نزلت إلى القبو لمساعدة والدها.. فـ غابت 24 عامًا حتى اكتشفوا وجودها بالصدفة!!
نزلت إلى القبو لمساعدة والدها.. فـ غابت 24 عامًا حتى اكتشفوا وجودها بالصدفة!!
الوجه المشرق للمدينة المظلمة
في النمسا وتحديدا في ولاية النمسا السفلى تقع مدينة أمشتيتن. مدينة هادئة شوارعها نظيفة منازلها تصطف بانتظام وسكانها يعرفون بعضهم البعض. في هذه البيئة التي تبدو كلوحة فنية تنبض بالسلام كان يعيش جوزيف فريتزل. رجل يبدو من الخارج كأي مواطن نمساوي صالح مهندس كهربائي ناجح مستثمر عقاري يمتلك عدة شقق زوج تقليدي وأب لسبعة أبناء. كان يلقي التحية على جيرانه كل صباح ويدفع ضرائبه بانتظام ويذهب في عطلات سياحية إلى تايلاند.
لكن خلف هذا القناع الهادئ كان يختبئ واحد من أبشع العقول الإجرامية في التاريخ الحديث. لفهم كيف تشكل هذا الوحش يجب أن نعود بالزمن إلى الوراء قليلا. ولد جوزيف في عام 1935 ونشأ في بيئة قاسية. كانت والدته امرأة صارمة وعنيفة تضربه باستمرار وتقلل من شأنه. لاحقا في التحقيقات قال جوزيف عن طفولته لم أحصل على حضن واحد من أمي كانت تضربني حتى أنزف. هذه النشأة خلقت منه رجلا يفتقر تماما للتعاطف ولديه هوس مرضي ب السيطرة المطلقة على من حوله وخاصة النساء.
في عام 1967 ظهرت أولى بوادر هذا الانحراف المرعب عندما اقتحم منزل ممرضة شابة مما أدى إلى سجنه لمدة 18 شهرا. لكن بعد خروجه تظاهر بأنه استقام وعاد لحياته مع زوجته روزماري التي تزوجها عام 1956 والتي كانت امرأة خاضعة تماما لسيطرته تخشى غضبه ولا تجرؤ على سؤاله عن أفعاله.
هندسة الجحيم
في أواخر السبعينيات وتحت غطاء الحرب الباردة كان من الشائع في
أوروبا بناء ملاجئ نووية تحت المنازل. استغل جوزيف مهاراته الهندسية وتقدم بطلب للحكومة المحلية لبناء ملجأ تحت منزله في شارع يوباخشتراسه 40. وافقت السلطات ولم يكن أحد يعلم أن جوزيف لم يكن يبني ملجأ للحماية بل كان يبني مقبرة للأحياء.
استمر بناء القبو لسنوات. كان جوزيف مهووسا بالتفاصيل صب جدرانا خرسانية مسلحة ووضع سلسلة من الأبواب الحديدية التي تفتح فقط بأرقام سرية أكواد إلكترونية لا يعرفها أحد سواه. الباب الرئيسي كان وزنه يتجاوز 300 كيلوغرام ومخفيا ببراعة خلف رفوف حديدية في قبو المنزل العادي. الأهم من ذلك صمم نظام تهوية معقدا يمر عبر أنابيب ملتوية لضمان عدم خروج أي صوت مهما بلغت قوة الصراخ. كان الجحيم جاهزا وكان ينتظر ضحيته.
الطفلة التي سرقت براءتها مبكرا
إليزابيث الابنة الكبرى لجوزيف وروزماري ولدت عام 1966. كانت فتاة ذكية تحب الموسيقى تحلم بأن تصبح نادلة أو تعمل في مجال الفن لتعيش حياة طبيعية. لكن منزل عائلة فريتزل لم يكن طبيعيا. منذ أن بلغت إليزابيث الحادية عشرة من عمرها كانت تعيش في رعب دائم والدتها إما تتجاهل أو لا تلاحظ والبيئة المحيطة لا تسمح لها بالحديث.
في عام 1983 لم تعد إليزابيث قادرة على التحمل فهربت مع صديقة لها إلى العاصمة فيينا. أرادت فقط أن تتنفس بحرية أن تعمل وتعيش بعيدا عن ظل والدها المرعب. لكن الشرطة عثرت عليها وأعادتها إلى المنزل بعد ثلاثة أسابيع. كان هذا الهروب بمثابة جرس إنذار لجوزيف لقد أدرك
أن بنته قد تفلت من بين يديه وتفضح سره فقرر أن يضع خطته الشيطانية قيد التنفيذ.
28 أغسطس 1984.. اليوم الذي توقف فيه الزمن
كانت إليزابيث قد أتمت عامها الثامن عشر. بالنسبة لأي شاب في هذا العمر هذا هو وقت الانطلاق نحو المستقبل. في صباح ذلك اليوم طلب جوزيف من ابنته النزول معه إلى القبو لمساعدته في حمل باب حديدي ثقيل. نزلت إليزابيث بحسن نية أو ربما بخوف معتاد من رفض أوامر والدها.
عندما فتحت عينيها كان العالم قد تغير للأبد. نظرت حولها لتجد والدها يقف أمامها يخبرها ببرود أنها لن تخرج من هنا أبدا. الباب الحديدي الضخم أغلق ومعه أغلقت حياة إليزابيث ل 24 عاما قادمة 8800 يوم بالتمام والكمال.
في اليوم التالي ذهب جوزيف إلى مركز الشرطة ليبلغ عن اختفاء ابنته. ولإبعاد الشبهات أجبر إليزابيث على كتابة رسالة بخط يدها تقول فيها إنها هربت للانضمام إلى طائفة دينية سرية وتطلب من عائلتها عدم البحث عنها وإلا ستهرب خارج البلاد. الشرطة وروزماري والجيران... الجميع صدق الكذبة المريحة.
بينما كانت إليزابيث تكافح للبقاء كان جوزيف يلعب دور العبقري الشرير. فوق الأرض كان يدير ثروته يذهب في رحلات سياحية بل ووصلت به الجرأة إلى دعوة أصدقائه لتناول القهوة في الحديقة التي تقع مباشرة فوق القبو. كان ينزل إلى القبو يوميا بحجة العمل على تصاميم هندسية حيث لا يسمح لزوجته روزماري بالاقتراب. كان يهدد إليزابيث بأنه فخخ الأبواب وأنه إذا حاولت الهرب أو إذا حدث
له مكروه فإن غازا ساما سينبعث في القبو ويقتلهم جميعا.
الشرطة والمحققون سألوا مرارا كيف لم تلاحظ الزوجة روزماري شيئا لمدة 24 عاما
التحقيقات المكثفة أثبتت لاحقا أن روزماري كانت ضحية هي الأخرى للترهيب النفسي العميق كانت تخاف من جوزيف لدرجة أنها لم تكن تجرؤ على سؤاله أو الاقتراب من مناطق سيطرته. بالإضافة إلى أن جوزيف كان بارعا في تبرير فواتير الكهرباء العالية للمنزل بأنها تخص ماكينات التدفئة.
الولادة من جديد
ماذا حدث لإليزابيث
المرأة التي سرقت منها أجمل سنوات عمرها خرجت من القبو وهي في ال 42 من عمرها. تكفلت الحكومة النمساوية بحمايتها وتم منحها هويات جديدة تماما لتجنب ملاحقة وسائل الإعلام المتوحشة. تم نقلها للعيش في قرية نائية أطلق عليها أمنيا اسم قرية X في منزل محاط بالأشجار والحماية الأمنية.
بدأت رحلة العلاج النفسي والجسدي الطويلة. كيرستين استيقظت من غيبوبتها وتعافت تدريجيا.
لكن إليزابيث التي أظهرت صلابة أسطورية في القبو أثبتت أنها أم استثنائية في الحرية أيضا. تعلمت قيادة السيارات وهو شيء كانت تحلم به في مراهقتها وبدأت تحضر حفلات موسيقية تتسوق وتستمتع بتفاصيل الحياة البسيطة
التي نأخذها نحن كأمر مسلم به.
قصة إليزابيث فريتزل ليست مجرد توثيق لأبشع ما يمكن أن يصل إليه الشر البشري بل هي شهادة حية على إرادة النجاة. لقد انتصرت إليزابيث في النهاية وتنفست هواء الحرية وتركت وحشها ليموت ببطء في زنزانة باردة تماما كما فعل بها يوما ما.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق