه، يدلكه بعنف وهو يغمض عينيه بإحكام، كأن في رأسه عاصفة من الشرر لو أفلتها لأحرقته. كان صدره يضيق بأنفاسٍ متقطعة، ونارٌ خفية تشتعل في داخله وهو يدرك، للمرة التي لم يعد قادرًا على عدّها، أنه انهزم مجددًا… لا أمام الحقيقة، بل أمام والدته، التي اعتادت أن تهدمه ببرودٍ متقن كلما حاول الوقوف.


أما ميرال، فلم يفلح ارتباكه ولا ألمه في إبطائها؛ واصلت حديثها بنبرة حادة، صلبة، لا تعرف التراجع، كأن كل كلمة تخرج منها تحمل حكمًا نهائيًا لا يقبل الاستئناف.

ـ إنت متخيل أنا كنت حاسة بإيه وقتها بسببك ؟! متخيل إيه هو الشعور اللي كنت عايشاه وأنا بسمع كلامها ؟! لو كنت صارحتني وحكيت لي على الحقيقة مكانش كل ده حصل ..


تمتم بصوتٍ واهن:

ـ صدقيني خفت ..


قاطعته فورًا، بنبرة حاسمة لا تقبل الجدل:

ـ مش مبرر يا عمر ، انت خدعتني ، أنا سألتك أكتر من مرة وترجيتك تصارحني وصممت تكدب عليا بمنتهى الوقاحة، جاي دلوقتي تقولي ليه ؟! بعد إيه ؟! مستني مني إيه أصلا ؟!


ـ مستني منك تقفي جنبي وتساعديني أتغير .. أنا محتاجلك في حياتي يا ميرال، انتي آخر أمل فاضل لي علشان أكون أنسان كويس صدقيني .


عقدت ذراعيها أمام صدرها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة موجوعة :

ـ طب وأنا ؟! أنا فين من ده كله ؟!


نظر إليها بعدم فهم وقال :

ـ مش فاهم .. تقصدي إيه ؟!


تنهدت وهي تحاول استجماع ما تبقى من قوتها، ثم التفتت اليه بكامل جسدها لتقف في مواجهته تماما وتقول :

ـ اسمعني يا عمر .. أنا الحياة خدت مني أكتر ما ادتني، ميرال اللي قدامك إنت متعرفش عنها حاجة .. متعرفش أنا اتربيت فين و ازاي ، متعرفش أنا واجهت إيه في حياتي وبالرغم من كده لسه واقفه على رجليا ..


مسحت دموعها وتابعت :

ـ أو بحاول أقف على رجليا .. لأني مش قوية كفاية ، علشان كده محتاجة اللي يقويني، محتاجة حياة سوية مفيش فيها مجازفات ولا ضغوطات .. محتاجة حد يتقى الله فيا ويراعيني ويعوضني عن اللي اتحرمت منه ..


تردّد للحظة، وكأن الكلمات تثقل لسانه قبل أن تخرج. كان يريد أن يُقنعها، لكنه في الحقيقة كان يحاول أولًا أن يُقنع نفسه. ابتلع ريقه، وقال بصوتٍ خافت تتخلله رجفة واضحة:

ـ صدقيني أنا هعوضك عن كل اللي اتحرمتي منه… بس انتي ساعديني، وبلاش تتخلي عني. أنا محتاجلك.



ـ عمر انت مش محتاجلي.. إنت محتاج تفوق لنفسك، محتاج ترجع لربنا وتستغفره على الذنب الكبير اللي انت وقعت فيه ، محتاج تفكر في مستقبل ابنك ومستقبلك وتأسس له حياة مستقرة ..


هز رأسه سريعًا، وكأنها تنتزع منه آخر خيط أمل، وقال باستعجالٍ أقرب للتوسّل:

ـ أوعدك إن كل ده هيحصل… بس وانتي معايا.


أطرقت برأسها لحظة، كأنها تمنح نفسها ثانية أخيرة قبل القرار، ثم رفعت عينيها إليه وهزت رأسها ببطء، وقالت بصوتٍ مكسور لكنه حاسم:

ـ مش هقدر… أنا آسفة.


لمعت عيناه بالدموع، وارتبك صوته وهو يقول، كمن يتشبث بشيء ينهار بين يديه:

ـ ميرال، متتهزريش… انتي عارفة كويس إني بحبك.


ابتسمت ابتسامة قصيرة ساخرة، لم تصل إلى عينيها، وقالت بنبرةٍ صادقة جارحة:

ـ لا يا عمر… انت مش بتحب غير نفسك وبس. بدليل إنك فكرت في نفسك ومفكرتش فيا. خفت أبعد عنك، لكن مخفتش على شعوري ولا على كرامتي. (توقفت لحظة، ثم أكملت بثبات) ـ عمر… انت أناني.


خطا نحوها خطوة واحدة، بدافع غريزي، لكنها رفعت يدها فورًا، تستوقفه بنبرة لا تقبل النقاش:

ـ لو سمحت متقربش… كده كده الموضوع منتهي .


ـ ميرال… أرجوكي، إنتِ لو بعدتي عني هضيع.


لم تتقدم نحوه، لم تتراجع أيضًا. وقفت ثابتة، كأنها اتخذت قرارها منذ زمن، وقالت بهدوءٍ موجع، هدوء من تعب كثيرًا حتى فقد القدرة على الصراخ:

ـ مش هتضيع أكتر من كده يا عمر، وبعدين متقلقش… إنت جنبك إخواتك، أكيد هيسندوّك.


وسكتت لحظة، ثم أضافت بصوتٍ أكثر خفوتًا، لكنه أكثر تأثيرًا :

ـ إنما ميرال ملهاش غير ميرال… ولازم أسند نفسي بنفسي. علشان كده مقدرش أستنزف اللي باقي من طاقتي في معركة خسرانة… أبقى كده بظلم نفسي، وظلم النفس حرام.




زفر بعنف، ورفع يده إلى رأسه يقبض على خصلاته بعصبية، كأن الأفكار تخنقه، ثم قال بانفعالٍ مكبوت:

ـ ليه حكمتي على علاقتنا إنها معركة خسرانة؟!


نظرت إليه نظرة مباشرة، خالية من أي تردد، وقالت بحسم:

ـ لأن دي الحقيقة يا عمر… أي علاقة مفيش فيها تكافؤ، مصيرها الفشل.


اشتعلت نبرته أكثر وتابع بحدة :

ـ على فكرة إنتِ غلط! ما فريد ونغم بردو مفيش بينهم تكافؤ، ومع ذلك علاقتهم ناجحة وهيتجوزوا خلاص!


صمتت لثوانٍ، تسللت خلالها خيبة أمل ثقيلة إلى ملامحها، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بنبرة حادة، لكنها واعية:

ـ تصدق؟ بعد كلامك ده اكتشفت قد إيه إنت إنسان سطحي.


وتابعت، وهي تؤكد كل كلمة كأنها تضع حدًا نهائيًا:

ـ التكافؤ يا بشمهندس عمر مش في المستوى المادي ولا الاجتماعي بس.

ثم حتى لو مستر فريد من مستوى ونغم من مستوى تاني، لكن بينهم نقطة التقاء… في مساحة يقدروا يقفوا فيها سوا من غير ما حد يحس إنه أقل أو أعلى من التاني.

بيحترموا بعض، بيحتووا بعض، بيحبوا بعض بإخلاص.

مشاعرهم متكافئة… كل واحد فيهم بيكمل التاني، وبيفضل راحة التاني على راحته.



ثم أنهت بهدوء قاطع: ـ هم في حتة… وإحنا في حتة تانية خالص يا عمر.


أسقط رأسه، ومرر يده على وجهه بإرهاق، كأنه انهزم داخليًا، ثم رفع عينيه إليها وسأل بصوتٍ منكسر:

ـ ميرال… إنتِ بتحبيني، مش كده؟


هزّت رأسها ببساطة، بلا إنكار ولا تمسك، وقالت:

ـ وإذا؟


ثم أكملت بنبرة ناضجة، خالية من الانفعال:

ـ في اعتبارات كتير أهم من الحب يا عمر.

أنا أقدر أعيش من غير حب، لكن ما أقدرش أعيش من غير كرامة.

ما أقدرش أعيش في حياة كلها ضغط وصراعات وخناقات.

ما أقدرش أعيش في حياة مش مناسبة لي.


تنفست بعمق، وكأنها تجمع شجاعتها الأخيرة، ثم قالت:

ـ مش هقدر أقدّم التضحية دي… أنا آسفة.

سميها أنانية، سميها زي ما تحب، بس أنا عارفة قيمة نفسي كويس، وعارفة أنا محتاجة إيه.


نظرت إليه نظرة أخيرة، صادقة ومؤلمة:

ـ كل واحد فينا بيدخل أي علاقة علشان يحقق حاجة ناقصاه.

أنا محتاجة أمان.

ومش هعرف أحس بالأمان معاك، لأنك نفسك مشتت وتايه.

مش هتقدر توفر لي اللي أنا محتاجاه، وده معناه إنّي في العلاقة دي هكون دايمًا بدي أكتر ما باخد.

وأنا خلاص… مبقاش عندي حاجة أديها لحد.

تعبت واتذلّيت كتير في حياتي، ومستحيل أرجع لنقطة الصفر تاني.


رفع عمر رأسه إليها فجأة، وكأنه تذكّر آخر ورقة يمكن أن يتمسّك بها، وقال بنبرة حاول أن يجعلها واثقة لكنها خرجت مرتعشة:

ـ ميرال… لو قصدك على ماما وكلامها معاكي، فصدقيني أنا هقدر أوقفها عند حدّها من هنا ورايح، ومش هتقدر تجرحك ولا بكلمة واحدة.


لم تتحرّك ملامحها، لم تلمع عيناها، فقط نظرت إليه نظرة هادئة موجعة، نظرة من وصل إلى قناعة لا رجعة فيها، ثم قالت بصوت منخفض لكنه حاسم:

ـ مش والدتك بس يا عمر…

ـأنا اكتشفت إن العلاقة دي من أولها لآخرها كانت غلط، وأنا كنت عاملة زي اللي بينفخ في قِربة مخرومة…

وبالرغم إن كلام والدتك جرحني بس لو شُفتها دلوقتي هشكرها لأنها صارحتني بالحقيقة، وخلّتني أعرف قيمة نفسي بدري… قبل ما أضيع أكتر.


نظر إليها وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه، كأن كل ما حوله بدأ ينهار، واقترب خطوة صغيرة منها، يتشبث بآخر أمل، وقال بصوت مكسور:

ـ ميرال… أرجوكي، ما تسيبينيش.


تأملته للحظة طويلة، ودعته فيها بعينيها ثم قالت بهدوء لا يقبل النقاش:

ـ أنا آسفة يا عمر.. مش هقدر .


همت أن تتحرك لكنه أسرع يتشبث برسغها وهو يقول :

ـ ميرال .. استني أرجوكي .


سحبت رسغها من قبضته فورا وهتفت بغضب:

ـ عمر لو سمحت إلزم حدودك ..


نظر إليها وهو يرفع كفيه مستسلما، وقال:

ـ طيب أنا آسف ..


ألقت بكلمات أخيرة، قاطعة :

ـ اتفضل يا عمر .. ويا ريت متحاولش تكلمني تاني أو تيجي هنا، وإلا هتضطرني أمشي من المكان كله وامت أكيد عارف إني مليش مكان أعيش فيه غير هنا ..


ثم نظرت إلى داخل عينيه وقالت :

ـ ربنا يوفقك ويهديك .. اهتم بنفسك وقرب من ربنا يا عمر، وأنا هفضل أدعي لك ربنا ينور بصيرتك ويلهمك الصواب..  عن اذنك .


التفتت لتغادر، خطت خطوتين وكأنها تهرب منه، ثم توقفت فجأة.

شيء ما شدّها من الداخل، وجعٌ قديم لم يندمل، جعلها تستدير ببطء وتنظر إليه للمرة الأخيرة. كانت عيناها مثقلتين بكل ما قيل، بكل ما لم يُقَل، وبحزنٍ لا يخصه وحده، بل يخصها هي أيضًا.


قالت بصوت خرج من عمق جرحٍ تعرفه جيدًا، جرح الحرمان الأول:

ـ أرجوك… بلاش تتخلى عن ابنك يا عمر. بلاش تسيبه يتربى بعيد عنك. هو مالوش ذنب في أي حاجة حصلت… ولا ذنبه إنك مش عارف تحبه أو تتقبله .


توقفت لحظة، ابتلعت غصتها، ثم تابعت بنبرة أكثر وجعًا: ـ الحياة قاسية أوي، ومبترحمش حد. متحكمش عليه بالضياع … لو سمحت.


ثم أدارت ظهرها أخيرًا، ومضت بخطواتٍ ثابتة، رغم الارتجاف العنيف الذي كان يعصف بقلبها. لم تلتفت، لم تسمح لنفسها بلحظة ضعف أخيرة، وكأنها تخشى إن التفتت أن تتراجع عمّا اتخذته قرارًا نجاة لا قرار فراق.


خلفها، ظلّ عمر واقفًا في مكانه، جامدًا كتمثالٍ فقد روحه. عيناه معلّقتان بالفراغ، لكن الفراغ لم يكن خاليًا؛ كان ممتلئًا بها، بصوتها، بكلماتها التي انغرست في صدره كالشظايا. تسلّل الألم إلى قلبه ببطء، لا يضرب دفعة واحدة، بل ينهش على مهل، يمزّق ويُدمي، كأنه يتعمّد أن يُطيل العذاب.


كان يعرف، في أعماقه، أن ما حدث لم يكن خسارة عابرة، بل انكسارًا حقيقيًا… انكسار رجلٍ واجه نفسه أخيرًا دون أقنعة.


لكن الحقيقة — مهما كانت موجعة — تحمل وجهًا آخر. فأحيانًا يكون الألم أداةً خفيّة للإنقاذ، ويكون الكسر هو اللحظة الأولى في إعادة التشكُّل، حين يسقط الإنسان على أرض الحقيقة، ولا يجد أمامه إلا أن ينهض… مختلفًا.


༺═──────────────═༻

#يتبع

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع
    close