القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

هدموا جدار القبو… فخرج سرّ دفنته البلدة 30 سنة

 هدموا جدار القبو… فخرج سرّ دفنته البلدة 30 سنة



هدموا جدار القبو… فخرج سرّ دفنته البلدة 30 سنة


ظل خوسيه كارلوس مينديز واقفا بلا حركة لثوان طويلة بينما كانت مصباح هاتفه يرتجف بين أصابعه. كان شعاع الضوء يفضح ما في داخل التجويف الذي فتح لتوه في جدار القبو. لم يكن واسعا بالكاد مترا ونصف المتر عمقا لكنه كان كافيا لإخفاء جسد إنسان هناك على عجل وبنية واضحة. كان الهيكل العظمي مسندا إلى الجدار الخلفي ساقاه مطويتان نحو صدره كما لو أنه وضع بعناية أو أجبر على اتخاذ تلك الوضعية. بقايا قماش أزرق وأبيض كانت لا تزال متدلية على العظام مهترئة تحولت إلى خيوط هشة بفعل الزمن. وبجواره استقرت حقيبة ظهر بنية اللون سليمة على نحو يثير القشعريرة كأنها تنتظر صاحبها ليعود يوما ما.

ابتلع رودريغو ريقه بصعوبة. لم يسبق له أن رأى ميتا خارج إطار جنازة ناهيك عن مشهد كهذا. بدا هواء القبو أثقل فجأة مشبعا بصمت غير مألوف صمت قديم. أطفأ خوسيه كارلوس المصباح لوهلة كأنه بحاجة إلى التأكد أن ما يراه ليس وهما سببه الإرهاق والحر. وحين أعاد تشغيله ظل الهيكل العظمي في مكانه لا يتزحزح.

وصلت الشرطة بعد أربعين دقيقة. سيارتا دورية أضواؤهما الزرقاء تنعكس على واجهات البيوت المجاورة المتقادمة. كانت سان فيسنتي ديل سور بلدة صغيرة هادئة الشوارع حيث يلفت أي ضجيج الانتباه فورا. في دقائق معدودة خرج عدد من الجيران إلى الأرصفة يتهامسون فيما بينهم. لم يكن أحد يعلم ما الذي حدث بعد لكن الجميع شعروا أن الأمر ليس عاديا.

نزل مفوض المناوبة إلى القبو برفقة خبير جنائي. التقطت الصور قيس المكان ووضعت الأشرطة لتحديد نطاق الموقع. أبعد خوسيه كارلوس ورودريغو وجلسا في الفناء الخلفي حيث كانت شمس العصر قاسية. شعر خوسيه كارلوس بعقدة في معدته. ذلك المنزل الذي اشتري من أجل ترميمه وبيعه تحول فجأة إلى شيء آخر تماما إلى مكان أخفى الزمن فيه سرا أثقل من أن يحتمل.

وفي الوقت نفسه وعلى بعد كيلومترات عدة في شقة متواضعة بعاصمة الإقليم كانت امرأة تجاوزت الخمسين تطوي ملابس مغسولة حديثا دون أن تدري أن اسم ابنتها على وشك أن ينطق به مجددا بعد عقود من الصمت.

قبل ثلاثين عاما كانت سان فيسنتي ديل سور أصغر مما هي عليه الآن. كان الجميع يعرف الجميع ويعرف من يسكن كل بيت. كان ذلك عام 1976 عاما موسوما بالمخاوف الصامتة بالأشياء التي لا تسأل وبالإجابات التي لا تعطى. كانت مارينا سانتوس في الرابعة عشرة من عمرها ذات حياة بسيطة المدرسة صباحا الواجبات بعد الظهر ومساعدة والدتها في المنزل. لم تكن فتاة متمردة ولا مثيرة للمشاكل. وصفها أساتذتها بالمجتهدة الهادئة المستعدة دائما للمساعدة.

بدأ


يوم اختفائها كأي يوم آخر. الشمس كانت حادة فوق الأرصفة والحر يتسلل إلى فصول ثانوية دومينغو فاوستينو سارميينتو. قضت مارينا صباحها تنسخ الملاحظات وتحلم بيقظة بالمستقبل الذي تتخيله لنفسها أن تصبح معلمة أن تدرس في مدرسة كهذه أن تبقى في البلدة أو ربما تنتقل إلى المدينة. كانت أحلاما بسيطة لكنها كانت أحلامها.

عند خروجها من المدرسة التقت بلوسيا صديقتها الأقرب. سارتا معا بضع شوارع تتحدثان عن حفلة السبت وعن فتى أعجب بهما وعن أشياء صغيرة كانت تعني لهما كل شيء. عند زاوية شارع بيلغرانو افترقتا كما في كل مرة. كانت وداعا عاديا بلا عناق طويل ولا إحساس مسبق. عدلت مارينا حقيبتها البنية على كتفها وتابعت طريقها جنوبا.

لم تصل أبدا.

حين أشارت الساعة إلى السادسة مساء ولم تكن مارينا في المنزل بدأت كارمن سانتوس تقلق. كانت تعرف ابنتها تعرف أنها لا تتأخر دون إخبار. عند السابعة تحول القلق إلى خوف. وعند الثامنة إلى يأس. خرج خورخي سانتوس يجوب الشوارع القريبة يسأل الجيران يدخل الدكاكين. لم يرها أحد.

في المخفر استمع المفوض هيكتور رويث إلى الرواية بملامح متعبة. لم يكن رجلا قاسيا لكنه كان معتادا على التقليل من الأمور. في تلك السنوات كانت أشياء كثيرة تكنس تحت السجادة. كانت الاختفاءات تفسر بالهروب بالقرارات المتهورة بالصمت المريح. أصر خورخي ضرب المكتب طالب بالبحث عن ابنته. وعد رويث بإرسال دوريات لكن نبرته لم تحمل استعجالا حقيقيا.

ضاعت الساعات الأولى في إجراءات بطيئة وبحث سطحي. فتشت الساحات وسئل في بيوت الصديقات وجابت الدوريات الشوارع الرئيسية. لم يفكر أحد في النظر أبعد في الأماكن غير المريحة في البيوت المهجورة في الأقبية المغلقة.

ومع مرور الأيام بدأ الملف يبرد. ظهرت الشائعات إن مارينا هربت مع حبيب أكبر سنا أو أن أحدهم رآها تصعد سيارة أو أنها انتقلت إلى بلدة أخرى. تكررت كل رواية وتشوهت حتى دفنت الحقيقة تحت طبقات من الافتراضات.

توقفت كارمن عن النوم. شاخ خورخي فجأة. بقيت غرفة مارينا على حالها لسنوات كمزار صامت. لم تعد حقيبة الظهر البنية تظهر. أو هكذا ظن الجميع.

إلى أن بعد ثلاثين عاما انهار جدار زائف تحت ضربة معول وأجبر البلدة بأكملها على مواجهة ما قررت نسيانه.

انتشر الخبر بسرعة. هيكل عظمي وجد في منزل قديم. ربما لفتاة شابة. بدأ الجيران يربطون خيوطا ظلت مفصولة لعقود. تذكر بعضهم اختفاء مارينا. وفضل آخرون الصمت. ففي بلدة صغيرة الصمت أيضا وسيلة للبقاء.

وتحت ذلك المنزل بين الغبار والطوب كانت الحقيقة تنتظر.

هز العثور على الهيكل


العظمي سان فيسنتي ديل سور كزلزال متأخر. لم يكن صدمة فورية بل تصدعا بطيئا وعميقا كشق ينفتح تحت الأقدام. في البداية تداول الخبر بحذر جثة وجدت في منزل قديم لا شيء مؤكد بعد. لكن في القرى الصغيرة لا تبقى الكلمات ساكنة تتغير تكبر تتشوه. وفي أقل من أربع وعشرين ساعة صار الجميع يتحدث عن فتاة اختفت منذ عقود.

أرسلت الشرطة الإقليمية فريقا جنائيا كاملا. أغلق القبو وخضع المنزل للحراسة. استدعي خوسيه كارلوس مينديز للإدلاء بإفادته تلك الليلة. روى كل شيء بدقة كل ضربة معول الصوت الأجوف المصباح الذي أضاء الداخل. وكان يكرر عبارة واحدة كأنها اعتذار لم نكن نعلم أنه هناك. لم يكن أحد يعلم أو هكذا قالوا.

نقلت العظام بعناية فائقة. كل عظمة كل بقايا قماش كل غرض جرى توثيقه. لفتت الحقيبة البنية الانتباه فورا كانت جافة لكنها محفوظة بشكل مدهش. وجد في داخلها دفاتر شبه غير مقروءة مقلمة ومنديل مطرز بحروف بالكاد ترى م. س. حرفان لم يعنيا شيئا للبعض لكنهما كانا طعنة مباشرة في صدر آخرين.

حين ظهر اسم مارينا سانتوس في التقارير الأولية عاد الماضي دون استئذان.

كانت كارمن سانتوس جالسة في المطبخ حين رن الهاتف. جعلها الصوت ترتجف فقد عاشت سنوات على هذا الشعور كأن كل اتصال قد يحمل الخبر الذي لم يصل أبدا. طلب صوت رسمي من الطرف الآخر تأكيد هويتها ثم نطق كلمات انتظرتها وخشيتها ثلاثين عاما عثر على بقايا بشرية ويعتقد أنها تعود لابنتها.

لم تصرخ. لم تبك. بقيت صامتة يدها على الطاولة تشعر بأن شيئا ما يستقر في داخلها بطريقة مؤلمة وحاسمة. كان عدم المعرفة جرحا مفتوحا. أما المعرفة مهما كانت قاسية فكانت شيئا آخر.

لم يكن خورخي موجودا ليسمع الخبر فقد توفي قبل عشر سنوات حاملا معه شعور الذنب لعدم عثوره على مارينا لعدم فعله المزيد. فكرت كارمن فيه تلك الليلة في رد فعله المحتمل. ربما كان سيضرب الجدار أو يطالب بالعدالة بصوت عال أو يبكي كما لم يسمح لنفسه من قبل.

كان التعرف الرسمي بطيئا فحوصات حمض نووي تحاليل أسنان مقارنات بسجلات قديمة. كل خطوة كانت تطيل الانتظار وتجعل النتيجة أكثر واقعية. وخلال ذلك كان أهل البلدة يراقبون. بعضهم بفضول وبعضهم بخوف. لأن وجود مارينا هناك طوال ذلك الوقت يعني أن أحدا ما كان يعلم أو على الأقل كان يشك.

وصل الصحفيون أولا من الإذاعات المحلية ثم من القنوات الإقليمية. كاميرات أمام المخفر ميكروفونات ممدودة أسئلة محرجة. كان المفوض هيكتور رويث متقاعدا لكن اسمه عاد للتداول. دافع عنه بعضهم واتهمه آخرون. ففي 1976 كان أعلى سلطة شرطية


في البلدة وكانت القرارات أو غيابها تمر عبر يديه.

كان للمنزل تاريخ فقد كان مملوكا لعائلة غادرت منتصف السبعينيات. ظل مهجورا سنوات يتبدل ملاكه دون أن يسكنه أحد طويلا. مكان منسي مثالي لإخفاء ما لا ينبغي العثور عليه.

أكد الخبراء أن العظام بقيت هناك عقودا. لم يمكن تحديد سبب الوفاة بدقة لكن كانت هناك دلائل واضحة على عنف. لم تهرب مارينا. لم تختف بإرادتها. لم تختر الغياب.

حين تلقت كارمن التأكيد الرسمي طلبت رؤية الحقيبة. عرضت عليها في غرفة بيضاء تحت ضوء اصطناعي. وما إن رأتها حتى بدأت يداها ترتجفان. تعرفت على الرقعة المخيطة في أحد الجيوب كانت هي من أصلحته بنفسها. دليل صامت لكنه قاطع. كانت مارينا هناك. وماتت هناك.

كان الوداع بسيطا. لم يكن هناك جسد بل ذكريات. صورة مكبرة لمارينا في الرابعة عشرة تبتسم بخجل بدا قادما من عالم آخر. حضر جيران لم يذكروا اسمها منذ سنوات ليقدموا العزاء بعضهم بدموع صادقة وآخرون بكلمات فارغة. كانت كارمن تستمع لكن عقلها كان في مكان آخر في الماضي يعيد كل تفصيل كل قرار كل باب لم يفتح.

أعيد فتح التحقيق رسميا. قضية باردة دفنت بالزمن عادت إلى السطح. راجع المحققون الأرشيف القديم وأجروا مقابلات مع أشخاص كانوا شبابا عام 1976 وصاروا اليوم أجدادا. كثيرون قالوا إنهم لا يتذكرون. وآخرون تذكروا أكثر مما ينبغي.

كانت لوسيا الصديقة التي ودعت مارينا عند زاوية بيلغرانو من أوائل من استدعوا. كانت تعيش في مدينة أخرى لها أولاد وحياة بنيت فوق طبقات من الاعتياد. حين دخلت غرفة التحقيق شعرت أنها عادت في العمر أربع عشرة سنة. كررت روايتها مرة أخرى الوداع المسير لا شيء غير طبيعي. لكن صوتها انكسر هذه المرة لأنها كانت تعرف الآن كيف انتهت تلك القصة.

بدأت أسماء تذكر همسا رجال كانوا يسكنون قرب الطريق الذي اعتادت مارينا سلوكه أشخاص لم يعودوا في البلدة تعليقات كانت تعد آنذاك نميمة. الحقيقة حين تظهر متأخرة تأتي مجزأة.

تغيرت سان فيسنتي ديل سور. ليس بشكل ظاهر بل بعمق. صارت الأحاديث أقصر والنظرات أطول. لأن الهيكل العظمي تحت المنزل لم يكشف جريمة فحسب بل فضح ميثاقا صامتا من الإغفال والخوف واللامبالاة.

عادت كارمن إلى غرفة مارينا لأول مرة منذ سنوات. فتحت الخزانة لمست الملابس جلست على السرير. لم تبك. شعرت بشيء مختلف سكينة حزينة. لم تكن معرفة مكان ابنتها عزاء لكنها أزالت ثقلا لا يحتمل كان اسمه عدم اليقين.

سارت العدالة ببطء كعادتها. ربما ببطء شديد لمعاقبة المسؤولين. لكن بالنسبة لكارمن ولذكرى مارينا ولبلدة تعلمت الصمت


لم يعد الصمت خيارا.

فبعض الجدران


 

مهما بدت صلبة لا بد أن تنهار.

إذا رغبت لاحقا

تنقيح لغوي أدبي أعلى

تقليل الطول دون الإخلال بالمحتوى

تحويله إلى قصة للنشر أو رواية قصيرة

مراجعة أسلوبية أقرب للصحافة أو أقرب للأدب

أنا جاهز.

اريد ترجمة النص كامل

أكيد. هذه ترجمة عربية فصحى كاملة للنص كله دون عناوين مع الحفاظ على التسلسل والمعنى والأسلوب السردي

بقي خوسيه كارلوس مينديز جامدا لثوان طويلة ومصباح هاتفه يرتعش في يده. كان شعاع الضوء يفضح داخل التجويف الذي انفتح لتوه في جدار القبو. لم يكن كبيرا بالكاد مترا ونصف المتر عمقا لكنه كان كافيا لأن يخفى فيه إنسان على عجل وبنية واضحة. كان الهيكل العظمي مستندا إلى الجدار الخلفي والساقان مطويتين كما لو أن أحدا وضعه بعناية أو ما هو أسوأ أجبر على اتخاذ تلك الوضعية. كانت بقايا قماش أزرق وأبيض تتدلى على العظام مهترئة تحولت إلى أسمال هشة بفعل الزمن. وبجانبه كانت حقيبة ظهر بنية اللون راقدة كما هي سليمة على نحو يثير الارتباك كأنها تنتظر أن يعود أحد لالتقاطها.

ابتلع رودريغو ريقه. لم ير ميتا قط خارج جنازة فكيف بمشهد كهذا. بدا هواء القبو أثقل مثقلا بصمت ليس صمتا عاديا بل صمتا قديما. أطفأ خوسيه كارلوس المصباح للحظة كأنه يحتاج إلى التأكد أن ما يراه ليس خداعا صنعه التعب والحر. وحين أعاد تشغيله كان الهيكل العظمي لا يزال هناك.

وصلت الشرطة بعد أربعين دقيقة. سيارتا دورية أضواؤهما الزرقاء ترتد على واجهات البيوت المتقادمة في الجوار. كانت سان فيسنتي ديل سور بلدة صغيرة ذات شوارع هادئة حيث يلفت أي صوت مرتفع الانتباه فورا. وفي دقائق معدودة أخذ عدد من الجيران يطلون من الأرصفة يتهامسون فيما بينهم. لم يكن أحد يعرف بعد ما الذي حدث لكن الجميع كانوا يشعرون أنه ليس أمرا عاديا.

نزل مفوض المناوبة إلى القبو برفقة خبير جنائي. التقطت الصور وقيس المكان ووضعت الأشرطة لتحديد نطاق المنطقة. أبعد خوسيه كارلوس ورودريغو وأجلسا في الفناء الخلفي حيث كانت شمس العصر قاسية. شعر خوسيه كارلوس بعقدة في معدته. ذلك البيت الذي اشتري ليرمم ثم يباع أصبح فجأة شيئا مختلفا تماما. مكانا أخفى الزمن فيه سرا أكبر مما ينبغي.

وفي الوقت نفسه وعلى بعد كيلومترات عدة في شقة متواضعة بعاصمة الإقليم كانت امرأة في الخمسينيات من عمرها تطوي ملابس مغسولة حديثا دون أن تدري أن اسم ابنتها على وشك أن ينطق به من جديد بعد عقود.

قبل ثلاثين عاما كانت سان فيسنتي ديل سور أصغر حتى مما هي عليه الآن. كان الجميع يعرف الجميع ويعرف من يسكن كل بيت. كان

ذلك عام 1976 عاما مطبوعا بمخاوف صامتة بأشياء لا تسأل وبأجوبة لا تقال. كانت مارينا سانتوس في الرابعة عشرة من عمرها لها روتين بسيط المدرسة صباحا الواجبات بعد الظهر ثم مساعدة أمها في البيت. لم تكن فتاة متمردة ولا مثيرة للمشكلات. كان أساتذتها يصفونها بالمجتهدة الهادئة المستعدة دائما للمساعدة.

بدأ يوم اختفائها كأي يوم آخر. كانت الشمس حادة فوق الأرصفة والحر يتسلل إلى صفوف ثانوية دومينغو فاوستينو سارميينتو. قضت مارينا صباحها تنسخ الملاحظات وتحلم بيقظة بالمستقبل الذي تتخيله أن تصبح معلمة أن تدرس في مدرسة كهذه أن تبقى في البلدة أو ربما تذهب إلى المدينة. كانت أحلاما بسيطة لكنها كانت أحلامها.

حين خرجت من المدرسة التقت بلوسيا صديقتها التي لا تفارقها. سارتا معا بضع شوارع تتحدثان عن حفلة السبت وعن فتى يعجب بهما وعن أشياء صغيرة كانت تعني لهما كل شيء. عند زاوية شارع بيلغرانو افترقتا كالمعتاد. كان وداعا طبيعيا بلا عناق طويل ولا نذر سيئة. شدت مارينا حقيبتها البنية على كتفها وتابعت طريقها جنوبا.

ولم تصل.

حين دقت الساعة السادسة مساء ولم تعد مارينا إلى البيت بدأت كارمن سانتوس تقلق. كانت تعرف ابنتها وتعرف أنها لا تتأخر دون أن تخبر. عند السابعة تحول القلق إلى خوف. وعند الثامنة إلى يأس. خرج خورخي سانتوس إلى الشوارع القريبة سأل الجيران دخل المتاجر. لم يرها أحد.

في مركز الشرطة استمع المفوض هيكتور رويث إلى الرواية بملامح متعبة. لم يكن رجلا قاسيا لكنه كان رجلا اعتاد التقليل من الأمور. في تلك السنوات كانت أمور كثيرة تكنس تحت السجادة. كانت الاختفاءات تفسر بالهروب أو بقرارات طائشة أو بصمت مريح. أصر خورخي ضرب المكتب وطالب أن يبحثوا عن ابنته. وعد رويث بإرسال دوريات لكن نبرته لم تحمل استعجالا.

ضاعت الساعات الأولى في إجراءات بطيئة وبحث سطحي. فتشت الساحات وسئل في بيوت الصديقات وجابت الدوريات الشوارع الرئيسية. لم يفكر أحد في النظر أبعد في الأماكن غير المريحة في البيوت المهجورة في الأقبية المسدودة.

ومع مرور الأيام بدأ الملف يبرد. ظهرت الشائعات إن مارينا ذهبت مع حبيب أكبر سنا أو إن أحدا رآها تصعد سيارة أو إنها عبرت إلى بلدة أخرى. كانت كل رواية تكرر ثم تتشوه حتى دفنت الحقيقة تحت طبقات من التخمين.

توقفت كارمن عن النوم. شاخ خورخي فجأة. بقيت غرفة مارينا على حالها سنوات كأنها محراب صامت. لم تعد حقيبة الظهر البنية تظهر. أو هكذا ظن الجميع.

حتى جاء اليوم الذي بعد ثلاثين عاما انهار فيه جدار زائف تحت ضربة

معول وأجبر البلدة كلها على النظر في وجه ما قررت نسيانه.

انتشر الخبر بسرعة. هيكل عظمي عثر عليه في بيت قديم. وربما لفتاة شابة. بدأ الجيران يربطون نقاطا ظلت منفصلة عقودا. تذكر بعضهم اختفاء مارينا فيما فضل آخرون الصمت. ففي بلدة صغيرة الصمت أيضا شكل من أشكال البقاء.

وتحت ذلك البيت بين الغبار والطوب كانت الحقيقة تنتظر.

هز العثور على الهيكل العظمي سان فيسنتي ديل سور كما يهز زلزال متأخر. لم يكن وقعا فوريا انفجاريا بل كان شيئا أبطأ وأعمق كشق ينفتح ببطء تحت الأقدام. في البداية جرى تداول الخبر بحذر جسد وجد في بيت قديم لا شيء مؤكد. لكن في القرى الصغيرة لا تبقى الكلمات ساكنة تتغير وتكبر وتتلون. وفي أقل من أربع وعشرين ساعة صار الجميع يتحدث عن فتاة اختفت منذ عقود.

أرسلت الشرطة الإقليمية فريقا جنائيا كاملا. أغلق القبو وخضع البيت للحراسة. استدعي خوسيه كارلوس مينديز للإدلاء بإفادته في الليلة نفسها. روى كل شيء بدقة كل ضربة معول الصوت الأجوف شعاع المصباح وهو يخترق الداخل. وكان يكرر جملة واحدة كأنها اعتذار لم نكن نعلم أنه هناك. لم يكن أحد يعلم أو هكذا قالوا.

نقلت العظام بعناية شديدة. كل عظمة كل خيط قماش كل غرض جرى توثيقه. لفتت حقيبة الظهر البنية الانتباه فورا. كانت يابسة لكنها محفوظة على نحو مدهش. في داخلها وجدوا دفاتر شبه غير مقروءة ومقلمة ومنديلا مطرزا بحرفين بالكاد يظهران م. س. حرفان لم يعنيا شيئا للبعض لكنهما كانا ضربة في الصدر لآخرين.

حين ظهر اسم مارينا سانتوس في التقارير الأولية عاد الماضي دون استئذان.

كانت كارمن سانتوس جالسة في المطبخ حين رن الهاتف. جعلها الصوت ترتجف. لعقود كانت تعيش مع هذه الرعشة كأن كل مكالمة قد تحمل الخبر الذي لم يصل. على الطرف الآخر طلب صوت رسمي تأكيد هويتها. ثم قال كلمات انتظرتها وخشيتها ثلاثين عاما عثر على بقايا بشرية ويعتقد أنها قد تكون لابنتها.

لم تصرخ. لم تبك. بقيت صامتة يدها على الطاولة تشعر بأن شيئا ما يستقر في داخلها بطريقة موجعة لكنها نهائية. كان عدم المعرفة جرحا مفتوحا. أما المعرفة حتى لو كانت الأسوأ فشيء آخر.

لم يكن خورخي موجودا لسماع الخبر. مات قبل عشر سنوات وحمل معه شعور الذنب لأنه لم يجد مارينا ولأنه لم يفعل أكثر ولأنه لم يعرف أين يبحث. فكرت كارمن فيه تلك الليلة. كيف كان سيرد ربما كان سيضرب جدارا أو يطالب بالعدالة صائحا أو يبكي كما لم يسمح لنفسه قط.

كان تحديد الهوية بطيئا فحوصات حمض نووي تحاليل أسنان مقارنة بسجلات قديمة. كل خطوة كانت

تطيل الانتظار وتزيد النتيجة واقعية. وفي أثناء ذلك كانت البلدة تراقب بعضهم بفضول بعضهم بخوف. لأن وجود مارينا هناك كل هذا الزمن يعني أن أحدا ما كان يعلم أو على الأقل كان يشك.

بدأ الصحفيون يصلون أولا من الإذاعات المحلية ثم قنوات إقليمية. كاميرات أمام المخفر ميكروفونات ممدودة أسئلة محرجة. كان المفوض هيكتور رويث قد تقاعد لكن اسمه عاد يتردد. دافع عنه بعضهم واتهمه آخرون. ففي عام 1976 كان أعلى سلطة شرطية في البلدة وكانت القرارات أو غيابها تمر من يديه.

كان للبيت الذي عثر فيه على الجثة تاريخ. كان قد يعود لعائلة غادرت منتصف السبعينيات. ظل مهجورا سنوات يتنقل بين ملاك دون أن يسكنه أحد طويلا. مكان منسي مثالي لإخفاء ما لا يجب أن يعثر عليه.

أكد خبراء الطب الشرعي أن البقايا ظلت في ذلك المكان عقودا. لم يمكن تحديد سبب الوفاة يقينا لكن كانت هناك مؤشرات واضحة على عنف. لم تهرب مارينا. لم تختف بإرادتها. لم تختر الغياب.

حين تلقت كارمن التأكيد الرسمي طلبت أن ترى حقيبة مارينا. عرضت عليها في غرفة بيضاء تحت ضوء اصطناعي. ما إن رأتها حتى ارتجفت يداها. تعرفت على الرقعة المخيطة في أحد الجيوب كانت هي من أصلحته بنفسها حين تمزق. كان دليلا صامتا لكنه قاطعا. كانت مارينا هناك. وكانت قد ماتت هناك.

كان الوداع بسيطا. لم يكن هناك جسد بل ذكريات. صورة مكبرة لمارينا في الرابعة عشرة تبتسم بخجل بدا كأنه من عالم آخر. حضر جيران لم يذكروا اسمها منذ سنوات للتعزية. بعضهم بدموع صادقة وبعضهم بكلمات فارغة. كانت كارمن تسمع الجميع لكن ذهنها كان في مكان آخر في الماضي يعيد كل تفصيل كل قرار كل باب لم يفتح.

أعيد فتح التحقيق رسميا. قضية باردة دفنتها السنوات عادت إلى السطح. راجع المحققون الملفات القديمة واستجوبوا أشخاصا كانوا شبابا عام 1976 وأصبحوا اليوم أجدادا. كثيرون قالوا إنهم لا يتذكرون. وآخرون تذكروا أكثر مما ينبغي.

كانت لوسيا الصديقة التي ودعت مارينا عند زاوية بيلغرانو من أوائل من استدعوا. كانت تعيش في مدينة أخرى لها أبناء وحياة بنيت على طبقات من الاعتياد. حين دخلت غرفة التحقيق شعرت بأنها عادت في العمر أربع عشرة سنة. كررت روايتها الوداع المشي لا شيء غير طبيعي. لكن هذه المرة انكسر صوتها لأنها تعرف الآن كيف انتهت القصة.

بدأت أسماء تظهر همسا رجال عاشوا قرب الطريق الذي كانت مارينا تسلكه أشخاص غادروا البلدة تعليقات كانت قد رفضت آنذاك كثرثرة. الحقيقة حين تظهر متأخرة تظهر ناقصة متكسرة.

تغيرت سان فيسنتي ديل سور. ليس ظاهرا بل عميقا. صار الكلام أقصر والنظرات أطول.

 

لأن الهيكل العظمي تحت البيت لم يكشف جريمة فقط بل كشف أيضا عقدا صامتا من الإهمال والخوف واللامبالاة.

عادت كارمن إلى غرفة مارينا لأول مرة منذ سنوات. فتحت الخزانة لمست الملابس جلست على السرير. لم تبك. شعرت بشيء آخر سكينة حزينة. معرفة مكان ابنتها لا تعزيها لكنها أزالت ثقلا لا يحتمل اسمه عدم اليقين.

كانت العدالة تتحرك ببطء كالعادة. ربما ببطء شديد بحيث فات الأوان لمعاقبة المسؤولين. لكن بالنسبة لكارمن ولذكرى مارينا ولبلدة تعلمت الصمت لم يعد الصمت خيارا.

لأن بعض الجدران مهما بدت صلبة لا بد أن تنهار.

لم يؤد فتح ملف مارينا سانتوس إلى تحريك الملفات المغبرة فحسب بل نبش شيئا أكثر إزعاجا ذاكرة البلدة الانتقائية. لسنوات كانت سان فيسنتي ديل سور تتعايش مع الغياب كما لو أنه جزء من المشهد. كان اسم مارينا يذكر أحيانا في ذكريات خافتة أو أحاديث هامسة. لكن الآن مع وجود دليل مادي ومسرح جريمة محدد لم يعد هناك مجال للغموض.

وصل المدعي العام الجديد إستيبان رولدان من العاصمة بسمعة أنه شديد الدقة. لم يكن شابا ولا جذابا في حضوره لكنه امتلك شيئا يزعج الآخرين كان يصغي أكثر مما يتوقعون. أمضى أيامه الأولى دون تصريحات يقرأ كل صفحة من الملف الأصلي يدون ملاحظات بيده يضع علامات على التواريخ والأسماء والتناقضات. ما وجده لم يكن مجرد إهمال بل سلسلة قرارات صغيرة حين تراكمت جعلت القضية تتلاشى.

في عام 1976 سجل البلاغ رسميا بصورة صحيحة لكن البحث كان قصيرا وفوضويا. لم تجر عمليات تمشيط واسعة. لم تفتش البيوت القريبة. لم يستجوب بعض الجيران بجدية. بدا كل شيء كأنه توقف بسرعة غير مبررة كأن أحدا ما قرر أن الاستمرار لا يستحق.

طلب رولدان إعادة استجواب هيكتور رويث. كان المفوض المتقاعد يعيش الآن في بيت متواضع على بعد بضعة شوارع من المركز. كان في التاسعة والسبعين ظهره محني ويداه ترتجفان باستمرار. حين فتح الباب ورأى بطاقة المدعي العام لم يبد متفاجئا بقدر ما بدا مرهقا كأنه كان يعلم أن هذا اليوم سيأتي عاجلا أو آجلا.

دامت المقابلة أكثر من ثلاث ساعات. أصر رويث على أنه فعل ما استطاع ضمن موارد ذلك الزمن. تحدث عن السياق عن فوضى البلد عن أوامر تأتي من الأعلى عن أولويات غير معلنة. تجنب ذكر الأسماء. وكلما حاول رولدان الدخول في تفاصيل قرار بعينه حول رويث الكلام إلى عموميات. ومع ذلك كان هناك لحظة شبه غير مرئية انكسر فيها صوته عندما ذكر المدعي العام البيت الذي عثر فيه على الجثة.

ذلك البيت كان في عام 1976

ملكا لرجل اسمه إرنستو ليديسما.

لم يظهر الاسم كمشتبه به في الملف الأصلي. ورد بالكاد في شهادة جانبية بوصفه جارا من المنطقة. كان ليديسما موظفا بلديا مسؤولا عن الصيانة. رجلا وحيدا بلا أسرة قريبة معروفا بطباعه المنعزلة. مات عام 1998 رسميا لأسباب طبيعية.

طلب رولدان مراجعة كل ما يخص ليديسما. ووجد أمرا لافتا خلال الأيام التي تلت اختفاء مارينا كان ليديسما قد طلب إجازة أسبوع من عمله. لم تسجل أي أسباب. ولم يعتبره أحد ذا صلة آنذاك.

حين بدأ المحققون يسألون جيرانا قدامى خرجت ذكريات مزعجة تعليقات لم تتحول يوما إلى بلاغات نظرات ملحة شجار في الشارع مع مراهقة قبل سنوات. لا شيء حاسم وحده لكنه مقلق حين يجمع.

استدعيت لوسيا مرة أخرى. وهذه المرة كان السؤال مختلفا. لم يريدوا منها تكرار ما حدث في ذلك اليوم فقط بل أن تتحدث عن البيئة عن رجال الحي عن التحذيرات التي كانت تتداولها الفتيات فيما بينهن ولا يأخذها أحد بجدية. ترددت لوسيا عضت شفتها ثم تكلمت.

قالت إن مارينا ذكرت لها قبل أسابيع من اختفائها رجلا كان يراقبها حين تعود من المدرسة. لم تعرف اسمه لكنها قالت إنه يسكن قرب بيت قديم وكان دائما يصلح الأشياء ويبدو لطيفا لكنه ملح. لم تعر لوسيا الأمر اهتماما آنذاك. لم تعره أي منهما اهتماما. كانتا في الرابعة عشرة وكانتا معتادتين أن تكون مثل هذه الأشياء جزءا من اليوم.

غيرت هذه الشهادة مسار التحقيق.

ورغم أن إرنستو ليديسما كان قد مات لم تغلق القضية. لم يكن الهدف فقط العثور على مذنب حي بل إعادة بناء الحقيقة وتحديد المسؤوليات وفهم كيف يمكن لمراهقة أن تختفي في وضح النهار دون أن يتدخل أحد.

فحص البيت مجددا. كشفت تعديلات إنشائية لا تظهر في المخططات الأصلية. كان الجدار الزائف في القبو قد بني بعد وقت قصير من عام 1976 بمواد من تلك الحقبة. لم يكن حادثا. كان قرارا واعيا. أراد أحدهم إخفاء شيء إلى الأبد.

كانت كارمن تتابع كل تطور بمزيج من الراحة والألم. المعرفة لا تجعل الألم أقل لكنها أعادتها إلى شيء افتقدته أن تشعر أن مارينا كانت تعني شيئا وأن قصتها لن تختزل إلى هامش.

في البلدة تباينت ردود الأفعال. طالب بعضهم بعدالة رمزية بينما تمنى آخرون أن يدفن الماضي من جديد. دافع البعض عن ذكرى ليديسما بحجة أنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه. وكان رولدان واضحا في مؤتمر صحفي المسألة ليست انتقاما بل حقيقة تاريخية.

نظمت مسيرة صامتة. شموع صور أسماء. لا من أجل مارينا وحدها بل من أجل غيابات أخرى لم تحقق كما

يجب. كانت تلك أول مرة تنظر فيها سان فيسنتي ديل سور إلى نفسها دون أقنعة.

في إحدى المقابلات الأخيرة سأل رولدان كارمن عما ترجوه الآن. فكرت قليلا قبل أن تجيب. لم تتحدث عن عقاب ولا عن تسامح. قالت شيئا أبسط وأصعب ألا يعود أحد ليقول إن فتاة هربت فقط لأن هذا أسهل عليهم أن يصدقوه.

خلص التقرير النهائي إلى أن مارينا سانتوس كانت ضحية قتل ارتكبه إرنستو ليديسما مع وجود أدلة ظرفية قوية لكن دون إمكانية لمحاكمة جنائية. وأشار التقرير أيضا إلى إخفاقات خطيرة في التحقيق الأصلي وأوصى بمراجعة الإجراءات في قضايا اختفاء القاصرين.

حين أغلق الملف رسميا أخذت كارمن حقيبة مارينا إلى المقبرة. لم تدفنها. وضعتها مسندة إلى جوار شاهد قبر جديد يحمل الاسم الكامل والتواريخ التي لم تكن موجودة لسنوات. بقيت هناك طويلا في صمت.

سقط الجدار. ليس جدار القبو فقط بل جدران أخرى غير مرئية بنيت بالخوف واللامبالاة وراحة عدم السؤال.

وبالرغم من أن الحقيقة جاءت متأخرة فقد جاءت. وأحيانا هذا كل ما يبقى لبدء الترميم.

لم يمنح إغلاق ملف مارينا سانتوس الراحة التي توقعها كثيرون. بل على العكس فتح شقا عميقا في سان فيسنتي ديل سور. لأسابيع عاش الناس حالة غريبة كأن الزمن توقف بين الماضي والحاضر. كانت الستائر تغلق أبكر والأحاديث تنقطع إذا اقترب شخص أكثر مما ينبغي وبدأت الأسماء تثقل.

كان رولدان يعلم أن التقرير النهائي ليس نهاية بل خط فاصل. لذلك قرر البقاء أياما أخرى. كان ثمة شيء لا يستقيم في نظره. جوهر القضية بات واضحا لكن الهوامش ظلت ضبابية. وفي الهوامش كان يشعر بأن هناك قصصا أخرى.

طلب الوصول إلى أرشيف المفقودين بين 1975 و في الإقليم لا القاصرين فقط بل البالغين أيضا. كانت القائمة أطول مما يتذكره الناس. قضايا أغلقت بوصفها هروبا طوعيا أو حوادث دون جثة أو بلاغات سحبت. أنماط. صمت متكرر. قرارات سريعة لإغلاق ملفات مزعجة.

لفت انتباهه اسم إلينا بارغاس سبعة عشر عاما اختفت عام 1978. كان ملفها ضئيلا صفحة ونصف فقط. شوهدت آخر مرة وهي تخرج من عملها في مخبز بوسط البلدة. أغلق الملف خلال أقل من شهر. بلا جثة بلا مشتبهين بلا متابعة.

طلب رولدان لقاء عائلة بارغاس. وجد أختا كبرى آنا لا تزال تعيش في البلدة. حين حضر المدعي العام نظرت إليه بمزيج من الشك والأمل. مضت عقود دون أن يسأل أحد عن إلينا.

قالت آنا إن شقيقتها ذكرت مرارا رجلا يتبعها عند خروجها من العمل. لم تعرف اسمه فقط أنه أكبر سنا يرتدي دائما ثياب عمل ويبدو كأنه يعرف

الجميع. وعندما ذهبت آنا للشكوى في المخفر قالوا لها إنها تبالغ وإن شقيقتها تريد ترك البلدة وإن عليها ألا تثير المشاكل.

لم يحتج رولدان إلى مزيد من الأسئلة ليرى النمط ذاته.

في تلك الأثناء بدأت كارمن تتلقى رسائل. بعضها داعم وبعضها مجهول محمل باللوم. اتهموها بأنها تنبش الماضي وتلطخ أسماء وتكسر سلاما بني خلال سنوات. كانت تقرأ كل الرسائل دون أن ترد. وللمرة الأولى منذ زمن طويل لم تشعر بالخوف. بل بشيء أصلب تصميم.

أما لوسيا فلم تستطع أن تمنع الذنب من اللحاق بها. كانت تحلم بمارينا بزاوية بيلغرانو بطرقات تتشعب. طلبت مساعدة نفسية شيء لم تفعله من قبل. وفي إحدى الجلسات قالت بصوت مسموع ما خبأته عقودا لو أنها أصرت لو أنها تحدثت أبكر ربما كان كل شيء مختلفا. لم تمنحها المعالجة عزاء سهلا. قالت لها فقط إن الصمت نادرا ما يكون قرارا فرديا غالبا ما يكون تعلما جماعيا.

دعا رئيس البلدية إلى اجتماع طارئ للمجلس البلدي. كان الجو متوترا. اقترح بعض الأعضاء إنشاء لجنة للذاكرة والمراجعة التاريخية. ورفض آخرون بشدة بحجة عدم وجود موارد وأن نبش الماضي سيجلب الانقسام وأنه لا يجوز محاكمة الأمس بعيون اليوم.

حضر رولدان كمستمع. لم يتكلم حتى النهاية. وحين تكلم كان موجزا قال إن القرى التي لا تراجع تاريخها محكوم عليها بتكراره لا من باب الشر بل من باب العادة. لم يصفق الجميع لكن لم يستطع أحد تفنيده.

هدم بيت إرنستو ليديسما أخيرا. لم يكن بأمر قضائي بل بقرار بلدي. رسميا لأسباب تتعلق بالسلامة الإنشائية وغير رسميا لأن أحدا لم يعد يحتمل رؤية ذلك القبو. في يوم الهدم تجمع عدد من الناس يراقبون من الرصيف المقابل. لم يتكلم أحد. حين سقط الجدار غطى الغبار الشارع كضباب كثيف. بكى بعضهم ورحل آخرون دون أن يلتفتوا للخلف.

بين الأنقاض وجد عامل شيئا آخر. لم يكن جثة ولا غرضا شخصيا. كانت ميدالية دينية صغيرة صدئة مسطحة بثقل الزمن. لم تظهر في الجرد الأول. نظر رولدان إليها بصمت. لم يستطع ربطها مباشرة بمارينا لكنه لم يستبعدها أيضا. احتفظ بها كرمز لما قد يبقى مخفيا حتى بعد قول الحقيقة.

بدأت الصحافة الوطنية تهتم بالقضية. جاء مراسلون وكاميرات وميكروفونات. بعضهم جاء بحثا عن العدالة وبعضهم بحثا عن الإثارة. رفضت كارمن أغلب المقابلات. وقبلت واحدة فقط بشرط ألا تذكر تفاصيل مزعجة. أرادت أن يتحدث عن مارينا كإنسانة لا كضحية.

في تلك المقابلة قالت شيئا تجاوزه صدى البلدة إنها طوال سنوات قيل لها أن تتقبل عدم المعرفة وأنها تعلمت أن عدم المعرفة هو أيضا شكل من

 اشكال العنف. وأن الحقيقة لا تعيد الأموات لكنها تعيد كرامة الأحياء.

لم يبق من البيت القديم شيء. صارت الأرض خالية. ناقش المجلس البلدي ماذا يفعل بها موقف سيارات مركز مجتمعي نصب تذكاري كانت المناقشات حادة. لم يرد أحد فرض قرار. وأخيرا اتفقوا على شيء بسيط مساحة خضراء. شجرة. لوحة بلا أسماء كبيرة ولا كلام طنان فقط تاريخ وجملة كي لا يتكرر الأمر.

كان الافتتاح متواضعا. حضرت كارمن وحضرت لوسيا أيضا. تقدم رودريغو الشاب الذي عثر على الجثة وطلب من كارمن السماح. لم يكن يدري حتى لماذا. أخذت يده وقالت له إنه لا ذنب له وإنه بفضله عادت مارينا.

في تلك الليلة كتبت كارمن الرسالة الأخيرة. ليس لأنها لم يعد لديها ما تقوله بل لأنها شعرت لأول مرة أن صوتها لم يعد وحده البلدة بدأت أخيرا ترد.

ظلت سان فيسنتي ديل سور بلدة صغيرة بروتينات متوقعة ومشكلات يومية. لكن شيئا تغير إلى الأبد. الحقيقة حين تقال لا يمكن دفنها بالكامل مرة أخرى. تترك دائما شقوقا يدخل منها الضوء.

وفي تلك الشقوق وجدت الذاكرة مكانا لتبقى.

جاء الشتاء إلى سان فيسنتي ديل سور بقسوة خاصة ذلك العام. ليس بسبب البرد الذي يتسلل من جدران البيوت القديمة فحسب بل بسبب إحساس جماعي بأنهم يعيشون شيئا لا عودة عنه. لم تعد البلدة هي نفسها. وكان الجميع يعلم ذلك وإن لم يقله.

انتهت لجنة الذاكرة من عملها رسميا لكن آثارها ظلت تتسع كموجات في الماء. بدأ الأرشيف العام يستقبل زوارا باستمرار. ملفات صفراء تقارير ناقصة بلاغات أغلقت بلا تفسير. كان كثيرون يرون للمرة الأولى بأعينهم كيف صنع الصمت طوال عقود لا بفعل واحد عنيف بل بمئات القرارات الصغيرة الجبانة.

أدخل بعض المعلمين قصة مارينا ضمن دروس التاريخ المحلي. لا بوصفها فضولا بل تحذيرا. تحدثوا عن السياق وعن المسؤولية الجماعية وعن كيف يمكن لمجتمع بأكمله أن يفشل دون أن يكون الجميع مذنبين مباشرة. كان الطلاب ينصتون باهتمام مختلف. لم تعد القصة بعيدة إنها بلدتهم شوارعهم ألقابهم.

لكن لم يكن كل شيء تأملا هادئا. ظهرت مقاومة. بدأت مجموعة صغيرة لكنها صاخبة تتحدث عن انتقامية

وفتح جراح لا داعي لها. ظهرت كتابات مجهولة فجرا على جدار المقبرة كفى أكاذيب دعوا الموتى يرقدون. لم يعلن أحد مسؤوليته لكن الجميع فهم الرسالة الماضي لا يزال يعض.

تلقت كارمن اتصالات مجهولة. لم تكن تهديدات صريحة مجرد صمت طويل عند الرد وأنفاس على الطرف الآخر ثم إغلاق دون كلمة. لم تبلغ. لم ترد أن تعود إلى مخفر مرة أخرى. غيرت رقم الهاتف ومضت لكن كل رنين مفاجئ كان يشد جسدها كما لو أنها عادت قاصرا.

أما لوسيا فقررت ألا تتراجع. بدأت تتعاون مع منظمة حقوقية إقليمية. كانت تسافر إلى بلدات قريبة تشارك في محاضرات وورش ولقاءات. وفي كل مكان كانت تجد قصصا مشابهة أسماء مختلفة آليات متطابقة تقريبا. فهمت أن مارينا ليست استثناء مأساويا بل جزء من نمط أوسع وأكثر إزعاجا.

في أحد اللقاءات اقترب منها رجل بعد النهاية. كان في الستين تقريبا يرتدي ببساطة. قال إنه عاش في سان فيسنتي في السبعينيات ثم غادر بعد اختفاء مارينا بقليل. لم يعد منذ ذلك الحين حتى الآن. لم يرد أن يذكر اسمه كاملا. قال فقط إنه رأى شيئا شيئا لم يجرؤ على قوله. طلب أن يتحدثا على انفراد.

جلسا في مقهى شبه خال. تكلم الرجل بسرعة كأنه يخشى أن يفقد شجاعته. قال إنه في إحدى ليالي 1976 رأى شاحنة بلدية متوقفة قرب بيت مهجور. سمع صراخا. رأى رجلين يدخلان ويخرجان. وتعرف على أحدهما كان مسؤولا ذا نفوذ. لم يذكر الاسم لكن لوسيا عرفت فورا من يقصد. قال إنه غادر البلدة بعد أسابيع ولم يخبر أحدا. حتى الآن.

دونت لوسيا كل شيء وسجلت شهادته بإذنه. كانت تعلم أن ذلك لن يغير كثيرا قانونيا فالأزمنة القضائية مضت والمسؤولون المباشرون ماتوا أو حمتهم التقادمات. لكنها كانت تعلم أيضا أن الحقيقة لا تحتاج دائما إلى محكمة كي تكون حقيقية.

وصلت الشهادة إلى كارمن عبر لوسيا. استمعتا إليها معا بصمت. لم تبك كارمن ولم تصرخ. أغمضت عينيها وأخذت نفسا طويلا. وحين انتهى التسجيل قالت شيئا فاجأ لوسيا الآن نعم.

لم تشرح أكثر. لكن لأول مرة منذ سنوات لم ترتجف نبرتها.

بعد أيام طلبت كارمن أن تتحدث في الإذاعة المحلية. لم توافق سابقا أبدا.

جاءت ومعها دفتر. لم تقرأ كل شيء. قرأت جملا قليلة. تحدثت عن مارينا كابنة لا كضحية. روت حكايات صغيرة ضحكات مشاحنات أحلام. ثم تحدثت عن الصمت وعن كيف يورث الخوف وعن كيف أن كسره مؤلم لكنه شفاء.

تلقى البرنامج عشرات الاتصالات. بعضها داعم وبعضها مزعج. قال رجل إن هذا يكفي. ردت كارمن بهدوء الذي كان كافيا هو الصمت.

ظلت هذه العبارة تتردد في البلدة أسابيع.

أما الأرض التي كان البيت عليها فبقيت خالية. ناقش المجلس ماذا يفعل بها. بعد جدال طويل اتفقوا على أن يكون هناك مكان أخضر وشجرة ولوحة صغيرة كي لا يتكرر الأمر. كان الافتتاح متواضعا كما أرادوا. حضرت كارمن. حضرت لوسيا. جاء رودريغو وطلب الصفح. أمسكت كارمن بيده وقالت إنه لا ذنب عليه وإن مارينا عادت بفضله.

في تلك الليلة كتبت كارمن الرسالة الأخيرة. لا لأنها لم تعد تملك ما تقول بل لأنها شعرت لأول مرة أن الكلام لم يعد يخرج منها وحدها البلدة بدأت أخيرا ترد.

مرت الشهور وبدأ الضجيج الأول يهدأ. توقفت البرامج عن ذكر القضية. رحل الصحفيون. انشغلت الشبكات الاجتماعية بغضب جديد. لكن الصمت الذي عاد لم يكن صمت الأمس لم يعد فراغا مفروضا بل مساحة أصدق. صار كل جار يعرف ما الأسئلة التي بقيت معلقة وإن بلا جواب نهائي.

بدأت كارمن تنام أفضل. ليس كل ليلة لكن بعض الليالي. كانت ترى مارينا في الأحلام بطريقة جديدة لم تعد ضائعة ولا خائفة. في الأحلام كانت جالسة على طاولة المطبخ أو تمشي في شارع بيلغرانو وحقيبتها البنية على كتفها. أحيانا لا تقول شيئا وأحيانا تبتسم. كانت كارمن تستيقظ باكية نعم لكن مع هدوء لم تعرفه من قبل.

واصلت لوسيا عملها. أصدرت كتابا صغيرا يضم شهادات من الإقليم. لم توقعه وحدها أصرت أن يكون عملا جماعيا. في العرض قالت إن الذاكرة ليست خطا مستقيما بل أرضا نعود إليها مرات كثيرة من زوايا مختلفة.

أما الرجل الذي قدم الشهادة المجهولة فلم يظهر مجددا. لم يسمع أحد عنه شيئا. فهمت لوسيا أنه قال كل ما استطاع. أحيانا تكون الشجاعة أن تقول مرة واحدة ثم تمضي.

قررت البلدية بعد نقاشات طويلة إدراج قضية مارينا سانتوس

رسميا في الأرشيف التاريخي المحلي لا كملف شرطة بل كجزء من تاريخ البلدة. أنشئ ركن صغير في المكتبة العامة صور قصاصات صحف وثائق روايات. كل شيء متاح للجميع بلا تهويل ولا إخفاء.

زارت مجموعة من طلاب الثانوية المكتبة ضمن نشاط مدرسي. اقتربت فتاة في الخامسة عشرة من كارمن بعد ذلك بخجل وقالت إنها تريد دراسة الخدمة الاجتماعية وإنها قرأت قصة مارينا ولا تستطيع التوقف عن التفكير فيها. استمعت كارمن باهتمام وشكرتها. وعندما غادرت الفتاة فهمت كارمن شيئا لم تستطع صياغته سابقا الذاكرة لا تعيد ما فقد لكنها تغير ما سيأتي.

حل العام الخمسون على اختفاء مارينا دون مراسم رسمية كبيرة. لم يرد أحد تحويله إلى احتفال فارغ. لكن حدث شيء مسيرة صامتة غير منظمة لكنها وقعت. أناس يخرجون من بيوتهم يلتقون في الشوارع ويسيرون نحو المكان الأخضر. بعضهم يحمل زهورا وبعضهم لا. لم يتحدث أحد. لم تكن هناك حاجة.

تركت كارمن رسالة مطوية عند جذع الشجرة. لم تقرأها بصوت عال. لم تكن للجمهور. كانت لها ولمارينا وللفتاة التي كانتها وللمرأة التي صارتها.

في تلك الليلة حين عادت إلى بيتها فتحت صندوقا أبقته مغلقا عقودا. في داخله كانت الرسائل والصور والأشياء الصغيرة. هذه المرة لم تنظر إليها بعجلة الألم بل ببطء الاعتراف. صار لكل شيء مكانه. لم ترم أي قطعة ولم يخف شيء.

قبل أن تنام أطفأت كارمن الضوء وبقيت تحدق في السقف لحظة. فكرت في الماضي نعم لكنها فكرت أيضا في الغد في الخبز الذي ستشتريه في الاتصال الذي عليها إجراؤه في الحياة التي تستمر لا رغم كل شيء بل وهي محمولة بكل شيء.

لم تصبح سان فيسنتي ديل سور بلدة مثالية. بقيت فيها مشكلات وظلم وخلافات. لكن شيئا أساسيا تغير لم يعد ممكنا أن تتظاهر بأنها لا تعرف. وهذا المعرفة المزعجة المستمرة أصبحت شكلا من أشكال العناية.

لم تكن قصة مارينا ذات نهاية سعيدة لكن كان لها ما بدا مستحيلا طويلا حقيقة مشتركة. وفي تلك الحقيقة الناقصة والمتأخرة وجدت البلدة طريقة لتواصل السير دون أن تتركها خلفها.

لأن هناك أسماء لا تعود لكنها أيضا لا ترحل تماما. تبقى كالجذور تسند ما لا يزال يمكن أن ينمو.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close