القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

قصه حفيدي المفقود كامله 




قصه حفيدي المفقود


“يا تيتا.. الحقيني.” – كنت لسه دافنة حفيدي اللي عنده ٨ سنين الصبح، وعشان كده لما خبط طفل غرقان في طينه على بابي بالليل، الـ,ـكذبة اللي أجبرونا نصدقها كلنا اتهدت في لحظة.

يوم ما دفنا حفيدي، كانت السما مغيمة ولونها رصاصي كئيب، كأن الدنيا كلها بتضـ,ـغط على صدري، وكل نَفَس باخده كان بيفكرني إن في حاجة انكـ,ـسرت وماينفعش تتصلح، وإن لا التمني ولا الدعا هيرجعه تاني. كان عندي وقتها اتنين وسبعين سنة، وكنت فاكرة إني خلاص فهمت يعني إيه حـ,ـزن؛ ما أنا دفنت جوزي، وأصحابي، وحتى أبويا وأمي. بس مفيش حاجة في الدنيا جهزتني لثقل النعش الصغير الأبيض ده، ولا للصوت اللي عمله وهو نازل الترب، ولا لركبي اللي خانتني ومبقتش شايلاني والشيخ بينطق اسم حفيدي وبيعلن إن خلاص.. الحكاية خلصت.

كان اسمه “زياد”. ٨ سنين. كان طفل فضولي، دمـ,ـاغه ناشفة، وهادي هدوء بيخلي ليه هيبة. كان بيحب الديناصورات وسندوتشات الحلاوة بالقشطة بس لازم أشيل “الأطراف” بتاعة الفينو. كان بيقعد على طاولة المطبخ يحل الواجب وهو بيدندن لحن مش مفهوم، وكنت بتظاهر إني متضايقة من الصوت وأنا في سري بحفظ اللحن ده، كأن قلبي كان حاسس إن اللحظات دي هشة وممكن تضيع.

قالوا لنا إنه غرق.

> الكاتبه نور محمد

دي كانت الرواية الرسمية. تاه جنب الترعة اللي ورا المنطقة الصناعية القديمة، اتزحلق، دمـ,ـاغه اتخبطت، والمية سحبته لمكان بعيد. لما لقوه، كان الأوان فات. ده كلام الشرطة، وده اللي أكده التقرير الطبي. كان معاهم صور وتقارير رفضت أبص عليها، وكلام من نوعية “يتطابق مع” و”مفيش علامات مقاومة”.

“منى”، مامت زياد، كانت واقفة جنبه عند الترب. كانت لابسة نضارة سودة رغم إن مفيش شمس، ومربعة إيديها وضماهم لصدرها بقوة. معيطتش ولا دمعة. لما الناس كانت بتواسيها، كانت بتتخشب في مكانها، تهز راسها، وتبعد. سمعت حد بيوشوش إنها “في حالة صدمة”. قلت لنفسي إن كل واحد بيحـ,ـزن بطريقته.

ابني “أحمد” تـ,ـوفى من تلات سنين في حادثة شغل، وده معناه إن “منى” كانت كل اللي فاضل لزياد وليا. كنت عايزة أصدق إنها بتحبه.. كنت محتاجة أصدق ده عشان أقدر أكمل.

بعد الدفن، وبعد ما الناس مشيت والبيوت رجعت لسكوتها، رجعت بيتي لوحدي. حسيت إن البيت وسع عليا أوي فجأة.. مفيش كوتشي زياد المرمي عند الباب، ولا شنطته اللي كان بيحدفها في الطرقة. فضلت واقفة أبص على شماعة الهدوم، وبسأل نفسي هو ليه السكوت صوته عالي وموجع للدرجة دي؟

> الكاتبه نور محمد

وفجأة.. سمعت خبطة خفيفة.

ماكانتش خبطة حد مستني حد يفتح له، كانت خبطة مترددة، مش منتظمة، كأن اللي واقف برا مش متأكد هو موجود فعلاً ولا لأ.

فتحت الباب.

لقيت طفل صغير واقف على العتبة، بيتنفض من البرد، وطين ناشف مغطيه من راسه لرجله. شعره كان منكوش، وهدومه متبهدلة ومقطوعة، وحافي من غير جزمة. في اللحظة دي، عقلي وقف عن التفكير.. الحـ,ـزن بيخلي الواحد يفقد المنطق.

بعدين رفع راسه وبص لي.

همس وقال: “يا تيتا.. الحقيني.”

#الكاتبه_نور_محمد

سحبت “زياد” لداخل البيت بسرعة، وكأني بسرق روحي من المـ,ـوت. قفلت الباب بالمفتاح، وإيدي بتترعش لدرجة إن المفتاح وقع مني مرتين. بصيت له.. كان حقيقي. ملمس إيده الساقعة كان حقيقي، ريحة طين الترعة اللي مالية هدومه كانت حقيقية، وحتى نَفَسه العالي المخطوف كان مالي المكان.

“زياد؟ يا حبيبي.. إنت مين؟ وإيه اللي حصل؟” سألته وأنا بمسح الطين عن وشه بكلمات مش مفهومة.

بص لي بعيون مـ,ـرعوبة وقال وصوته بيرجح: “ماما.. ماما كانت عايزة تنيمني يا تيتا. قالت لي هنلعب لعبة الغطس في الترعة.. ولما بدأت أغرق، هي فضلت واقفة تتفرج. أنا طلعت يا تيتا.. طلعت بالعافية واستخبيت في المخازن القديمة.. أنا خايف منها أوي.”

الدنيا لفت بيا. لو ده زياد.. أومال مين اللي أنا لسه دافناه الصبح؟ ومين اللي اتعرفت عليه أمه في المشرحة وحلفت إنه ابنها؟ فجأة، سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت. قلبي وقع في رجلي. دي عربية “منى”.

“زياد، ادخل تحت السـ,ـرير في أوضتي وماتطلعش نَفَس مهما حصل!”

> الكاتبه نور محمد

خبّيته ودخلت المطبخ، حاولت أبين إني طبيعية وأنا بمسح آثار الطين من على الأرض بلهفة. خبط الباب.. خبطة قوية، واثقة، باردة. فتحت، لقيت منى واقفة، لسه بنضارتها السودة وشكلها اللي مابينطقش.

دخلت من غير سلام وقالت بنبرة غريبة: “حماتي.. أنا حسيت إني مش قادرة أقعد في البيت لوحدي. قلت آجي أبص عليكي.. هو إنتي ليه قالعة جزمتك ومنورة أنوار البيت كلها كأنك مستنية حد؟”

عينيها كانت بتدور في الصالة زي الرادار. “عادي يا منى، الحـ,ـزن مابينيمش.. تعالي اشربي حاجة دافية.”

قعدت منى، وفجأة عينيها ثبتت على الأرض. كان في “فردة كوتشي” صغيرة، غرقانة طين، زياد نسيها تحت الكنبة. شفت ملامحها بتتغير.. البرود اللي كان على وشها اتحول لشرّ مرعـ,ـب. ضحكت ضحكة صفرا وقالت: “هو لسه بيطاردنا يا حماتي؟ حتى بعد ما خلصت منه؟”

وقفت وقربت مني، وصوتها بقى فحيح أفعى: “أنا عارفة إنه هنا. زياد مابيعرفش يروح لحته غير ليكي. والطفل الغلبان اللي سرقته من ملجأ ولبسته هدوم زياد ورميته في الترعة عشان آخد فلوس التأمين وأخلص من حمل “أحمد” اللي سابهولي.. الطفل ده كان كفاية أوي عشان الكل يصدق.”

في اللحظة دي، منى طلعت سكينة صغيرة من شنطتها وقالت: “أنا مش هسمح ليكي ولا ليه تبوظوا لي حياتي الجديدة.”

وقبل ما تتحرك خطوة واحدة، النور قطع. صرخت منى وهي بتدور عليا في الضلمة، بس أنا كنت حافظة بيتي شبر شبر. سحبت فازة تقيلة من على الترابيزة وخبطتها بكل قوتي على راسها. وقعت منى مغمي عليها.

طلبت الشرطة وأنا بضم زياد لحضني وببكي.. مكنتش عارفة أبكي من الفرحة إنه عايش، ولا من الرعـ,ـب من الست اللي كانت هتمـ,ـوته.

النهاية:

بعد التحقيقات، اتكشفت اللعبة كلها. “منى” كانت مديرة حسابات في شركة تأمين، وخططت لكل حاجة عشان تاخد مبلغ ضخم، واستغلت طفل يتيم ملوش أهل وشبه زياد عشان تنفذ جريمتها البشعة.

زياد رجع لي، والمرة دي النعش الصغير الأبيض مابقاش فيه حد، لأننا طلعنا الطفل المظلوم ودفناه باسمه الحقيقي وخدنا حقه.

دلوقتي، زياد قاعد على نفس طاولة المطبخ، مابياكلش سندوتشات حلاوة، بس بياكل “محشي ورق عنب” وبيدندن نفس اللحن بتاعه.. وأنا المرة دي مش بتظاهر بالضيق، أنا بسجل اللحن ده في قلبي، وبحمد ربنا إن “الطرق على الباب” المرة دي.. رجّع لي الروح.

#الكاتبه_نور_محمد

لو عجبتك النهايه ادعمها بلايك وكومنت للاستمرار مع تحياتي الكاتبه نور محمد


تعليقات

التنقل السريع
    close