تزوّجته وهو فقير… فاكتشفت يوم زفافها أنه ملياردير!
تزوّجته وهو فقير… فاكتشفت يوم زفافها أنه ملياردير!
كان لانس واقفا على جانب الطريق يتصبب عرقا يتظاهر بالعبث في دراجته القديمة.
كانت الشمس في كبد السماء والغبار يملأ الهواء وفي أعماقه شعور غريب بالقلق ليس بسبب الجوع بل خوفا من الجواب الذي قد يسمعه من ميا.
قال بصوت خافت
ميا يبدو أن الدراجة تعطلت تماما. أعتذر وليس معي مال الآن.
توقفت ميا لحظة. نظرت إلى الدراجة ثم إلى لانس. بدا الإرهاق واضحا على وجهه أو هكذا خيل إليه.
في داخل لانس كان مستعدا لسماع شكوى أو لأن يرى ميا تبتعد بصمت.
لكن بدل ذلك ابتسمت ميا.
قالت بهدوء
لا بأس. هل تناولت طعامك
اتسعت عينا لانس دهشة.
في الحقيقة لا.
لم تقل ميا شيئا. فتحت الحقيبة القماشية التي تحملها وأخرجت منها علبة صغيرة من الأرز وقطعة سمك مقلية كأنها تكفي شخصا واحدا فقط.
قالت وهي تمدها نحوه
هذا طعامي لليوم لنتقاسمه.
شعر لانس بشيء يضغط على صدره.
ميا هذا كل ما لديك.
أجابت بسرعة رغم أن نبرتها خانتها
أنا شبعانة. ثم إن الطعام يكون ألذ حين نتقاسمه.
جلسا في ظل شجرة قريبة.
اقتسما الأرز.
اقتسما السمك.
واقتسما لحظة صمت امتلأت بمعان لا تقال.
وأثناء الأكل لاحظ لانس أن ميا تأكل أقل منه. ومع كل لقمة كان يدرك أكثر أن هذه المرأة لا تنظر إلى ما يملكه بل إلى من يكون.
سألها بنبرة مازحة يخفي بها توتره
ألا تخافين ماذا لو عشت معي هكذا طوال حياتك
نظرت إليه مباشرة بثبات وصدق
أخاف أكثر أن أحب رجلا غنيا بلا قلب أكثر من أن أحب رجلا
فقيرا لكنه صادق.
لم يستطع لانس الرد.
في تلك الليلة لم يغمض له جفن.
كان مستلقيا في الغرفة الصغيرة التي يستأجرها يفكر في كل شيء شركته اجتماعات مجلس الإدارة النساء اللواتي ابتعدن عنه حين لم يجدن رفاهية سريعة.
ثم فكر في ميا التي تعطي حتى وهي لا تملك شيئا.
همس لنفسه
هي هي المرأة التي أبحث عنها.
مرت الشهور وازدادت علاقتهما قوة.
ورغم حياته الحقيقية كرئيس تنفيذي أصبح لانس أكثر اجتهادا في دوره كسائق.
كان يستيقظ باكرا يساعد في السوق ويتقرب من أهل القرية حتى صار واحدا منهم.
لكن ليس الجميع كان سعيدا.
في إحدى الليالي وجد لانس ميا تبكي خلف المنزل.
قال بقلق
ماذا حدث
قالت وهي تنتحب
اليوم قالت لي خالتي تشايونغ إنني إن تزوجتك سأضطر لإعالتك طوال حياتي وإنك ستكون عبئا علي.
شد لانس قبضته.
أراد أن يصرخ بالحقيقة.
أراد أن يقول إنه يستطيع شراء القرية بأكملها إن أراد.
لكنه تمالك نفسه.
قال بهدوء
أنا آسف إن كان ما يحدث لك بسببي
قاطعته ميا بحزم
أنا لا أخجل منك. وإن استغرب الناس فذلك شأنهم. أنا أحبك يا لانس مهما كنت.
في تلك اللحظة حسم لانس قراره.
وجاء يوم الزفاف.
وفق ما كانت تعرفه القرية بدا كل شيء بسيطا إلى حد يدعو للشفقة.
كنيسة صغيرة قديمة جدرانها باهتة ومقاعدها الخشبية شاهدة على أعراس متواضعة كثيرة.
لا زينة فاخرة ولا موائد عامرة ولا موسيقى صاخبة.
قيل إن لانس لم يملك سوى بارونغ بسيط استعاره من أحد أصدقائه
وإن ميا سترتدي فستانا أبيض خاطته لها إحدى الجارات بخيط صادق لكنه رخيص.
تجمع أهل القرية منذ الصباح بعضهم بدافع الفضول وبعضهم بدافع الشفقة وآخرون بدافع السخرية الصامتة التي لا تقال إلا همسا.
مسكينة ميا
جمالها ضاع هباء
كان يمكنها أن تتزوج أفضل من هذا السائق
همسات تتطاير في الهواء ممزوجة بنظرات تحمل أحكاما جاهزة لا تعرف الرحمة.
خارج الكنيسة كان لانس يقف وحده.
رأسه مطأطأ قليلا وكأن القلق يثقله أو كأنه يراجع في داخله رحلة طويلة انتهت عند هذه اللحظة.
في جيبه صندوق صغير بسيط المظهر لكنه أثقل من كل ما امتلكه في حياته.
داخل الصندوق خاتم لم يكن ثمنه هو القيمة الحقيقية بل الصدق الذي قدم به.
مرت ثوان بدت كأنها دقائق
وفجأة شق السماء صوت غريب غير مألوف في قرية اعتادت على صياح الديكة لا هدير المحركات.
ووووش ووووش
توقفت الهمسات.
رفع الجميع رؤوسهم دفعة واحدة.
كانت طائرة مروحية تهبط ببطء وسط الحقول الخضراء على بعد أمتار قليلة من الكنيسة.
ارتفع الغبار في الهواء صرخ الأطفال بدهشة وفرح وتجمد الكبار في أماكنهم لا يصدقون ما يرونه.
نزل من المروحية رجل أنيق يرتدي بدلة سوداء مصقولة بعناية يحمل ملفا جلديا بين يديه.
تقدم بخطوات واثقة نحو لانس ثم انحنى احتراما وقال بصوت مسموع
سيدي كل شيء جاهز.
في تلك اللحظة رفع لانس رأسه.
لم يعد ذلك الشاب المنكسر الذي اعتاد الناس رؤيته.
استقام ظهره وثبتت قامته وكأن الحمل
الذي كان يخفيه قد زال فجأة.
خلع الحذاء البالي الذي لطالما استهانوا به وارتدى حذاء أسود لامعا.
نزع السترة القديمة فإذا تحته بارونغ فاخر أنيق يعكس مكانة لم يتوقعها أحد.
عمت الفوضى بين الناس.
أليس هذا لانس
من أين جاءت هذه المروحية
لماذا ينادونه سيدي
دخل لانس الكنيسة بخطوات هادئة لكنها حاسمة.
توقفت الموسيقى فجأة.
التفتت جميع الرؤوس نحوه وتعلقت به العيون بما فيها عينا ميا التي شحب وجهها واتسعت عيناها من شدة الذهول.
تقدم لانس نحوها ثم ركع أمامها غير آبه بالأنظار ولا بالهمسات.
قال بصوت واضح ثابت لا يحمل أدنى تردد كمن قرر أخيرا أن يقول الحقيقة كاملة مهما كان ثمنها
ميا اسمي لانس فيلاريال. أنا الرئيس التنفيذي لشركة سكايلاين للطيران. نعم أنا ملياردير.
تردد صدى كلماته في أرجاء الكنيسة الصغيرة وكأن الجدران نفسها لم تستوعب ما قيل بعد.
تجمدت الهمسات وتوقفت الأنفاس وتعلقت العيون به في ذهول.
ثم سكت لانس لحظة قصيرة لحظة بدا فيها وكأنه يترك للعالم فرصة أن يلتقط أنفاسه قبل أن يضيف بصوت أعمق أصدق يحمل كل ما لم يقله من قبل
لكن الأهم من كل ذلك أنا الرجل الذي أحببته حين ظننت أنني لا أملك شيئا سوى قلبي ولا أقدم لك إلا صدقي وتعب يومي وطعاما اقتسمناه في ظل شجرة.
رفعت ميا يدها إلى فمها كأنها تحاول حبس دموع انفجرت دفعة واحدة.
انهمرت الدموع بلا توقف دموع صدمة لم تكن تتوقعها ودموع امتنان لأنها لم تخدع في
قلبها ودموع صدق لأنها أدركت أن اختيارها كان نابعا من أعماقها.
تابع لانس وصوته لا يرتجف لكنه
يحمل ثقل اعتراف طويل أخفاه لوقت طال
اختبرتك نعم لكنني لم أفعل ذلك لأهينك أو لأقلل منك. فعلته لأنني كنت خائفا. خائفا من أن أحب مرة أخرى لأسباب خاطئة. وأنت أنت أثبت لي أن حبك لم يكن يوما مرتبطا بالمال ولا بالمظاهر ولا بما أملك أو لا أملك.
تقدم خطوة صغيرة وكأنه يقترب لا بجسده فقط بل بروحه أيضا ثم قال
لذلك لا بصفتي رئيسا تنفيذيا ولا بصفتي صاحب طائرة مروحية ولا رجل أعمال يعرفه الناس بل بصفتي الرجل الذي شاركته طعامك القليل وصبرت معه في أيامه القاسية وأحببته وهو لا يملك إلا اسمه أطلب منك الآن من أعماق قلبي أن تتزوجيني.
ساد الصمت في الكنيسة.
لم يكن صمتا عابرا ولا فراغا مؤقتا بين كلمتين بل كان صمتا حيا ثقيلا نابضا بما لا يقال.
صمت بدا كأنه تمدد في المكان تسلل إلى المقاعد الخشبية وارتد عن الجدران القديمة واستقر في صدور الحاضرين جميعا.
كان صمت دهشة
وصمت انكسار
وصمت وعي متأخر.
انكسرت في تلك اللحظة أحكام صنعت على عجل وسقطت نظرات ازدراء ظن أصحابها أنهم على حق وتهشمت قناعات بنيت على المظاهر لا على الجوهر.
كان صمتا يحمل ثقل حقيقة ظهرت فجأة بلا تمهيد وبلا مجاملة.
نظرت ميا إليه طويلا.
لم تكن نظرة فتاة فاجأها المال ولا امرأة أربكتها المظاهر
ولا عروسا أدهشها حدث غير متوقع.
كانت نظرة امرأة تعود بذاكرتها دفعة واحدة إلى كل ما عبرته في هذه الرحلة.
رأت الطريق الترابي الطويل الذي كانت تسير فيه تحت الشمس أو المطر.
رأت الدراجة القديمة صوتها المزعج ومقعدها القاسي.
تذكرت الطعام القليل الذي اقتسماه بلا تذمر والضحكة التي كانت تخرج رغم التعب.
تذكرت السخرية التي سمعتها والنظرات التي لاحقتها والكلمات الجارحة التي حاولت أن تهز ثقتها.
وتذكرت قبل كل شيء تلك الجملة التي قالتها يوما لا بدافع الدفاع عن نفسها ولا رغبة في إثبات شيء لأحد بل بصدق نابع من أعماق قلبها صدق لا يعرف التزييف ولا المساومة
الحب لا يقاس بالمال.
كانت قد قالتها حين لم يكن أحد يصفق لها وحين لم يكن في الأفق مروحية ولا بدلات فاخرة ولا أسماء كبيرة.
قالتها وهي تقف في وجه السخرية والشفقة والنصائح الجارحة التي تقدم على هيئة خوف زائف.
قالتها لأنها كانت تؤمن بها لا لأنها أرادت أن تبدو قوية.
وفي تلك اللحظة مرت كل الذكريات في عينيها دفعة واحدة.
لم تمر كصور متفرقة بل كحكاية كاملة اختصر فيها الزمن نفسه كأن السنين انحنت احتراما لذلك الصدق الذي لم يتغير.
رأت نفسها تسير في الطرقات الترابية تحمل هم يومها وتبتسم رغم التعب.
رأت
الدراجة القديمة وصوتها الذي كان يزعج الجميع إلا قلبها.
تذكرت الطعام القليل الذي اقتسمته دون حساب والكلمات البسيطة التي قيلت دون وعود كبيرة.
تذكرت كيف اختارت أن تحب لا لأن الظروف كانت سهلة بل لأنها كانت صادقة.
أومأت برأسها ببطء.
ليس لأن القرار كان صعبا فهي لم تحتج يوما إلى قرار في حبه
بل لأن المشاعر كانت أكبر من أن تقال بسرعة وأعمق من أن تختصر في كلمة واحدة.
انحدرت دموعها على خديها دموع لم تحمل حزنا ولا ارتباكا
بل حملت يقينا عميقا وطمأنينة امرأة أدركت أخيرا أن قلبها لم يخنها وأن حدسها كان صادقا منذ البداية.
كانت دموع تصالح مع الذات
ودموع امتنان لرحلة لم تكن سهلة
ودموع اعتراف بأن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى دليل سوى الاستمرار.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة ناعمة خالية من أي تكلف أو ادعاء.
ابتسامة من عرفت ماذا تريد ومن اختارت دون ندم.
وقالت بصوت مبحوح اختلط فيه البكاء بالسكينة والدهشة بالسلام الداخلي
مهما كنت ومهما أصبحت أنت أنت.
وأنا اخترتك لا لثروتك ولا لما تملك ولا لما قد تصير عليه
بل لقلبك وللإنسان الذي كنته معي حين لم يكن لديك ما تقدمه سوى نفسك
وحين لم تكن تملك إلا صدقك وتعبك ويدا اقتسمت معي القليل دون تذمر.
عندها فقط
تنفس الحاضرون.
كأن الجميع كان محبوسا داخل تلك اللحظة
ينتظر هذه الكلمات ليعود إلى الحياة من جديد.
خفض بعضهم رأسه خجلا بعدما أدرك قسوة أحكامه
وأدرك كم كان سريعا في إطلاقها وبطيئا في فهم الحقيقة.
مسح آخرون دموعهم في صمت وقد لامستهم القصة أكثر مما توقعوا
لأنها أعادتهم إلى أنفسهم وإلى خيارات لم يجرؤوا يوما على اتخاذها.
وهناك من بقي ساكنا مذهولا
لأنه رأى للمرة الأولى معنى آخر للغنى
غنى لا يقاس بما في الحسابات بل بما في القلوب.
في الخارج كانت الطائرة المروحية تنتظر بصبر.
لم تعد رمزا للثراء
ولا وسيلة لاستعراض القوة
ولا إعلانا عن المال أو النفوذ.
تحولت إلى شاهد صامت
شاهد على قصة حب بدأت بالجوع
وتغذت بالصبر
واستمرت بالتضحية
وانتصرت بالصدق.
وفي قرية اعتادت أن تحكم على الناس من ملابسهم
ومن أرزاقهم
ومن مظهرهم الخارجي
ولدت قصة ستروى طويلا
قصة ستتردد كلما سخر أحدهم من فقير
وكلما ظن آخر أن الغنى هو المعيار الوحيد للقيمة.
قصة ستقال للأبناء
وللأحفاد
ولكل قلب كاد أن ينسى أو كاد أن يضعف أو كاد أن يختار الطريق الأسهل
أن ليس كل ثراء يقاس بالمال
وأن أعظم الكنوز في هذا العالم
قد تكون قلبا اختار أن يحب دون شرط
وإنسانا آمن بأن الصدق
والوفاء
والنية
الخالصة
والحب الذي لا يساوم
أغلى وأبقى وأنقى
من كل ما تملكه السماء والأرض.


تعليقات
إرسال تعليق