رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الثاني وستون 62 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات
رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الثاني وستون 62 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات
٦٢ ~ بين انتظار ... ووصال !! ~
منذ أن غادر الدار واستقل سيارته، ظل حديث ميرال يتردد في أذنيه بإلحاح موجِع… حديثها عن والدته التي سلبته حقه في الدفاع عن نفسه، وسبقته لتخبر ميرال بأمور كان من حقه وحده أن يختار كيف ومتى يقولها.
كان الغضب يعصف برأسه، يتراكم مع كل متر يقطعه الطريق، حتى إنه ما إن توقفت السيارة أمام الڤيلا، حتى اندفع إلى الداخل دون وعي، يبتلع المسافات ابتلاعًا، لا يرى أمامه سوى غرفة أمه.
دون تفكير، قبض على مقبض الباب ودفعه بقوة، واقتحم الغرفة مندفعًا، والكلمات كانت قد أفلتت من فمه قبل أن يستوعب المشهد:
ـ إنتِ إزاي تحكي لميرال حاجة تخصني…؟!
لكن صوته انكسر فجأة، وتوقفت كلماته عند حافة الصدمة.
رآها ممددة فوق الفراش بوهنٍ واضح، ذراعها موصول بسيروم يتدلى في صمت، ووجهها شاحب كأن الحياة انسحبت منه على مهل.
إلى جوارها جلست چيلان، ممسكة بيدها، صامتة، غارقة في وجوم ثقيل لا يحتمل الكلام.
كان السكون يخيّم على الغرفة كستارٍ خانق، وكل تفصيلة في ملامحها كانت تقول ما لا يحتاج إلى شرح.
تجمّد في مكانه لحظة، يحاول استيعاب ما يراه، ثم تحركت عيناه ببطء من فوقها، واستقرت على چيلان، وسأل بصوت خافت اختلط فيه القلق بالذهول:
ـ إيه اللي حصل؟
ـ تعبت شوية وضغطها نزل .
ابتلع أنفاسه ببطء، ثم تقدّم خطوتين حتى وقف إلى جوار الفراش، يحدّق فيها بعينين مثقلتين بالأسى.
لم يكن أساه عليها بقدر ما كان على نفسه…
على نفسه لأنه لم يعد يشعر بشيء، حتى الشفقة غادرته.
أسى لأنه اكتشف أن المرأة التي أنجبته جرّدته، بوعي أو بدونه، من آخر ما تبقّى له من مشاعر تجاهها.
ابتلع ريقه، وصوته خرج هادئًا على غير ما يعصف بداخله:
ـ ليه حكيتي لميرال حاجة تخصني؟
حاجة كان المفروض أنا اللي أقولها… بطريقتي… وفي الوقت اللي يناسبني؟!
جاءه صوت چيلان منخفضًا، لكنه محمّل بالتحذير:
ـ عمر… مش وقته.
استدار إليها فجأة، وانفجر غضبه دفعة واحدة، صوته ارتفع دون أن يشعر:
ـ لأ، وقته!
اللي عملتيه ده دمرني!
ميرال عمرها ما هتسامحني… لأنها عرفت الحقيقة منك إنتي، مش مني أنا!
اقترب خطوة أخرى، ونبرته ازدادت حدّة:
ـ وفوق ده كله… بتتهميها إنها طماعة، وإنها عايزة تتجوزني علشان فلوسي؟! إنتي فاكرة كل الناس شبهك؟!
اتسعت عينا چيلان بذهول غاضب، نهضت في لحظة، واتجهت نحوه بخطوات حاسمة، ثم أشارت إلى الباب بقسوة:
ـ اطلع برّه… حالًا!
ساد صمت ثقيل في الغرفة، بينما ظل عمر واقفًا مكانه، صدره يعلو ويهبط بعنف، وكأن كلماته خرجت أخيرًا بعد اختناق طويل… لكنه خرج بها في المكان الخطأ، والوقت الأكثر قسوة.
بينما لم يلتفت عمر إليها، وكأن وجودها لم يعد يعنيه، وظل يحدق في والدته بعينين تقدحان غضبًا وهو يهتف:
— فاكرة كل الناس زيك؟ فاكرة الناس كلها زيك ميفرقش معاها الحب والفلوس بالنسبة لها هي كل حاجة؟
وانخفض صوته فجأة وهو يتابع بمرارة:
— أنا بقيت بكرهك…
اندفعت چيلان نحوه تحاول دفعه إلى الخارج، لكن غضبه كان أثقل من أن تزحزحه قوتها، بينما واصل هو، وقد بلغ به الانهيار منتهاه:
— انتي دمرتيني… حرمتيني من الإنسانة الوحيدة اللي حبتني بجد، كسرتيني وخدتي مني النور اللي كان ممكن يغيرني.
ابتلع غصته وأضاف بصوت مرتجف:
— ميرال كانت الأمل إني أتغير و أكون إنسان تاني. كنت مستعد أتغير علشانها.. لكن من النهارده أوعدك هتشوفي عمر جديد ..
تراجع خطوة للخلف، ثم هز رأسه كمن حسم أمره فجأة، وقال بنبرة باردة مرعبة:
— لأ… أوعدك مش هتشوفيني تاني خالص.
وتابع وهو يشير إلى صدره:
— أنا من النهارده مش ابنك، انسيني تماما ..
وأشار إليها وتابع :
ـ وانتي مش عايز أعرفك تاني.. هعتبر إنك مُتي ؛
كانت الكلمة الأخيرة قد خرجت منه بالتزامن مع دفعة قوية من چيلان، التي نجحت أخيرًا في إخراجه، ثم أغلقت الباب بعنف ارتجت له الجدران.
فوقف خلف الباب يهتف بانفجار يائس:
— ربنا ياخدني ويريحك مني أنا كمان.
اندفع إلى غرفته، وما إن أغلق الباب خلفه حتى انقضّ على المكتب دافعًا إياه بقوة، فسقط مُحدثًا ضجيجًا مكتومًا، وتبع ذلك وابل من التحطيم الأعمى؛ كل ما طالته يداه كان يُسقِط فيه غضبه المكبوت.
انفرج الباب فجأة، ودخل فريد يتبعه حسن، اندفعا نحوه في محاولة لاحتوائه، لكن جسده خانه أخيرًا، فتراجع بخطوتين ثم هوى فوق الأريكة، وجلس منكمشًا، يضم رأسه بين كفيه وينفجر في بكاءٍ عنيف، بكاءٍ لا يشبهه، كأنه يخرج من أعماقه .
جلس حسن إلى يساره، وفريد إلى يمينه. لم ينطق أيٌّ منهما بكلمة؛ اكتفيا بالبقاء قربه … وهذا وحده كان كافيًا.
مرت دقائق ثقيلة، حتى بدأت أنفاسه تهدأ شيئًا فشيئًا، خفتت شهقاته، ومسح وجهه بيد مرتجفة، ثم تنفّس بعمق كمن يتهيأ للاعتراف، وقال بصوت مبحوح، كأنه يفرغ ما تبقى في صدره:
ـ ميرال سابتني .. قالتلي إني أناني ؛ فكرت في نفسي وبس ..
توقف لحظة، ثم تابع :
ـ قالتلي إنها مش هتقدر تفضل معايا لأنها كده تبقا بتظلم نفسها وظلم النفس حرام .
أنهى حديثه بابتسامة موجوعة ساخرة .. ثم تابع :
ـ كان نفسي تقف جنبي وتساعدني، لو كانت فضلت جنبي كنت هتغير علشانها أكيد ، لكن ميرال مفيش عندها استعداد تضحي علشاني وتدعمني .. باعتني واتخلت عني من أول غلطة .. مع إني مهما حصل عمري ما كنت هفكر أبعد عنها وكنت هقف جنبها أيًا كانت المشكلة إيه ..
ثم تنهد وأضاف بنبرة منكسرة :
ـ لكن ميرال محبتنيش بجد.. اللي بيحب حد ميقدرش يبعد عنه بالسهولة دي .
هنا شعر فريد بأن كفة الميزان بدأت تميل ظلمًا، وأن عمر ـ وهو غارق في ألمه ـ صار يقسو على ميرال دون أن يدري.
لم يكن بكاء عمر هو ما أربكه، بل طريقته في تفسير ما حدث، وكأن الحب لا يُقاس إلا بكمّ التنازلات، وكأن التضحية سكين لا بد أن تُوجَّه دومًا إلى النفس لإثبات المشاعر.
كان فريد يعرف ميرال جيدًا… يعرف رزانتها، وحدودها، وكرامتها التي لا تفرّط فيها من أجل أي شيء. لذلك تحرّكت داخله تلك المنطقة الهادئة، العقلانية، التي طالما حاول أن يُمسك بها الأمور حين تنفلت.
مال فريد قليلًا نحوه، لم يقاطعه بعنف، ولم يهاجمه، بل ترك لحظة صمت قصيرة، كأنه يمنح عمر فرصة لالتقاط أنفاسه، ثم قال بصوت منخفض لكنه ثابت، يحمل حسمًا خاليًا من القسوة:
ـ اسمعني يا عمر… إنت بالشكل ده قاسي جدا على ميرال وظالم في حكمك عليها .
رفع عمر رأسه ببطء، نظر إليه وعيناه محمرتان، وملامحه مشوشة، فتابع فريد بنبرة أهدأ:
ـ إنت فاهم التضحية غلط ..
متخيل إن اللي بيحب لازم يضحي براحته، و يعدّي على وجعه، ويدوس على كرامته علشان يثبت إنه بيحب… بس ده مش حقيقي.
تنهد قليلًا ثم أكمل:
ـ التضحية مش إن الواحد ييجي على نفسه ويستهلك كل طاقته في سبيل إسعاد الآخرين ..
دي قدرات … وفي ناس عندها القدرة دي، وناس لأ. وده مش عيب، ومش مقياس للحب.
اقترب أكثر، وكأنه يخشى أن تضيع كلماته في الضجيج داخل رأس عمر:
ـ انت فاكر إن ميرال باعتك واختارت نفسها علشان هي أنانية، مع إن كون الإنسان يختار نفسه ومصلحته في مواقف مينفعش يتنازل فيها .. دي مش أنانية أبدا ده اسمه تقدير للذات.. وفي فرق كبير بين الاتنين.
هز عمر رأسه بعنف خفيف، كأنه يرفض الفكرة، لكن فريد واصل دون تراجع:
ـ مش معنى إنها ما قدرتش تتقبل الوضع، ومش معنى أنها رفضت تكمل معاك بعد ما عرفت بموضوع ابنك
إنها مش بتحبك .. ومش معنى إنها خافت على نفسها، إنها ما كانتش صادقة معاك من البداية.. احنا مش داخلين بطولة يابنى ولازم نثبت للطرف الثاني أننا أبطال وجامدين اخر حاجه .. كل شيء له حدود يا عمر .
ثم قال بلهجة أوضح وأكثر مباشرة:
ـ إنت كنت مستنيها تنقذك، تغيّرك، تنتشلك من اللي إنت فيه… بس محدش مطالب ينقذ حد على حساب نفسه. التغيير ده كان لازم يطلع منك إنت، مش منها.. ثم إن أنت محتاج تتغير علشان نفسك مش علشان حد؛ لأن نفسك أولى وأبقى من أي حد في الدنيا.
ساد صمت ثقيل، لكن هذه المرة لم يكن خانقًا. كان عمر يستمع، لا يرد، كأن الكلمات بدأت تجد طريقها ببطء إلى داخله.
أنهى فريد حديثه بنبرة خافتة صادقة:
ـ الموضوع نسبي يا عمر ، اللي أقدر أنا أعمله ممكن إنت متقدرش تعمله لان الموضوع زي ما قلت لك قدرات .. مش شرط يعني إنها ترمي نفسها في النار علشان تثبت لك إنها بتحبك .. لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها .
ونظر إلى حسن وتابع :
ـ ما تقول حاجة يا حسن !!
ابتسم حسن وقال:
ـ هو في كلام يتقال بعد كلامك يا كبير ؟! بسم الله ماشاء الله .. كلام كله زي الفل يا حبيب أخوك .
أومأ فريد وهو يربت على صدره ويقول :
ـ متشكر يا حسن ..
بينما نظر حسن إلى عمر وقال :
ـ أخوك كلامه كله صح .. اسمع كلام أخوك .
لكن عمر ظل صامتًا .
عيناه شاردتان، فيما فريد وحسن يراقبانه في هدوء، مدركين أن هذه اللحظة ـ بكل قسوتها ـ ربما تكون أول خطوة حقيقية نحو فهمٍ مختلف… لا للحب فقط، بل للنفس أيضًا.
تنهد فريد، ثم ربت على كتف عمر وقال :
ـ اللي حصل حصل يا عمر .. وانت عارف ومتوقع إن ده هيحصل من البداية لأنك غلطت لما كدبت عليها، لو كنت صارحتها كنت أنقذت نفسك من وقتها ، لكن على العموم كله نصيب .. ومحدش عارف الخير فين .
أومأ عمر بهدوء، بينما تابع حسن قائلا :
ـ روق يا حبيب أخوك .. إنت لسه صغير والعمر قدامك وهتحب تاني وتالت صدقني .. الحياة مبتقفش على واحدة .
أومأ فريد مؤكدًا، ثم استأنف حديثه بنبرة أكثر اتزانًا وعقلانية :
ـ الحياة مبتقفش عموما .. لا على واحدة ولا واحد .. مهما حصل لازم نكمل ونبدأ من جديد ، بس المهارة هنا إنك تقدر تلاقي النقطة اللي تبدأ منها .
رمقه عمر بنظرة مثقلة بالشك، تتقاطع فيها الحدة مع وجعٍ مكتوم، وسأله:
— وانت حياتك موقفتش لما نغم سابتك ؟!
بدا السؤال كصفعةٍ مباغتة؛ إذ تجمّد عقل فريد لوهلة، وتعطّلت الكلمات على شفتيه، قبل أن يطلق زفرةً طويلة ويقول:
ـ أكيد كل حاجة في حياتي فقدت معناها لأن نغم بالنسبة لي هي حياتي، لكن بالرغم من كده كنت بحاول أكمل على قد ما أقدر .. أوكي كل حاجه كانت ماشية عكس وحياتي كانت متلخبطة بس مكملة ، لأن كون إنك توقف حياتك وتقعد تحط ايديك على خدك لأي سبب من الأسباب ده اسم موت مؤجل يا عمر .. البداية من جديد مش شجاعة، دي ضرورة .
ثم تنهد وتابع :
ـ أنا عارف أنه صعب عليك حاليا تقتنع بالكلام ده، لكن صدقني مش هتخرج من الحالة دي غير لما تقف على رجليك وتقرر تبدأ من جديد .. في البداية كل حاجه هتكون صعبة ومملة .. زي اللي بيمشي على رِجل واحدة، خطواته بتكون صعبة ومتلخبطة، وبعدين يكتشف إنه قارد يمشي على رجليه الاتنين .. كل حاجة وقتها هتاخد مسارها الصحيح .
ثم سكت لحظة، وأضاف بنبرة أهدأ:
ـ وبعدين يا عمر .. مهما كانت مشكلتي مع نغم فانا كنت واثق اني هعرف أرجعها ليا من تاني لأن المشكلة اللي بينا كانت إلى حدٍ ما بسبب أطراف خارجية يعني لا أنا ولا هي أذينا بعض بشكل مباشر .. علشان كده رجوعنا كان حتمي .. لكن مشكلتك مع ميرال للأسف ملهاش حل .. وصدقني وغلاوتك عندي لو أنا مكانك ونغم قررت تسيبني أنا كنت هحترم قرارها لأني لا يمكن أقحمها في حياة ملخبطة زي دي ملهاش ذنب فيها .
نظر إليه عمر وهتف بضيق :
ـ أنا كمان مليش ذنب في الحياة دي يا فريد ..
رمقه فريد بغضب مكتوم ونفاذ صبر، ثم هتف بحدة :
ـ خلاص يا عمر .. اتفضل كل يوم روح نام مع واحدة من الشارع وتعالى قول مش ذنبي إنها حملت مني ..
نظر إليه عمر متفاجئًا حدته، وقبل أن يجيبه كان حسن قد تدخل قائلا:
ـ خلاص يا جماعه مالكم سخنتوا على بعض كده ليه، استهدوا بالله وفضوها سيرة بقا من الحوار ده ..
ووضع يده على كتف عمر قائلا بدعمٍ مستتر :
عمر جدع وهيقف على رجليه بسرعة ، وبعدين يا حبيب أخوك احنا في يومين مينفعش حد مننا يعطل نهائي.. أنا عندي افتتاح منيل بنيله ومحتاجك معايا لأني مش هعرف أعمل حاجه لوحدي .. وأخوك فرحه بعد بكره يعني محتاجنا أنا وانت جنبه .. ده غير قضية نادر اللي مش عارفين هترسي على ايه .
تنفّس فريد بعمقٍ متثاقل، وكأن الكلمات خرجت منه على مضض، ثم قال بنبرة قاطعة تخلو من أي شرح:
— مفيش قضية… أنا قررت أتنازل.
سقطت كلماته ثقيلة في المكان، فتبادل عمر وحسن نظرة خاطفة قبل أن يهتف الاثنان معًا بصدمة صريحة: — تتنازل؟!!
أومأ فريد برأسه ببطء، وعيناه لا تحملان سوى ضيقٍ مكبوت، فاندفع حسن يسأله بقلق:
— تتنازل ليه؟! وإزاي؟!
اشتدت ملامح فريد، وارتفعت نبرته بعصبية واضحة، إذ لم يكن مستعدًا للخوض في تفاصيل ستجبره على كشف السبب الحقيقي وراء قراره، ذلك القرار الذي لم يكن نابعًا عن رغبة، بل عن إجبار:
— اهو اللي حصل.
لم يرضَ عمر بهذا الرد المبتور، فهتف بحدة وضيق:
— يعني إيه اللي حصل؟! لازم طبعًا نعرف… اتنازلت ليه؟!
تحرك فريد فجأة، وكأن الوقوف صار ضرورة للهروب من الأسئلة، وقال وهو ينهض بعصبية واضحة:
— أنا مش رايق علشان أتكلم في الموضوع ده يا عمر. عندي ترتيبات فوق دماغي، ومش عايز أتكلم في أي حاجه تضايقني أو تخليني أنفعل، أنا عايز أعدي اليومين اللي لسه دول على خير، أساس أنا ماشي صالب طولي بالعافية.
استدار مغادرًا الغرفة، محاولًا أن يضع حدًا للنقاش، وهو يقول آمرًا بدافع أخوي محبب :
ـ يلا شوفوا لكم حاجه اعملوها انتوا الاتنين بدل قعدتكم دي .. وأنا كمان عندي كام حاجه هعملها ..
لم ينتظر منهم ردًا، وغادر الغرفة، لكن ما إن دفع الباب الموارب حتى تجمّد في مكانه.
كانت نغم تقف أمامه مباشرة، تنظر إليه بعينين مشحونتين بمزيجٍ مؤلم من الغضب والحزن، وقبل أن ينطق قالت بصوتٍ مهتز لكنه واضح:
— انت فعلا ناوي تتنازل ؟!
تصلّبت ملامح فريد، واندفع يسألها بحدة دفاعية:
— إنتِ واقفة كده ليه؟!
تجاهل سؤالها الأول، لكن إصرارها لم يخفت، بل عاد أشدّ وضوحًا، وقد ارتفعت نبرتها قليلًا دون أن تشعر، كأن القلق انتزع منها حذرها :
— ردّ عليّ يا فريد… يعني إيه تتنازل ؟
لم يمنحها الإجابة، واكتفى بأن ضغط على أسنانه، وصوته يخرج مشدودًا بالغضب المكبوت:
— صوتك عالي يا نغم … وإحنا مش لوحدنا هنا.
توقفت لوهلة، وكأنها انتبهت فجأة إلى المكان ومن حولهما، فأخذت نفسًا عميقًا وزفرته محاولة تهدئة ارتجاف صدرها، ثم قالت بصوت أخفض، لكنه أكثر إصرارًا:
— أنا آسفة… ماخدتش بالي.
ثم رفعت عينيها إليه مباشرة وأضافت:
— بس لازم تجاوبني… إيه اللي أنا سمعته ده ؟!
تركها خلفه واتجه إلى غرفته بخطوات سريعة، كأنما يفرّ من الأسئلة لا منها. لكنها لم تمنحه فرصة للاختفاء؛ لحقت به على الفور، ودخلت الغرفة خلفه وهي تقول بإصرار لا يخلو من قلق:
— هو إنت مش بترد عليّا ليه؟
استدار فجأة، وحدّق فيها بنظرة حادة، وقد انعكس ضيقه في نبرة صوته وهو يقول:
— إنتِ كنتِ واقفة ورا الباب بتتصنتي علينا؟! بذمتك كان يبقى شكلك إيه لما حد يفتح الباب فجأة ويلاقيكي واقفة كده؟ لازم تاخدي بالك من كل كبيرة وصغيرة بعد كده طول ما احنا في الڤيلا، أنا مش عايز حد مهما كان هو مين يعلق على تصرفاتك .. عيب، انتي أكبر من كده .
أسقطت رأسها ببعض من الخزي والضيق، ثم قالت بنبرة مجادلة :
— معاك حق طبعا ومش هعمل كده تاني ، بس أنا أكيد يعني مكنتش واقفة بتصنت عليكم .. كل الحكاية إني سمعتك بتتكلم وعجبني كلامك، فوقفت أسمع للآخر وفجأة لقيتكم بتتكلموا عن القضية. ده اللي حصل.
إلتفت يحدق فيها لثوانٍ ثقيلة، ثم استدار، بدأ يقترب منها ببطء محسوب. خطوة تلو الأخرى، فيما كانت هي تتراجع تلقائيًا أمامه دون أن تشعر، إلى أن وجدت نفسها محاصَرة بين جسده الصلب وباب الغرفة المغلق.
توقّف أمامها، يرمقها بنظرة اختلط فيها الضيق بالغضب المكبوت، بينما كانت هي تتطلّع إلى ملامحه المتجهّمة، تقرأ في عينيه توتّرًا تعرفه جيّدًا.
أمّا هو، فكان يتفرّس في وجهها الذي يعشقه، ذلك الوجه الذي يعرف في أعماقه أنّه مستعد أن يتنازل لأجله عن كلّ شيء… عن روحه إن لزم الأمر.. ثم قال متسائلا برفق :
ـ عجبك كلامي ؟!
أومأت بخفة، ولا تزال عيناها منخفضتين، حتى التقت نظرتها بشفتيه المتسعتين بابتسامة لطيفة، فقالت بنبرة خافتة، مشوبة بدلالٍ خفي:
ـ كالعادة يعني .
ابتسم بعمق أكبر، وكأن فضولًا خفيًا يحركه، وهمهم باستمتاع:
ـ هممم ، طيب أنا قلت حاجات كتير، إيه بالتحديد اللي عجبك في كلامي ؟!
في أعماقه كان يسعى إلى صرف انتباهها عن سؤالها المُلحّ الذي لا يرغب في الخوض في تفاصيله، وفي المقابل أرادت هي أن تُبعده عن فعلتها الطائشة بدهاءٍ أنثويّ لم تألفه من قبل.
فرفعت يديها الرقيقتين، تعبثان برفق بزرّ قميصه العلوي المفتوح، ثم التقت عيناها بعينيه مباشرة، تحدّق فيه بجرأةٍ خافتة تمتزج بالحياء والرقة وهي تقول :
ـ لما قلت نغم بالنسبة لي هي حياتي .
أمال رأسه في هدوء، مثبتًا نظره على شفتيها كأنه يستنطقها بالمزيد، ثم قال بصوت خفيض:
ـ وإيه كمان؟
أحاطت عنقه بذراعيها في رفقٍ حذر، واقتربت منه أكثر، ثم أجابته بدلالٍ يتصاعد تدريجيًا، يمتزج فيه التردد بجرأةٍ وليدة لم تعهدها من قبل. جاء صوتها خافتًا، يحمل ارتباكًا محببًا، فيما تتلاحق أنفاسها كأنها تبوح بما تعجز الكلمات عن الإفصاح عنه.
شدّت قبضتها قليلًا خلف عنقه، كأنها تستمد من قربه شجاعة إضافية، ولم تحِد عيناها عن عينيه؛ كان بريقهما يشي بمزيجٍ من الخجل والرغبة في اختراق حصونه، كما اعتاد هو أن يفعل معها دومًا :
ـ كل كلامك عجبني… إنت حتى لو كحيت، هحس إني مبسوطة وفرحانة.
هز رأسه متفاجئًا، وهتف بنبرةٍ مرحة :
ـ يا راجل !!
ابتسمت بدورها، وأومأت. فاقترب منها أكثر، وأمال وجهه أكثر نحوها، وهو لا زال مثبتًا ناظريه على شفتيها، يهمس بصوت حنون وهو يغوص في عينيها بعينيه :
ـ طيب… ولو بوستك؟! هتكوني مبسوطة أكتر ؟! ولا فرحانة أكتر ؟! ولا هتحبيني أكتر ؟!
تغلبت على خجلها بصعوبة .
أخذت تحرك عينيها وكأنها تنتقي كلماتها بعناية قبل أن تنطق، ثم همست بصوت خافت:
ـ كل الإجابات .
ارتفع حاجباه بدهشة صادقة؛ فقد فاجأه ردّها وأوقد في قلبه حماسة دافئة، فبادر في الحال بما يضمن لها الفرح. إذ لم يكن يتمنى في حياته أكثر من أن يراها مسرورة، سعيدة، مطمئنة، فقد آمن منذ البدء أن وجوده كله مُكرَّس لأجلها هي.. لأن تكون بخير، لأن سعادتها هي غايته الأولى والأخيرة
فما الذي يمنعه، إذًا، إذا كان السبيل إلى سعادتها لا يتعدّى قبلة؟ لن يتردد لحظة؛ سيغمرها بها، ليشعر معها بأن العالم قد اكتمل، وأن قلبه لم يعرف فرحًا أصدق ولا أعمق من فرحها.
اقترب منها ببطء، كأن اللحظة أثمن من أن تنقضي على عجل، وتوقّف لثانية قصيرة عند المسافة التي تفصل بين أنفاسهما، يترك لها فرصة التراجع… لكنها لم تفعل. بل أغمضت عينيها في صمتٍ مُطمئن، فكانت تلك إجابتها الأخيرة.
لامست شفتيه شفتيها قبلةً هادئة، دافئة، لا تحمل شغفًا جارحًا بقدر ما تحمل وعدًا بالأمان. قبلة تردّدت في بدايتها، ثم استقرت، كأنها تبحث عن موضعها الصحيح في قلبها قبل شفتيها. شعرت بدفءٍ يسري في أطرافها، وباطمئنانٍ لم تعرف له اسمًا من قبل ..
فيما شدّها إليه برفق، أهداهًا فرحًا وعشقًا وحنانًا كما تمنت، بث في قبلته أسمى معاني الوله والهيام ..
حين استشعر دفء انصهارها بين ذراعيه، أوشك أن يبتعد بخطوة، لتباغته هي بخطوة أخرى نحو الاقتراب . توقفت لحظة قبلتهما الأولى، لكن تلك الفاتنة الصغيرة لم تمنحه فرصة للرحيل، إذ أسرته بقبلة أخرى كانت أشد وقعًا وأعمق أثرًا.
قبلة تحمل في تفاصيلها ذلك الحنين الجارح، الذي يخترق الروح برقة مربكة ويفتح أبواب الشوق على مصراعيها .
لم تكن قبلتها مجرد استجابة خجولة؛ بل جاءت أكثر عمقًا مما توقّع. تجاوبت معه بعفوية أربكته، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة منذ زمن. أصابعها تشبثت بقميصه، ومالت نحوه دون وعي، تمنحه إحساسًا واضحًا بأنها ليست مجرد متلقية، بل شريكة في اللهفة.
توقف قلبه لثوانٍ، مندهشًا… نغم .. !!!
كانت مولعة به حقًا، ليس وهْمًا ولا خيالًا.
أدرك ذلك من ارتعاشها، من الطريقة التي اقتربت بها أكثر مما ينبغي، ومن استسلامها الصادق بين ذراعيه.
عبّرت عن شغفها بكل ما أتيح لها، وبما أمكن خبرتها المتواضعة أن تجود به. لكن تلك القبلة، برغم افتقارها للخبرة وبعفويتها المذهلة، أشعلت العواصف في كيانه وخلَّفت أثرًا لا يُمحى ..
أشعلت في داخله رغبة جارفة؛ تمنى لو يستطيع أن يضمّها إليه إلى الأبد، أن يمتلكها هذه اللحظة دون قيود أو خوف، أن تكون له بالكامل كما شعر أنها له الآن بقلبها وروحها. لكنه، رغم كل ذلك، كبح اندفاعه، واكتفى بأن يشدد احتواءه لها، ويتلقى قبلتها بقلبٍ رحب .
ابتعدت عنه بعد لحظات قليلة، تخفي في إنحناءة رأسها خجلًا قد اجتاح ملامحها. لم تستطع أن ترفع عينيها نحوه، وكأن اللحظة السابقة استحوذت على جرأتها بالكامل. أما هو، فقد قرأ حالتها دون أن ينطق بكلمة. تفهم صمتها وشعر بذلك الارتباك الرقيق الذي يكسوها، وكأن لغةً غير منطوقة جمعتهما، تحدثت فيها العيون وعبر عنها الإحساس أكثر من الكلمات.
أسند جبينه على جبينها وهما يلتقطان أنفاسهما سويًا، ثم فجأة .. ضحك بهدوء، وسرعان ما تحولت ضحكته إلى ضحكات متدافعة جعلته يضع يده على قلبه.
رفعت ناظريها إليه بتعجب ممزوج بالخجل، جعلها تهتف بحدة خافتة :
ـ بتضحك على إيه ؟!!
أحاط عنقها بذراعٍ وقربها إليه وهو يحاول التوقف، ثم نظر إليها وهتف من بين ضحكاته :
ـ نغم .. فاكرة البوسة إياها بتاعة يوم افتتاح الدار !
شحب وجهها وتجمّدت ملامحها كأنما اعتلتها سحابة ثقيلة حينما استرجعت تلك الذكرى التي تغرس الألم في أعماقها، ذكرى لا تراها إلا لطخة سوداء تشوه صفحة حياتها وذنباً تأمل أن تجد سبيل التصالح مع نفسها لتكفر عنه.
وفيما خيّم الحزن على محياها، مدّ يده ليحتوي وجهها بين كفيه، تزينه ابتسامة هادئة، وهمس بلطف ونبرة مرحة :
ـ زعلانة ليه .. دي أحلى حاجة حصلت في حياتي .
ما إن ضمّها إلى صدره بحنان، حتى أخذت أنفاسها تهدأ شيئًا فشيئًا، وكأن دفء عناقه بعثر كل ما كانت تخبئه من غضب وألم داخلها. بقي محتفظًا ببقايا ابتسامة على شفتيه، وهو يقول :
ـ يومها انتي شقلبتي كياني بالبوسة بتاعتك .. خلتيني أنام أحلم بيكي مع إني لو كنت مسكتك كنت قطعت رقبتك عقابا ليكي على البلاوي اللي عملتيها ..
ابتسمت ابتسامة غلبها الخجل وعبقت بعبير الحنين إلى الذكريات، فتقدم برفق ورفع ذقنها برقة لتلتقي عيناه بعينيها. ابتسم بجاذبية وهمس لها بصوت يحمل نغمة دافئة وقال:
ـ فاكرة قلتيلي إيه قبلها ؟!
أومأت بابتسامة تحاكي براءتها، ورددت بصوت مرتعش:
ـ سألتك .. انت فريد مرسال ؟!
انفجر ضاحكًا بقهقهات متوالية، فابتسمت هي بخجل وارتباك، ثم أشاحت بنظراتها عنه محاولة إخفاء اضطرابها وخجلها. لكنه لم يمنحها فرصة الهروب، إذ عاد ليمسك وجهها بين كفيه برفق، يقترب منها كما لو أن العالم يتلاشى بينهما، يمسح بأنفه طرف أنفها بحنان، ويهمس لها بإجابة خفق لها قلبها :
ـ لحسن حظي والله إني فريد مرسال .
ضحكت بهدوء وخبأت رأسها في صدره..
شدّها إليه بقوةٍ صامتة، عناقًا كان أشبه بالاحتماء، لا بالامتلاك. وبعد لحظاتٍ قصيرة، ابتعد عنها ببطء، ورفع وجهها بين كفّيه، يتأمل ملامحها التي كانت دومًا ملاذه الوحيد. انحنى وقبّلها قبلةً حانية جديدة، خالية من العجلة، مشبعة بالامتنان أكثر من الشغف.
ابتعدت هي أولًا، ورفعت يديها لتفصل بينهما، ثم رفعت عينيها نحوه محاولة أن تستعيد تماسكها، وأن تُعيد لملامحها تلك الجدية التي غابت لثوانٍ. نظرت إليه نظرة فاحصة، كأنها تقرأ ما وراء صمته، ثم قالت بصوتٍ منخفض لكنه حاسم:
— سالم بيه هو اللي أجبرك تتنازل… مش كده؟
أمعن النظر إليها بدهشة، وقد استوقفه إصرارها الذي ما زال يلوّح بالسؤال في عينيها. زفر أنفاسه واستسلم لفكرة أنها لن تترك الأمر يمضي مهما حاول صرف انتباهها، ومهما أسبغ عليها من قُبَلٍ تمنّى أن تحملها بعيداً عن هذا الإلحاح المعاند .
فسؤالها لم يحمل نبرة اتهام، بقدر ما كان اعترافًا صريحًا بأنها قرأت ما بين السطور، وفهمت ما لم يُقَل. ومع ذلك، لم يشأ أن ينساق إلى هذا الحديث بعينه؛ فتنفّس بعمق، وقال باقتضابٍ متعمَّد، كمن يضع حدًّا للنقاش:
— إيه العلاقة ؟ كل الحكاية إنّي فكرت بهدوء، واكتشفت إن في حسابات تانية مكنتش واخد بالي منها… وعشان كده قررت أتنازل عن القضية.
رمقته بنظرةٍ يختلط فيها اللوم باليقين، وقالت بصوتٍ منخفض لكنه ثابت:
— إنت عارف كويس إنك مبتعرفش تكدب… وحتى لو بتعرف، عمرك ما هتعرف تكدب عليّا. من شوية، لما سالم بيه طلب يقعد معاك في المكتب، كان علشان الموضوع ده. وأكيد… أكيد وافقت تتنازل علشاني.
تقلّص جبينه دهشة؛ لم يكن يتوقّع أن تصل إلى الحقيقة بهذه السهولة.
أما هي، فحين رأت الارتباك الخاطف في عينيه، أدركت أن حدسها لم يخذلها. انسحبت الدماء من وجهها، وحلّ مكانها حزنٌ خافت، فقالت بصوتٍ مكسور:
— كنت متأكدة.. أكيد ساومك على حاجة تخصّني، وعشان كده اضطريت تتنازل.
سكن المكان بينهما لحظةً ثقيلة، لحظة قالت فيها عيناها ما لم تستطع الكلمات احتماله، وبقي هو صامتًا..
تنهد بحزنٍ عميق، ورفع يده يدلك جبينه بإرهاق، وكأن الأفكار تثقل رأسه أكثر مما يحتمل. لم يكن يعرف ماذا يقول، كان يدرك جيدًا أنها وصلت إلى جوهر الحقيقة دون عناء، فهي تقرأه بسهولةٍ تؤلمه أحيانًا. ولهذا لم يحاول إنكار ما فهمته أو تزييف الواقع أمامها؛ فقد أدرك أن أي محاولة للمراوغة ستكون بلا جدوى.
كان يعلم أيضًا أن مشاعرها الآن تسير في المسار ذاته المعتاد: حزنٌ مكتوم، وضيقٌ ثقيل، ثم اتهام صامت للنفس، وكأنها تحمل نفسها دائمًا ذنب ما لا ذنب لها فيه.
رآه في عينيها قبل أن تنطق به، ذلك الإحساس القاسي بأنها السبب، وأنه ضحّى لأجلها مرة أخرى.
لكنّه، وللمرة الأولى، لم يكن يملك الطاقة ليدخل الدائرة نفسها من التبرير والجدال. كان منهكًا، مستنزفًا، يشعر أن الكلمات خانته، وأن أي رد سيبدو ناقصًا أو عاجزًا عن احتواء كل ما يعتمل بداخله وبداخلها معًا. فآثر الصمت، لا هروبًا، بل عجزًا عن خوض معركةٍ أخرى وهو بالكاد يقف على قدميه.
لذا اكتفى بأنه جذبها إليه من جديد، ضمّها بقوةٍ أكبر، وهمس بصوتٍ خافت أثقله التعب:
— نغم… من فضلك مش عاوز أتكلم في الموضوع ده، لكن خليكي متأكدة إني علشانك مستعد أضحي بحياتي كلها .
بادلتْه العناق هذه المرة بقوةٍ أشد، كأنها تحاول أن تحتويه كما يحتويها. كانت تملك في صدرها كلماتٍ كثيرة، وأسئلة أكثر، وعتبًا مؤجّلًا، لكنها آثرت الصمت. أدركت أنه مرهق إلى حدٍّ لا يسمح بالمواجهة، وأن ما يثقل كاهله أكبر من أن يُضاف إليه عبءٌ آخر.
رفعت يدها برفق، وأخذت تمرّرها صعودًا وهبوطًا على ظهره في إيقاعٍ حنون، كأنها تُسكِّن ارتجاف روحه قبل جسده، وتسكب في عروقه طمأنينة لا تُقال. لم تنطق بكلمة، لكن صمتها كان ممتلئًا بالعناية، ثقيلاً بالاحتواء، حتى شعر بدفءٍ يستقر في منتصف صدره، يتمدّد ببطءٍ مع كل ثانية تمرّ وهو يضمّها إليه.
أطلق زفرةً عميقة، ثم شدّ ذراعيه حول كتفيها، غمرها بالكامل، وقرّبها إلى صدره كأنه يحتمي بها. هدأت أنفاسها شيئًا فشيئًا، وسكن توترها، فشعرت بقوةٍ تُسندها، وبأمانٍ لم تختبره من قبل، إحساسٌ بالاكتمال، وبأن الوحدة لم تعد تعرف طريقها إليها.
دفن رأسه في منحنى عنقها، وأحكم عناقه أكثر، قرّبها حتى تلاشت المسافات بينهما، فتعلّقت به بالقدر نفسه، كأن وجودها صار معقودًا بوجوده، وكأن الحياة نفسها تُختصر في هذا العناق. وبقيا على حالهما طويلًا، خارج حدود الزمن، لا يسمعان سوى نبضيهما يتجاوبان سويًا .
ابتعد قليلًا، وتأمّلها بنظرةٍ تشبه وعدًا غير منطوق؛ نظرة رجل يرى أمامه عالمًا كاملًا من الحب والعطاء والحنان. وفي داخله تردّد يقينٌ صافٍ لا يقبل الشك:
هذه هي المرأة التي سأقضي ما تبقّى من حياتي معها… ولن أتخلّى عنها أبدًا.
༺═────────────────═༻
مساءا ..
بعد أن انتهت زينب بمساعدة نغم من تجهيز الغرفة لكي تضم أغراضها الجديدة، وقفتا سويا تتطلعان نحو الغرفة، وهتفت زينب بنبرة مثقلة :
ـ مكنتش أتخيل ولا أحب أني أقعد في اوضة زي دي.. مش مرتاحة ، دي أوضة البنت الله يرحمها كان من الأفضل تفضل مقفولة على حاجتها.. على الأقل علشان خاطر أمها.
تنهدت نغم وهي تضمها وتقول:
ـ والله يا خالتي أنا ما شفت في طيبة قلبك .. بالرغم من كل اللي قالته نادية هانم الحرباية بس انتي قلبك عليها بردو وخايفة على مشاعرها .
زفرت زينب زفرةً متخبطة، ثم ارتكزت على الأريكة وقالت:
ـ دي مهما كان أم يا نغم .. بعيدا عن اللي بيننا بس دي ضناها وأكيد قلبها هيوجعها لما تشوف حاجة بنتها بتتنقل كده ..
أومأت نغم بإدراكٍ حزين، ثم قالت :
ـ هي چوليا دي كانت كويسة يا خالتي ؟؟ يعني طيبة وهبلة زي عمر كده ؟!
ضحكت زينب بهدوء، ثم أومأت وقالت :
ـ كل عيال نادية فيهم حتة حلوة أوي يا نغم، بس عشرتهم لأمهم خلتهم ضايعين ومشوهين نفسيا، و چوليا من صغرها أكتر واحدة اتأثرت بالعقد النفسية اللي زرعتها فيهم نادية، واللي زاد وغطى ابن خالها الواطي اللي دمرها واستغلها منه لله مطرح ما هو قاعد .
شردت نغم، وتنهدت بمرارة ثم قالت :
ـ الله يرحمها .
مسدت زينب ذراع نغم بحنو وهي تقول :
ـ يارب، ويبارك فيكي يا حبيبتي ويهديكي انتي ونسيم وكل اللي زيكم .. ويفرحك يا نغم ويعمر بيكي العمر كله.
عانقتها نغم على الفور، فتلك الدعوات الصادقة لا تصدر سوى عن قلبٍ محب بإخلاص، وتمتمت براحة:
ـ ربنا يباركلنا فيكي يا خالتي وميحرمنيش منك .
ـ ولا منك يا حبيبتي، يلا عاوزاكي كده تقعدي ترتاحي زي البرنسيس ، وأنا هنزل المطبخ أعملك أكل حلو علشان تتغذي .. انتي عروسة وبكرة وبعده مش هتفضي ترمشي حتى .
همت بالنهوض، لكن نغم استوقفتها حين قالت:
ـ لأ .. فريد لو عرف إنك نزلتي المطبخ هيعمل مشكلة كبيرة ..
ـ وهو هيعرف منين بس يا نغم، وبعدين ماخبيش عليكي وقفة المطبخ اللي تحت والبنات وحشوني .. دول عشرة عمر بردو ، هبص بصة وأرجعلك .
توجهت زينب باتجاه الباب وغادرت، وبينما نغم تقف على عتبة الباب وجدت باب فريد ينفرج، ثم يخرج منه متأنقًا كعادته بشكلٍ أثار ابتسامتها وجعلها تحملق فبه مبهورة بأن ذلك الرجل الوسيم بارع الطلة هو ملكها وحدها .. بينما هو التقط ابتسامتها تلك، فجذب وجنتها مشاكسًا إياها وهو يقول :
ـ واقفة كده ليه يا عروسة ؟!
ابتسمت ابتسامة مشرقة، وقالت :
ـ انت رايح فين ومتشيك كده ؟!
أجابها بإيجاز :
ـ رايح مشوار سريع .
تستمر القصة أدناه
ضيقت عينيها في شك، وقالت:
ـ رايح تتنازل ؟!
ضيق عينيه مقلًا حركتها، وهتف :
ـ هو إحنا مش هنخلص بقا ؟!
عقدت ذراعيها أمام صدرها، وأومأت بصمتٍ مشوب بالضيق، وقالت:
ـ ولما انت رايح تتنازل متشيك كده ليه ؟! طب كنت سيب الشياكة دي لمرة تانية، تكون رايح تحضر الجلسة اللي هيتحكم فيها على نادر بالمؤبد ولا حاجة .. !
ضحك بهدوء وقال:
ـ الجايات كتير إن شاء الله .
تنهدت بهدوء، ثم قالت :
ـ هتتأخر ؟!
أجابها ممازحًا :
ـ لأ .. هتنازل وجاي على طول .
ابتسمت رغمًا عنها ثم قالت :
ـ طيب هستناك .
اقترب منها، طبع قبلةً على خدها وقال :
ـ مش هتأخر عليكي .
ـ حتى لو اتأخرت .. هستناك .
رمقها بابتسامةٍ من أعذب ما يكون، ثم قبّل جبينها، وقال :
ـ انزلي اقعدي تحت .. المرجيحة بتاعتك مستنياكي .
أومأت بابتسامة ، بينما هو تابع بحرص:
ـ بس حطي شال على كتافك عشان الجو برد .
ـ حاضر ..
قالتها بطاعة، بينما هو انسحب مغادرًا، فيما دلفت هي غرفة زينب الجديدة ، والتقطت من حقيبتها الصغيرة المؤقتة شالاً وضعته على كتفيها، ثم غادرت الغرفة ونزلت في طريقها إلى الأسفل ، وبينما هي تستعد للخروج نحو الحديقة، انفرج باب مكتب سالم وظهر من خلفه، ينظر إليها بهدوء، ويقول :
ـ فريد خرج ؟!
أومأت بهدوء تحاول إخفاء ارتباكها وراءه، فهتف بهدوء:
ـ طيب تعالي .
ازدردت ريقها في خوف لم تستطع السيطرة عليه، وسارت في عقبيه، و إذا ما سمعته يأمرها أن توصد الباب خلفها حتى تمدد خوفها واستولى على آخر ذرات هدوءها.
مدت يدها وأغلقت الباب بهدوء، ثم سارت خطوات، حتى أشار إليها قائلا :
ـ اقعدي .
جلست على المقعد المقابل له كما أشار، زفرت أنفاسها المضطربة محاوِلةً ضبطها قدر الإمكان، ونظرت إليه بصبر، تنتظر مبادرته.
أما هو، فظل ينظر إليها بهدوء وتمعّن، مدركًا تمامًا كيف تؤثر نظراته فيها، فهي لم تفقد سحرها عليه كما يحدث مع الآخرين. واعتمد على خبرته النفسية؛ فهو يعلم أن الانتظار قبل الكلام يضاعف أثر كلماته، ويوقع الآخرين في فخ التوتر والارتباك الذي يفضّل دومًا استخدامه.
تنهد أخيرا ثم قال :
ـ طبعا انتي عارفة فريد رايح فين، مش كده ؟
أسقطت رأسها أرضًا تحاول درء خوفها وكبح ضيقها في الوقت ذاته، أومأت ببطء ثم قالت :
ـ أيوة عارفة، رايح للمحامي علشان يتنازل عن القضية اللي رفعها ضد نادر .
زم شفتيه بإعجاب حاد، وقبل أن يتساءل كانت قد أجابته:
ـ مقابل إن حضرتك تديه حاجة ليا مش عارفة هي إيه بالتحديد بس غالبًا الفيديو اللي هددتني بيه قبل كده .
هز رأسه ببطء، وقال:
ـ واضح إن عشرتك لفريد أثرت عليكي بشكل كبير، بقيتي واعية وذكية وبتعرفي تتكلمي .
ابتسمت بهدوء، ابتسامة بها مزيج من الفخر والحزن في آن، وأومأت برحابة صدر وهي تقول:
ـ صحيح .. كل حاجة حلوة في حياتي أو في شخصيتي دلوقتي.. فريد هو السبب فيها .
أومأ بدوره، وقال :
ـ حلو إن الواحدة تحب جوزها وتعترف بفضله عليها، ده مريح للطرفين، ومش عيب ولا تقليل من شأنك على فكرة … ربنا سبحانه وتعالى قال ' ولا تنسوا الفضل بينكم ' يعني مش كلامي .
هزت رأسها بهدوء وقالت:
ـ صدق الله العظيم .
تمهّل سالم قليلًا، ثم استنشق نفسًا عميقًا ملأ به رئتيه، وأخرجه ببطء وكأنه يهيئ نفسه للكلام، قبل أن يبدأ حديثه قاصدًا الوضوح دون مواربة :
ـ طيب .. من غير لف ودوران كتير، أنا ناديتلك علشان أقوللك كلمتين مهمين بما إنك بقيتي واحدة من العيلة، ومش أي عيلة، ومش هتكوني مرات أي حد، ده فريد سالم مرسال .. يعني راجل العيلة من بعدي .. يعني انتي هتكوني أهم زوجة هتدخل العيلة لأنك واجهتها ..
وبقدر ما أشعلت كلماته حماستها، بقدر ما بثّت في قلبها خوفًا وارتباكًا خفيّين. تماسكت، وأطلقت زفرة هادئة تخفي خلفها اضطرابها، ثم أومأت برأسها في صمت، إشارة إلى استعدادها لسماع ما سيقوله .
ـ وعلشان ده يحصل وتكوني واجهة مشرفة، تليقي بعيلة مرسال، وتليقي إنك تكوني زوجة لفريد مرسال اللي بنات عائلات وسيدات أعمال كتير كانوا بيحلموا بس يبص لهم .. لكنه اختارك وميزك عن الكل .. لازم تاخدي كل الكلام ده بعين الاعتبار ، وتتصرفي على أساسه، لازم تشرفي جوزك.. وترفعي راسه دايما، و اوعي.. اوعي .. اوعي… تتصرفي أي تصرف من تصرفات زمان الخايبة دي .
كانت كلماته تقع عليها بثقلٍ متناقض؛ فهي ترفعها في موضعٍ لم تطلبه، وفي الوقت ذاته تقيّدها بقيودٍ لم تُمنح حق الاعتراض عليها.
ابتلعت ريقها ببطء، وكأن تلك الإهانة المبطّنة انزلقت إلى جوفها دون أن تملك لها ردًّا. حاولت السيطرة على النيران التي اشتعلت في صدرها، فتنفست بهدوء مصطنع، ثم أومأت قبل أن تقول :
ـ اكيد من غير ما حضرتك تقول أنا عارفة حدودي كويس، وعارفة أنا دلوقتي مرات مين، والعيلة اللي أنا بقيت منها عيلة مين.. وعارفة إني لازم أتصرف بالشكل اللي يليق بيكم وبجوزي وبيا كزوجة لفريد ..
أومأ هو بصمت، بينما خفضت هي بصرها، منهزمةً في صمتٍ موجع. انسلت دمعة مغلوبة من عينيها، لم تستطع حبسها، وهي تحاول أن تدافع عن نفسها، وتقول:
ـ بس حابة أوضح لحضرتك حاجة .. أنا لما غلطت الغلط ده كان غصب عني، علشان أعالج خالتي .. مش علشان أنا وحشة أو عاوزة فلوس وخلاص !
ـ ولما عملتي فضيحة لفريد في الدار، كان علشان إيه ؟! ماهو علشان الفلوس !! ولا انتي كنتي متطوعة ساعتها !
زفرت بهدوء وأومأت ثم قالت :
ـ علشان الفلوس ، بس لأني وقتها كنت هربت من بيت خالتي بسبب حسن .. ومكانش عندي مكان أعيش فيه، ولا كان ينفع أرجع بيت خالتي تاني طول ما حسن موجود فيه، علشان كده اضطريت أوافق بالاتفاق الغبي ده وعملت اللي عملته، بس والله العظيم أنا ندمانة لحد دلوقتي !
لم يستوقفه من حديثها كله سوى اسمٍ واحد. قطّب جبينه، وتغيّرت ملامحه، وسألها بنبرة متجهمة :
ـ ماله حسن ؟! كان بيعمل إيه ؟!
ترددت، وابتلعت ريقها باضطراب، ثم مسحت دموعها التي لم تكفّ عن الانهمار، وهتفت بصوتٍ مكسور، كأنها تستعيد ذكرى لم تبرأ حتى الآن. :
ـ حاول يتهجم عليا أكتر من مرة وفي آخر مرة ضربته على راسه وهربت .
بدا عليه شيء من الدهشة، وإن لم يسمح لها بالظهور. تنهد تنهيدة مكتومة، ثم علّق ببرودٍ حذر :
ـ وهو عمل كده منه لنفسه يعني ؟!
رفعت بصرها إليه فجأة، وقد لمعت عيناها بحدّةٍ غاضبة، واندفعت تجيبه بعفوية مشحونة بالقهر.
ـ اومال أنا اللي قلت له تعالى اتهجم عليا ؟!
ـ مش القصد .. بس يعني مفيش راجل هيتجرأ على واحدة بالشكل ده إلا لو كان معشماه بحاجة..
لم يكن اتهامه أقل قسوة من صفعة، فانعقد جبينها وهي تنظر إليه بمرارة، قبل أن تنفجر بكلماتٍ حادة تحمل دفاعها الأخير عن كرامتها.
ـ لأ حضرتك .. أنا عن نفسي مكنتش معشماه بحاجة ، أنا اللي بلغت عن حسن وسجنته علشان أرتاح من شره وقتها وأعيش يومين في أمان، ولو كنت معشماه، أو عيني منه أو وعداه بحاجة كان بيتصرف معايا على أساسها زي ما حضرتك فاكر ، فمكنتش ضربته وهربت.. كان سهل أوي أتجاوب معاه، مهو حفي ورايا سنين لكن أنا فضّلت أنام في الشارع وأشوف العذاب ألوان على إنه يمس شعره مني .
ساد صمتٌ ثقيل لثوانٍ، قبل أن يضيّق عينيه ويسألها بلهجة متشككة :
ـ يعني عاوزة تقنعيني إن فريد لحد دلوقتي مقربش منك ؟!
اتسعت عيناها دهشة، وامتلأتا بدموع قهرٍ لم تستطع كبحها، فبادر هو باستكمال حديثه، كأنه لا يريد منحها فرصة الانهيار :
ـ يعني على حد علمي إنك لما مشيتي من هنا بعد الحادثة رحتي قعدتي في بيته ..
أومأت موافقة، وتابعت بصوتٍ مرتجف، تحاول تثبيت كلماتها كما تثبّت نفسها :
ـ صح ، لكن أنا قعدت في بيته وهو فضل هنا لو حضرتك تفتكر .. وحتى لو كنا قاعدين في بيت واحد .. فريد لا يمكن يبص لي بالطريقة دي .. لأنه عارف إني مش كده، ولأنه قبل كل شيء إنسان محترم وبيراعي ربنا ولا يمكن يعمل حاجة حرام .
هز رأسه بهدوء، وقد بدأ الاقتناع يتسلل إلى ملامحه، ثم أطلق زفرة طويلة تحمل نهاية المواجهة :
ـ على العموم مش عايز كلامي ده يضايقك يعني ، ويا ريت بلاش يوصل لفريد أننا اتكلمنا، وبلاش تحكي لفريد عن معاملة حسن ليكي زمان ، دي صفحة واتقفلت خلاص.. ملوش داعي يبقى شايل من أخوه بسبب حاجة حصلت قبل ما يعرفوا بعض .
أومأت بهدوء، وقد أدركت أن النقاش وصل إلى نهايته:
ـ اكيد طبعا .. من غير ما تقول .
ـ تمام .. تقدري تتفضلي .
نهضت ببطء، تتمنى في سرّها أن تسعفها قدماها وتحملها خارج الغرفة سريعًا، بعيدًا عن ذلك الثقل الذي كاد يسحق روحها. وما إن تجاوزت العتبة حتى انهار تماسكها؛ انفجرت باكية، وانهمرت دموعها بغزارة حتى أغشت عينيها وحجبت عنها الرؤية، فاصطدمت بحسن وهو في طريقه إلى دخول الفيلا.
لمحها حسن تخرج من مكتب والده، فبادرها بلهفة صادقة، يسألها عما أصابها.
ـ مالك يا نغم، في إيه ؟!
رفعت ناظريها إليه، ومسحت دموعها على عجل، لكن ما إن وقعت عيناها عليه حتى تبدّل كل شيء؛ رمقته بنظرة حادة مشتعلة بالغضب، نظرة تقطر حقدًا لم تفلح في اقتلاعه من صدرها. راودتها رغبة جارفة في أن تقذف في وجهه بكل ما قاله والده، وأن تتهمه صراحة بأنه السبب الأول في هذا الجحيم الذي لم تستطع الفكاك منه حتى الآن.
غير أنها آثرت الصمت. تجاوزته دون كلمة، ومضت نحو الطابق العلوي بخطوات متعثرة، تاركة خلفها أسئلته المعلّقة، ومغادرة المكان كما لو كانت تهرب من نفسها.
وقف حسن يتابعها بنظره وهي تغادر، ثم عاد ببصره إلى باب مكتب والده في حيرةٍ ظاهرة، يحاول أن يخمّن السبب الذي جعلها تخرج من عنده بهذه الحالة المنهارة. وقبل أن يحسم أمره ويدخل إلى غرفة والده ليسأله عمّا حدث، فوجئ بجيلان تهبط درجات السلم، وقد ارتسمت على وجهها علامات الدهشة والاستغراب. اقتربت منه مباشرة، وسألته دون مواربة.
ـ مالها نغم بتعيط ليه بالشكل ده.
تنهد تنهيدة مثقلة بالحيرة، ثم أجابها بصوتٍ يحمل قلقًا مكتومًا :
ـ مش عارف.. بس أنا شفتها وهي خارجه من عند الباشا، شكله قال لها حاجه زعلتها.
رفعت حاجبيها بدهشة صادقة، وقد بدا الاستنكار واضحًا على ملامحها وهي تقول:
ـ مش معقول يعني يكون قال لها كلام ضايقها بالشكل ده وهي خلاص كلها يوم وهتبقى مرات ابنه.. حرام يكسر خاطرها وهي فرحانه بجد .
أطلقت زفرة طويلة، بينما ظل هو غارقًا في التفكير في تلك النظرة التي رمقته بها نغم قبل قليل، يحاول تفسيرها. كان يدرك أن نظرتها لم تكن عابرة؛ كانت تحمل عتابًا وحقدًا دفينًا، لكنه لم يستطع حتى اللحظة أن يفهم سببه. عندها عقد العزم على الدخول إلى غرفة والده، وقال :
ـ أنا هدخل اتكلم معاه واسأله ايه اللي حصل .
مد يده ليفتح الباب، لكن جيلان أمسكت بذراعه لتمنعه.
ـ بلاش يا حسن .
لم يلتفت انتباه حسن سوى إلى لمستها الحانية على ذراعه، تلك اللمسة التي بثّت في جسده شرارة خاطفة كالكهرباء. وحين لاحظت نظراته المتوقفة عند يدها، سحبتها فورًا وقد بدا على ملامحها شيء من الارتباك الخفيف.
جاء حديثها متزنًا، يحمل حرصًا واضحًا، وكأنها تحاول احتواء الموقف قبل أن يتعقّد أكثر :
ـ اكيد أنكل سالم مش هيحب أي حد مهما كان هو مين يعرف الحوار اللي دار بينهم. خصوصا أنه واضح جدا حوار تقيل .. علشان كده بلاش تتدخل والافضل تصبر لما تفهم منها وتعرف هل هي حابه حد يتدخل ولا لا .. يعني بلاش نكبر الموضوع قبل ما نفهم إيه اللي حصل بالظبط .
شعر بأن كلماتها تحمل قدرًا من المنطق والإقناع، فتنهد مرة أخرى، وقد خفّ اندفاعه قليلًا، وقال :
ـ معاكي حق بردو..
أومأت بهدوء، فبادرها هو بسؤالٍ عابر، محاولًا كسر حدة التوتر التي خيّمت على اللحظة :
ـ أمك عامله إيه دلوقتي ؟! أحسن ؟!
رمقته بنظرة متجهمة سرعان ما اختلطت بابتسامة خفيفة، تحمل تهكمًا لطيفًا أكثر منه اعتراضًا :
ـ أمك ؟!
سارع بتصحيح كلماته، وقالها هذه المرة مبتسمًا ابتسامة واسعة، محاولًا تدارك زلته :
ـ قصدي مامتك ..
تنهدت ثم أومأت وقالت :
ـ كويسة .. أحلام عندها بتديها دوا الضغط، وأنا قلت أشم هوا شوية .. شكلي هضطر أفضل هنا الليلة جنبها، خصوصا بعد اللي قاله عمر ..
هزّت رأسها بيأسٍ ممزوج بالأسى، وقد عادت بذاكرتها إلى الكلمات القاسية التي ألقاها عمر في وجه والدتها. تنهد هو بدوره، ثم شرع يتحدث بينما كانا يسيران جنبًا إلى جنب باتجاه الخارج :
ـ عمر غلطان طبعا بس هو معذور بردو .. يعني لولا أن والدتك اتدخلت وحكت لميرال على كل حاجة كان ممكن هو يكون عنده فرصه يصلح الموقف وينقذ ما يمكن إنقاذه.
أومأت موافقة، معبّرة عن اقتناعها بحديثه، ثم علّقت بنبرة يغلب عليها الحزن :
ـ معاك حق طبعا، بس ده لا يمنع أنه غلط جدا وجرحها بشكل كبير وهي أصلا تعبانه من ساعة ما دخلت اوضة جوليا وافتكرت اللي حصل لها .
تنهد بأسى، وأومأ مؤكدًا، وقد بدا عليه التعاطف الصادق :
ـ معاكي حق، إحساس صعب طبعا، ربنا يصبرها، على العموم هو عمر معروف عنه إنه متهور ولسانه سابق عقله يعني، وهو شوية ويهدى وأكيد هيراضيها.. أهم حاجه إنتي خليكي جنبها لحد ما تتحسن ..
هزّت رأسها مجددًا، وقد استسلمت للواقع، وأجابت بصوتٍ هادئ :
ـ مضطرة أعمل كده طبعا ..
كانا قد وصلا إلى المظلّة، فجلسا تحتها، بينما واصل هو حديثه بنبرة أخف، محاولًا إخراجها من حالة الكآبة التي أحاطتها :
ـ وليه متضايقه، دا انتي لو مشيتي كان هيفوتك نص عمرك .
نظرت إليه باستفهامٍ صريح، وقد أثار فضولها ما قاله:
ـ ازاي ؟!
مال نحوها قليلًا، كمن يوشك أن يبوح بسرّ، وخفّض صوته وهو يتحدث :
ـ أصلي محضر برنامج لليلة الحنة بس إيه .. حاجة في منتهى الدمار .
قطّبت جبينها بدهشة، وقد فاجأها ما سمعت :
ـ ليلة حنة ؟!
أومأ مؤكدًا، فسألته من جديد:
ـ هو انتم ناويين تعملوا ليلة حنة ؟!
جاء ردّه واثقًا، يحمل بين كلماته نبرة التحدي والمرح معًا:
ـ لا مش ناويين.. محدش لسه يعرف حاجة عن البرنامج اللي أنا مخططه ولا حتى عمر… خليها مفاجأه.
ضمّت شفتيها وهزّت رأسها، ثم مالت نحوه مقلّدة أسلوبه، وهمست بنبرة مازحة :
ـ طيب يا ترى ينفع تقوللي أنا على البروجرام اللي انت محضره ؟! ولا ده بردو سر مينفعش اعرفه ؟!
توقف بنظره عند عينيها لوهلة، وقد بدا واضحًا أنه ضعف أمام سحرهما، فتنهد ثم قال ضاحكًا :
ـ فيكي من يكتم السر ؟!
ضحكت بهدوء، وقد لمعت عيناها بخبثٍ لطيف :
ـ في بير .
مال نحوها ليخبرها بما يخطط له، غير أنهما في تلك اللحظة لمحا سيارة عمر وهي تعبر بوابة الفيلا. نهضا معًا على الفور استعدادًا لاستقباله، لكن عمر تجاوزهما دون أن يلتفت، وصعد إلى غرفته صامتًا، دون أن ينطق بكلمة واحدة.
تنهدت جيلان بقلق، وقد بدا الانكسار واضحًا في نبرتها:
ـ من فضلك روح وراه يا حسن .
وقف حسن إلى جوارها، يتابع أثر عمر بحزن، ودسّ يديه في جيبيه بحركة اعتادها حين يثقل صدره، ثم أجابها بهدوء :
ـ بلاش.. احنا اتكلمنا معاه بما فيه الكفاية النهارده.. هو أكيد حابب يفضل لوحده مش عاوز حد يلح عليه.. إن شاء الله هينسى بسرعة ويبقى كويس .
تمتمت بحسرة خافتة :
ـ إن شاء الله..
ثم التفتت إليه، وقد حاولت أن تستعيد حماسها، وسألته بابتسامة متفائلة :
ـ يلا قولّي بقى على البروجرام اللي ناوي عليه بكره..
استدار نحوها ليجيب، غير أن دخـول سيارة فريد للمرة الثانية قطع عليه الحديث. نظر إلى جيلان ضاحكًا، وقد بدا عليه شيء من المزاح المستسلم :
ـ مالكيش نصيب تعرفي.. خليها مفاجأة بكره بقى .
ابتسمت بهدوء، وقد قبلت الأمر ببساطة، وقالت:
ـ زي ما تحب .. على العموم أنا هطلع علشان أبص على مامي علشان هروح البيت أجيب حاجات وراجعة .. عن إذنك.
أجابها بابتسامة مشاكسة :
ـ إذنك معاك يا جميل .
التفتت نحوه جيلان بابتسامة لم تستطع إخفاءها، ثم صعدت إلى الطابق العلوي باتجاه غرفة والدتها. وبقي حسن واقفًا في مكانه، كأنه مغروس في الأرض، يتتبع أثرها بنظره، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة عفوية لم يتمكن من كبحها.
كان ذلك كافيًا ليلفت انتباه فريد، الذي كان لا يزال داخل سيارته. التقط المشهد بعينٍ خبيرة، فلم تفته تلك الابتسامة، كما لم يفُته أن يرمق الأرجوحة حيث وعدته نغم أن تنتظره، لكنه لم يجدها. صفّ سيارته، ثم ترجل منها واتجه نحو حسن.
استقبله حسن بابتسامة مرحبة قائلا :
ـ أهلا بالعريس ..
ـ أهلا يا حسن .. واقف كده ليه لوحدك ؟
أجابه حسن ببساطة :
ـ لا ما أنا مكنتش لوحدي.. جيلان كانت واقفة معايا .
زمّ فريد شفتيه قليلًا، وقد مرّ الاسم على سمعه باهتمامٍ لم يفته فقال :
ـ چيلان .. همممم ..
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن عابرة ولا بريئة، بل تلك الابتسامة التي تسبق المواجهة حين يكون صاحبها قد وصل إلى قناعة لا تحتاج إلى اعتراف.
أدار رأسه ببطء نحو حسن، ثم قال بنبرة هادئة تخفي خلفها يقينًا كاملًا:
— قولي يا حسن… إيه حكايتك مع چيلان؟
تجمّد حسن لوهلة، كأن السؤال باغته في منتصف فكرة كان يحاول إخفاءها حتى عن نفسه. ارتبكت ملامحه، وتجنب عينا فريد للحظة قصيرة قبل أن يرد متصنعًا العفوية:
— حكاية إيه بس؟ مفيش حكاية ولا حاجه.
لم يعلّق فريد فورًا، بل اكتفى بالنظر إليه نظرة طويلة، نظرة كاشفة، لا تحمل اتهامًا بقدر ما تحمل فهمًا عميقًا. ثم قال وهو يميل بجذعه قليلًا نحوه، بنبرة أوضح وأقرب إلى الصراحة:
— يا راجل… عايز تقنعني إن مفيش أي شعور جواك ناحيتها؟
ـ شعور إيه ؟! لأ طبعا .. عادي يعني بتعامل معاها زي أي حد ..
ظل فريد يرمق حسن بنظرة ثابتة، نظرة من اعتاد قراءة ما خلف الوجوه قبل الكلمات، بينما بدا حسن على غير عادته؛ أقل تماسكًا، وكأن سؤال فريد قد نزع عنه درعه الذي لم يكن يدري أنه يرتديه.
ـ متأكد ؟!
أومأ حسن مؤكدا، فتابع فريد بعد أن زفر زفرةً طويلة :
ـ أومال أنا ليه حاسس إنك بتحبها ؟!
اتسعت حدقتا عينيه للحظة خاطفة، ثم أسرع بإخفاء ارتباكه خلف ابتسامة خفيفة مفتعلة، حاول أن تبدو طبيعية، عابرة، لا تستحق التوقف. غير أن جسده خانه؛ كتفاه شدّا أكثر مما ينبغي، وأنفاسه لم تعد منتظمة كما كانت قبل ثوانٍ، وهتف مستنكرًا :
ـ أحبها ؟! حب إيه ؟! لأ طبعا .. وبعدين هو أنا ملقيتش غير المجنونة دي اللي أحبها، هو أنا ناقص جنان ؟!
زم فريد شفتيه ثم هز كتفيه بلا اكتراث وقال :
ـ ليه لأ ؟! المجانين بيرتاحوا مع بعض .. وانتوا الاتنين أجن من بعض .
شرد حسن، لم يتوقع أن يكون مكشوفًا إلى هذا الحد. كان يظن أن ما يفعله مجرد تصرفات عادية، مجاملات لا تتجاوز حدود اللياقة، نظرات عابرة لا تحمل معنى، اهتمامًا بريئًا لا يستدعي اسمًا ولا تعريفًا. بل كان يقنع نفسه بذلك بإصرار، كأن التسمية وحدها هي الخطر، وكأن الاعتراف بوجود إحساس ما سيجبره على مواجهته، وعلى اتخاذ موقف لم يكن مستعدًا له بعد.
في داخله، كان يرفض أن يمنح ذلك الشعور شكلًا واضحًا، أو أن يسمح له بأن يتجسد في مسمى محدد. لم يكن يريد أن يقول إنه اهتمام، ولا أن يعترف بأنه انجذاب، فضل أن يتركه معلقًا في منطقة رمادية مريحة، لا تُحاسِب ولا تُلزِم. كان يخشى أن يتحول الإحساس، إن نطق به، إلى حقيقة لا يمكن التراجع عنها.
أما فريد، فكان يرى كل ذلك بوضوح. رأى الارتباك الذي حاول حسن دفنه، ورأى المقاومة الصامتة في عينيه، تلك المقاومة التي لا تنكر الشعور بقدر ما ترفض الاعتراف به. لم يحتج إلى مزيد من الإلحاح؛ يكفيه أنه أيقن الآن أن ما في صدر حسن لم يعد خافيًا كما كان يظن، وأن القلب أحيانًا يفضح صاحبه قبل أن تفضحه الكلمات
هزّ حسن رأسه بقوة، رافضًا ذلك المسمّى رفضًا قاطعًا لا يقبل الجدل، وقد بدا إصراره واضحًا في ملامحه قبل كلماته :
ـ لا يا عم لا .. بلا حب بلا بطيخ ، أنا كده مَلك ، سلطان زماني وبرنس في نفسي ودماغي عالية على الآخر .. الحب ده سيبناه للناس الحساسة اللي زيك انت وأخوك أبو دمعة التاني.
ضحك فريد بهدوء، ثم أومأ موافقًا على طريقته، ووضع يده على كتف حسن في حركة ودّية تحمل مزيجًا من المزاح والنصيحة :
ـ ماشي يا أبو علي .. على العموم هو كاس وداير يعني .. مسيرك هتطب سواء دلوقتي أو بعد عشر سنين .. وأتمنى إن شاء الله إنك تجرب الحب اللي بجد ، لأنه أحلى إحساس في الوجود .
حسن رأسه مبتسمًا، غير آبهٍ بما قيل، فتابع فريد حديثه بنبرة أكثر هدوءًا، وكأنه يختتم النقاش :
ـ يلا أنا هسيبك وهطلع أرتاح لأني خلاص جبت أخري .. تصبح على خير .
ردّ عليه حسن بمرحٍ مبالغ فيه، لم يستطع كبحه :
ـ وانت من أهله يا نجف بنور يا سيد العرسان ..
ثم اندفع يردد بصوتٍ جهوري، قاصدًا المبالغة والاحتفال معًا، غير مكترث بمن قد يسمع :
ـ الفرحة المنتظرة .. فرحة عائلات مرسال ، يعني الباشا فريد مرسال، ابن الباشا سالم مرسال .. وسمعني سلام ذئاب الجبل ديب ديب ..
بلغ صوته مسامع كل من في الفيلا، على رأسهم فريد نفسه، الذي انفجر ضاحكًا وهو يهز رأسه في يأسٍ مستسلم من رعونة أخيه وعشوائيته المفرطة؛ تلك الصفات التي طالما أرهقته، لكنها — على الرغم من ذلك — صارت محببة إلى قلبه، كجزءٍ لا يتجزأ من شخصيته.
أما چيلان، فقد توارت خلف باب المطبخ، حريصةً على ألا يلمحها فريد. وقفت في مكانها متسمّرة، وقد انسحبت الدماء من وجهها دفعةً واحدة حين بلغ مسامعها حديث حسن، وكيف أنكر فكرة حبه لها ورفضها بحدّة جارحة.
لم تكن تدّعي أنها واقعة في غرامه، لكنها لم تعد قادرة على إنكار ذلك الانجذاب الخفي الذي بدأ يتسلل إلى قلبها في الآونة الأخيرة. وللمرة الثانية، وبشيء من السذاجة التي لامت نفسها عليها، وجدت نفسها تقع في الفخ ذاته، بعدما ظنت — عن حق — أنه يبادلها الاهتمام والانجذاب. فقد لمح لها مرارًا، بطرقٍ لم تكن غامضة، وهي لم تكن ساذجة إلى الحد الذي يختلط عليها الأمر.
لكن ما سمعته الآن بدّد كل شيء. طريقته في الإنكار، واستنكاره لفكرة أن يحبها، جاءت مهينة على نحوٍ جعلها تشعر وكأنها أقل شأنًا من أن تكون محل حب، أو دون المستوى الذي يليق به. عندها، لعنت قلبها في سرّها، ذلك القلب الذي تجرأ يومًا وفكّر أن يخفق لإنسانٍ بربري همجي كهذا.
وحين تأكدت أن فريد لن يلمحها، غادرت الفيلا متجهةً نحو سيارتها، متجاهلةً حسن تمامًا وكأن وجوده لم يعد يعني لها شيئًا.
ابتسم وهو يراها تمرّ، وبادر بعفوية :
ـ تحبي أوصلك بعربيتي ؟!
رمقته بنظرة حادة مشحونة بالغضب القديم، وأجابته ببرودٍ قاطع:
ـ ميرسي .. معايا عربية .
تركته خلفها واقفًا في مكانه، كأنه مغروس في الأرض كشجرة عيد ميلاد، يحدّث نفسه في حيرة عن تلك المزاجية المتقلبة، وكيف يمكن لحالها أن ينقلب في أقل من نصف ساعة. هزّ رأسه بيأسٍ وهو يتمتم ساخرًا:
— مجنونة بنت مجانين.
------------------------
طرق فريد باب غرفة زينب، وما إن فتحت حتى وقعت عيناه على نغم ممدّدة على الفراش خلفها. عقد حاجبيه في قلقٍ واضح، وسألها بلهجة يغلب عليها الاطمئنان الممزوج بالحذر:
ـ مالها نغم يا زينب..
حاولت زينب أن تُخفي ضيقها قدر الإمكان بعد ما قصّته عليها نغم، فأطلقت زفرة خفيفة، ثم أجابت بابتسامة مطمئنة :
ـ سلامتك يا حبيبي.. هي كويسه ما تقلقش. حست بس إنها دايخة شوية فقالت تنام وترتاح علشان بكره إن شاء الله يومها طويل ..
ازداد تعجبه، فعقد جبينه أكثر وهو يستفسر :
ـ هي ما أكلتش حاجه النهارده؟
بادرت زينب تطمئنه، محاولة أن تبدو واثقة، وكأن الأمر لا يستدعي القلق :
ـ لا متقلقش عليها.. عملت لها أكل وأكلت الحمد لله، هي كان نفسها تستناك لحد ما ترجع بس أنا اللي أصريت عليها تنام وترتاح .
هزّ رأسه بهدوء وقد بدا عليه شيء من الارتياح، ثم علّق بصوتٍ متعب :
ـ كويس إنها نامت.. ماهي بقالها كم يوم معايا في المستشفى مش بتعرف تنام.. على العموم أنا انا كمان فاصل شحن، هروح أنام .
بادرت زينب بعرضٍ حانٍ وقد لمحت الإرهاق واضحًا على ملامحه :
ـ طيب استنى أجيب لك تتعشى الاول..
رفض بلطف، وقد بلغ منه التعب حدّه :
ـ لا مش محتاج عشا.. هاخد شاور بس وأنام.. خلي بالك منها يا زينب.
ربّتت زينب على ذراعه في حنوٍّ أمومي، تؤكد له أن الأمر في مأمن :
ـ في عينيا يا حبيبي ما تقلقش ..
أشار نحو نغم بنظرة حريصة، وقال :
ـ غطيها كويس من فضلك ..
ابتسمت ابتسامة واسعة، وأومأت موافقة، وقالت:
ـ حاضر .. يلا روح انت ارتاح.. ربنا يعينك يا حبيبي ويفرح قلبك.
ربّت على ذراعها شاكرًا، ومنحها ابتسامة حانية قبل أن ينصرف إلى غرفته. وما إن دلف إليها حتى أسرع إلى الحمّام، أخذ دشًا سريعًا يزيح عنه إرهاق اليوم، ثم عاد ليسقط على فراشه مستسلمًا للنوم .
༺═────────────────═༻
في صباح اليوم التالي، اجتمعوا جميعًا حول مائدة الإفطار بأمرٍ صريح من سالم، الذي بدا وكأنه قرر أخيرًا استعادة صورةٍ قديمة طالما أحبها لنفسه؛ صورة ربّ العائلة الذي تلتف الخيوط كلها بين يديه.
جلس على رأس الطاولة، في المقعد الكبير المخصص له، وارتسمت على ملامحه مسحة رضا خفية، فذلك الموضع لطالما يمنحه الإحساس الذي لا يشبع: أنه صاحب القرار، وأن زمام العائلة ما زال في قبضته.
عن يمينه جلس حسن، بهدوئه المعتاد ونظرته التي تميل إلى المراقبة أكثر من المشاركة، وعن يساره عمر، متجهم الملامح، شارد الذهن، كأن حضوره جسد بلا روح. إلى جوار عمر جلست نادية، تحاول أن تبدو متماسكة رغم ما يعتمل في داخلها، بينما أخذت چيلان مكانها إلى جوارها، صامتة، تراقب الوجوه وكأنها تقرأ ما خلف الكلمات.
ساد صمت ثقيل فوق المائدة، صمت انتظار، فالكرسيان الخاليان كانا يعلنان غياب فريد ونغم، وبدونهما لم يبدأ أحد بتناول الطعام، كأن وجودهما شرط غير معلن لانطلاق هذا المشهد العائلي المتكلف.
لم يطل الانتظار كثيرًا، إذ فُتح الباب ودخل فريد يتقدّم نغم، وخلفهما زينب. توقفت الأحاديث، وتعلّقت الأنظار بهم، خاصة حين لم يتجه فريد إلى مقعده المعتاد المقابل لوالده، ألقوا ثلاثتهم تحية الصباح، ثم أدار فريد رأسه نحو زينب وقال بهدوءٍ يحمل دلالة واضحة:
— اتفضلي يا زينب … اقعدي هنا.
وأشار إلى الكرسي المقابل لرأس الطاولة، ذاك المقعد الذي كان مخصصًا له دومًا.
لحظة صمت خاطفة مرّت، لكنها كانت أثقل من الكلام. نظرت إليه زينب في تردد أول الأمر، فأومأ بهدوء، تنهدت ثم استقرت في المقعد، بينما اتخذ فريد مكانه عن يمينها ، في نفس الصف الذي يجلس فيه حسن، الذي نهض بدوره عارضًا على فريد أن ينتقل إلى مقعده بجوار والدهما، لكن فريد رفض رفضًا قاطعًا، فيما جلست نغم أمامه، عن شمال زينب .
وكأنه بذلك يعلن دون تصريح أن موازين البيت قد تغيّرت، وأن زينب لم تعد مجرد فرد من العائلة، بل صارت في مقامٍ يوازي مقام سالم نفسه.
ـ لاا .. مش للدرجة دي .
هتفت بها نادية بغيظ من بين أسنانها المحتشدة بالغضب، فقابلتها نظرة من حسن كلها تحذير جعلتها تصمت وتشيح بوجهها في انزعاج واضح .
بينما سالم والذي لم يقل انزعاجه عنها ولكنه حاول إخفاؤه قال بلهجة حادة بعض الشيء :
ـ يلا اتفضلوا افطروا ..
ساد الصمت مائدة الإفطار، صمتٌ ثقيل لا يقطعه سوى احتكاك أدوات الطعام الخافت، بينما كانت النظرات تتلاقى وتفترق في حذرٍ مكتوم، كأن لكلٍّ منهم حديثًا مؤجّلًا يخشى أن يُقال. وفي خضمّ ذلك السكون، وقعت عينا حسن على چيلان.
كانت جالسة أمام طبقها، تعبث بملعقتها دون أن تذوق شيئًا، ونظرتها معلّقة في الفراغ أكثر منها في الطعام، محمّلة بشرودٍ كئيب وحزنٍ لم تحاول إخفاءه.
أدرك حسن دون عناء أنّ أفكارها قد انسحبت إلى حيث أمّها، وإلى ما انكشف لها من حقائق أثقلت قلبها، كما أدرك أنها باقية في هذا البيت على غير رغبتها، أسيرة واجبها تجاه والدتها إلى أن تستعيد عافيتها.. ولم يدرك السبب الرئيسي في حالتها تلك؛ وهو سماعها لما قاله بالأمس.
تسلّل إليه إحساسٌ رقيق بالشفقة، لا شفقة ضعف بل شفقة قربٍ وإنسانية، فآلمه أن يراها غارقة في ذلك الصمت المنهك. أراد أن ينتشلها من شرودها، أن يفتح ثغرة صغيرة في جدار حزنها، فاستعاد ذكرى موقفٍ قديم، لكنّه أطلقها هذه المرة بنبرة مختلفة تمامًا… أقلّ حدّة، وأكثر خفّةً ومشاكسة لم تألفها منه من قبل.. فنظر إليها وقال:
ـ والنبي يا عروسة، ناوليني طبق البيض اللي قدامك ده.
التفتت چيلان نحوه على حين غِرّة، وقد استُدعيت إلى ذاكرتها صورة قديمة للموقف ذاته، حين كان يتعمّد استفزازها بنبرة تعرفها جيدًا وتحفظ حدّتها عن ظهر قلب. غير أن ما سمعته الآن لم يكن امتدادًا لتلك النبرة المألوفة؛ لم يحمل قصد الإيلام ولا رغبة الاستفزاز، بل جاء مشوبًا بمشاكسة هادئة، جديدة عليه، كأنها محاولة خجولة لمدّ يدٍ إلى روحها لا لإشعال غضبها.
لكنها في تلك اللحظة كانت أبعد ما تكون عن الهدوء؛ كانت غاضبة حدّ الحنق، يغلي صدرها بما لا يحتمل. راودتها رغبة عارمة في أن تقذفه بطبق البيض ليصطدم بوجهه ذي التعابير المستفزّة. رمقته بنظرة ضيقٍ أجّجت ضيقه، ثم مدّت يدها بالطبق نحوه في صمتٍ ثقيل أربكه؛ ليكتشف بدهشة أن محاولته انتشالها من كآبتها لم تُجدِ نفعًا، وأنها لم تكن هدفًا صائبًا كما ظنّ.
لفت المشهد أنظار الجميع دون استثناء، وكان فريد أول من التقط تلك اللحظة الصغيرة بما تحمله من دلالات خفية. ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة، لم يفلح في إخفائها مهما حاول؛ ابتسامة تشبه ابتسامة العارف، أو ذاك الواثق الذي تأكد أخيرًا مما كان يساوره في داخله منذ زمن. في تلك اللفتة البسيطة، وذلك التبادل العابر، رأى فريد ما لم يُقال صراحة: أن اهتمام حسن بڇيلان لم يعد مجرد إحساس عابر أو ظنٍ خافت، بل صار واضحًا، حاضرًا، يفرض نفسه على المشهد دون مواربة مهما حاول حسن أن ينكر ..
لقد بات الآن على يقين تام، دون أدنى شك، أن أخاه قد وقع أسيرًا لحبها، وانتهى الأمر .
وبينما خيّم الصمت على المائدة، وانشغل الجميع بتناول طعامهم، بادر سالم بكسره متسائلًا بنبرة هادئة:
ـ ها .. ناويين تعملوا إيه النهارده ؟! في ترتيبات لبكرة ولا لأ ؟!
هم فريد أن يجيبه، غير أن حسن سبقه بالكلام، متحمسًا كعادته، وكأن الفكرة كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر على لسانه :
ـ طبعا في ترتيبات كتير .. النهارده ليلة الحنة، يعني عاوزين نعمل سهرة حلوة كده بالليل ونجيب دي جي ، ونعزم الشباب ييجوا يهيصوا ويعملوا جو ..
كاد فريد يختنق بما في فمه، وتوقف الطعام في حلقه، قبل أن يلتفت إليه مصعوقًا بما سمع :
ـ إيه يبني اللي انت بتقوله ده ؟! ليلة حنة إيه وسهرة إيه .. مفيش الكلام ده هنا .
رفع حسن حاجبه في دهشة مصطنعة، وكأن ما يقترحه هو أبسط بديهيات الزواج :
ـ ليه إن شاء الله ، اومال تتجوزوا سوكيتي ؟! لأ طبعا ..
بينما زفر فريد بضيق واضح، وقد بدت عليه علامات الإرهاق واليأس وهو يقول:
ـ هنتجوز سوكيتي ازاي يعني، ما الفرح في الاوتيل والدنيا جميلة إن شاء الله ، سيبك إنت من التخاريف اللي بتقولها دي .
نظر إليه حسن بحدة متعمدة، وقال :
ـ تخاريف ؟! طب إيه قولك بقى أن احنا لازم كمان ندبح تلت أو أربع عجول علشان أهل كوم الأشراف يجوا ياخدوا واجبهم ويتغدوا قبل ما يروحوا على القاعه اللي فيها الفرح .
ليؤكد فريد موقفه بإصرار لا يقبل المساومة :
ـ ده في فرحك إن شاء الله اعمل اللي تعمله، إنما فرحي مستحيل أعمل فيه اللي بتقول عليه ده.
ثم صمت فريد لحظة، وقطب جبينه باستغراب، كأن فكرة الحاضرين لم يستوعبها عقله بعد، فقال:
ـ وبعدين تعالى هنا.. شباب مين دول اللي هييجوا يهيصوا ؟!
أجابه حسن بثقة راسخة، كأنه يتحدث عن أمر محسوم لا نقاش فيه :
ـ الشباب صحابي، ولاد منطقتي .
اتسعت عينا فريد دهشة، وبدت على وجهه علامات صدمة حقيقية :
ـ الكردي واسمه إيه التاني ده ؟!
أومأ حسن مؤكدًا، و واصل تعداد الأسماء بلا اكتراث :
ـ الكردي والقن وعبدالجليل ومحسن ومتولي وخليفة وأبو ليلى .
ثم التفت نحو عمر متعمدًا إشراكه في السخرية، وقذف بجملته الأخيرة وهو يغمز بعينه :
ـ واحتمال يجيب ليلى معاه تطري لنا القعدة .
لم يتمالك عمر نفسه، فانفجر ضاحكًا، يهز رأسه بيأس مستمتع بالمشهد، بينما تسللت ابتسامة نادرة إلى شفتي سالم، اكتفى معها بالصمت ومتابعة جدال ولديه، في حين اندفع فريد محتجًا بصوت قاطع :
ـ على جثتي ان ده يحصل ..
واسترسل في حديثه بحدة ممزوجة بالاستنكار، كأن كرامته الاجتماعية قد تعرضت لطعنة مباشرة :
ـ أنا فريد مرسال !!! رجل الأعمال المحترم اللي بجتمع بأكبر رجال الأعمال و بقادة المجتمع وبناقش معاهم قضايا مجتمعية واقتصادية وسياسية ، أعمل ليلة حنة وأجيب خليفة وأبو ليلى يهيصوا في فرحي ..
لم يفوّت حسن الفرصة، وأضاف جملته الأخيرة بنبرة زادت من اشتعال الموقف :
ـ واحتمال ليلى تيجي تطري لنا القعدة ..
مسح فريد وجهه بيده في ضيق ونفاد صبر، وأخذ يتمتم:
ـ يا الله.. يا ولي الصابرين .
ثم حسم الأمر بإيماءة قاطعة ::
ـ انسى .. مستحيل يحصل .
ـ سيبه يا فريد .
حينها تدخل سالم أخيرًا، فجذب صوته انتباه الجميع .
فكان حسن أول من استجاب، إذ نهض فورًا، منحنيا ليقبل رأس والده بحماس طفولي وهو يقول:
ـ الله عليك يا حجيجة .. هو ده الكلام .
ثم التفت إلى فريد منتصرًا، وكأن الحكم قد صدر لصالحه، وقال :
ـ قاللك سيبه يا فريد .
نظر فريد إلى والده غير مصدقا، وهتف باعتراض مجددًا :
ـ مستحيل، أنا لا يمكن أقبل بالمهزلة دي..
ولم يخلُ اعتراضه من سخرية لاذعة، أطلقها وهو يشيح بيده في الهواء :
ـ ناقص ألاقيك داخل الڤيلا راكب خيل وبيرقص على مزمار بلدي ..
بدت الدهشة على وجه حسن، قبل أن تتحول إلى حماسة عارمة، كمن وجد فكرة العمر :
ـ والله فكره .. ولو على الخيل فاحنا ملوك الخيل .. أجدع وأفخم خيل في المزرعة يحضر لأجل خاطر عيونك انت والعروسة ..
قاطع فريد اندفاعه بإشارة حادة من كفه، وصوته لم يخلُ من حدّة واضحة :
ـ ملكش دعوه بالعروسة، العروسة يومها كله بره النهارده مش فاضية للمسخرة وقلة القيمة اللي بتحكي فيها دي .
استنكر حسن الوصف، ورفع حاجبه مرة أخرى، قبل أن يلتقط قطعة خيار من الطبق، يدسها في فمه، وينهض معلنًا انسحابه بنبرة متظاهرة بالرضا :
ـ مسخرة ؟! بقا أنا بتاع مسخرة .. ماشي يا حبيب أخوك، مقبولة منك .
خلال ذلك كله، كانت چيلان تتابع المشهد بإنهاك، مسندة جبهتها إلى كفها، كأنها تشهد فصلاً عبثيًا لا نهاية له، بينما جلست والدتها إلى جوارها، تطالع حسن بنظرة ازدراء صريحة، وتتمتم بكلمة مقتضبة :
ـ local .
لم يفُت حسن ذلك، فاختلس نظرة جانبية إليها، ثم انحنى فجأة عبر المائدة، ما دفعها للتراجع خطوة إلى الخلف بفزع، بينما امتدت يده بهدوء يلتقط زيتونة من طبقها، وقال بنبرة ذات مغزى، ونظرة تحمل رسالة تفهمها جيدًا :
ـ لا مؤاخذه يا خالتي أم عمر .. بس مش عارف ليه الزيتون اللي في طبقك احسن من الزيتون اللي في طبقي ..
ثم استدار مبتعدًا، يرمق الحاضرين واحدًا تلو الآخر بنظرة سريعة، قبل أن يغمز لعمر وهو يلقي عبارته بنبرة خفيفة لا تخلو من التحفيز :
ـ على السريع يا حبيب أخوك.. ورانا ليلة طويلة عاوزين ننجز .
بادلَه عمر إيماءة ضاحكة، ونهض في الحال ليلحق به، بينما استأنف سالم الحديث بلهجة عملية حاسمة. :
ـ نفذ موضوع العجول ده .. وأنا هعزم العيلة دلوقتي ونبعتلهم باص كبير يجيبهم على هنا .
جمع فريد كفيه أمامه، وحدّق إلى الفراغ لحظةً كمن أثقله العجز، ثم التفت إلى والده وقد طفح انفعاله رغم محاولته ضبطه :
ـ أنا مش فاهم ، لزمتها إيه كل الهيصة دي ؟! وبعدين هو انت هتعزم العيلة كلها ؟!
أكّد سالم قراره بإيماءة واثقة، لا تعرف التردد :
ـ طبعا ..
عاد فريد للاعتراض، مستنكرًا الفكرة ومتعجبًا من اتساع دائرتها :
ـ على أساس إننا على علاقة بيهم يعني وبنروح ونيجي لبعض ؟! أنا معرفش حد فيهم غير شوية معدودين على صوابع الإيد الواحدة ..
لكن سالم ردّ بهدوء يحمل يقينًا أبويًا لا يقبل الجدل، وكأن الأمر محسوم من جانبه :
ـ بس أنا أعرفهم .. وبعدين أنت أول فرحتي، يعني لازم أعزمهم وييجوا يفرحوا معايا ويعرفوا افراحنا عاملة إزاي وشكلها إيه !!
لم يجد فريد ما يقوله، فاكتفى بهزة رأس يائسة، ثم نهض من مقعده، وأشار إلى نغم التي بقي طبقها كما هو، لم تمسّه يدها، فقال :
ـ يلا يا بنتي لو خلصتي خلينا نشوف ورانا إيه ؟!
نهضت نغم سريعًا، فأمسك فريد بيدها، ثم التفت إلى والده، ومنه إلى عمر وحسن الواقفين إلى جواره، وقال بنبرة استسلام واضحة :
ـ اللي انتوا عاوزين تعملوه اعملوه .. انشالله حتى تقلبوا البيت سيرك .
وغادرا المكان معًا، ليستقلا السيارة جنبًا إلى جنب. هناك، أطلق فريد زفرة طويلة مثقلة بالإرهاق، ومسح وجهه بضيق، قبل أن يلتفت إليها، فيلاحظ استمرار تلك الغمامة الثقيلة التي لم تفارق ملامحها منذ الصباح، فقال :
ـ ممكن أعرف بقا مالك من الصبح .. مش في المود انتي خالص النهارده .
تطلعت إليه بهدوء مصطنع، محاولة ألا تفضح ما يعتمل في صدرها :
ـ مفيش حاجه يا حبيبي ، أنا كويسة .
لم يقتنع، فجاء ردّه أكثر إلحاحًا، مشوبًا بالقلق الصادق:
ـ لأ طبعا مش كويسة، قوليلي فيكي إيه يا نغم لو سمحتي !!
تنهدت بعمق، وبذلت جهدًا واضحًا لإخفاء حزنها عنه، ثم أجابت بنبرة حاولت أن تبدو مطمئنة، وإن خانها شيء من الوهن :
ـ صدقني أنا تمام، كل الحكاية إني مصدعة ومتوترة شوية علشان كده مودي ملخبط .. بس أنا تمام .
لم يقتنع تمامًا، لكنّه آثر ألّا يضغط عليها أكثر. كان يدرك، بحكم قرب الموعد، أنّ ما تمرّ به ليس غريبًا ولا مستهجنًا؛ فكل عروس، حين تقترب لحظة زفافها، تثقلها التفاصيل وتتشابك في رأسها الأفكار. توتّرٌ مشروع، وقلقٌ طبيعي، وأسئلة لا تنتهي عن الغد، وعن المسؤولية، وعن الحياة الجديدة التي توشك أن تبدأ.
أقنع نفسه بأن ما يراه على ملامحها ليس إلا انعكاسًا لذلك الحمل النفسي، وأن انطفاءها المؤقّت لا يحمل في طيّاته ما يستدعي الخوف. هي فقط مرهقة، مثقلة بالتفكير، تحاول أن تبدو ثابتة بينما تعصف بها مشاعر متداخلة لا تعرف كيف ترتّبها.
تأمّلها لحظة، وقد راوده شعور خفيّ بالقلق، ثم بادرها بسؤالٍ مباشر، نبرته لا تخلو من حنوّ واهتمام :
ـ طيب ليه مأكلتيش ؟! الأكل مش عاجبك ؟!
رفعت عينيها إليه، وزفرت زفرة مثقلة بالتعب، ثم أجابته بصوتٍ خافت:
ـ لأ طبعا الأكل حلو جدا .. أنا اللي معدتي مش متحملة حاجة .
ضيّق عينيه قليلًا، كأن الشك تسلّل إلى ذهنه، واقترب منها خطوة واحدة، ثم أمسك يديها بين كفّيه، وسألها بنبرة ناعمة مشبعة بالرفق:
ـ نغم.. ده وقت الـ period مش كده ؟!
أشاحت بوجهها في ضيق واضح، فمدّ يده برفق وأعاد وجهها إليه، قائلًا بنبرة آمرة خفيفة:
ـ بصّي لي هنا..
نظرت إليه على مضض، فتابع وهو يبتسم ابتسامة هادئة:
ـ أكيد إنتِ مش مكسوفة يعني..
فانفجرت بنبرة حانقة، وقد فاض بها الانزعاج:
ـ ومين اللي أكد لك ؟!
ردّ عليها بثباتٍ وطمأنينة:
ـ لأن مينفعش تتكسفي مني أبدًا، وبعدين إيه المخجل في السؤال ؟!
أطلقت زفرة طويلة، وأسقطت رأسها للخلف في إنهاك، ثم مرّرت راحة يدها على جبينها كمن يحاول تخفيف صداعٍ عنيد، وهزّت رأسها بإيجاز وهي تقول:
ـ لأ يا فريد.. مش كده.. كل الحكاية إني متوترة وتعبانة شوية، أعصابي مشدودة، ويمكن بفكر في بكرة.
تنفّس بعمق، ثم جذبها إليه فجأة، ليحتويها بين ذراعيه بعناقٍ دافئ. فبادلتْه العناق بقوةٍ أكبر، كأنها تتشبّث به اتّقاءً لانهيارٍ وشيك. راح يمرّر يده على شعرها بحنانٍ بالغ، ويتمتم قرب أذنها:
ـ طيب متقلقيش.. بلاش توتري نفسك على الفاضي. بكرة زي النهارده زي بعده، يوم عادي جدًا، مفيش فيه أي حاجة تقلق أو تخوّف. الفرح هيعدّي على خير إن شاء الله، وبعد الفرح هنسافر أثينا، ولما نوصل بإذن الله كل حاجة هتكون تمام ومترتبة.
أومأت وهي تزداد التصاقًا به، تستمد من قربه بعض الطمأنينة التي افتقدتها. ابتعد قليلًا، ثم طبع قبلة دافئة على جبينها، وقال بصوتٍ منخفض:
ـ وأكيد مش محتاج أقولك متفكريش في أي حاجة تانية يعني.. أنا وإنتِ روحنا في بعض .. يعني أي حاجه هتحصل هتكون بالحب وبس ..
ومسح بإبهاميه على وجنتيها وهو يضيف :
ـ متفكريش كتير .
لن تُنكر أنّ كل تلك الجوانب كانت قد شغلت حيّزًا من تفكيرها بالفعل؛ فهي، مثل أيّ فتاةٍ في موضعها، وجدت نفسها تفكّر في يوم الغد الذي من المفترض أن تصبح فيه زوجة فريد قولًا وفعلًا. عقلها القليل الخبرة لم يُسعفها في كبح تلك الأفكار، ولا في منع نفسها من الانجراف نحو التساؤلات الطبيعية عن حياتها الجديدة، ولا سيّما جانبها الحميمي. نعم، فكّرت في كل ذلك، ولم تُنكر.
لكن، ورغم زحام تلك الهواجس، كانت الحقيقة الأعمق والأثقل أن السبب الرئيسي لحالتها المضطربة لم يكن رهبة الزواج بقدر ما كان صدى مواجهتها مع سالم في الأمس؛ تلك المواجهة التي تركت في داخلها أثرًا غائرًا، لم تفلح كل محاولات التماسك في محوه، وظلّ يضغط على صدرها بصمتٍ خانق .
ـ خلاص ؟!
أومأت بخفّة، محاولةً أن تبدو مطمئنة، فتابع بنبرةٍ أخفّ وقعًا:
ـ تمام… يلا بينا، أنا محضّر لك مفاجأة هتعجبك جدا .
قطّبت نغم جبينها في تساؤل، والتفتت إليه بنظرةٍ حائرة:
ـ مفاجأة إيه ؟!
ضحك ضحكة قصيرة، ثم ألقى عليها نظرة جانبية وهو يقود بثبات، وقال وكأنه يلقي سرًّا:
ـ حجزت لك سويت في الاوتيل هيكون خاص بيكي النهارده وبكرة .. بكرة طبعا علشان تجهزي فيه للفرح ، والنهاردة علشان تعملي refresh كده وتفوقي وتكوني أحسن .. هيقضوا معاكي اليوم من أوله، ( ساونا، مساج، سبا، ماسكات ) يعني تجهيزات من بتاعة العرايس دي .
تنهدت بضيق طفيف وقالت :
ـ طيب ليه معرفتنيش من بدري، كنت على الأقل جبت زينب معايا ..
التفت إليها بحدة وأجاب :
ـ تجيبي زينب معاكي فين ؟ هو انتي طالعة رحلة القناطر الخيرية ؟! بقولك تجهيزات للعروسة ..
ثم تنهد بيأس وتابع :
ـ على العموم بعد ما تخلصي خالص هجيبلك زينب ونسيم، ومشرفات الدار، ليلى وميرال وإيمان، حجزت لكم جناح خاص متصل بالسويت علشان تعملوا فيه ليلة الحنة بتاعتك .
نظرت إليه بدهشةٍ صادقة؛ فقد أدركت في تلك اللحظة أنه لم ينسَ شيئًا على الإطلاق، ولم تفته أدقّ التفاصيل، وكأن ذاكرتها صارت جزءًا من ذاكرته، واهتمامها أولوية لا مجال لإهمالها. لم يُقصّر، ولم يتغافل، ولم يترك فراغًا واحدًا يمكن للقلق أن يتسلّل منه إلى قلبها.
شعرت أن ما فعله لم يكن مجرد ترتيبات عرس، بل رسالة طمأنة خفيّة، يخبرها فيها أنه حاضر، منتبه، ويعرف جيدًا كيف يحتوي ارتباكها قبل أن تنطق به..
وفي تلك اللحظة، لم يسعها إلا أن تحبه أكثر؛ حبًّا هادئًا عميقًا، شعرت أن هذا الرجل لا يُتقن فقط قول الكلمات، بل يُجيد فعلها، وأن قربه ليس اندفاعًا عابرًا بل أمانٌ مستقرّ .
انفرج صدرها على اتساعه، وتراجعت مخاوفها خطوةً إلى الخلف، كأنها وجدت في حضوره ملاذًا من كل ما أقلقها منذ الأمس. أحسّت أن ثقل المواجهات، وحدّة الكلمات، وارتباك الغد، كلها باتت أهون ما دامت تمسك بيده، وتثق أن خلف هذه اليد قلبًا لا يخذل، وكتفًا لا يميل.
أدار كاسيت السيارة ليصدح منه نغمًا تعرفه، بل وتعشقه، أغنية تحبها، وتتعجب من أين عرف أنها تحبها ..
انسابت موسيقاها الهادئة إلى آذناها، فابتسمت وهي تنظر إلى فريد الذي أخذ يردد كلمات الأغنية معها ..
ـ النهار ده بوعدك
لا هنام ولا تغمض عينيّ
غير لما أجي لك وأعوضك
وتشوفي حب الدنيا فيّ
جاي عشان دلوقتي أقول لك
إن بعدك مش بعيش
ممكن أنسى أي حاجة
لكن إنت متتنسيش
لم تستطع أمام كلماته إلا أن تبتسم، ابتسامة خجولة خرجت منها على استحياء، كأنها اعتراف صامت بكل ما لم تُحسن قوله.
أما هو، فقد ظلّ يتأمل تلك الابتسامة طويلًا، يتفرّس في ملامحها كما لو كان يراها للمرة الأولى، أو كأن الزمن قرر أن يتباطأ عند هذه اللحظة تحديدًا.
وفي داخله، كان شعور دافئ يتصاعد دون استئذان… حماسٌ مكتوم، وارتباك جميل، وحنين استباقي لشيء لم يبدأ بعد. تذكّر فجأة، وبوضوحٍ كاد يربكه، أن هذا اليوم ليس كغيره، هذه الليلة ستنقلب الحكاية إلى صفحةً جديدة.
غدًا لن يكون مجرد يوم عابر، بل حدًّا فاصلًا بين انتظارٍ طال، ووصالٍ طالما حلم به.
غدًا ستنتهي رحلة الشوق بكل ما حملته من صبرٍ ولهفة، وستبدأ رحلة أخرى، أكثر عمقًا، أقل خوفًا، وأكثر التزامًا..
أكثر عشقًا، أكثر هيامًا، وأكثر سعادة ..
غدًا لن تعود مجرد امرأة يشتاق إليها، بل ستصبح وطنه المعلن، ورفيقة دربه، والاسم الذي سيُنادى به قلبه قبل لسانه.
غدا ستنتهي كل الآلام .. وسيبدأون عهدا جديدا مع أجمل الأحلام .
༺═──────────────═༻
#يتبع
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق